المستخلص
هذا المقال عرض موجز لنظرية تواتر القراءات ونقد أدلتها. تتألف القراءة، أو ما يعرف بـ«الخصائص اللغوية والنطقية للفظ المقروء»، من الجانب المتفق عليه غالباً والجانب المختلف فيه قليلاً بين القراء. في هذا البحث، ندرس شروط نسبة القراءة إلى النبي الأكرم ﷺ من خلال إحراز تواترها. يرى الكاتب أن الأدلة التي استند إليها القائلون بالتواتر غير تامة؛ إذ إن هذه الأدلة في نهاية المطاف تثبت وجود قراءة واحدة أو قراءات متعددة حتى عصر النزول، لكنها لا تقدم دليلاً على كونها تقريرية، وعلى فرض كونها تقريرية، فلا دليل على وحيانيتها. وبالطبع، ليس كل اختلاف في القراءة يؤدي بالضرورة إلى تغيير في القرآن، وحتى لو حدث تغيير، فإنه لا يعني التحريف.
المقدمة
يُعدّ القرآن الكريم أوثق وأثمن تراث حي في رسم الخط أو القراءة، ويقف علم القراءة، الذي نشأ لتمييز القراءة المنزلة وخصائصها، على قمة العلوم النقلية. ومن بين القراءات القليلة المختلف فيها، يمكن الجزم بأن غالبية القراءات نشأت فقط بسبب الاختلاف في لهجات العرب، ولا تمسّ بكون القرآن قرآنًا. أما الحالات القليلة المتبقية، فعادةً لا تتجاوز نطاق الألفاظ ولا تُحدث اختلافًا معنويًا كبيرًا. وبناءً على ذلك، يمكن القول بأن القرآن الكريم، ليس فقط في جانبه المعنوي بل في جانبه اللفظي أيضًا – باستثناء حالات نادرة جدًا نشأت لأسباب غير اختلاف اللهجات – متواترٌ بلا شك. بالطبع، ما يُدرس في علم القراءة يشمل الحالات التي نشأت بسبب الاختلاف في اللهجة أو لأسباب أخرى، ولهذا فإن الاعتقاد بعدم تواتر القراءات لا يعني بالضرورة عدم تواتر القرآن. وعلاوة على ذلك، هناك مسافة شاسعة بين الالتزام بعدم تواتر القراءة والقول بالتحريف في هذا الكتاب المقدس. كما أنه، بغض النظر عن إحراز أو عدم إحراز القراءة المنزلة، لا يوجد أدنى شك في اعتبار ومشروعية القراءات المشهورة. هذه القراءات هي نفسها القراءات السبع التي تحظى بدرجة عالية من الشهرة بين القراء. يسعى هذا المقال إلى نقد أدلة تواترها – بالإضافة إلى القراءات الثلاث المتممة لها – بوصفها قراءات منزلة. وقبل الدخول في صلب الموضوع، نود التذكير بضرورة التمييز بين عدة مباحث أساسية وتجنب الخلط بينها: أ) تواتر أو عدم تواتر القراءات؛ ب) تواتر أو عدم تواتر القرآن الكريم؛ ج) اعتبار القراءات الرسمية الموجودة، وهو بحث فقهي؛ د) القول بالتحريف في القرآن الكريم، وهو بحث كلامي. ما نسعى إليه في هذا البحث هو دراسة ونقد تواتر القراءات.
1. دراسة مفهوم المصطلحات
أ) القراءة
القراءة في اللغة تعني تلفظ كلمات مجموعة (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/128)، وقراءة القرآن تعني تلفظ كلماته وآياته. يُستخدم مصطلح القراءة أحيانًا كعلم، وأحيانًا كمصطلح داخل هذا العلم. القراءة، كعلم، تتناول سلسلة من المبادئ والمسائل النظرية حول القراءة والقراء. أما كمصطلح داخل العلم، فقد تأتي في مقابل الرواية والطريق، ويُراد بها الأخبار المنسوبة إلى القراء باتفاق الروايات والطرق (الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1427: 1/26). كما تُطلق أحيانًا على علم كيفية أداء كلمات القرآن واختلاف النطق بها بين القراء المعروفين (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 9؛ القاضي، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، د.ت: 7؛ الجرمي، معجم علوم القرآن، 1422: 221). وتُطلق على الوجوه المختلفة لبيان المقروء الواحد من الزاوية الصوتية، أو الصرفية، أو النحوية المأثورة (طويل، مدخل في علوم القراءات، 1405: 27). وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى عدة نقاط:
أولًا: في نظر علماء القراءة، تندرج أنحاء الأداء في تعريف القراءة. والمقصود بأنحاء الأداء هو تلك الاختلافات التي تظهر على «مستوى الكلام» وتنجم عن كيفية نطق لفظ ما من حيث مخارجه وصفاته، أو عن تفاوت في الوحدات فوق المقطعية للكلام. فالإدغام، والإشمام، والإمالة، والوقف وما شابه ذلك، هي أمور تتعلق بالنبر والسكت، وهي من الوحدات فوق المقطعية للكلام. كما أن التغيير في الحركات (المصوتات) وحتى إبدال الحروف، طالما كان مرتبطًا فقط باختلاف اللهجات، يُعد من مصاديق التفاوت في الأداء (أنحاء الأداء). هذا الرأي يخالف ما ذهب إليه ابن العربي الذي يرى أنها خارج تعريف القراءة (ابن العربي، العواصم من القواصم، د.ت: 364).
ثانيًا: القراءة، بالإضافة إلى «مستوى الكلام»، ترتبط أيضًا بـ«مستوى الجملة». والمقصود بمستوى الجملة هو الطبقة التجريدية من سلسلة الكلام التي يتم الحصول عليها بإلغاء بعض الفروق الصوتية. على سبيل المثال، جملة «حَسُنَ أَمرُهُ» ينطقها كل شخص بطريقة مختلفة (تفاوت في مستوى الكلام)، ولكنها تظل جملة واحدة منطوقة. التغيير في مستوى الجملة يحدث بالحذف والإضافة، والتبديل، والنقل على مستوى الحرف والكلمة.
ثالثًا: معظم الكلمات القرآنية تُقرأ بوجه واحد فقط (مفلح القضاة، مقدمات في علم القراءات، 1422: 50). هذه الكلمات، في رأي الزركشي والزرقاني، تخرج عن مصطلح القراءة، ولكن ابن الجزري والدمياطي يعتبرانها مشمولة بالقراءة (آل إسماعيل، علم القراءات نشأته أطواره أثره في علوم الشريعة، 1421: 28).
رابعًا: نسبة القراءة إلى قارئ معين تعود إلى أنه اختارها وكان أكثر ضبطًا لها وعلمها للآخرين. هذه الإضافة هي إضافة اختيار وملازمة، لا إضافة اختراع واجتهاد (الداني، جامع البيان في القراءات السبع، 1427: 1/129). تواتر القراءة يعني تواتر نقلها عن النبي ﷺ، ولهذا فإن ما يهم في بحث تواتر القراءات هو كل قراءة على حدة، ولا حاجة لإحراز تواتر المجموع أو ما يُعرف باختيار القارئ (الزركشي، البحر المحيط، 1421: 1/376).
ب) التواتر
من جذر «وتر»، ويعني التتابع، عندما يحدث بتراخٍ زمني (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 5/276). وفي الاصطلاح، يُطلق على الخبر عن أمر محسوس يُفيد اليقين بصدقه وعدم إمكان التواطؤ على الكذب بسبب كثرة ناقليه (السيوطي، تدريب الراوي، د.ت: 2/176؛ مجاهد، مفاتيح الأصول، د.ت: 428؛ ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 63). أضاف بعض باحثي القراءات في تعريف القراءة المتواترة قيدين هما: مطابقة رسم المصحف، وقبول التوجيه الأدبي (ابن الجزري، المصدر نفسه، 18؛ مفلح القضاة، المصدر نفسه، 69)، ولا شك أن هذين القيدين من لوازم القراءة المتواترة، وأن الشرط الوحيد للقراءة المتواترة هو تواترها نفسه (القاضي، المصدر نفسه، 7؛ السندي، صفحات في علوم القراءات، 1415: 80).
بطبيعة الحال، كل خبر، بحسب محتواه، ومقتضيات الزمان والمكان، وكيفية النقل، وخصائص الرواة، يتطلب مستويات كمية متفاوتة لإفادة اليقين العرفي، وتحديد عدد معين للمتواتر لا معنى له. وبما أن القرآن الكريم هو السند الأساسي للإسلام والأمة الإسلامية، فإنه يوصف بالمتواتر عندما يكون عدد القراء والرواة الذين ينقلونه أكبر بكثير من العدد الكافي لنقل رواية فقهية. من ناحية أخرى، التواتر عندما يُضاف إلى القراءة، فإنه يُستخدم فقط في خصوص التواتر اللفظي، ويكون التواتر المعنوي الذي يعتقده النراقي (المحدث النوري، سفينة، «چند نکته در باب تواتر»، 1387: 168) عبارة أخرى عن نفي تواتر القراءة.
ج) الشهرة
في اصطلاح علم القراءة، تُطلق الشهرة أحيانًا على التواتر، وأحيانًا على قسيمه (السندي، المصدر نفسه، 20 و 80؛ مفلح القضاة، المصدر نفسه، 76؛ قس: ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 1918). وفي الحالة الأخيرة، تُعد من أقسام القراءة الصحيحة (القراءة التي يتصف رواتها بالعدالة والضبط). كما أن القراءة الصحيحة قسيم للمتواترة والشاذة، وأعم من المشهورة والصحيحة الآحادية. يُطلق ابن الجزري في تعريف الشهرة بالمعنى الأخير على القراءة التي تُنقل نقلًا مستفيضًا وتتلقاها الأئمة بالقبول (المصدر نفسه).
الشهرة ثلاثة أنواع: شهرة روائية، وشهرة اختيار، وشهرة بلادية. النوع الأول يتعلق باشتهار قارئ بقراءة معينة دون أن يختارها الآخرون. وشهرة الاختيار تُطلق على القراءة المقبولة والمستحسنة بين مشاهير القراء، سواء كانت متوافقة مع القراءة الشائعة والمتداولة بين الناس أم لا. أما الشهرة البلادية فتعني القراءة الشائعة بين عامة الناس. والمقصود بالشهرة عند باحثي القراءات هو شهرة الاختيار، وتُعتبر الشهرة البلادية معتبرة إذا كانت مدعومة بشهرة الاختيار، وإلا فقد تتلو فئة من الناس آية بشكل خاطئ تأثرًا بلهجة منطقتهم أو لأي سبب آخر. ومثل هذه القراءة لن تكون معتبرة بمجرد شهرتها.
د) الشذوذ
هذا المصطلح يعني عند مشهور العلماء الخروج عن قراءة الجمهور (المتواترة) (أبو شامة، المرشد الوجيز، 1395: 179؛ السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، 1418: 322). في المقابل، قدم ابن الجزري تقسيمًا ثلاثيًا: متواتر، وصحيح، وشاذ، وفي تعريفه للقراءة الشاذة اشترط مخالفة رسم المصحف (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 1918). وقبله، اعتبر مكي بن أبي طالب القراءة الشاذة هي التي تخالف رسم المصحف أو العربية، أو تُنقل عن غير ثقة، أو لم تبلغ درجة الشهرة (النويري، شرح طيبة النشر، 1424: 1/126). وبناءً على ذلك، يجب اعتبار مكي من أنصار التقسيم الثلاثي، مع فارق أنه يعتبر القراءة غير المشهورة شاذة مطلقًا، بينما يعتبر ابن الجزري القراءة غير المشهورة المطابقة للرسم صحيحة إذا نُقلت عن ثقة.
2. أقسام القراءات
تُقسم القراءة من حيث السند إلى متواترة، ومشهورة، وشاذة؛ ومن حيث تعلقها بالأصل والفرع؛ ومن حيث الحكم إلى جائزة ومحرمة. ومن المواضع التي غُفل عنها، تقسيم القراءة بحسب الجهة إلى منزلة، ومعتبرة، ودارجة، ومدرجة.
القراءة المنزلة: هي القراءة التي تثبت بناءً على دراسات علمية، وهي نفسها القراءة الوحيانية التي تلاها النبي الأكرم ﷺ على أمته. وفي الواقع، هذه هي القراءة التي تشكل موضوع علم القراءة، والتي ينظر إليها مدعو ومنكرو التواتر.
القراءة المعتبرة: هي القراءة التي تثبت بملاك الحجية التعبدية. هذه القراءة، بسبب الإجماع (التوني، الوافية في الأصول، 1415: 148) والرواية الصحيحة عن سالم أبي سلمة،1 هي القراءة التي يقرأ بها الناس في كل زمان ولها صفة رسمية في المجتمع. الشيخ الطوسي، رغم معارضته لتواتر القراءات، يصرح بأن جميع الإمامية مجمعون على جواز القراءات المعروفة بين القراء، ويمتنعون عن تقوية قراءة على أخرى (الطوسي، العدة في أصول الفقه، 1417: 1/7). كما يحكم النراقي بوجوب اتباع القراءة المعتبرة وترك القراءات المروية عن أهل البيت (ع)، لأن حجية القراءة اليوم ثابتة بالإجماع والروايات، والقراءات المنسوبة إلى أهل البيت (ع) خالية من حجة المتابعة (النراقي، مناهج الأحكام والأصول، د.ت: 154). في هذا المقال، المقصود بالقراءة المعتبرة هو هذا النوع من القراءة، لا القراءة المنزلة.
القراءة الدارجة: إذا شبهنا القراءة المعتبرة باللغة المعيارية، فإن القراءة الدارجة أو الشعبية هي اللهجات المحلية. هذه القراءات تكون مصحوبة بلحن ولهجة، والوقاية منها واجبة أو مستحبة. في رواية، قال النبي الأكرم ﷺ لأبيّ وهو يعلمه القرآن: «قوّم لسانه، ثم علمه، فإنك مأجور، الذي أنزله لم يلحن فيه، ولا الذي نزل به، ولا الذي نزل عليه، وإنه قرآن عربي!» (السخاوي، المصدر نفسه، 322).
القراءة المدرجة: القراءة المدرجة أو التفسيرية هي مصطلح له جذور في تعابير علماء القراءة، خلافًا لأقسامها الثلاثة الأخرى (بيلي، الاختلاف بين القرائات، 1408: 110)؛ وهي قراءة تشكلت في البداية بهدف التفسير ثم اعتُبرت خطأً قراءة للصحابة. كثير من القراءات التي هُجرت في عملية توحيد المصاحف هي من هذا القبيل.
3. الخلفية التاريخية للقراءة وفكرة التواتر
يعود تاريخ ظهور القراءة إلى عصر النزول. كان النبي الأكرم ﷺ يتلو آيات القرآن على الناس بأمر إلهي2 ويعلمهم طريقة القراءة الصحيحة. مع انتشار الإسلام، زادت الحاجة إلى القراء ومعلمي القرآن. كانت هذه الرسالة على عاتق تلاميذ مدرسة الإسلام ليسعوا إلى تعليم القرآن. وقد حاولوا، وفقًا لوصية النبي ﷺ (ابن حبان، صحيح ابن حبان، 1414: 3/21)، أن يتلوا القرآن على الآخرين كما تعلموه. وقد سعى رسول الله ﷺ لضمان بقاء القرآن الكريم، إلى جانب تربية القراء والإصرار على كتابة الوحي وتشجيع المسلمين على تعلم القرآن وحفظه وتلاوته (أبو شهبة، المدخل لدراسة القرآن الكريم، 1407: 389-393)، إلى نصب خليفة معصوم من قبل الله؛ لأن الجهود المذكورة، رغم ضرورتها التي لا يمكن إنكارها، لم تكن لتضمن صيانة القراءة من التغيير. فالخط البدائي، ووجود لهجات مختلفة بين العرب، وعدم حصانة الناس من السهو والنسيان، كانت تتطلب إشرافًا إماميًا معصومًا على أمر القراءة. ومع ذلك، خاصة في أواخر فترة البعثة والانتشار المتزايد للإسلام بين الأمم الأمية، تُلِي القرآن بلهجات وقراءات مختلفة، ولم تكن ظاهرة الاختلاف مشكلة يمكن علاجها ببعض التوصيات وإرسال القراء والحفاظ، خاصة وأن ترك العادات كان صعبًا جدًا على العرب (ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، د.ت: 32). لذلك، ورث القرآن بلهجات وألحان مختلفة في العصر النبوي، وسرعان ما ترسخ. ولا شك أن هذه الاختلافات لم تكن تكشف عن قرآنية ووحيانية اللهجات؛ حتى لو أقرها النبي ﷺ ضمنيًا حسب اعتقاد البعض (الفضلي، القراءات القرآنية، د.ت: 96)؛ فربما كان هذا التقرير من باب التسهيل على الأمة، لا الإقرار بوحيانيتها، وإن كان حقيقة الأمر خافية علينا.
بعد وفاة النبي الأكرم ﷺ، استند المسلمون إلى روايات تأمر باتباع معلمي القراءة، فاعتبروا القراءات الشائعة في عهده قراءات رسمية ومقبولة. الشواهد والقرائن تدل على أن هذه القراءات، في البداية، لم تكن تُعتبر قراءات منزلة، وإنما مع مرور الزمن وظهور التفاسير الخاطئة لحديث «سبعة أحرف» تسلل هذا الاعتقاد. على سبيل المثال، رجوع أبي بكر إلى البينتين لا يمكن أن يكون له أي تبرير سوى الاكتفاء بالقراءات المعتبرة (لا المنزلة). كما أن سلوك الصحابة مع مصحف عثمان شاهد آخر على هذا الادعاء. حسب رواية، قال علي (ع) – رغم أنهم كانوا يعتبرون القراءة الصحيحة «طلع» – ردًا على اقتراح تغيير المصحف: «القرآن الكريم لن يتغير بعد الآن» (المقريزي، إمتاع الأسماع، 1420: 4/325). وقال طلحة ردًا على النحويين الذين كانوا يصفون قراءته بالملحونة: «أن أقرأ ملحونًا مثل أصحابي خير من اتباعكم» (الداني، المصدر نفسه، 1/146). وقال ابن مسعود: «وجدت قراءات القراء متشابهة، فاقرؤوا كما علمتم، وتجنبوا الاختلاف والتعمق» (المصدر نفسه، 1/135). أو الشافعي، رغم أنه لم يعتبر البسملة جزءًا من القرآن تأسيسًا بالروايات، إلا أنه كان يقرؤها تقليدًا لقراء مكة. وهذا الأمر، خلافًا لما يعتقده ابن الجزري (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 80)، لا يدل على تواتر القراءات؛ لأنه لا معنى لأن تكون البسملة وحيًا وغير وحي في آن واحد. ووفقًا لشواهد كثيرة، لم يكن كثير من الصحابة وأتباعهم قائلين بتعدد القراءات المنزلة، وهذا بحد ذاته شاهد قوي على التسلل التدريجي لنظرية تعدد القراءات المنزلة بين المسلمين. لم يكن ابن حنبل يستحسن قراءة حمزة ويتبع قراءة نافع، وكان مالك يعتبر قراءة المدينة سنة (المؤلف نفسه، النشر في القراءات العشر، د.ت: 1/112) وكان يخالف قراءات الكوفة الشائعة (الداني، المصدر نفسه، 1/149). أو أمر عثمان بكتابة المصحف على لهجة قريش في حال الاختلاف، لأن القرآن نزل بلغة قريش (البخاري، الجامع الصحيح المختصر، 1407: 4/1908). في الواقع، كان هدف عثمان الرئيسي هو توحيد الرسوم القرآنية المتعددة على رسم واحد، وإزالة القراءات التفسيرية والألحان الكتابية من ساحة القرآن، كما كان هدفه من إرسال القراء تعليم القراءات المعتبرة للناس وإصلاح الأخطاء التي كانت تقع في قراءة العوام.
مع ظهور الرسم العثماني، تم تهميش سائر القراءات المعارضة له باعتبارها قراءات شاذة. في هذه الفترة، بدأ أيضًا التفريق بين القراءات الصحيحة والشاذة (مفلح القضاة، المصدر نفسه، 56). لكن المصحف الواحد جلب معه آفات، منها ظاهرة «النص المحوري» لدى بعض القراء المتأثرين بالمدارس الأدبية. ومع توحيد المصاحف وازدهار علم النحو، فإن سنة التلقي والسماع التي كانت المحور الأساسي للاعتبار والمشروعية في القراءة منذ عهد النبي ﷺ (أبو شهبة، المصدر نفسه، 1407: 393)؛ بدأت تفسح المجال تدريجيًا للنقد الأدبي والاجتهاد في القراءات. لهذا، تصدى أهل البيت (ع) وغيرهم لمواجهة ذلك، وأكدوا على كون القراءة سنة، وضرورة اجتناب البدعة (الداني، المصدر نفسه، 1/132-150؛ الكليني، الكافي، 1365: 2/631 و 5/121) واتباع قراءة الناس (المصدر نفسه، 2/633). التخصص في أمر القراءة وظهور قراء من موالي أهل البيت وملجأهم في قراءة الناس (النويري، المصدر نفسه: 1/112)، كان في هذا السياق. وبالطبع، لم يكونوا معصومين من الخطأ، وإذا تنبهوا لسهوهم وخطئهم، كانوا يصلحونه.
كانت محاولة ابن مجاهد (ت 324 هـ) في تحديد سبعة قراء وأربعة عشر راويًا تهدف إلى تحديد القراءات والروايات. وهو أول من تكلم في ضوابط القراءة المقبولة، وتبعه في ذلك ابن خالويه (ت 370 هـ)، ومكي بن أبي طالب (ت 437 هـ)، وأبو شامة (ت 665 هـ) وغيرهم (آل إسماعيل، المصدر نفسه، 36). ويرى البعض أن فكرة تواتر القراءات لم تطرح وتلقى قبولًا واسعًا من علماء القراءة إلا منذ عهده (حبش، القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني، 1419: 40). وبالطبع، ينسب الشوكاني هذه النظرية إلى الأصوليين (الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، 1419: 1/86-87).
4. الآراء
فيما يتعلق بالقراءات المتداولة، توجد ثلاثة آراء: تواتر الجميع، وعدم التواتر، وتواتر قراءة معينة.
1-4. تواتر القراءات
يرى كثير من العلماء أن التواتر هو المرجع الوحيد لمعرفة القراءة المنزلة، بينما يرى عدد قليل من المفكرين، رغم اعتقادهم بحقانية القراءات، عدم لزوم إحراز التواتر فيها. الخلاف الوحيد بين القائلين بالتواتر هو إلحاق القراءات الثلاث المتممة للسبع بمجموعة القراءات المتواترة، وما إذا كان المراد بتواتر القراءات هو تواتر جميع المرويات المنسوبة إلى الأئمة السبعة أو العشرة، أم أن بين قراءاتهم أيضًا ما هو شاذ. يقول السبكي: البلقيني، وابن عطية، والقرطبي، وأكثر الشافعية من القائلين بتواتر القراءات السبع (النويري، شرح طيبة النشر، 1424: 1/128). ولكن الكثير من العامة نسبوا تواتر العشرة إلى الإجماع (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 25). كما يرى البعض أن تواتر السبع متفق عليه بين جمهور العلماء، وتواتر العشرة متفق عليه بين جمهور القراء (ولد أباه، تاريخ القراءات في المشرق والمغرب، 1422: 23). بين الشيعة، يعتبر الشيخ البهائي تواتر القراءات العشرة هو رأي مشهور الإمامية (القطيفي، رسائل آل طوق القطيفي، 1422: 3/210)، مع توضيح أن مراده بالتواتر هو التواتر حتى عصر الأئمة المعصومين (ع). ويذكر الشهيد الثاني: تواتر السبع محل إجماع الإمامية، والمشهور بين المتأخرين أنهم اعتبروا القراءات الثلاث الأخرى متواترة أيضًا (الشهيد الثاني، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، 1402: 264). كما اعتبر الشيرازي والميرزا القمي تواتر السبع هو رأي مشهور الشيعة (الشيرازي، تقريرات الشيرازي، 1409: 1/161؛ الميرزا القمي، قوانين الأصول، 1378: 1/406). وقد قبل المخالفون القراءات الثلاث على أنها صحيحة، وحكموا أحيانًا بشذوذها (الزرقاني، مناهل العرفان، د.ت: 1/440). ويعتقد الموافقون أن أسانيد هذه القراءات كثيرة جدًا، ولا توجد إلا في حالات جزئية في قراءات الأئمة السبعة (مفلح القضاة، المصدر نفسه، 224).
ولكن، هل المراد بتواتر السبع أو العشر هو تواتر جميع القراءات المنسوبة إلى القراء؟ في هذا الصدد، طُرحت ثلاثة آراء:
أ) تواتر جميع القراءات: طرح هذا الرأي ابن كثير (الجزائري، التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن، 1412: 143-144)، ونسبه الشوكاني إلى بعض الأصوليين، وبرّأ ساحة علماء القراءة منه (الشوكاني، المصدر نفسه، 87-88). ومن بين الشيعة، اعتقد بهذه النظرية العلامة الحلي، وابن فهد، والمحقق، والشهيد الثاني، والحر العاملي (مجاهد، المصدر نفسه، 322).
ب) تواتر القراءات في الفرشيات: اعتبر ابن الحاجب وأتباعه، دون ذكر دليل على مدعاهم، أصول القراءات مثل المد، والإمالة، وتخفيف الهمزة، وما شابه ذلك، غير متواترة (الأصفهاني، بيان المختصر، 462؛ النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، 1411: 1/23؛ ابن اللحام، المختصر في أصول الفقه، د.ت: 172؛ البهائي، المختصر في أصول الفقه، د.ت: 86). يكتب نجم الدين الرضي: غالب العلماء يعتبرون القراءات المتعلقة بجوهر اللفظ، والتي توجب تغيير رسم المصحف ومعناه، متواترة، ولا يعتبرون القراءات المتعلقة بكيفية أداء الألفاظ متواترة؛ لأن القرآن اسم للكلام، وصفات ألفاظ الكلام ليست منه (الميرزا القمي، المصدر نفسه، 1378: 1/406).
ج) تواتر غالب القراءات: باستثناء الحالات التي تخالف رسم المصحف أو وجوه العربية (الجزائري، المصدر نفسه، 144-145)، أو التي لم تُذكر إلا في كتب قليلة (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 21). ظاهر كلام كل من اشترط، إلى جانب التواتر، مطابقة رسم المصحف والعربية، هو هذا الرأي. كما أن الشهيد الثاني يتبنى هذا الرأي (الشهيد الثاني، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، 1420: 530).
2-4. تواتر قراءة واحدة
طرح هذا الرأي جماعة من علماء الشيعة المعاصرين. برأيهم، كانت القراءة الشائعة بين المسلمين دائمًا قراءة واحدة، تُعرف باسم قراءة عاصم برواية حفص، ونسبتها إلى عاصم كانت بسبب محافظته على قراءة الناس (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، 2/221؛ البلاغي، آلاء الرحمن، 1420: 1/29-30). هذه القراءة الشائعة هي نسخة من المصاحف، والقراءات الأخرى هي اجتهادات من القراء (السبحاني، مصادر الفقه الإسلامي، 1419: 37). استثنى الطيب فقط القراءات المتعلقة بالتفاوت في الأداء (أنحاء الأداء)، واشترطها بمطابقة العرف وتوافر شروط الخبرة من جانب القارئ (الطيب، أطيب البيان، 1/32).
3-4. عدم تواتر القراءات
في مقابل الرأيين الأولين، قال جماعة من علماء السنة والشيعة بعدم تواتر القراءات. كما يعتقد البعض بانسداد طريق العلم بالقراءة المنزلة، وفريق آخر لا يشترط التواتر لإحراز القراءة المنزلة، ويحاولون إثباتها من خلال الشهرة أو صحة السند. لهذا الرأي سابقة تاريخية طويلة؛ فقد خالف ابن حنبل وأبو بكر بن عياش وبشر بن الحارث تواتر القراءات، على الأقل في جانب الأداء (ابن قدامة، الشرح الكبير على متن المقنع، د.ت: 1/535-534). كما نقد الرازي صراحةً تواتر القراءات (الرازي، مفاتيح الغيب، 1420: 1/70). ونُسب هذا الرأي إلى المعتزلة (قابة، القراءات القرآنية تاريخها ثبوتها، 1999: 179)، ومن علماء الشيعة، قبله الشيخ الطوسي، وجمال الدين الخوانساري، والجزائري، والبحراني (مجاهد، المصدر نفسه، 322).
كما أنكر التواتر أبو شامة، والزركشي، والشوكاني، والزرقاني، مع فارق أنهم لم يوقفوا حقانية القراءات على ثبوت تواترها. يفصل أبو شامة بحث التواتر إلى مرحلة ما قبل أئمة القراءة وما بعدها، فيرى إمكانية التواتر من عصر أئمة القراءة فصاعدًا، ولا يقبله قبل ذلك إلا في حالات نادرة جدًا؛ وهو يشترط لثبوت القراءة المنزلة اتفاق الطرق على نسبة القراءة إلى الإمام واستفاضتها (أبو شامة، المصدر نفسه، 177). والزركشي، رغم أنه يقبل تواتر القراءات حتى عصر أئمة القراءة فقط (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1376: 1/319)، إلا أنه يقبل قرآنيتها استنادًا إلى مبدأ عصمة إجماع الأمة من الخطأ (الزركشي، البحر المحيط، 1421: 1/377). وكذلك الشوكاني، يعتبر القراءات المطابقة للرسم والعربية قراءة قرآنية (الشوكاني، المصدر نفسه، 1/88)، والزرقاني يرى هذه المطابقة قرينة قطعية على حقانيتها (الزرقاني، المصدر نفسه، 1/427).
5. المسارات السندية لإثبات القراءة المنزلة
إن أهم سبيل لإحراز القراءة المنزلة هو دراسة الأسانيد المتبقية (آل إسماعيل، المصدر نفسه، 36). وبما أن القراءة، خلافًا لسائر العلوم النقلية، تتعلق بـ«مستوى الكلام»، فإن أسانيدها ليست سوى أمانة لنقل القراءات المأثورة عن طريق المشافهة (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 9). وبعبارة أخرى، القراءات تتعلق بالصوت والأصوات، وسائر العلوم النقلية تتعلق بالمعاني (القضايا)، دون أن يكون هناك خصوصية في جانب «الكلام» أو «الجملة».
1-5. نزعة التواتر
أناط معظم العلماء إحراز القراءة المنزلة بإثبات التواتر (النووي، المجموع شرح المهذب، د.ت: 3/392؛ طويل، المصدر نفسه، 49). وذهب البعض أبعد من ذلك، فقالوا إن القرآن، لتوفر دواعي نقله، يجب بالضرورة أن يكون متواترًا، وإذا لم تكن قراءة ما متواترة، فهي بالضرورة ليست قراءة قرآنية (الشوكاني، المصدر نفسه، 1/86). لا شك أن شرط الخبر المتواتر هو حصول اليقين العرفي بعدم إمكان تسرب الكذب والخطأ إلى الخبر، من خلال النظر في جانبه الكمي؛ سواء حصل هذا اليقين من ملاحظة الطرق الروائية أو من أي قرينة أخرى تكشف عن شيوع الخبر وانتشاره في مراحل زمنية. لهذا، وخلافًا لما يظنه أمثال ابن العربي وأبي شامة من أن عدم الوصول إلى السند يعني عدم التواتر (الزركشي، البحر المحيط، 1421: 1/378؛ أبو شامة، المصدر نفسه، 178)، يذكر ابن الجزري أن الأسانيد المتبقية ليست سوى جزء من الشواهد المتضافرة على تواتر القراءات، وأن القرآن الكريم كان دائمًا مصحوبًا باهتمام عامة الناس لتعلم كيفية قراءته الصحيحة (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 79). وعلاوة على ذلك، كما يذكر أبو شامة، لا شك في ثبوت التواتر السندي حتى أئمة القراءة؛ حيث ينقل المغربي قراءة البصرة بـ 512 طريقًا، وقراءة المدينة بـ 300 طريق، وقراءة أهل مكة بـ 89 طريقًا، وقراءة الشام بـ 97 طريقًا، وقراءات الكوفة بـ 5459 طريقًا (المغربي، الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها، 1428: 267 و 215 و 231 و 243 و 307). إنما الكلام في ثبوت التواتر السندي أو ما فوق السندي من عصر أئمة القراءة حتى عصر النبي الأكرم ﷺ (الميرزا القمي، المصدر نفسه، 1/406)؛ لا تواتر الترخيص من الأئمة كما نسبه البهائي إلى الشيعة (التبريزي، أوثق الوسائل، 1369: 84).
في نقد نظرية التواتر، لا شك أن التواتر هو أهم سبيل لإحراز القراءة المنزلة، ولكن التواتر المقبول هو الذي يتصل أولًا بعصر النبي الأكرم ﷺ، وثانيًا يكشف عن قراءة النبي. والحال أن التواتر المدعى، على فرض إحراز الشرط الأول، عاجز عن إثبات الشرط الثاني. النقطة هنا هي أنه على فرض عدم إحراز القراءة المتواترة، ليس الطريق مغلقًا أمام كشف القراءة المنزلة، بل يمكن الاستفادة من مسارات أخرى نشير إليها أدناه.
2-5. الاكتفاء بالشهرة
يعتقد بعض القائلين أو المنكرين لتواتر القراءات بعدم لزوم إحراز التواتر للوصول إلى القراءة المنزلة. برأيهم، الشهرة والاستفاضة في القراءة كافية لإحراز قرآنيتها. ومن بين أنصار هذا الرأي مكي، وأبو شامة، وابن الجزري، والسيوطي، والزرقاني، والشوكاني (مكي، الإبانة عن معاني القراءات، د.ت: 51؛ أبو شامة، المصدر نفسه، 171؛ ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، د.ت: 1/13؛ ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 1918؛ السيوطي، الإتقان، 1395: 1/258؛ الشوكاني، المصدر نفسه، 1/88؛ الزرقاني، المصدر نفسه، 1/427)؛ مع فارق أن أبا شامة يضيف، بالإضافة إلى الشهرة، قيد عدم الاختلاف والنكير، ويقبل القراءة المتفق عليها بين الطرق عن إمام القراءة. أما ابن الجزري فيكتفي بصحة السند والمطابقة للرسم والعربية إلى جانب الشهرة الكافية، وبهذا يعتبر جميع القراءات المنسوبة إلى القراء العشرة قراءة منزلة (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 21). الدليل الرئيسي لابن الجزري هو مبدأ حديثي يعتبر الأخبار المتلقاة بالقبول حجة، وهو ينسب هذا المبدأ نقلاً عن ابن تيمية إلى أهل الحديث وجميع السلف (المصدر نفسه).
في نقد رأي ابن الجزري، يجب الانتباه إلى أن مقارنة القرآن الكريم بالحديث غير تامة. لا شك أن الحساسية الموجودة في القرآن الكريم لا تُرى في الحديث، وتحصيل اليقين بالقراءة القرآنية أصعب بكثير من الحديث. ثانيًا، الموضوع المهم في الخبر المتلقى بالقبول هو حجيته التعبدية لا اليقين بصدوره؛ لأن الحجية الذاتية للخبر منوطة بمقادير كمية سندية أو بخصائص كيفية محتوائية. نعم، في حالة وجود قراءة مشهورة واحدة فقط مقابل قراءة شاذة، يمكن اعتبار عدم نقل القراءة الأخرى قرينة على قرآنية القراءة المشهورة؛ لأن الأمة الإسلامية لا تترك أبدًا قراءة قرآنية لتختار قراءة غير قرآنية (السخاوي، المصدر نفسه، 325).
6. دراسة أدلة تواتر القراءة الواحدة
تتألف نظرية تواتر القراءة الواحدة من أربعة ادعاءات: وجود قراءة متواترة، تشخصها في قراءة الناس، تطابق رواية حفص عن عاصم مع قراءة الناس، وعدم تواتر سائر القراءات المتداولة. قدم أصحاب هذه النظرية أدلة على مدعاهم، بعضها يغطي ادعاءً واحدًا فقط وبعضها يغطي ادعاءين أو أكثر. فيما يلي، ندرس أهم أدلتهم.
1-6. الثبوت التاريخي لقراءة الناس
قراءة الناس تعبير روائي استند إليه مدعو تواتر القراءة الواحدة (انظر: الطيب، أطيب البيان، 1/30؛ معرفت، المصدر نفسه، 2/144 و 164). يستنتج آية الله معرفت، بالإشارة إلى رواية زرارة التي تصرح بنزول القرآن على حرف واحد، ومقارنتها برواية سالم، أن قراءة الناس هي نفسها القراءة الواحدة الوحيانية.
في نقد هذا الرأي، يجب أن نعلم أولاً أن روايتي زرارة وسالم خبر واحد قاصرتان عن إثبات وحدة القراءات القرآنية، وموضوع حجية القراءات غير حقانيتها. بالإضافة إلى ذلك، في رواية زرارة، استُخدم تعبير «إن القرآن واحد» لا «إن القراءة واحدة»، والفرق بين هذين التعبيرين، بالنظر إلى الفرق بين القرآن والقراءة، جدير بالتأمل. ومن المثير للاهتمام أن القائلين بتواتر القراءات استندوا أيضًا إلى رواية سالم (القطيفي، المصدر نفسه، 3/209).
ثانيًا، تأمر رواية سالم باتباع قراءة الناس، وقراءة الناس في عصر الأئمة المعصومين (ع) كانت متعددة؛ ولهذا يعتبر منكرو تواتر القراءات هذه الرواية شاهدًا على اعتبار القراءات السبع أو العشر.
ثالثًا، يظهر من رواية سالم، بقرينة ذيلها، أن الأمر باتباع قراءة الناس ليس بسبب حقانيتها، بل لضرورة مسايرة ومرافقة العامة وتجنب الخلاف والشقاق بين المسلمين؛ ولهذا فإن الرواية تقر القراءات المعتبرة لا المنزلة.
رابعًا، لا شك أن مراد المعصوم من قراءة الناس لم يكن القراءات الملحونة والمليئة بالأخطاء الشائعة بين عوام الناس؛ ومن ناحية أخرى، كانت السيرة المستمرة منذ عهد النبي الأكرم ﷺ حتى زماننا الحاضر هي رجوع الناس إلى القراء وتلقي القراءة شفاهًا من الأساتذة، ولا يمكن اعتبار قراءة الناس مستقلة عن القراء، أو اعتبار القراء أقلية منعزلة في المجتمع تعمل باجتهاداتها الشخصية.
2-6. اتفاق المصاحف على قراءة واحدة
من الأدلة الأخرى على ثبوت تواتر القراءة الواحدة، وجود رسم خط واحد في جميع المصاحف (البلاغي، المصدر نفسه، 1/29؛ الطيب، المصدر نفسه، 1/32). يكتب آية الله معرفت، مستندًا إلى كلام المحقق الخوانساري: «القراءة الحالية كانت شائعة باستمرار بين المسلمين، وكان سواد المصحف يُكتب على أساسها، وتُضاف سائر القراءات بألوان أخرى» (معرفت، المصدر نفسه، 2/244).
عدم تمام هذا الدليل يتضح أيضًا بالرجوع إلى التاريخ. تُرى شواهد متعددة على وجود قراءات مختلفة في مصاحف البلدان. حسب تقرير الطبرسي، في جميع مصاحف الشام، جاءت الآية 184 من آل عمران مطابقة لقراءة ابن عامر «جاؤوا بالبينات وبالزبر» (الطبرسي، مجمع البيان، 1372: 2/900). ومثال آخر هو قراءة «ولدار الآخرة: الأنعام، 32» بلام واحدة، و«أشد منكم: غافر، 21» بدل «منهم» (ابن عطية، المحرر الوجيز، 1422: 2/285 و 4/553)، و«تأمرونني: الزمر، 64» بدل «تأمروني»، و«بما كسبت: الشورى، 30» بحذف الفاء (الرازي، مفاتيح الغيب، 1420: 27/471 و 600)، والتي شوهدت في مصاحف الشام ومطابقة لقراءة ابن عامر. ومثل هذه الاختلافات تُرى في مصاحف المدينة في كتابة «الذين اتخذوا: التوبة، 107» بدون واو، و«فإن الله هو: الحديد، 24» بدون «هو»، و«سلاسلا» مطابقة لقراءة نافع (أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 5/503 و 10/112 و 360). كما دوّن علماء مثل ابن عامر، والكسائي، والفراء، وخلف بن هشام، والمدائني، وأبو حاتم السجستاني، ومحمد بن عيسى الأصفهاني، وابن أشته، والوراق كتبًا كثيرة في اختلاف مصاحف البلدان (الآبياري، الموسوعة القرآنية، 1405: 1/356).
كما تشير الشواهد التاريخية إلى شيوع أنواع مختلفة من القراءات حتى القرن الخامس الهجري في بلاد الإسلام. كان أهل مصر يقرؤون قراءة ورش عن نافع (مفلح القضاة، المصدر نفسه، 63)، وأهل البصرة خلال قرنين كانوا يقرؤون قراءة أبي عمرو ويعقوب، ثم قراءة يعقوب. وكان أهل الشام يقرؤون قراءة ابن عامر (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1351: 1/292)، حتى القرن الخامس الهجري حيث شاعت قراءة أبي عمرو في كثير من بلاد الإسلام من البصرة والشام والحجاز إلى اليمن ومصر، واستمرت لقرون. يقول ابن الجزري، وهو من أعلام القرن التاسع، بعد ذكر العبارة السابقة، صراحةً إن القراءة الحالية في هذه البلدان هي قراءة أبي عمرو البصري، ولا يقرأ أحد القرآن، خاصة في الفرش، إلا على قراءة أبي عمرو (المصدر نفسه، 1/292). وحسب تقرير حبش، توجد اليوم أيضًا مصاحف مكتوبة بقراءة أبي عمرو في مساجد الشام (حبش، المصدر نفسه، 104-105). ومع غلبة العثمانيين، انتشرت قراءة عاصم، التي كانت القراءة المختارة لأبي حنيفة، في مناطق نفوذهم بشكل أكبر. وفي أواخر القرن الثالث عشر، مع ظهور أول قرآن مطبوع في تركيا ثم مصر، انتشرت هذه القراءة أكثر فأكثر في العالم الإسلامي (مفلح القضاة، المصدر نفسه، 63). ومع ذلك، لا يزال جزء من البلدان التي كانت خارج نفوذ الإمبراطورية العثمانية متمسكًا بقراءته التقليدية.
تعبير «سواد المصحف» يعني الرسم العثماني الذي كُتب بالحبر الأسود (الدوسري، مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات، 1429: 73)، وفي تعابير الطيب ومعرفت استُخدم خطأً بمعنى أعم يشمل الرسم والإعراب والإعجام. والحال أنه بإقرار الجميع، تم التنقيط والتشكيل بعد سنوات من كتابة المصاحف وتوحيدها. وبخصوص الاستشهاد بكلام الخوانساري، يجب القول إنه هو نفسه من القائلين بتواتر القراءات السبع وحقانيتها (الخوانساري، روضات الجنات، د.ت: 3/254)، ومراده هو طريقة كتابة المصاحف في عصره، أي أواخر القرن الثالث عشر. يكتب: «فإذن الأحوط الاقتصار على القراءات السبع المشهورة، بل على قراءة عاصم برواية البكر كما نقل عن العلامة، أو برواية حفص كما هي المتداولة في هذه الأعصار، فإن سواد المصاحف يكتب عليها…» (المصدر نفسه، 3/255-256).
7. دراسة أدلة تواتر القراءات
يشمل رأي تواتر القراءات ادعاء وجود قراءة متواترة وتعددها. بعض أدلة هذا الرأي لا تنظر إلا إلى تعدد قراءات القرآن وهي خارجة عن البحث. وبعضها الآخر لا يتمتع بقدر كبير من الإتقان؛ مثل ادعاء الإجماع الذي يُرى في كلمات الخاصة والعامة (مجاهد، مفاتيح الأصول، د.ت: 322؛ قابة، القراءات القرآنية، 1999: 187). ويجدر بالذكر أن الكاتب ليس بصدد إنكار تعدد القراءات المنزلة، وما قيل أو سيقال يهدف إلى نقد الجزم بالالتزام بالقراءات المنزلة؛ لأن أدلة إثبات وحدة القراءة المنزلة لا تعدو كونها بعض روايات الآحاد أو شواهد ظنية.
1-7. اهتمام المسلمين المستمر بحفظ القرآن
من أدلة القائلين بتواتر القراءات، توفر الدواعي على صيانة قراءة القرآن المنزلة، والاهتمام العملي للمسلمين بقراءة القرآن المنزلة. هذا الدليل، إلى جانب حقيقة شيوع أكثر من قراءة في المجتمع الإسلامي، يثبت كون القراءات منزلة؛ وهو مستند إليه من قبل الفريقين. يستدل الشيخ البهائي على تواتر القراءات بتوفر دواعي النقل (البهائي، المصدر نفسه، 86)، ويصرح السخاوي بوجود إجماع الأمة على التأسي بالقراءات المنزلة واجتناب الاجتهاد في القراءة (السخاوي، المصدر نفسه، 328). صيانة القرآن بوصفه مصدر التشريع، والحفاظ على أبعاده الإعجازية، والتعبد بتلاوته، والتبرك بهذا الكتاب المقدس (الزرقاني، المصدر نفسه، 1/475)، ليست سوى جزء من علل اهتمام المسلمين بقراءة القرآن المنزلة.
يقودنا البحث والتحقيق إلى الإقرار بأنه لا شك في اهتمام المسلمين بحفظ القرآن الكريم وقراءته، كما لا شك في مرجعية القراء. كان للقراء دور ملهم وحاسم في بلادهم. لم يكن معيارهم في اختيار القراءات مجرد صحة الأسانيد أو المطابقة للعربية والرسم؛ بل كان أهم معيار هو مطابقتها للقراءة الموروثة عن مشايخ القراءة والتي اعتاد عليها أهل كل بلد. في الواقع، كان هناك نوع من التناغم بين القراءة المعيارية في كل مدينة وقراءة مجتمع القراء في تلك المدينة، وكان الناس يرجعون إلى قرائهم لتلقي القراءة المعيارية لمدينتهم وتجنب اللحن والخطأ، وكان القراء المخالفون للقراءة المعيارية يواجهون العزلة والطرد من المجتمع. الكلام فقط في مدى كشف هذا الاهتمام عن قراءة القرآن المنزلة. أولاً، يجب الانتباه إلى أن توفر الدواعي نحو كيفية الأداء لم يكن محرزًا، على الأقل في عصر الرسالة. وبتعبير الآقا جمال الخوانساري، الدواعي المتوفرة كانت فقط في المادة والصورة والأمور التي يتوقف عليها التحدي، والتي يتأثر بها الفصاحة والبلاغة بالتغيير، أما التغييرات في مستوى كيفية الأداء التي تتأثر فقط باختلاف اللهجات، فلم تكن محل اهتمام المسلمين (مجاهد، المصدر نفسه، 323-324). هذا الرأي، رغم مناقشة مجاهد له (المصدر نفسه، 323)، مقبول في غالبيته.
ثانيًا، لم يكن القراء أيضًا مبرئين من الخطأ والاشتباه في اختيار القراءة الملحونة أو عدم ضبط قراءة المشايخ (ابن مجاهد، مفاتيح الأصول، د.ت: 45)، وهذه الحالات، وإن كانت قليلة، كانت تتسرب بين الأمة. حادثة اقتداء هارون الرشيد بالكسائي وعدم اعتراضه على قراءته الخاطئة تظهر مدى الثقة العالية للمجتمع في قرائهم (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 11).
ثالثًا، على الرغم من أن الهيكل العام للقراءات، خاصة فيما تأثر بلهجات الحجاز، قد بقي من عصر النبي الأكرم ﷺ، إلا أن هذا الأمر وحده لا يدل على حقانية تلك القراءة. يعتقد محققو أهل السنة أن هذه القراءات منسوبة إلى النبي الأكرم ﷺ إما تلاوةً أو تقريرًا (السندي، المصدر نفسه، 10)، والحال أن ثبوت تلاوة النبي غير محرز أساسًا، وتقريريتها لا تُستفاد من مجرد شيوعها. وعلى فرض تقريريتها، فليس لكونها منزلة، بل لمماشاة العرب بسبب عجزهم عن ترك لهجتهم.
2-7. عدم إمكان التفريق بين تواتر القرآن والقراءات
أحد أسباب وجود القراءة المتواترة هو ثبوت تواتر القرآن وعدم إمكان التفريق بين القرآن وقراءته، وبما أنه تم تسجيل أكثر من قراءة، فإن تواتر القرآن سيعني تواتر جميع تلك القراءات (مكي، المصدر نفسه، 42؛ ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1420: 80؛ مجاهد، المصدر نفسه، 322).
للبحث في هذا، يجب أولاً تبيين المراد من القرآن وارتباطه بالقراءات، وتحديد بأي تعريف يكون القرآن الكريم متواترًا وملازمًا لتواتر القراءات. فيما يلي، نتناول هذا التبيين:
أ) الصورة المرسومة في المصحف: يبدو أن هذا هو مراد المستدلين بتواتر القرآن (مكي، المصدر نفسه، 42). برأيهم، الاتفاق على الرسم دون الاتفاق على القراءة لا معنى له؛ لأن الرسم تابع للقراءة، ويحدث بسبب الاتفاق على طريقة القراءة الصحيحة.
في مقام البحث، يثبت هذا الدليل فقط تطابق القراءة المنزلة مع رسم المصحف وعدم قرآنية القراءات المخالفة للرسم؛ أما تشخيص القراءة المنزلة فهو خارج عن قدرة هذا الدليل. وعلاوة على ذلك، تشير التقارير التاريخية إلى تسرب اللحن والاختلاف إلى المصاحف (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423: 227-228). لهذا السبب، أكد الأئمة الأطهار (ع) والصحابة والعلماء الكبار على كون القراءة سنة وضرورة تلقيها شفاهًا من الأساتذة والمشايخ. والعلماء الذين اشترطوا مطابقة رسم المصحف كشرط للقراءة المتواترة، مع التنبه لوجود بعض المخالفات بين القراءات المتواترة ورسم المصحف، فسروا المراد من التطابق بالتطابق الاحتمالي الذي لا يُعتبر فيه الإبدال والإدغام وحتى حذف بعض الحروف مخالفة (ولد أباه، المصدر نفسه، 29). القراءة تثبت أساسًا من خلال الاعتماد على المشايخ والسماع منهم، وتعليلها بوحدة الرسم خطأ.
ب) الحقيقة النازلة بقصد البيان والإعجاز: هذا تعبير يظهر في كلمات الزركشي (الزركشي، البحر المحيط، 1376: 1/318)، وبناءً عليه، فإن التغييرات في كيفية الحروف أو طريقة النطق بها التي لا تخل ببيانية القرآن أو إعجازه، لا تؤدي إلى تغيير في القرآن. وبناءً على هذا المبدأ، لا يوجد تلازم بين تواتر القرآن والقراءات؛ لأنه في هذه الحالة، القراءات ما دامت لا تخل ببيان القرآن وإعجازه، فهي «قراءة قرآن»، وإن لم تكن «قراءة قرآنية»، أي أن القرآن لم ينزل بها.
ج) اسم للمادة والصورة: يرى مدعو هذا الرأي أن القرآن اسم للشيء الذي توفرت دواعي مختلفة على نقله؛ ولهذا فإن مادة الألفاظ وصورتها جزء من القرآن، أما الاختلاف في كيفية الأداء وما شابهه، فليس جزءًا من القرآن ولا يحتاج إلى تواتر. وقد اختار هذا الرأي ابن الحاجب، ورضي الدين، وجمال الخوانساري (النويري، المصدر نفسه، 1/118؛ مجاهد، المصدر نفسه، 323). وصاحب الجواهر أيضًا، ضمن بحثه عن مراعاة الإدغام وما شابه، يرى أن المراد من القرآن هو الإعراب والبناء وبنية الكلمات، ويعتبر قراءة الناس منصرفة عن مراعاة هيئة النطق (النجفي، جواهر الكلام، 1404: 9/293). وهذا الرأي أيضًا قاصر عن إثبات تواتر القراءات، وينطبق عليه النقد السابق.
د) اسم لمستوى الكلام: طرح هذا الرأي بعض المعاصرين، واعتبروا القرآن والقراءات بمعنى واحد (البلاغي، المصدر نفسه، 1/30؛ محيسن، القراءات وأثرها في علوم العربية، 1/10-11). بناءً على ذلك، وإن كان تواتر القرآن بمعنى تواتر القراءة، فإن تواتر القرآن في هذا المستوى الأول من الكلام ثابت. وعلاوة على ذلك، باستثناء الحالات المتعلقة بالتغييرات اللغوية أو عروبة اللسان والتي لا تتوافق مع نزول القرآن بلسان عربي مبين، لا يوجد دليل على اعتبار سائر الخصائص الكلامية في صحة تسمية القرآن كلام الله. لهذا، إذا كان شخص غير قادر على مراعاة هذه الأمور، فإنه لا يزال يُعتبر قارئًا للقرآن. لنفترض أن شخصًا في مقام حكاية كلام غيره، استخدم كلمة «تُرُش» بدلاً من «تُرْش»، أو نطقها بلهجة أصفهانية، فهل غيّر في الكلام؟ بهذا الترتيب، فإن معظم الاختلاف في أصول القراءة، وجزء كبير من اختلافات الفرش، لا يُحدث تغييرًا في القرآن الكريم.
3-7. اقتضاء سندية القرآن وعصمته وإتمام الحجة به
اعتبر أنصار وحدة وتعدد القراءات، في إثبات مدعاهم، عدم التواتر بمثابة تسرب التحريف إلى القرآن. حيث يرى آية الله مكارم أن اختلاف القراءات المغير للمعنى، مع فرض عدم وجود قراءة متواترة، يعني عدم حفظ القرآن من عبث التحريف (مكارم، أنوار الأصول، د.ت: 2/349).
هذا الدليل أيضًا غير كافٍ؛ سواء استند اقتضاء عصمة القرآن من التحريف أو عدم التواتر إلى سنديته أو إتمام الحجة به في تعارض؛ لأن إتمام الحجة بالقرآن، مثله مثل الحديث، يقوم على مبدأ حجة الواصل لا حجة الصادر؛ وسندية القرآن الكريم تُعتبر ثابتة بالنظر إلى التواتر المعنوي لهذا الكتاب السماوي. وإعجاز القرآن البياني أيضًا يتمحور حول السورة، والاختلافات الجزئية في القراءة لا تخل به. وعلاوة على ذلك، فإن أفصحية كيفية أداء الكلمة متغيرة ونسيبة إلى حد ما وتابعة للعادات اللغوية. الموضوع الوحيد المتبقي هو بحث عصمة القرآن الكريم من التحريف. وفي الرد على هذا التنافي، يجب مراعاة عدة أمور مهمة:
أ) نفي تواتر القراءات لا يعني نفي نزول القرآن بأكثر من وجه، بل يعني عدم إمكانية الاستدلال عليه.
ب) على فرض نزول القرآن بوجه واحد، فإن القراءات المختلفة لا تستلزم بالضرورة تغييرًا في القرآن الكريم.
ج) ليس كل تغيير يعني التحريف؛ لأنه أولاً قد تكون التغييرات تقريرية، ومع وجودها ينتفي احتمال التحريف. في هذا السياق، يقول آية الله جوادي:
على فرض التسليم بأن القرآن نزل بطريقة واحدة، لكن النقطة هي أن إجازة قراءته بعدة طرق أخرى صدرت أيضًا من قبل الله، ولهذا فإن جميع تلك القراءات المأثورة والمجازة هي بوحي (جوادي، منزلت عقل در هندسه معرفت دینی، 1386: 4948).
ثانيًا، على فرض عدم تقريرية القراءات أو كون التقريرات الصادرة حالة خاصة، خاصة فيما يتعلق بالقراءات ذات التأثيرات المعنوية، يجب القول إن أي تغيير لا يعني بالضرورة التحريف؛ لأن التحريف يعني تغييرًا يُخفى به حقيقة ويُظهر خلافها، والحال أنه في حالات اختلاف القراءة، في النهاية، حقيقة الأمر ليست واضحة، ونحن لا نعرف أي قراءة تتمتع بالحقانية.
الخاتمة
1. القرآن اسم للصورة اللغوية، والقراءة اسم للصورة الكلامية، ورسم المصحف اسم للصورة الكتابية للوحي الإلهي؛ ولهذا فإن البحث في تواتر القراءة مستقل عن تواتر الرسم والقرآن. وبالتالي، فإن حدوث تغيير في مستوى القراءة لا يعني بالضرورة تغييرًا في القرآن أو الرسم.
2. على الرغم من عدم وجود شك في شهرة القراءات الشائعة، إلا أن أهم سبيل لإثبات القراءة المنزلة هو التواتر، والشهرة تُستخدم لإثبات القراءة المنزلة فقط عندما تكون هناك قراءة مشهورة واحدة مقابل قراءة شاذة.
3. جميع الأدلة المذكورة في إثبات تواتر القراءة أو القراءات غير تامة. على الرغم من أن القراءات المعتبرة في هيكلها العام لها جذور في عصر المعصوم، إلا أنه لا يوجد دليل على حقانيتها. وإن كانت الشواهد والقرائن تشير إلى ثبوت قراءة منزلة واحدة فقط.
الهوامش
1. محمدُ بنُ يَحْيَى عَن محمد بن الحسين عن عبد الرحمن بن أبي هاشـم عـن ســالـم بــن سَلَمَةَ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبي عبد الله (ع) و أنا أستمع حروفاً من القُرآنِ ليس على ما يقرأها النَّاسُ فقال أبو عبد الله (ع): كُفَّ عَن هذه القراءة اقرأ كما يقرأ الناس حتى يَقُومَ القَائِمُ فَإِذَا قَامَ القَائِمُ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ عزّ وجلَّ عَلى حَدِّهِ وَ أَخْرَجَ المُصحَفَ الَّذِي كَتَبَهُ عَلى (ع) (الكليني، الكافي، 2/633).
2. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾ (الإسراء/106).
3. ربما يمكن القول بأن مراد علماء الشيعة من تواتر القراءات السبع والعشر، هو التواتر حتى عصر الأئمة المعصومين (ع). والشاهد على هذا القول، ذكر هذه النظرية بين الفقهاء الذين يهتمون بدراسة القراءات المعتبرة لا المنزلة.
فهرست المصادر
1. ابن الجزري، محمد، النشر في القراءات العشر، تحقيق علي ضباع، د.م، المطبعة التجارية الكبرى، د.ت.
2. ابن الجزري، محمد، غاية النهاية في طبقات القراء، د.م: مكتبة ابن تيمية، 1351.
3. ابن الجزري، محمد، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، بيروت: دار الكتب العلمية، 1420 هـ.
4. ابن حبان، محمد، صحيح ابن حبان، تحقيق شعيب أرنؤوط، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1414 هـ.
5. ابن عربي، محمد، العواصم من القواصم، تحقيق عمار طالبي، مصر: دار التراث، د.ت.
6. ابن عطية، عبدالحق، المحرر الوجيز، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ.
7. ابن قتيبة، عبدالله، تأويل مشكل القرآن، بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.
8. ابن قدامة، عبدالرحمان، الشرح الكبير على متن المقنع، د.م، دار الكتب العربي، د.ت.
9. ابن لحام، علي، المختصر في أصول الفقه، تحقيق محمد مظهر بقا، مكة: جامعة الملك عبدالعزيز، د.ت.
10. ابن مجاهد، أحمد، كتاب السبعة في القراءات، تحقيق شوقي ضيف، مصر: دار المعارف، 1400 هـ.
11. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 1414 هـ.
12. أبو شهبة، محمد، المدخل لدراسة القرآن الكريم، الرياض: دار اللواء، 1407 هـ.
13. أبو حيان، محمد، البحر المحيط في التفسير، تحقيق صدقي جميل، بيروت: دار الفكر، 1420 هـ.
14. أبو شامة، عبدالرحمن، المرشد الوجيز، تحقيق طيار آلتي قولاج، بيروت: دار صادر، 1395 هـ.
15. الآبياري، إبراهيم، الموسوعة القرآنية، د.م: مؤسسة سجل العرب، 1405 هـ.
16. الأصفهاني، محمود، بيان المختصر شرح مختصر ابن الحاجب، تحقيق محمد مظهر بقا، السعودية: دار المدني، د.ت.
17. آل إسماعيل، نبيل، علم القراءات نشأته أطواره أثره في العلوم الشرعية، الرياض: مكتبة الملك فهد، 1421 هـ.
18. البخاري، محمد، الجامع الصحيح المختصر، تحقيق مصطفى ديب البغا، اليمامة وبيروت: دار ابن كثير، 1407 هـ.
19. البلاغي، محمد جواد، آلاء الرحمن، قم: بنياد بعثت، 1420 هـ.
20. البهائي، محمد، زبدة الأصول، تحقيق كريم فارس حسون، قم: مرصاد، د.ت.
21. بيلي، أحمد، الاختلاف بين القرائات، بيروت: دار الجيل، 1408 هـ.
22. التبريزي، موسى، أوثق الوسائل، قم: انتشارات كتبي نجفي، 1369 هـ.ش.
23. التوني، عبدالله، الوافية في الأصول، د.م، مجمع الفكر الإسلامي، 1415 هـ.
24. الجرمي، إبراهيم محمد، معجم علوم القرآن، دمشق: دار القلم، 1422 هـ.
25. الجزائري، طاهر، التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن، بيروت: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1412 هـ.
26. جوادي، عبدالله، منزلة العقل في هندسة المعرفة الدينية، تحقيق أحمد واعظي، قم: إسراء، 1386.
27. حبش، محمد، القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني، دمشق: دار الفكر، 1419 هـ.
28. الخوانساري، محمد باقر، روضات الجنات، قم: إسماعيليان، د.ت.
29. الداني، عثمان، جامع البيان في القراءات السبع، الإمارات: جامعة الشارقة، 1428 هـ.
30. الدمياطي، أحمد، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، تحقيق أنس مهرة، لبنان: دار الكتب العلمية، 1427 هـ.
31. الدوسري، إبراهيم، مختصر العبارات لمعجم مصطلحات القراءات، الرياض: دار الحضارة للنشر، 1429 هـ.
32. الرازي، محمد، مفاتيح الغيب، الطبعة الثالثة، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420 هـ.
33. الزرقاني، محمد، مناهل العرفان، د.م، مطبعة عيسى البابي، د.ت.
34. الزركشي، محمد، البحر المحيط، تحقيق محمد تامر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1421 هـ.
35. الزركشي، محمد، البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد إبراهيم، د.م: دار إحياء الكتب العربية، 1376 هـ.
36. السبحاني، جعفر، مصادر الفقه الإسلامي، بيروت: دار الأضواء، 1419 هـ.
37. السجستاني، عبدالله، كتاب المصاحف، تحقيق محب الدين عبد السبحان، بيروت: دار البشائر الإسلامية، الطبعة الثانية، 1423 هـ.
38. السخاوي، علي، جمال القراء وكمال الإقراء، تحقيق مروان عطية، دمشق وبيروت: دار المأمون للتراث، 1418 هـ.
39. السندي، عبدالقيوم، صفحات في علوم القراءات، د.م، المكتبة الأمدادية، 1415 هـ.
40. السيوطي، عبدالرحمن، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، د.م: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394 هـ.
41. السيوطي، عبدالرحمن، تدريب الراوي، تحقيق عبدالوهاب عبداللطيف، الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، د.ت.
42. الشهيد الثاني، زين الدين، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، 1402.
43. الشهيد الثاني، زين الدين، الحاشية الأولى على الألفية، قم: انتشارات دفتر تبليغات، 1420 هـ.
44. الشوكاني، محمد، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تحقيق أحمد عزو عناية، بيروت: دار الكتاب العربي، 1419 هـ.
45. الشيرازي، سيد محمد حسن، تقريرات شيرازي، د.م، مؤسسة آل البيت، 1409 هـ.
46. الطبرسي، أبو نصر حسن بن فضل، مجمع البيان، طهران: ناصر خسرو، 1372 هـ.ش.
47. طويل، سيد رزق، مدخل في علوم القراءات، د.م: المكتبة الفيصلية، 1405 هـ.
48. الطيب، سيد عبد الحسين، أطيب البيان، طهران: انتشارات إسلام، 1378 هـ.ش.
49. الفضلي، عبد الهادي، القراءات القرآنية، بيروت: دار القلم، د.ت.
50. قابة، عبد الحليم، القراءات القرآنية تاريخها ثبوتها، حجيتها وأحكامها، بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1999 م.
51. القاضي، عبد الفتاح، البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة، بيروت: دار الكتاب العربي، د.ت.
52. القطيفي، أحمد، رسائل آل طوق القطيفي، بيروت: دار المصطفى لإحياء التراث، 1422 هـ.
53. الكليني، محمد، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1365 هـ.ش.
54. مجاهد، سيد محمد، مفاتيح الأصول، قم: مؤسسة آل البيت، د.ت.
55. المحدث النوري، چند نكته در باب تواتر، تحدى و اعجاز، سفينه، السنة السادسة، العدد 21، شتاء 1387.
56. محيسن، محمد محمد، القراءات وأثرها في علوم العربية، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1404 هـ.
57. معرفت، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم: مؤسسة التمهيد، 1386 هـ.ش.
58. المغربي، يوسف، الكامل في القراءات والأربعين الزائدة عليها، تحقيق جمال الشايب، د.م، مؤسسة سما، 1428 هـ.
59. مفلح القضاة، محمد، مقدمات في علم القراءات، عمان: دار عمار، 1422 هـ.
60. المقريزي، أحمد، إمتاع الأسماع، بيروت: دار الكتب العلمية، 1420 هـ.
61. مكارم، ناصر، أنوار الأصول، قم: مدرسة إمام علي (ع)، د.ت.
62. مكي بن أبي طالب، الإبانة عن معاني القراءات، تحقيق عبد الفتاح إسماعيل شلبي، مصر: دار نهضة، د.ت.
63. الميرزا القمي، أبو القاسم، قوانين الأصول، طهران: كتاب فروشي علميه إسلاميه، 1378 هـ.
64. النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، تحقيق عباس قوچاني – علي آخوندي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1404 هـ.
65. النراقي، أحمد، مناهج الأحكام والأصول، قم: مؤلف، د.ت.
66. النووي، يحيى بن شرف، المجموع شرح المهذب، د.م: دار الفكر، د.ت.
67. النويري، محمد، شرح طيبة النشر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1424 هـ.
68. النيسابوري، محمد بن عبدالله، المستدرك على الصحيحين، بيروت: دار الكتب العلمية، 1411 هـ.
69. ولد أباه، محمد مختار، تاريخ القراءات في المشرق والمغرب، مراكش، إيسيسكو، 1422 هـ.