الملخص
فيما يتعلق بدية إزالة جميع الأجفان، وعلى الرغم من أن مشهور الفقهاء قد ذهبوا إلى ثبوت الدية الكاملة، فإن البعض قد رأى صواب ثبوت خمسة أسداس الدية الكاملة. أما في مجال دية إزالة الأجفان منفردة، فإن الخلاف أشد؛ إذ أثبت البعض ربع الدية الكاملة لكل جفن، بينما أفتى فريق آخر بثبوت ثلثي الدية الكاملة للأجفان العليا وثلث الدية الكاملة للأجفان السفلى، ورأى فريق ثالث وجاهة ثبوت ثلث الدية الكاملة للأجفان العليا ونصف الدية الكاملة للأجفان السفلى. وإلى جانب هذه النظريات، طُرحت نظرية ثبوت الأرش. منشأ هذه الاختلافات هو تفاوت فهم الفقهاء للنصوص الشرعية. وقد أقرت المادة ٥٩٠ من قانون العقوبات الإسلامي، باختيارها لأحد الآراء المذكورة، الدية الكاملة في حالة الإزالة الكلية، وفي حالة الإزالة الفردية، مع التمييز بين الأجفان العليا والسفلى، حددت سدس الدية الكاملة لكل جفن علوي وربع الدية الكاملة لكل جفن سفلي. وقد أبدى بعض الباحثين آراء في نقض وإبرام موقف المشرّع، وجميعها تعاني من ضعف وإشكال. يقوم هذا البحث، بمنهج وصفي-تحليلي، بتقييم جميع الآراء المطروحة في هذا المجال، وينتهي، ضمن نقد المواقف الفقهية المختلفة، إلى نتيجة مفادها عدم وجود دليل قوي يمكنه إثبات أي من الآراء المذكورة. وفي الوقت نفسه، يرى الكاتبان أنه بالاستفادة من المنهج القرائني، الذي هو محصلة الرجوع إلى مستندات ظنية متعددة، يمكن إثبات ربع الدية الكاملة لكل جفن من الأجفان.
المقدمة
الأجفان (Palpebrae) هي ستائر عضلية جلدية ومخاطية تقع أمام محجر العين وتحميها من العوامل الخارجية. لكل عين جفن علوي وجفن سفلي يفتحان ويغلقان العين عند اللزوم (حجازي، ۱۳۹۲، ص ۱۹۱). وتكمن أهمية الأجفان وحساسيتها لدرجة أن الجناية عليها في الفقه الإمامي تعد جناية موجبة للدية. ورغم ذلك، يوجد خلاف فقهي جدي حول مقدار الدية المقررة. يمكن تصنيف هذه الخلافات في إطارين عامين: الأول، أن تزول الأجفان الأربعة جميعها، والثاني، أن لا تزول الأجفان بصورة كلية؛ كأن يقطع جفن واحد فقط. في الفرض الأول، يكون الاختلاف في الآراء أقل منه في الفرض الثاني؛ إذ توجد نظريتان في الفرض الأول وأربع نظريات مختلفة طرحها الفقهاء في الفرض الثاني. وقد تبنى المشرع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية إحدى هذه النظريات وعكسها في المادة ٥٩٠ من قانون العقوبات الإسلامي. وقد أثار موقف المشرع ردود فعل متباينة من الباحثين في مجال الفقه والقانون؛ فالبعض، مثل حاتمي وزملائه في مقال «تحليل وتقييم الآراء الفقهية حول مقدار دية الأجفان، مع التركيز على المادة ٥٩٠ ق.م.»، انتقدوا رأي المشرع في صدر المادة المذكورة الذي يعبر عن دية الأجفان الكلية، والبعض الآخر، مثل حمداللهي وزملائه في مقال «تحليل فقهي للمادة ٥٩٠ ق.م.ا في تعيين مقدار دية الأجفان»؛ وكذلك كلوانق وزملاؤه في مقال «استقراء مستندات دية الجناية على مجموع الأجفان وأقل منه (نقد وبحث فقهي في مباني المادة ٥٩٠ و ٥٩١ ق.م.)»، انتقدوا وبحثوا القسم الثاني من المادة ٥٩٠ الذي يتعلق بدية الإزالة الفردية للأجفان. بالتدقيق في هذه الأبحاث، يمكن ملاحظة أنه على الرغم من الجهود المشكورة للمؤلفين، لم يتمكن أي منهم من التوصل إلى رأي راسخ وصائب ومستند إلى أدلة محكمة. ومن هذا المنطلق، يسعى الكاتبان في هذا المقال، مع تقدير الجهود المبذولة والاستفادة من الإمكانيات المتاحة، وبالاعتماد على المنهج القرائني، إلى حل الإشكالية الجدية في دية الأجفان الناشئة عن المشكلات الدلالية للروايات في هذا المجال، وتقديم بعض النتائج الجديدة فيما يتعلق بمستندات الآراء.
وفي هذا السياق، بعد تبيين الصور المختلفة للإزالة، يتم عرض موقف الفقهاء بشأن دية الأجفان في إطارين كليين هما «الإزالة الكلية» و«الإزالة الفردية»، ثم يتم نقدها وتقييمها، وفي النهاية يتم بيان النظرية المختارة في هذا المجال. يندرج البحث الحالي في مجال العلوم الإنسانية وفي نطاق البحوث المكتبية. في هذا البحث، ومن خلال دراسة المصادر الفقهية المعتبرة، تم نقد وتقييم موقف الفقهاء بشأن دية الأجفان. والمنهج المعتمد في تقييم البيانات هو منهج وصفي تحليلي. ولدراسة موضوع دية الأجفان بدقة وتقييم آراء الفقهاء في هذا الخصوص، من الضروري تناول هذه المسألة في عدة محاور مختلفة، وهو ما سيأتي بيانه.
١. صور إزالة الجفن
تتحقق إزالة الأجفان، سواء بالقطع أو الفساد أو الحرق أو أي عارض آخر، في صورتين: إما أن تزول الأجفان الأربعة جميعها، أو أن يزول جفن واحد أو اثنان أو ثلاثة في جناية واحدة، أو أربعة أجفان في عدة جنايات. يمكن توصيف الصورة الأولى بعنوان كلي هو «الإزالة الكلية»؛ كما يمكن تسمية الصورة الثانية بـ«الإزالة الفردية». ومن الواضح أن التسمية الأخيرة تحمل شيئًا من التسامح؛ لأنه في حال إزالة أكثر من جفن أو زوال الأجفان الأربعة في جنايات متعددة، لا يمكن استخدام تعبير الإزالة الفردية؛ ولكن بما أن دية الأجفان في هذه الفروض تُحسب بشكل فردي وفقًا لنظر الفقهاء، فكأن كل جفن قد زال بشكل مستقل وحُددت ديته بمعزل عن الأجفان الأخرى. على أي حال، سيتم في ما يلي دراسة ومراجعة مقدار الدية تحت هذين العنوانين.
٢. آراء الفقهاء في دية إزالة الأجفان
يمكن بيان آراء الفقهاء في مجال دية إزالة الأجفان في محورين مختلفين، نعرضهما على النحو التالي:
١-٢. دية الإزالة الكلية للأجفان
في حالة زوال الأجفان الأربعة جميعها في جناية واحدة، يوجد خلاف في الرأي حول مقدار ديتها. وهذا الخلاف في الرأي هو على النحو التالي:
١-١-٢. نظرية الدية الكاملة
يعتقد مشهور فقهاء الإمامية أنه في حال زوال الأجفان الأربعة إثر جناية واحدة، تثبت دية كاملة (الطوسي، ١٣٨٧، ج ٧، ص ١٣١؛ الطوسي، ١٤٠٧ق «أ»، ج ٥، ص ٢٣٦؛ ابن إدريس، ١٤١٠ق، ج٣، ص ٣٧٩؛ الحلي، ١٤٠٨ق، ج ٤، ص ٢٤٥؛ الحلي، ١٤١٠ق، ج٢، ص ١٣٧؛ الحلي، ١٤١٣ق «أ»، ج ٣، ص ٦٧١؛ الحلي، ١٤١٣ق«ب»، ج ٩، ص ٣٧٠؛ الحلي ١٤٢٠ق، ج ٥، ص ٥٩٩؛ الحلي، ١٤٢١ق، ص ٣٦٢؛ الحلي، ١٣٨٧، ج ٤، ص ٦٨٧؛ الصيمري، ١٤٠٨ق، ج٣، ص ١٦٩؛ الأردبيلي ١٤٠٣ق، ج ١٤، ص ٣٦٢؛ الفاضل اللنكراني، ١٤١٨ق، ص١٢٣). وقد بلغت شهرة هذه الفتوى حدًا جعل الكثير من الفقهاء يعتبرونها حكمًا لا خلاف فيه (الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج١٦، ص ٤٣١؛ النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨١) بل وعدّوها حكمًا إجماعيًا (الطوسي، ١٤٠٧ق«أ»، ج ٥، ص ٢٣٧؛ الحلي، ١٤١٠ق، ص ٤٤٩).
تستند هذه النظرية – بالإضافة إلى الإجماع – إلى رواية هشام بن سالم عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «كل ما في الإنسان اثنان ففيهما الدية وفي أحدهما نصف الدية وما كان واحدًا ففيه الدية» (الصدوق، ١٤١٣ق، ج ٤، ص ١٣٣؛ الحر العاملي، ١٤٠٩ق، ج ۲۹، ص ۲۸۷)؛ أي كل عضو من الأعضاء يوجد منه اثنان في بدن الإنسان، ففي كليهما دية كاملة وفي أحدهما نصف الدية.
وطريقة الاستدلال بهذه الروايات هي أنه بما أن كلا الجفنين يُعتبران عضوًا واحدًا، يمكن القول بأن الأجفان تُعد من أعضاء البدن المزدوجة؛ وبالتالي فهي مشمولة بالفقرة الأولى من الرواية، وفي حال زوال كليهما، تثبت الدية الكاملة (الشهيد الأول، ١٤١٤ق، ج ٤، ص ٥٢٥؛ النجفي، ١٤٠٤ق، ٤٣، ص ١٨٢).
وقد تبنى المشرّع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذا الرأي في صدر المادة ٥٩٠ من قانون العقوبات الإسلامي المصادق عليه عام ٩٢، حيث نص على أن: «دية مجموع أجفان العينين الأربعة، دية كاملة…».
٢-١-٢. نظرية المحقق الخوئي
في مقابل النظرية المذكورة، يرى بعض الفقهاء المعاصرين أن دية الأجفان في حالة الإزالة الكلية أقل من دية كاملة. ووفقًا لرأي هذه الفئة من الفقهاء، تعادل دية مجموع الأجفان خمسة أسداس الدية الكاملة ولا تصل أبدًا إلى مقدار الدية الكاملة. يكتب المحقق الخوئي، وهو الوجه البارز ومنظّر هذا الرأي، في هذا الصدد: «والمشهور أن في الأجفان الأربعة، الدية كاملة وفيه إشكال والأقرب العدم بل إن في الجفن الأعلى ثلث دية العين وهو مائة وستة وستون دينارًا وثلثا دينار وفي الجفن الأسفل نصف دية العين وهو مائتان وخمسون دينارًا» (الخوئي، ١٤١٠ق، ص ١٠٩؛ همو، ١٤٢٢ق، ج ٤٢، ص ٣٤٠). ويضيف: «الرأي المشهور بين الفقهاء هو أن للأجفان الأربعة دية كاملة؛ ولكن هذا الرأي فيه إشكال، والأقرب هو عدم ثبوت الدية الكاملة؛ بل في الجفن العلوي ثلث دية العين، أي ١٦٦ وثلثي دينار، وفي الجفن السفلي نصف دية العين، أي ٢٥٠ دينارًا».
بالإضافة إلى المحقق الخوئي، تبنى بعض تلامذته مثل وحيد الخراساني وفياض الكابلي هذا الرأي أيضًا (وحيد الخراساني، ١٤٢٨ق، ج ٣، ص ٥٦٣؛ فياض الكابلي، ١٣٧٨، ج ٣، ص ٤٠٨). المستند الرئيسي لهذه النظرية هو رواية ظريف بن ناصح التي حُددت فيها المقادير المذكورة للأجفان. ونص الرواية المذكورة هو كالتالي: «فإن أُصيبَ الشَّفْرُ الْأَعْلَى حَتَّى يَصِيرَ أَشْتَرَ فَدِيَتُهُ ثُلُثُ دِيَةِ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ مِنْ فَوْقٍ وَإِذَا كَانَ مِنْ أَسْفَلَ فَدِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ الْعَيْنِ» (الكليني، ١٤٠٧ ق، ج ٧، ص ٣٣٣؛ النوري، ١٤٠٨ق، ج١٨، ص ٣٤٠)؛ أي إذا أصيب الجفن العلوي للعين وأصبح مقلوبًا، فديته ثلث دية العين، وإذا أصيب الجفن السفلي وأصبح مقلوبًا، فديته نصف دية العين.
وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن عموم الفقهاء الذين عملوا برواية ظريف في هذا المجال قد استندوا إليها فقط في إطار إثبات دية الإزالة الفردية (الطوسي، ١٤٠٧ق، ج ١٠، ص ٢٥٨؛ الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج١٦، ص ٤٣٢؛ الروحاني، ١٤١٢ق، ج ٢٦، ص ٢٤٤؛ الخوانساري، ١٤٠٥ق، ج٦، ص٢١٩)، إلا أنه بناءً على رأي المحقق الخوئي، ومع الأخذ في الاعتبار عدم تحديد دية للأجفان – في فرض الإزالة الكلية – في الشرع المقدس، فإن هذه الرواية نفسها قابلة للاستناد في خصوص الإزالة الكلية أيضًا، ولا يمكن اعتبار دية للأجفان تزيد عن المقادير المحددة فيها.
٢-٢. دية الإزالة الفردية للأجفان
في الفرض الذي تزال فيه الأجفان بشكل فردي، قدم الفقهاء آراء متنوعة. هذه النظريات تتعلق في الواقع بمقدار دية كل جفن على حدة، وليس دية مجموعها. يمكن تلخيص الآراء التي طرحها الفقهاء في أربع نظريات على النحو التالي:
١-٢-٢. نظرية الربع (التنصيف)
أول رأي يمكن طرحه في مجال دية الأجفان هو ثبوت ربع الدية الكاملة لكل واحد منها. وفقًا لهذا الرأي، تتساوى الأجفان العليا والسفلى في الدية ولا يوجد أي تفاضل بينها من حيث مقدار الدية. الشيخ الطوسي من رواد هذه النظرية، حيث يكتب في كتاب المبسوط: «في الأربعة أجفان الدية كاملة وفي كل واحدة منهما مائتان وخمسون دينارًا» (الطوسي، ١٣٨٧، ج ٧، ص ١٣٠)؛ أي للأجفان دية كاملة، وفي كل واحد منها مائتان وخمسون دينارًا ثابتة.
وقد لاقى هذا الرأي قبول العديد من فقهاء الشيعة الآخرين وصرحوا به (الحلي ١٤١٣ق، ج ٣، ص ٦٧١؛ فخر المحققين، ١٣٨٧، ج ٤، ص ٦٨٨؛ الشهيد الثاني، ١٤١٠، ج ١٠، ص٢٠٢؛ الحلي، ١٤٠٧ق، ج٥، ص ٣٠٧). يستند الرأي المذكور إلى ثلاثة أدلة رئيسية:
أ) رواية هشام بن سالم: رواية هشام، التي مرت سابقًا، هي إحدى المستندات الرئيسية لهذا الرأي (الحلي، ١٤١٨ق «أ»، ج ٢، ص ٣٠٨؛ الحلي ١٤١٣ق، ج٣، ص٦٧٣؛ الشهيد الأول، ١٤١٠ق، ص ٢٨٠؛ الشهيد الثاني، ١٤١٤ق، ج ٤، ص ٥٢٩). الفرض المسبق للاستفادة من هذه الرواية هو أن الأجفان تعتبر في مجموعها من الأعضاء المزدوجة، ولكل واحد منها نصف الدية الكاملة، مما ينتج عنه ثبوت نصف الدية الكاملة للجفنين العلويين والجفنين السفليين ونصف نصف الدية الكاملة لكل واحد من الأجفان الأربعة (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨٢).
ب) أصل التساوي في التقسيط: المراد من أصل التساوي في التقسيط هو أنه بما أن دية الأجفان الأربعة وفقًا للرأي المشهور هي الدية الكاملة، فإن أصل التساوي في التقسيط يقتضي تقسيم الدية المذكورة بالتساوي على عددها، ولكل جفن ربع الدية الكاملة (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨٢؛ الفاضل الهندي، ١٤١٦ق، ج ١١، ص ٣٣٤).
ج) أصل عدم الزيادة: إلى جانب الدليلين السابقين، يمكن ذكر أصل عدم الزيادة؛ بمعنى أن الأصل في مقدار دية الأجفان هو عدم زيادة دية أحدها على الآخر (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨٢).
٢-٢-٢. نظرية الثلث والسدس (الثلثين والثلث)
يعتقد الشيخ الطوسي في كتاب الخلاف وابن إدريس في السرائر أنه في الإزالة الفردية، تكون دية الأجفان العليا ثلثي دية العينين ودية الأجفان السفلى ثلث دية العينين (الطوسي، ١٤٠٧ق«أ»، ج ٥، ص٢٣٦؛ ابن إدريس، ١٤١٠ق، ج ٣، ص ٣٧٨).
ادعى الشيخ في هذا الكتاب الإجماع على هذه النظرية وادعى وجود أخبار تؤيد هذا الرأي (الطوسي، ١٤٠٧ق «أ»، ج ٥، ص٢٣٧). بالنظر إلى أنه في هذه النظرية، تُعتبر الأجفان من الأعضاء المزدوجة، وللجفنين العلويين ثلثا الدية، وللجفنين السفليين ثلث الدية الكاملة، يمكن بنفس المقياس، ومع افتراض أن الأجفان من أعضاء البدن الأربعة، إثبات ثلث الدية الكاملة لكل جفن علوي، وسدس الدية الكاملة لكل جفن سفلي.
٣-٢-٢. نظرية السدس والربع (الثلث والنصف)
يعتقد مشهور فقهاء الإمامية أن دية الأجفان العليا هي ثلث دية العينين ودية الأجفان السفلى هي نصف دية العينين. يبدو أن ابن جنيد الإسكافي هو أول فقيه طرح هذه النظرية (الحلي، ١٤١٣ق «ب»، ج ٩، ص ٣٧٠). وبعده، أيد الشيخ المفيد والشيخ الطوسي في النهاية وكثير من الفقهاء الآخرين هذه النظرية (المفيد، ١٤١٣ق، ص ٧٥٥؛ الطوسي، ١٤٠٠ق، ص ٧٦٤؛ سلار الديلمي، ١٤٠٤ق، ص ٢٤٥؛ ابن زهرة، ١٤١٧ق، ص ٤١٦). كما اعتنق معظم الفقهاء المعاصرين هذا الرأي (الخوئي، ١٤٢٢ق، ج ٢، ص ٣٤٠؛ الموسوي الخميني، بلا تاريخ، ج ٢، ص٥٢٧؛ التبريزي، ١٤٢٨ق، ص ١٣٤؛ الروحاني، بلا تاريخ، ج٣، ص ٣٩٥؛ مكارم الشيرازي، ١٤٢٧ق، ج ٣، ص ٤٠٤). من الواضح أنه وفقًا لهذه النظرية، وباعتبار الأجفان أربعة، سيثبت سدس الدية الكاملة لكل جفن علوي وربع الدية الكاملة لكل جفن سفلي. وقد تبنى المشرع في الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذه النظرية في القسم الثاني من المادة ٥٩٠ من قانون العقوبات الإسلامي حيث نص على أن: «دية كل من الأجفان العليا سدس الدية الكاملة ودية كل من الأجفان السفلى ربع الدية الكاملة».
الأدلة التي أقامها معتقدو هذه النظرية هي كالتالي:
أ) الإجماع: المستند الأول لهذه النظرية هو دعوى الإجماع التي نقلها بعض الفقهاء (ابن زهرة، ١٤١٧ق، ص٤١٧) وصرح البعض بحجيتها (الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج ١٦، ص ٤٣٢).
ب) رواية ظريف: إلى جانب الإجماع المذكور، فإن فقرة من رواية ظريف بن ناصح هي الدليل الرئيسي لهذه النظرية، حيث ورد فيها: «فَإِنْ أُصِيبَ الشَّفْرُ الْأَعْلَى حَتَّى يَصِيرَ أَشْتَرَ فَدِيَتُهُ ثُلُثُ دِيَةِ الْعَيْنِ إِذَا كَانَ مِنْ فَوْقٍ وَإِذَا كَانَ مِنْ أَسْفَلَ فَدِيَتُهُ نِصْفُ دِيَةِ الْعَيْنِ» (الكليني، ١٤٠٧، ج ٧، ص ٣٣١؛ النوري، ١٤٠٨، ج ١٨، ص ٣٤٠)؛ إذا أصيب الجفن العلوي للعين وأصبح مقلوبًا فديته ثلث دية العين، وإذا أصيب الجفن السفلي وأصبح مقلوبًا فديته نصف دية العين.
وكما هو واضح، في هذه الرواية بالتفصيل الذي انعكس في النظرية أعلاه، تم تقدير الدية للضرر الواقع على الجفن العلوي والسفلي.
٤-٢-٢. نظرية الأرش
آخر رأي يمكن طرحه بخصوص دية الأجفان في الفقه الإمامي هو نظرية الأرش أو الحكومة. من بين الفقهاء المعاصرين، يذهب المدني الكاشاني إلى القول بالأرش في تحديد مقدار دية كل جفن (مدني كاشاني، ١٤٠٨ق، ص ١٧٦). ولكن يبدو أن هذا الرأي كان له أنصار في الماضي تم نسيانهم تدريجيًا في خضم الجدالات الفقهية؛ حيث نسب الشيخ الطوسي في كتاب المبسوط القول بالحكومة إلى بعض الفقهاء (الطوسي، ١٣٨٧، ج ٧، ص ١٣٠). على أي حال، فإن أهم دليل أدى إلى الميل نحو هذا الرأي هو عدم وجود نص شرعي بخصوص مقدار دية الأجفان، مما ينتج عنه ثبوت الأرش. وللتوضيح أكثر، وفقًا لهذا الرأي – وبالنظر إلى الإشكالات الموجودة في مستندات النظريات الثلاث المذكورة – حيث لا يمكن العثور على دليل ثابت لثبوت الدية لإزالة الأجفان، فلن يكون هناك سبيل سوى الالتزام بالأرش (مدني كاشاني، ١٤٠٨ق، ص۱۷۸). وتجدر الإشارة إلى أن المدني الكاشاني، مثله مثل بعض الفقهاء الآخرين (الموسوي الخميني، ١٤٢٧ق، ج ٢، ص ٥٧٢؛ الفاضل اللنكراني، ١٤١٨ق، ص۱۲۳)، يرى في النهاية أن المصالحة بين الجاني والمجني عليه تتوافق مع الاحتياط ويفضلها.
٣. تقييم آراء الفقهاء وبيان الرأي المختار
فيما يتعلق بآراء الفقهاء التي تم عرضها حتى الآن، توجد نقاط مهمة جدًا يمكن أن يؤدي بيانها إلى تشكيل وبيان نظرية راسخة في هذا المجال. هذه النقاط هي:
أولًا: صرح المحقق الخوئي في معرض إثبات نظريته بأنه لو كان الإجماع على تعلق الدية الكاملة بإزالة مجموع الأجفان تامًا، لثبت الحكم المذكور؛ ولكن مثل هذا الإجماع غير تام (الخوئي، ١٤٢٢ق، ج ٤٢، ص ٣٤٠). يبدو أنه إذا كان المراد من عدم تمام الإجماع هو كونه مدركيًا – كما هو الظاهر – فهو كلام مقبول؛ لأنه بالنظر إلى مستندات هذا الرأي مثل رواية هشام التي أشير إليها في المصادر الفقهية، يبدو أن كون الإجماع مدركيًا أمر مقبول. أما إذا كان المراد من عدم تمام الإجماع هو عدم تحققه، فلا يمكن قبول هذا الادعاء؛ لأنه أولًا، ظاهر عبارات بعض كبار فقهاء الإمامية مثل المحقق الحلي يدل على كون ثبوت الدية الكاملة لإزالة مجموع الأجفان أمرًا إجماعيًا أو على الأقل لا خلاف فيه؛ حيث إنه حصر خلاف الفقهاء في دية الإزالة الفردية للأجفان: «في الأجفان الدية وفي تقدير كل جفن خلاف» (الحلي، ١٤٠٨ق، ج ٤، ص ٢٤٥؛ الفاضل اللنكراني، ١٤١٨ق، ص۱۲۳). ثانيًا، صرح بعض فقهاء الإمامية صراحةً بتحقق الإجماع في مسألة دية الإزالة الكلية للأجفان وأصروا عليه؛ مثل الحلي في المقتصر (الحلي، ١٤١٠ق، ص ٤٤٩) أو الشهيد الأول في غاية المراد (الشهيد الأول، ١٤١٤ق، ج ٤، ص ٥٢٤) فقد صرحوا بإجماعية هذه المسألة. كما أثبت صاحب الجواهر وجود الإجماع المنقول والمحصل في هذا المجال (النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ۱۸۱). بالإضافة إلى أن كبار العلماء في هذا المجال قد ادعوا عدم وجود خلاف (الحلي، ١٤٢٠ق، ج ٥، ص ٥٩٩). ثالثًا، لم يقدم المحقق الخوئي أي دليل لإثبات ادعائه ولم يقم أي شاهد عليه. هذا في حين أن طريقته في نقد الإجماعات المدعاة في مباني التكملة هي أنه دائمًا ما يبين دليلًا أو شاهدًا على ادعائه (الخوئي، ١٤١٠ق«ب»، ج ٤٢، صص ٢٥٢، ٢٩٦، ٤٨٣، ٥٠١ وغيرها). على أي حال، فإن عدم تقديم دليل أو شاهد من قبل المحقق الخوئي من جهة، وتصريح الفقهاء السابقين بوجود الإجماع أو نفي الخلاف من جهة أخرى، يؤدي إلى الإعراض عن رأيه القائل بعدم تحقق الإجماع.
على كل حال، مع كون الإجماع المدعى لإثبات نظرية الدية الكاملة مدركيًا، فلا شك في أن مثل هذا الإجماع غير فعال ولا يمكن الرجوع إليه كدليل.
ثانيًا: من بين النظريات المطروحة في الإزالة الفردية، فإن نظرية الثلث والسدس (الثلثين والثلث) التي طرحها الشيخ الطوسي في مجال دية الإزالة الفردية، تفتقر بوضوح إلى سند فقهي متين؛ لأنه أولًا، لم يتحقق إجماع في هذا المجال، بل إن رأي مشهور الفقهاء على خلاف هذا الرأي؛ كما صرح الشيخ نفسه في كتابي النهاية والمبسوط برأي آخر (الطوسي، ١٤٠٧ق«ب»، ج ٥، ص ٢٣٦ ـ ٢٣٧؛ هو نفسه، ١٣٨٧، ج ٧، ص ١٣٠؛ الشهيد الثاني، ١٤١٣ق، ج ١٥، ص ٤٠٣؛ النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨١؛ التبريزي، ١٤٢٨ق، ص ١٣٥)؛ ثانيًا، لا توجد أي رواية يمكن أن تثبت هذه النظرية، وحتى في المجامع الروائية مثل التهذيب التي جمعها الشيخ نفسه، لا يوجد أثر للخبر الذي ادعاه، فضلًا عن وجود أخبار متعددة (الفاضل الهندي، ١٤١٦ق، ج ١١، ص ٣٣٤؛ النجفي، ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨٢؛ الخوئي، ١٤٢٢ق، ج ٤٢، ص ٣٤١).
ثالثًا: نظرية الأرش في حد ذاتها ليست نظرية جديدة؛ لأنه بالنظر إلى كون الدية أمرًا توقيفيًا، فإنه من المسلم به في الفقه أنه إذا لم يوجد دليل على ثبوت الدية، فلا سبيل سوى تعيين الأرش أو الحكومة لجبران الجناية الواردة؛ ولكن كل الكلام يكمن في عدم وجود دليل على تعيين مقدار دية الجفن.
رابعًا: الاستناد إلى رواية ظريف في مجال دية الإزالة الفردية للأجفان لا يمكن أن يكون صحيحًا؛ لوجود كلمتين مفتاحيتين في هذه الرواية تدلان على اختلاف موضوع مضمونها عن مسألة إزالة الأجفان. هاتان الكلمتان هما «شفر» و«شتر». ولفهم التحدي الذي تفرضه هاتان الكلمتان بشكل أفضل، من الضروري الانتباه إلى النقاط التالية:
١. الحروف الثلاثة «ش»، «ف»، و«ر» تدل في الأصل على معنى حافة أي شيء؛ ومن هنا جاءت «شَفْرَةُ السَّيْفِ» و«شَفِيرُ الْبِئْرِ» بمعنى حافة السيف وحافة البئر على التوالي (ابن فارس، ١٤٠٤ق، ج ٣، ص ۲۰۰). و«شُفْرُ الْعَيْنِ» أيضًا، الذي هو على نفس السياق، ورد في معاجم اللغة بمعنى «منبت الأهداب» (الصاحب بن عباد، ١٤١٤ق، ج ٧، ص ٣٢٥) أو «حرف الجفن الذي ينبت عليه الشعر» (الجوهري، ١٤١٠ق، ج ٢، ص ٧٠١). بناءً على هذا، فإن الشفر هو في الواقع جزء من الجفن، وليس الجفن نفسه. وكلمة «شتر» وإن كانت تستخدم أحيانًا بمعنى القطع (الطريحي، ١٤١٦ق، ج ٣، ص ٣٤١؛ الواسطي الزبيدي، ١٤١٤ق، ج٧، ص٦) أو التمزيق (ابن فارس، ١٤٠٤ق، ج٣، ص ٢٤٤)، إلا أنها وفقًا لتصريح عموم اللغويين، عندما تستخدم بخصوص الأجفان، تفيد معنى «انقلاب الجفن» (الفراهيدي، ١٤١٠ق، ج ٦، ص ٢٤٥؛ الصاحب بن عباد، ١٤١٤ق، ج ٧، ص ٣٠٥؛ الجوهري، ١٤١٠ق، ج ٢، ص ٦٩٣؛ الحميري، ١٤٢٠ق، ج ٦، ص ٣٣٧٥؛ ابن منظور، ١٤١٤ق، ج ٤، ص٣٩٣؛ الطريحي، ١٤١٦ق، ج٣، ص ٣٤١؛ الواسطي الزبيدي، ١٤١٤ق، ج ٧، ص٦).
٢. مع تصريح اللغويين بالفرق المفهومي بين «الشفر» و«الجفن»، من الغريب أن بعض الفقهاء، دون إقامة أي دليل، اعتبروهما بمعنى واحد (الروحاني، ١٤١٢ق، ج ٢٦، ص ٢٤٤)، وبعض الباحثين، بنهج تبسيطي، جعلوا هذا الفهم من الفقهاء معيارًا وحملوا تعبير «الشفر» في رواية ظريف على الجفن (حاتمي، علمي سولا وحائري، ١٣٩٨، ج ٣، ص ٤٩٥). هذا في حين أنه أولًا، لا يمكن العثور في أي من كتب اللغة على ما يؤيد ترادف «الشفر» و«الجفن»؛ ثانيًا، الفقهاء أنفسهم في مواضع أخرى صرحوا بأن «الشفر» يعني حافة الجفن، وليس الجفن نفسه؛ على سبيل المثال، في مبحث دية الأعضاء التناسلية للمرأة، اعتبر بعض الفقهاء اللحم المحيط بالفرج في حكم «الجفن» وحوافه في حكم «الشفر»، وبذلك أقروا ضمنيًا بالفرق بينهما (الطوسي، ١٣٨٧ق، ج٧، ص ١٤٩؛ الحلي، ١٤٢٠ق، ج ٥، ص ٥٩٨). كما أن بعض الفقهاء الذين صرحوا بترادف «الشفر» و«الجفن» في مسألة «دية الأجفان»، في مسألة دية الأعضاء التناسلية للمرأة، بتقريرهم للفرق بين هذين التعبيرين وعدم نقده، قد أقروا بهذا الفرق المعنوي (الروحاني، ١٤١٢ق، ج ٢٦، ص ٢٩١). ثالثًا، حتى لو استخدم «الشفر» أحيانًا في الفقه بمعنى «الجفن»، فلا يمكن استنتاج أن هذا الترادف والتناوب موجود بالضرورة في الرواية ولسان المعصومين (ع)؛ بل إن الاستعمالات الروائية تتبع دائمًا عرف المحاورة في زمن الخطاب، والتي تُعرف معانيها من خلال طرق مثل الرجوع إلى كتب اللغة، وليس الرجوع إلى الفقه. بالإضافة إلى التحدي المعنوي لـ «الشفر» – كما ذكر سابقًا – فإن تعبير «شتر» عندما يستخدم بخصوص الأجفان، يعني غالبًا انقلابها، وليس إزالتها.
٣. الفقهاء الذين حددوا دية الأجفان استنادًا إلى رواية ظريف، ركزوا فقط على الإشكال الناشئ من تعبير «شتر»، وفي النهاية، بالاستدلال بأن قطع الأجفان له أولوية أكبر في استحقاق الدية من انقلابها، ظنوا أنهم حلوا تحدي الاستناد إلى رواية ظريف (الخوئي، ١٤٢٢ق، ج ٢٢، ص ٣٤١؛ الروحاني، ١٤١٢ق، ج ٢٦، ص ٢٩١)؛ ولكن الحقيقة هي أنه بالنظر إلى أن «شتر» يستخدم أحيانًا بمعنى القطع (الطريحي، ١٤١٦ق، ج ٣، ص ٣٤١؛ الواسطي الزبيدي، ١٤١٤ق، ج ٧، ص٦)، فإن هذا الإشكال ليس إشكالًا لا مفر منه أساسًا؛ بل التحدي الرئيسي هو استخدام «الشفر» في رواية ظريف، والذي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعني الجفن. وقد تمسك بعض الباحثين بقياس الأولوية للخروج من هذا الإشكال وكتبوا: «مع وجود مثل هذا التفصيل في دية حافة الجفن، ففي الأجفان نفسها سيثبت هذا المقدار من الدية بطريق أولى» (حاتمي، علمي سولا وحائري، ١٣٩٨، ش٣، ص ٤٩٤). هذا الاستدلال غير صحيح؛ لأنه لو كان الأمر كذلك، لما عادت رواية ظريف لتكون مستندًا لدية الأجفان؛ بل إن ما يوجب ثبوت دية الأجفان هو قياس الأولوية الذي تم ترتيبه باستخدام ثبوت الدية لحافة الأجفان. ولكن في هذا الصدد، يجب الانتباه إلى نقطتين أساسيتين: أولًا، إن البنية الخاصة لمباحث كتاب الديات تجعل الاستناد إلى قياس الأولوية في هذه المباحث أمرًا صعبًا جدًا، وبالتالي فإن قبول الاستناد إلى هذا الدليل ليس بالأمر السهل؛ لأنه في الموضوع الحالي، يجب إثبات أنه لا توجد أي خصوصية في استخدام «الشفر» و«الشتر» حتى يمكن استنتاج دية قطع الجفن من ثبوت الدية لهما من باب الأولوية. ومن الواضح أن إثبات هذا الأمر صعب جدًا – بل ممتنع. النقطة الثانية والأهم هي أنه على فرض قبول جريان قياس الأولوية في الموضوع الحالي، ربما يمكن استخلاص نتيجتين أساسيتين منه: الأولى، أن إزالة الأجفان لها دية أيضًا (بالطبع على فرض رفع تحدي تعبير شتر)؛ لأنه عندما يكون لحافتها دية، فمن باب أولى أن يكون لإزالتها نفسها دية؛ النتيجة الثانية، أن دية الأجفان من باب أولى لا تقل عن دية حافتها، وعلى الأقل تساويها؛ لا أنها بالضرورة مساوية لدية حافتها. وبتعبير أوضح، يثبت قياس الأولوية مساواة أو زيادة دية الجفن بالنسبة لحافته، وليس بالضرورة مساواة ديتهما. بناءً على هذا، على الرغم من أن نظرية الأرش سيتم رفضها بالاستناد إلى قياس الأولوية؛ إلا أنه في نفس الوقت، لا يمكن للاستناد إلى هذا الدليل أن يوجد ترجيحًا بين نظرية الربع ونظرية السدس والربع.
٤. توصل الكاتبان في سياق الأبحاث التي قاما بها في المصادر الفقهية إلى سند مهم يضاعف من تحدي الاستناد إلى رواية ظريف. هذا السند منعكس في كتاب دعائم الإسلام. إن كيفية استخدامنا لهذا السند تجعل من غير الضروري أساسًا إضفاء الحجية على روايات هذا الكتاب؛ لأن السند المذكور في هذا المقال يُستند إليه فقط لتوضيح أحد الاستخدامات المعنوية المهمة لتعبير «الشفر» في ثقافة الفقه الإسلامي، ولا يُرجع إليه أساسًا كرواية ونص شرعي. على أي حال، الحديث الرابع من فصل «الجنايات على الجوارح» من كتاب الدعائم هو كالتالي: «فِي شَفْرِ الْعَيْنِ الْأَعْلَى إِذَا أُصِيبَ فَشُتِرَ فَفِيهِ ثُلُثُ دِيَةِ الْعَيْنِ وَفِي الْأَسْفَلِ نِصْفُ دِيَةِ الْعَيْنِ وَمَا أُصِيبَ مِنْهُ فَبِحِسَابِ ذَلِكَ وَإِذَا نُتِفَتْ أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ كُلُّهَا فَلَمْ يَنْبُتْ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُ الدِّيَةِ وَهُمَا سَوَاءٌ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ» (المغربي، ١٣٨٥، ج٢، ص ٤٣١).
ما يلفت الانتباه في هذه العبارات هو عبارة «إِذَا نُتِفَتْ أَشْفَارُ الْعَيْنَيْنِ كُلُّهَا فَلَمْ يَنْبُتْ» التي تظهر أن المراد بـ«أشفار» في هذا السند هو الأهداب، وليس حتى حافة الجفن؛ فاستخدام تعبيري «نُتِفَتْ: قُلِعَتْ» و«يَنْبُتُ: ينمو» يقوي هذا المعنى ويؤكده جيدًا. والمثير للاهتمام أن العبارة الأولى من هذا النص هي نفسها مضمون رواية ظريف، وكأنه نص واحد في سندين مختلفين مع اختلافات جزئية. والأكثر إثارة للاهتمام هو احتمال أن بعض الفقهاء المتقدمين مثل الشيخ الطوسي وابن البراج، الذين أثبتوا الدية الكاملة لنتف الأهداب في حال عدم نموها مرة أخرى (الطوسي، ١٤٠٧ق «أ»، ج ٥، ص ٢٣٧؛ ابن البراج، ١٤٠٦ق، ج٢، ص٤٧٦)، كانوا ينظرون إلى هذه الرواية نفسها؛ كما أشار مصححو الخلاف طبعة جامعة المدرسين إلى هذا الاحتمال (الطوسي، ١٤٠٧ق«أ»، ج ٥، ص٢٣٧). على أي حال، فإن احتمال أن يكون المراد بـ«أشفار» ليس حتى حافة الجفن، بل الأهداب من باب علاقة الحال بالمحل، وارد أيضًا. بناءً على ذلك، يتضح من مجمل ما قيل أن قبول الاستناد إلى رواية ظريف في مسألة دية الأجفان يواجه تحديات جدية، وعلى الأقل بسبب الإجمال والإبهام في نطاق شمولها، فإن إمكانية الاستناد إليها معدومة أساسًا.
خامسًا: الباحثون الذين، اتباعًا لبعض الفقهاء، وجدوا نظرية التنصيف أقوى من النظريات الأخرى بالاعتماد على رواية هشام بن سالم (حمداللهي وجهانكيري وأصغري، ١٣٩٨، ص ٤٧؛ كلوانق وباقري مرتاضي، ١٣٩٩، ص ٤١٩). على الرغم من أنه لا يمكن الإشكال على سند هذه الرواية؛ لأنه على الرغم من أنها نُقلت في التهذيب (الطوسي، ١٤٠٧ق«ب»، ج ١٠، ص ٢٥٨) بصورة مضمرة؛ إلا أنها في الفقيه (الصدوق، ١٤١٣ق، ج ٤، ص ١٣٣) نُقلت بصورة مسندة عن الإمام الصادق(ع)؛ ولكن من الناحية الدلالية، يوجد إشكالان أساسيان فيما يتعلق بالاستناد إليها؛ إشكالات إذا تم تحليلها بعمق، فإن الإجابة عليها صعبة أو حتى ممتنعة.
أ) الإشكال الأول ناظر إلى تعبير «كل ما كان»؛ بمعنى أن شمول رواية هشام للأعضاء التي ليس لها استقلالية وهي في الواقع تابعة لعضو آخر، هو محل تردد بل إنكار. وبتعبير أوضح، تشمل رواية هشام بلا شك أعضاء مثل اليدين أو القدمين أو العينين التي هي أعضاء مستقلة؛ أما الأجزاء والأعضاء التابعة لهذه الأعضاء، مثل الأجفان أو الأصابع، فهي بلا شك غير مشمولة بها ومنصرفة عنها.
ب) يمكن طرح الإشكال الثاني بخصوص تعبير «اثنان»؛ لأنه على فرض أن رواية هشام لا تنظر فقط إلى الأعضاء المستقلة غير التابعة، فالحقيقة أن قبول القول بأن الأجفان تُعد من الأعضاء المزدوجة ومصداقًا لـ«اثنان» في رواية هشام هو أمر صعب، بل ممتنع؛ لأنه عندما يُنظر إليها بمعزل عن الاعتبار والعلاقة والانتزاع، فإن الأجفان تُعد أربعة، لا اثنين. وبالتالي، فإن مثل هذا الفرض هو مجرد اعتبار، وهو في مقام استنباط الأحكام الفقهية من النصوص الشرعية فاقد للحجية (الشهيد الثاني، ١٤١٣ق، ج ١٥، ص ٤٠٢؛ الطباطبائي، ١٤١٨ق، ج١٦، ص ٤٣١؛ الخوانساري، ١٤٠٥ق، ج٦، ص ٢١٨؛ الفيض الكاشاني، بلا تاريخ، ج٢، ص ١٤٧). ومن الجدير بالذكر أن القول بأن النظرة الاعتبارية للأعضاء لا تؤدي إلى اندراجها تحت رواية هشام، هو قضية تم التأكيد والتصريح بها من قبل الفقهاء بخصوص بعض الأعضاء الأخرى؛ على سبيل المثال، اعتبر العلامة الحلي، باستخدام هذا الافتراض، أن اعتبار الشعر عضوًا واحدًا أمر قابل للخدش (الحلي، ١٤١٣ق، ج ٩، ص ٣٦٩)؛ كما أن الفاضل اللنكراني، في اعتراضه على ابن إدريس (ابن إدريس، ١٤١٠ق، ج ٣، ص ٣٧٨) الذي اعتبر الشعر عضوًا واحدًا، قد أكد على هذه النقطة (الفاضل اللنكراني، ١٤١٨ق، ص۱۱۲). على أي حال، الحقيقة هي أن الأجفان هي من بين أجزاء البدن الأربعة، وعلى فرض أنه يمكن، بصورة اعتبارية، اعتبار جفنين جفنًا واحدًا، فإن ذلك لا يوجب اندراجها تحت رواية هشام التي تنظر إلى الأعضاء والأطراف التي هي حقيقةً واحدة أو مزدوجة.
سادسًا: على الرغم من أن بعض الفقهاء والباحثين المذكورين في دية الإزالة الفردية للأجفان قد تمسكوا بأصل التساوي في التقسيط أو أصل عدم الزيادة، يجب الانتباه الكامل إلى أن هذين الأصلين، خاصة في مجال الدية الذي هو من الأحكام التوقيفية، لا يملكان أساسًا جانبًا استقلاليًا، ويمكن الرجوع إليهما فقط وفقط في سبيل إكمال وتتميم الاستدلالات، وأيضًا لا يمكن الاعتماد عليهما إلا في حالة عدم وجود دليل في المسألة. بناءً على ذلك، لا يبدو أن أيًا من النظريات التي طُرحت بخصوص دية الأجفان يمتلك سندًا محكمًا، ومن هذا المنطلق لا يمكن ترجيح أي منها على الأخرى.
سابعًا: بالنظر إلى عدم وجود دليل مستقل لإثبات أي من النظريات المطروحة بخصوص دية الأجفان، يجب البحث عن طريق آخر وسلوك طرح آخر. يعتقد الكاتبان أنه في هذا المجال يمكن استخدام المنهج القرائني والخروج من التحدي الذي نشأ. المقصود بالمنهج القرائني هو منهج يعتمد على تعدد القرائن، وبالاستناد إليها، من خلال تراكم الظنون التي تثيرها هذه القرائن، يفضي إلى العلم والاطمئنان الوجداني. الفرض المسبق للاستناد إلى مثل هذا المنهج هو أن الأدلة المعتبرة لا تقتصر على الأدلة التي تكون نتيجتها القطع واليقين المبني على مقدمات منطقية ورياضية؛ بل يمكن أن تكون نتيجة الدليل المعتبر هي العلم أو الاطمئنان الوجداني أيضًا. كما أنه ليس من الضروري لإثبات علمية فرضية ما، أن يؤدي كل دليل بمفرده إلى مثل هذه النتيجة؛ بل يمكن جمع القرائن التي لا يكون كل منها بمفرده مولدًا للعلم أو الاطمئنان؛ ولكن مجموع القرائن يوجب تراكم الظنون وفي النهاية العلم أو الاطمئنان الوجداني (الإمامي، ١٣٩١، ص ١٦٩). وتجدر الإشارة إلى أنه بما أن مثل هذا المنهج يمكن أن يندرج تحت دليل العقل – الذي هو من الأدلة الأربعة – فلا يوجد مانع من استخدامه. بالإضافة إلى أنه عندما يستفيد فقيه مثل الشهيد الصدر في مباحث «الاستدلال العلمي لإثبات الله تعالى» في كتاب الفتاوى الواضحة من هذا المنهج في إثبات أصول الدين (انظر: الصدر، ١٤٠٣ق، ص ١٩ – ٤٠)، فإن استخدامه في الفروع لا ينبغي أن يثير الدهشة والإنكار. وبالطبع، من الواضح أن المنهج القرائني يختلف عن الاستحسان والمقاصد الشرعية التي يتمسك بها أهل السنة (زيدان، ١٣٨٨، ص٢٣٨ – ٢٤٣)؛ لأن استخدام هذا المنهج ليس موجهًا أساسًا لمقاصد ومصالح الشارع؛ بل يركز على الظنون المتعددة التي تكون في سياق إثبات حكم شرعي خاص بشكل هادف، متوافقة ومتحالفة، وبتجميعها، ينشأ اطمئنان وجداني بذلك الحكم.
على أي حال، في مسألة دية الجفن، فإن الظنون التي يمكن من تراكمها الوصول إلى اطمئنان وجداني في هذا المجال هي: رواية الجعفريات، الروح الكلية الحاكمة على قواعد الديات، إجماع الفقهاء في مجال دية الإزالة الكلية للأجفان، أصل عدم التقسيط وأصل عدم الزيادة. هذه المجموعة، عندما يُنظر إليها جنبًا إلى جنب، ستؤدي إلى ثبوت هذا الرأي القائل بأن لكل من الأجفان الأربعة ربع الدية الكاملة.
ثامنًا: الرواية التي وردت في كتاب الجعفريات أو الأشعثيات هي كالتالي: «فِي جُفُونِ الْعَيْنَيْنِ فِي كُلِّ جَفْنٍ مِنْهُمَا4 رُبُعُ الدِّيَةِ» (ابن الأشعث الكوفي، بلا تاريخ، ص۱۲۹)؛ أي لكل جفن من أجفان العينين، ربع الدية ثابت.
في هذه الرواية، تم إثبات ربع الدية الكاملة لكل جفن، والتي إذا عُمل بها، سينتهي التحدي في هذا الموضوع؛ لأنه بالنظر إلى عبارة «في جفون العينين»، يتضح هذا الفهم أنه بالنظر إلى ثبوت ربع الدية الكاملة في كل جفن، ففي مجموع الجفون، تثبت دية كاملة. في هذه الرواية، تم تحديد دية الإزالة الكلية ودية الإزالة الفردية للأجفان ببراعة. ومع ذلك، فإن الحقيقة هي أن وجود زيادات ونواقص في الجعفريات أدى إلى خدش أصالتها (النجفي، ١٤٠٤ق، ج۲۱، ص ۳۹۸؛ الخوئي، ١٤٢٢ق، ج ٤١، ص ٢٧٥ – ٢٧٦) مما يجعل قبول هذه الرواية يواجه تحديًا. ومع ذلك، كما صرح بعض الفقهاء، ربما لا تلحق هذه الزيادات والنواقص، بالنظر إلى إمكانية تمييزها، ضررًا بجميع روايات الجعفريات (الجزائري، ١٣٥٥، ص٥٦)؛ بالإضافة إلى أن بعض خبراء النسخ الماهرين قد طرحوا احتمال أن كتاب الجعفريات هو نفسه كتاب السكوني الذي حمله إسماعيل بن موسى بن جعفر (ع) إلى مصر (موقع دروس وآثار آية الله المددي، تحت مبحث كتاب الأشعثيات وعلاقته بكتاب السكوني). ومع ذلك، من المسلم به أن الرواية المذكورة – مع كل ما قيل وقيل في حجيتها – إذا لم تستطع أن تكون سندًا لإثبات نظرية التنصيف، فإنها تُعتبر على الأقل مؤيدًا قويًا لهذا الغرض.
تاسعًا: في المباحث السابقة، اعتُبر الاستناد إلى رواية هشام لإثبات نظرية التنصيف مخدوشًا، واعتُبر مدلولها منصرفًا عن الأجفان؛ ولكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار استشمام أو استنباط ضابطة منطقية في مجال تقدير الدية من هذه الرواية والروايات المشابهة لها؛ لأن التأمل في رواية هشام مع رواية ابن سنان5 (الكليني، ١٤٠٧ق، ج٧، ص ٣١٥)، وكذلك مجموعة من الروايات التي تم فيها تحديد الدية الكاملة للأعضاء المفردة، أو نصف الدية الكاملة لكل من الأعضاء المزدوجة (الصدوق، ١٤١٣ق، ج ٤، ص ١٣٢)، يوضح جيدًا أنه في الفقه الإمامي، بُذلت محاولة لاتباع منطق موحد في تقدير دية الأعضاء المفردة والمتعددة. هذه النصوص، عندما توضع جنبًا إلى جنب وتُعتبر كمجموعة، تُظهر السلوك الكلي والروح الحاكمة على تقدير الدية في الشريعة الإسلامية؛ على سبيل المثال، في رواية عن «العلاء بن الفضيل» عن الإمام الصادق (ع) جاء: «إِذَا قُطِعَ الْأَنْفُ مِنَ الْمَارِنِ فَفِيهِ الدِّيَةُ تَامَّةً… وَفِي أُذُنَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَالرِّجْلَانِ وَالْعَيْنَانِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» (الكليني، ١٤٠٧، ج ٧، ص۳۱۲)؛ كلما قُطع الأنف من طرفه اللين، ففيه دية كاملة، وفي أذني الإنسان دية كاملة، ويتعلق بالقدمين والعينين نفس التقدير.
في هذه الرواية، فإن تحديد الدية الكاملة لعضو واحد مثل الأنف وكذلك ثبوتها في مقابل سلب أعضاء مزدوجة مثل الأذنين والقدمين والعينين هو في الحقيقة مدين للسلوك الكلي والروح الحاكمة في مجال تقدير الدية التي بيّن الإمام (ع) حكم هذه المصاديق بناءً عليها، وأشار إلى وجودها بعبارة «بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ».
من هنا، أشار الشهيد الأول في كتاب القواعد إلى وجود مثل هذا السلوك في تقدير الدية. ويصرح بأن تحديد مقدار الدية غالبًا ما يتبع العدد؛ ومن هنا، في الأعضاء المزدوجة والثلاثية والرباعية والعشرية – بما يتناسب مع عددها – توزع الدية بالتساوي (الشهيد الأول، بلا تاريخ، ج ٢، ص١٩). وبالطبع، ذكر ثلاثة استثناءات من الأعضاء المتعددة التي لم تتبع هذا النهج وهي: الحاجبان والترقوتان في الأجزاء المزدوجة والأظافر في الأعضاء العشرية، والتي لا تُعد الأجفان من بينها (نفس المصدر، ص ٢٠). وبالطبع، يجب الانتباه إلى أنه بالنظر إلى كثرة الأعضاء المفردة والمزدوجة في الجسم، فإن الروايات صرحت فقط بحكم هذين النوعين من الأعضاء ولم تذكر حكم الأعضاء الرباعية مثل الأجفان. ولكن بالاعتماد على ما تم بيانه، من الواضح والمبرهن تمامًا أن تحديد ربع الدية لكل جفن هو أكثر انسجامًا مع الروح الكلية الحاكمة على تقدير مقدار الدية في الفقه الإمامي وروايات أهل البيت (ع)، ويتجلى بشكل أكثر تطابقًا مع السلوك الذي ذُكر. بناءً على ذلك، فإن الروح المنبثقة من طريقة تقدير الدية في النصوص الشرعية يمكن أن تكون مؤيدًا لمضمون رواية الجعفريات.
عاشرًا: إلى جانب هذه المطالب، يوجد الإجماع الذي أقيم بين فقهاء العصور الماضية حول دية الإزالة الكلية للأجفان، والذي على الرغم من كونه قابلًا للنقد لكونه مدركيًا؛ إلا أنه على أي حال يعكس الموقف العام للفقهاء على مر التاريخ، ويمكن أن يكون مؤيدًا قويًا لإثبات الدية الكاملة لإزالة مجموع الأجفان. هذا الإجماع، بالإضافة إلى الأصلين اللذين ذُكرا، أي أصل التساوي في التقسيط وأصل عدم الزيادة (النجفي ١٤٠٤ق، ج ٤٣، ص ١٨١)، يؤديان جميعًا إلى نفس النتيجة التي يتم التوصل إليها من الرجوع إلى رواية الجعفريات والروح الحاكمة على النصوص الشرعية.
بناءً على هذا، فإن مجموعة هذه الظنون التي ذُكرت، بشكل هادف ومتوافق مع بعضها البعض، تلعب دورًا في تحقيق الاطمئنان بنظرية التربيع، وإذا نُظر إليها بنظرة كلية متكاملة، فإنها تُعتبر جميعها أجزاء من لغز واحد، يكون انعكاسه الخارجي هو ثبوت الدية الكاملة في الإزالة الكلية وثبوت ربع الدية الكاملة في الإزالة الفردية للأجفان.
الخاتمة
فيما يتعلق بدية الأجفان – سواء في فرض الإزالة الكلية أو في فرض الإزالة الفردية – يوجد خلاف في الرأي. هذه الخلافات، التي انعكست بشكل بارز في النصوص الفقهية، لم تمنع المشرع في قانون العقوبات الإسلامي من الامتناع عن تحديد دية لإزالة الأجفان، بل باتخاذ أحد الآراء الفقهية في المادة ٥٩٠ ق.م.ا، في حالة الإزالة الكلية للأجفان، أقر الدية الكاملة، وفي فرض الإزالة الفردية لها، لكل من الأجفان العليا سدس الدية الكاملة، ولكل من الأجفان السفلى ربع الدية الكاملة. إن التأمل في المباني الفقهية للنظرية التي اختارها المشرع وكذلك دراسة جميع الآراء التي طُرحت في هذا المجال، يظهر أن الأدلة التي أقيمت لقبول كل منها غير تامة، وفي هذا الخصوص لا يمكن التمسك بأي دليل مستقل. هذا الأمر نفسه أدى إلى أن تُدرس دية الجفن في هذا المقال كتحدٍ أساسي، وأن يتم حل هذا التحدي بتحليل دقيق ونقد للآراء المختلفة بالاستناد إلى المنهج القرائني. وفقًا لهذا النهج، وبالنظر إلى قصور أدلة الآراء المختلفة، وبالاطمئنان الناشئ عن تراكم الظنون المختلفة، يمكن قبول نظرية التربيع أو التنصيف. الظنون المتراكمة التي ذُكرت هي: ١. رواية من كتاب الجعفريات التي يُلتفت إليها لأول مرة في هذا المجال. هذه الرواية صريحة في المقصود؛ ولكن بسبب الإشكالات المتعلقة بأصالة السند، تُعتبر مجرد ظن قوي. ٢. الروح الكلية الحاكمة على تقدير مقدار الدية في لسان النصوص الشرعية التي تؤيد مضمون رواية الجعفريات. ٣. إجماع الفقهاء على ثبوت الدية الكاملة للأجفان بالإضافة إلى أصل التساوي في التقسيط وأصل عدم الزيادة. إن الاطمئنان الوجداني الذي ينشأ من مجموع الظنون المتقدمة يُعتبر دليلًا عقليًا يمكن أن يكون له جانب معذّرية ويُنظر إليه كحجة شرعية في مجال دية الأجفان. بناءً على هذا، يُقترح تعديل المادة ٥٩٠ ق.م.ا على النحو التالي: «دية مجموع الأجفان الأربعة، دية كاملة، ودية كل واحد منها، ربع الدية الكاملة».
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
١. ابن إدريس، محمد بن منصور (١٤١٠ق). السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى. قم: دفتر انتشارات اسلامی.
٢. ابن اشعث الكوفي، محمد بن محمد (بلا تاريخ). الجعفريات (الأشعثيات). طهران: بينا.
٣. ابن براج، قاضي عبدالعزيز (١٤٠٦ق). المهذب. قم: دفتر انتشارات اسلامی.
٤. ابن زهرة الحلبي، حمزة بن علي (١٤١٧ق). غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
٥. الأردبيلي، أحمد بن محمد (١٤٠٣ق). مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان. قم: دفتر انتشارات جامعة المدرسين.
٦. إمامي، مسعود (شتاء ١٣٩١). دليلي نوين بر امامت دوازده امام شيعه (ع). إمامت پژوهی. (٨)، ١٦٧ – ٢٠٤.
٧. التبريزي، جواد بن علي (١٤٢٨ق). تنقيح مباني الأحكام ـ كتاب الديات. قم: دار الصديقة الشهيدة (ع).
٨. الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٤١٠ق). الصحاح ـ تاج اللغة وصحاح العربية. بيروت: دار العلم للملايين.
٩. حاتمي، صديقة ومحمدرضا علمي سولا ومحمدحسن حائري (خريف ١٣٩٨). تحليل و ارزيابى ديدگاههاى فقهى راجع به ميزان ديه پلکها: با تأکيد بر ماده ٥٩٠ ق.م.ا. پژوهشهای فقهی، ١٥(٣)، ٤٨٩ ـ ٥١١.
١٠. حجازي، رضا (١٣٩٢). آناتومي سر و گردن. طهران: مؤسسة انتشارات دانشگاه تهران.
١١. الحر العاملي، محمد بن حسن (١٤٠٩ق). وسائل الشيعة. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
١٢. الحلي، جعفر بن حسن (١٤٠٨ق). شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام. قم: مؤسسة اسماعیلیان.
١٣. __________ (١٤١٨ق). المختصر النافع في فقه الإمامية. قم: مؤسسة المطبوعات الدينية.
١٤. __________ (١٤٠٧ق). المعتبر في شرح المختصر. قم: مؤسسة سيدالشهداء (ع).
١٥. الحلي، حسن بن يوسف (١٤١٠ق). إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان. قم: دفتر انتشارات اسلامی حوزه علمیه.
١٦. __________ (١٤١٣ق«أ»). قواعد الأحكام. قم: انتشارات جامعه مدرسين.
١٧. __________ (١٤١٣ق«ب»). مختلف الشيعة في أحكام الشريعة. قم: دفتر انتشارات اسلامی.
١٨. __________ (١٤٢٠ق). تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
١٩. __________ (١٤٢١ق). تلخيص المرام. قم: دفتر تبليغات إسلامي.
٢٠. الحلي، محمد بن حسن (١٣٨٧ق). إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. قم: مؤسسة اسماعیلیان.
٢١. __________ (١٣٨٧). إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد. قم: مؤسسة اسماعیلیان.
٢٢. حمداللهي، عارف ومحسن جهانگيري وعبدالرضا أصغري (خريف وشتاء ١٣٩٨). تحليل فقهي ماده ٥٩٠ ق.م.ا در تعيين مقدار ديه پلکها. آموزه های حقوق کیفری. (١٨)، ٣١ – ٥٠.
٢٣. الحميري، نشوان بن سعيد (١٤٢٠ق). شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم. بيروت: دار الفكر المعاصر.
٢٤. الخوانساري، سيد أحمد (١٤٠٥ق). جامع المدارك في شرح مختصر النافع. قم: مؤسسة اسماعیلیان.
٢٥. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤١٠ق«ب»). تكملة المنهاج. قم: مدينة العلم.
٢٦. __________ (١٤٢٢ق). مباني تكملة المنهاج. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.
٢٧. __________ (١٤١٠ق«أ»). معجم الرجال الحديث. قم: مركز نشر آثار الشيعة.
٢٨. الروحاني، سيد صادق (١٤١٢ق). فقه الصادق (ع). قم: دار الكتاب – مدرسة الإمام الصادق (ع).
٢٩. __________ (بلا تاريخ). منهاج الصالحين. بيجا: بينا.
٣٠. زيدان، عبدالكريم (١٤١٠ق). المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية. بيروت: مؤسسة الرسالة.
٣١. سلار الديلمي، حمزة بن عبدالعزيز (١٤٠٤ق). المراسم العلوية والأحكام النبوية. قم: منشورات الحرمين.
٣٢. العاملي، محمد بن مكي (الشهيد الأول) (١٤١٠ق). اللمعة الدمشقية في فقه الإمامية. بيروت: دار الإحياء التراث العربي.
٣٣. __________ (١٤١٤ق). غاية المراد في شرح نكت الإرشاد. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.
٣٤. __________ (بلا تاريخ). القواعد والفوائد. قم: كتابفروشي مفيد.
٣٥. العاملي، زين الدين بن علي (الشهيد الثاني) (١٤١٤ق). حاشية الإرشاد. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه.
٣٦. __________ (١٤١٠ق). الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية (المحشى كلانتر). قم: كتابفروشي داوري.
٣٧. __________ (١٤١٣ق). مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام. قم: مؤسسة المعارف الإسلامية.
٣٨. صاحب بن عباد، كافي الكفاة، إسماعيل بن عباد (١٤١٤ق). المحيط في اللغة. بيروت: عالم الكتاب.
٣٩. الصدوق، محمد بن علي (١٤١٣ق). من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٤٠. الصيمري، مفلح بن حسن (١٤٠٨ق). تلخيص الخلاف وخلاصة الاختلاف. قم: كتابخانه آية الله المرعشي النجفي.
٤١. الطباطبائي، سيد علي بن محمد (١٤١٨ق). رياض المسائل. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٤٢. الطريحي، فخر الدين (١٤١٦ق). مجمع البحرين. طهران: كتابفروشي مرتضوي.
٤٣. الطوسي، محمد بن حسن (١٤٠٠ق). النهاية في مجرد الفقه والفتاوى. بيروت: دار الكتاب العربي.
٤٤. __________ (١٤٠٧ق«أ»). الخلاف. قم: انتشارات جامعة مدرسين.
٤٥. __________ (١٤٠٧ق«ب»). تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٤٦. __________ (١٣٨٧ق). المبسوط في فقه الإمامية. طهران: المكتبة المرتضوية.
٤٧. فارس بن زكريا (١٤٠٤ق). معجم مقاييس اللغة. قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علمية قم.
٤٨. الفاضل اللنكراني، محمد (١٤١٨ق). تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة ـ الديات. قم: مركز فقهي أئمة أطهار (ع).
٤٩. الفاضل الهندي، محمد بن حسن (١٤١٦ق). كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام. قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعة مدرسين حوزه علمية قم.
٥٠. الفراهيدي، خليل بن أحمد (١٤١٠ق). كتاب العين. قم: نشر هجرت.
٥١. فياض الكابلي، محمد إسحاق (بلا تاريخ). منهاج الصالحين. بيجا، بينا.
٥٢. الفيض الكاشاني، محمد محسن (بلا تاريخ). مفاتيح الشرائع. قم: كتابخانه آية الله مرعشي نجفي.
٥٣. الكاشاني المدني، رضا (١٤٠٨ق). كتاب الديات. قم: انتشارات جامعة مدرسين.
٥٤. الكليني، محمد بن يعقوب (١٤٠٧ق). الكافي. طهران: دار الكتب الإسلامية.
٥٥. كلوانق، سليمان وأحمد باقري وأحمد مرتضايي (١٣٩٩ق). «واکاوی مستندات دیه جنایت بر مجموع پلکها و کمتر از آن (نقد و کاوشی فقهی در مبانی ماده ٥٩٠ و ٥٩١ ق.م.ا)». پژوهشهای فقهی، ش ٣.
٥٦. المغربي، نعمان بن محمد (١٣٨٥). دعائم الإسلام. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٥٧. المفيد، محمد بن محمد بن نعمان (١٤١٣ق). المقنعة. قم: کنگره جهاني هزاره شيخ مفيد.
٥٨. مكارم الشيرازي، ناصر (١٤٢٧ق). الفتاوى الجديدة. قم: مدرسة إمام علي بن أبي طالب (ع).
٥٩. الموسوي الخميني، سيد روح الله (بلا تاريخ). تحرير الوسيلة. قم: دار العلم.
٦٠. النجفي، محمد حسن (١٤٠٤ق). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. بيروت: دار الإحياء التراث العربي.
٦١. النوري، حسين (١٤٠٨ق). مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. بيروت: مؤسسة آل البيت (ع).
٦٢. الواسطي الزبيدي، سيد محمد مرتضى (١٤١٤ق). تاج العروس من جواهر القاموس. بيروت: دار الفكر.
٦٣. وبگاه دروس و آثار آية الله مددي، ذيل مبحث کتاب اشعثيات و رابطه آن با سکوني. www.ostadmadadi.ir/persian/article/12574.
٦٤. وحيد الخراساني، حسين (١٤٢٨ق). منهاج الصالحين. قم: مدرسة إمام باقر (ع).
الهوامش
1 (PhD) أستاذ مساعد في قسم الفقه والحقوق بجامعة شهركرد وباحث في مركز الدراسات الفقهية للطب الشرعي (المؤلف المسؤول)؛ jafar.samen.1367@gmail.com.
2 خريجة المستوى الثالث من جامعة الزهراء (عليها السلام)؛ f.ghasemisarab@chmail.ir.
3 بالنظر إلى مقدار الدية المحدد في هذه العبارة، فإن تعبير «منهما» الوارد في هذه النسخة من المبسوط فيه إشكال، والصحيح هو «منها»؛ كما نقل العلامة الحلي عن الشيخ الراحل في المختلف (الحلي، ١٤١٣، ج ٩، ص ٣٦٩).
4 التعبير الصحيح هنا هو «منها»؛ كما ورد في أحد تقارير المحدث النوري في المستدرك (النوري، ١٤٠٨ق، ج١٨، ص ٣٤٠).
5 «مَا كَانَ فِي الْجَسَدِ مِنْهُ اثْنَانِ فَفِي الْوَاحِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ».