الملخص
التناص منهج لفهم النصوص فهماً أدق، يتناول دراسة العلاقات بين النصوص، ويهدف إلى بيان أن كل نص وكل متكلم يتأثر بالنصوص والمتكلمين الآخرين، السابقين له أو المعاصرين، ويستفيد من كلامهم وأفكارهم بوعي أو بغير وعي. لقد أورد الإمام علي (ع) في نهج البلاغة، أحياناً، مفردات وعبارات من نصوص سابقة (سواء من القرآن، أو الأحاديث النبوية (ص)، أو الأمثال والأشعار العربية) في خطبه ورسائله وكلماته القصار، وفي بعض الحالات استلهم مفاهيمها وتعاليمها ليتداعى المحتوى والمضامين في كلامه. ومن خلال هذا المنهج، وبهدف فهم كلام الإمام (ع) فهماً دقيقاً، لا بد لنا من تشخيص العلاقات بين كلام الإمام (ع) وهذه النصوص. ورد في نهج البلاغة حوالي 220 مثلاً، اقتبس الإمام (ع) ونقل عدداً محدوداً منها عن الآخرين. في هذه المقالة، نعتزم دراسة بعض من هذه الأمثال من منظور العلاقات التناصية، ونجيب عن هذا السؤال: أولاً، ما هو نوع التناص في الأمثال العربية الواردة في نهج البلاغة؟ وثانياً، ما هو تأثير هذا المنهج في فهم حديث الإمام (ع)؟ بناءً على ذلك، استخرجنا أولاً بمنهج وصفي-تحليلي جميع الأمثال التي لم يكن الإمام (ع) قائلها الأول، ثم بعد دراسة خلفيتها ومعناها، شخصنا علاقتها بكلام الإمام (ع). ينقسم التناص إلى ثلاثة أنواع: النفي الجزئي، والنفي الموازي، والنفي الكلي. من ثمرات توظيف التناص تشخيص نوع ارتباط كلام المعصوم (ع) بالمثل العربي المشهور، وتُظهر العمليات التناصية في هذا البحث أن الشكل الأكثر شيوعاً لتناص الأمثال في نهج البلاغة هو التناص اللفظي من نوع النفي الموازي؛ حيث أورد الإمام (ع) أصل ألفاظ المثل في كلامه، ولكنه أقام نوعاً من التوافق بين المعنى الذي يقصده القائل الأصلي وكلامه الخاص.
1. طرح المسألة
يمكننا أن نضع نهج البلاغة من حيث الفكر والبلاغة في أسمى المراتب بعد كلام الله وكلام النبي (ص) الذي وصفه القرآن بقوله: «وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (النجم: 3-4). إن استفادات الإمام (ع) اللفظية والمحتوائية المتعددة من هذين المصدرين هي أحد عوامل جاذبية نهج البلاغة على مر التاريخ. بنظرة أدق إلى نهج البلاغة، نجد أن كلام الإمام علي (ع)، بالإضافة إلى القرآن والحديث النبوي (ص)، قد ارتبط ارتباطاً عميقاً بالأمثال العربية المشهورة، وأشعار الشعراء، والثقافة الجاهلية والإسلامية بوصفها تراثاً عربياً، واستفاد منها استفادات لفظية ومضمونية كثيرة. بناءً على ذلك، يساعدنا التناص، كمنهج لفهم أفضل لارتباط النصوص ببعضها البعض، بشكل كبير في كشف واستخراج العبارات والمضامين الخمس المذكورة أعلاه ودراسة نوع الارتباط ومكانة كلام الإمام (ع) بها؛ لنصل من هذا الطريق إلى فهم أدق لكلام الإمام علي (ع). يقتصر هذا البحث على دراسة جزء من هذه المقولات، وهي الأمثال، ويُظهر أن الإمام (ع) قد استخدم في نهج البلاغة بشكل واسع تعابير ومفاهيم المثل العربي، وقد أضفى هذا الأمر جاذبية وعمقاً في المعاني وتأثيراً على كلامه. لأمثال نهج البلاغة جانبان: لفظي ونصي. الجانب اللفظي يتناول بحث البنية، والجانب النصي يتناول المعنى والمضمون، والاهتمام بكلا الجانبين أمر ضروري؛ لأنه إذا توقفنا عند اللفظ والظاهر، فسنغفل عن فهم الرسالة الأساسية للمتكلم، وإذا نظرنا إلى الجوانب النصية بمعزل عن الجوانب اللفظية، فلن ندرك جمال دقة الإمام (ع) في اختيار المثل وتوظيفه في أفضل موضع من كلامه. بناءً على ذلك، فإن أهم مسائل هذا البحث هي: معرفة أنواع الأمثال في نهج البلاغة، ودراسة هدف الإمام (ع) من توظيفها، والفهم الدقيق لكلام الإمام (ع) حيثما يستخدم مثلاً معيناً، وأخيراً كشف نوع العلاقة بين كلام الإمام (ع) والمثل الذي استخدمه. في هذا البحث، سنتحدث أولاً بإيجاز عن التناص وعلاقاته وأجزائه، ثم بعد ذكر تعريف الأمثال وفوائدها وعددها في نهج البلاغة، نتناول أنواع العلاقات التناصية للأمثال في نهج البلاغة بناءً على النظرية المذكورة.
2. خلفية البحث
لقد أُجريت بحوث موجزة حول الأمثال والتعبيرات المثلية في نهج البلاغة، أهمها بحث محمد غروي في «الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة» و«الأمثال في نهج البلاغة»، والثاني ملخص للأول. كما خُصصت أعمال أخرى لهذا الموضوع، مثل «أمثال البلاغة» لسيد حسين كلانتر و«أمثال وحكم نهج البلاغة ومعادلهای فارسی و انگلیسی آنها» لهاجر أندقاني، وكلها مستقاة من أعمال غروي. كما كُتبت أطروحة بعنوان «بررسی تطبیقی أمثال قرآن ونهج البلاغه» (دراسة مقارنة لأمثال القرآن ونهج البلاغة)، تناول فيها الباحث بأسلوب تقليدي دراسة الأمثال في القرآن ونهج البلاغة ومقارنتها ببعضها البعض، وهي تختلف تماماً عن هذه المقالة من حيث المنهج والمحتوى. المقالة الوحيدة التي درست تناص آيات القرآن في نهج البلاغة من هذا المنظور هي بحث السيد مهدي مسبوق في مقالة «روابط بینامتنی قرآن با خطبه های نهج البلاغه» (العلاقات التناصية للقرآن مع خطب نهج البلاغة)، وهي في الأساس تتناول مجالاً آخر من التناص في نهج البلاغة ولا علاقة لها بالبحث الحالي. بناءً على ذلك، وفيما يتعلق بانعكاس الأمثال في نهج البلاغة وتحليلها بناءً على نظرية التناص، لم يُجرَ أي بحث، على حد علم كاتب هذه المقالة.
3. نظرية التناص
«التناص» نظرية تهدف إلى فهم أفضل للنصوص، وتُعرف في العربية بعناوين مثل «التناص»، و«النصوصية» (عزام، 2001م: 41-42)، و«التناصية»، و«تداخل النصوص» (سالمي، 2014م: 2؛ عزام، 2005م: 39)، وفي اللغة الإنجليزية بمصطلح «intertextuality»، ويُترجم في الفارسية بمعنى «تداخل متون باهم» (تداخل النصوص مع بعضها) (رستم پور، 1384ش: 19؛ ميرزائي، 1388ش: 300-301)، وتهدف إلى بيان أن كل نص له مرجع سبقه أو عاصره (جبر الأسدي، 2000م: 11-13). نشأت هذه النظرية من أحد فروع اللسانيات الحديثة (مكاريك، 1383ش: 72) التي تتمحور حول النص، والتي تعتبر النص وحدة مفتوحة تتفاعل مع نصوص أخرى، وتعتبر كل نص مزيجاً من نصوص متنوعة أخرى (كيوان، 1998م: 209؛ جبر الأسدي، 2000م: 11-20؛ آلن، 1380ش: 5-6؛ مسكين، 2004م: 51-60). لذلك، فإن الذين يؤمنون بالتناص لا يقبلون بأن يكون أي نص إنجازاً أصيلاً للمؤلف (جابر، 2007م: 1081). استخدمت مصطلح التناص لأول مرة الناقدة الأدبية والروائية البلغارية-الفرنسية «جوليا كريستيفا»[1] في الستينيات من القرن الماضي، ورغم أن البعض يعتقد أن الروسي باختين قد قام بمبادرات قبلها (كيوان، 1998م: 15)؛ إلا أن جهود جوليا كريستيفا لدمج نظريات «سوسور»[2] و«باختين»[3] حول اللغة والأدب أدت إلى ظهور أول نظرية للتناص (آلن، 1380ش: 7). حداثة النظرية وكثرة استخدامها أدت إلى ظهور تعريفات متنوعة لها (للاطلاع، انظر: kristeva, 1970: 12؛ مفتاح، 1985م: 121؛ ژنت، 1985م: 5؛ عزام، 2001م: 29؛ آلن، 1380ش: 53؛ كريستوا، 1381ش: 44؛ مكاريك، 1383ش: 72-73؛ تودوروف، 1382ش: 48؛ داد، 1383ش: 424؛ نعمت، 1390ش: 116-117؛ قائمي نيا، 1393ش: 426)، وفي أبسط تعريف لها، هي العلاقة بين لفظين أو نصين أدبيين، حيث تقول إن كل نص هو تناص، والنصوص الأخرى حاضرة فيه بمستويات مختلفة وقابلة للتمييز على شكل اقتباسات مباشرة وخفية. للتناص ثلاثة أجزاء رئيسية: النص الغائب أو الخفي، والنص الحاضر أو الظاهر، والعمليات التناصية. النص الحاضر هو النص الموجود الذي يخضع للدراسة التناصية لاستخراج النصوص الأخرى منه. النص الغائب هو النص الكامن في طيات النص المقروء، ويسعى الباحث إلى كشفه وتنميطه. العمليات التناصية هي أهم جزء في نظرية التناص، وهي عملية تحويل النصوص الخفية إلى نصوص ظاهرة، مما يوضح العلاقة بين النصين الغائب والحاضر (موسى، 2000م: 51-52؛ جمعه، 2003م: 144). معادلة أي نص أدبي في نظرية التناص هي كالتالي: كل نص (= النص الحاضر)؛ هو عبارة عن: امتصاص وتحويل (= العمليات التناصية) من نصوص أخرى كثيرة (= النصوص الخفية). القوانين والأشكال الثلاثة للتناص، التي تبين كيفية إعادة إنتاج النصوص الخفية وحضورها في النص الظاهر، هي: تناص الاجترار أو النفي الجزئي، وتناص الامتصاص أو النفي الموازي، وتناص الحوار أو النفي الكلي (المصدر نفسه، 55؛ مفتاح، 1999م: 41؛ ميرزائي، 1388ش: 306). في تناص الاجترار أو النفي الجزئي، يأتي الكاتب بكامل أو جزء من عبارة النص الغائب بنفس اللفظ والمعنى الأصلي في نصه، وفي الحقيقة يكون النص الحاضر امتداداً للنص الغائب. اكتشاف هذا النوع من التناص سهل؛ لأن الابتكار والتجديد فيه قليل (عزام، 2005م: 116). ويشير الكاتب إشارة مباشرة إلى النص الغائب في جملة أو عبارة أو كلمة. في تناص الامتصاص، يُقبل معنى النص الغائب في النص الحاضر (موسى، 2000م: 55)، ويقوم الكاتب بنوع من التوفيق بين النص الغائب والحاضر ويورده في نصه؛ لكن هذا لا يعني أن معنى النص الغائب يطابق تماماً معنى النص الحاضر، بل يتغير ويتحول حسب إرادة الكاتب في درجة التجديد، ويحمل معنى أكبر أو حتى أقل أو معنى مختلفاً (ميرزائي، 1388ش: 306). يتم تحديد العلاقات التناصية في النفي الموازي بالاعتماد على المعلومات السابقة للباحث في علم التناص وكشف تلك العلاقات المعنوية. أعلى درجات التناص هو تناص الحوار، حيث يختار الكاتب بغير وعي (وعدالله، 2005م: 37) جزءاً من النص الخفي ويغير معناه ويورده في نصه، ومن هنا لا يوجد أي نوع من التوافق بين النص الحاضر والغائب. لا يمكن اكتشاف هذا النوع من التناص إلا بفهم الطبقات العميقة للنص، ويتطلب قراءة عميقة وواعية للتمكن من استخلاص النص الغائب بذكاء. لفهم النص الموجود فهماً كاملاً وصحيحاً، فإن استدعاء النص الغائب وكشف شكل التناص ضروري؛ لأنه بخلاف ذلك، سيتلقى المخاطب معنى ناقصاً للنص الحاضر، بل قد يجده غامضاً ومبهماً وعديم القيمة الأدبية (ميرزائي، 1388ش: 306-307).
4. الأمثال
«مَثَل» وجمعها «أمثال»؛ كلمة عربية من جذر «مَثَلَ» بمعنى مشابهة شيء لشيء آخر. تأتي هذه اللفظة في الثقافتين العربية والفارسية بمعانٍ أخرى مثل «نظير»، «برهان»، «كلام»، «حديث»، «نصيحة»، «عبرة»، «آية»، «علامة»، وكذلك بمعنى «مِثْل» الذي يدل على التسوية والمساواة بين شيئين في وجه معين (ابن منظور، 1414هـ، 11: 611). وفي الفارسية، يُقال لها «داستان» (قصة)، «دستان» (لحن)، «نمون» (نموذج)، «ضرب المثل»، و«تمثيل» (پورنامداریان، 1368ش: 111-114). وفي المحاورة، تُستخدم ألفاظ مثل «مثلاً»، «في المثل»، «كمثل» للتعبير عن هذا المفهوم (دهخدا، 1377ش: ذیل واژه «مثل»). لقد قدم علماء الأمثال وكتّابها وعلماء البلاغة حتى الآن عشرات التعريفات لـ«المثل» (راجع: الميداني النيسابوري، بدون تاريخ، 1: 6؛ الهاشمي، بدون تاريخ، 1: 288؛ ابن منظور، 1414هـ، 11: 611؛ ابن الأثير، 1420هـ: 42-43؛ خضرايي، 1382ش: 3-5؛ جوادي آملي، 1385ش، 2: 114)، كل منها يركز على سمة أو عدة سمات. من خلال دراسة وتجميع كل تلك التعريفات، ربما يمكن اعتبار التعريف التالي هو الأكمل، حيث ذُكرت فيه جميع أهداف المثل وخصائصه وفوائده: «المثل جملة قصيرة، استعارية، مستقاة من تجارب الحياة اليومية، ذات مضمون حكيم، تحمل رأياً أو عقيدة كلية وموعظة، اشتهرت بين الناس بسبب سلاسة ألفاظها ووضوح معناها وموسيقاها الكلامية، ويستخدمونها في كلامهم دون تغيير أو بتغيير طفيف؛ يشعر السامع عند سماعها بالرضا وتترك أثراً عميقاً في قلبه وأفكاره». في كتب الأدب والبلاغة، ذُكرت أربعة إطلاقات للمثل: 1- إطلاق المثل على «التشبيه التمثيلي» (الطريحي، 1375ش، 5: 471؛ فياض، 1995م: 122؛ قطامش، 1988م: 22)؛ التشبيه التمثيلي هو تشبيه يُنتزع وجه الشبه فيه من أمور متعددة ويتطلب فهمه دقة في التفكير. في التشبيه التمثيلي، يكون طرفا التشبيه ملحوظين في الجملة (الهاشمي، 1384ش: 255)، ولأن بعضها حظي بقبول عام، فقد ذُكرت كأمثال في الكتب. 2- إطلاق المثل على «الاستعارة التمثيلية» (الجرجاني، 1961م: 47)؛ كلما استُخدمت جملة في غير معناها الأصلي مع علاقة المشابهة وقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، فإنها تسمى «تمثيلاً» أو «استعارة تمثيلية». 3- إطلاق المثل على «الكناية» (خاقاني، 1376ش: 163-165)؛ الكناية لفظ يُراد به غير معناه الحقيقي، ولكن لعدم وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي، يجوز أن يُراد به المعنى الحقيقي (الهاشمي، 1384ش: 319-320). إذا شاعت كناية بين الناس، أُطلق عليها اسم المثل (خاقاني، 1376ش: 163-165). 4- إطلاق المثل على «الحكمة» (ذوالفقاري، 1387ش: 109-116)؛ الحكمة جامعة للعادات والسنن وتدبير الحياة والكلام الشائع والجمل النادرة؛ والحكمة بيان مباشر وصريح لجميع مهارات الحياة أو لبعضها على الأقل (زلهايم، 1971م: 32). في كتب الأمثال العربية القديمة، خُلط بين «المثل» و«الحكمة» لوجود نقطة اشتراك بينهما في الشيوع والتداول، وأُدرجت الحكم أيضاً ضمن الأمثال (سبحاني، 1420هـ: 10). بين الحكمة والمثل علاقة عموم وخصوص مطلق، أي أن الحكمة أعم من المثل، وكل مثل حكمة، ولكن ليست كل حكمة مثلاً. يبدو أن تسمية النوعين الثالث والرابع بالمثل هو خطأ شائع؛ لأن أساس المثل قائم على التشبيه والتمثيل.[4] قيلت تقسيمات متعددة لأقسام المثل؛ ففي تقسيم، يُقسم المثل إلى منظوم ومنثور، وفي تقسيم آخر إلى تمثيلي وحكمي. المثل المنظوم هو بيت أو شطر ورد فيه تمثيل أو اشتهر بين الناس لوجود حكمة فيه (بهمنيار، 1328ش: 49-52). المثل المنثور هو مثل لا وزن له، يتكون من جمل بسيطة وخالية من الصنعات اللفظية (المصدر نفسه).
المثل التمثيلي
المثل التمثيلي هو جمل كامنة في طيات كل منها واقعة أو حكاية تاريخية أو أسطورة وطنية. أما الأمثال الحكمية فهي جمل مفيدة وحكيمة حظيت بإقبال واهتمام وقبول عامة الناس واشتهرت، وغالبية الناس يستخدمونها في الموضع المناسب دون الالتفات إلى أصلها ومصدرها (بهمنيار، 1369ش، كج). نتائج وفوائد المثل متعددة. يعتبر القرآن أن أهم فائدة للمثل هي التذكير والتفكر. على سبيل المثال، في الآية 25 من سورة إبراهيم، يشير إلى نتيجة التذكير ويقول: «تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» (إبراهيم: 25). يضرب الله للناس ومن أجلهم أمثالاً من بينهم ليدركوا ويفهموا ما خفي عن أبصارهم وقلوبهم وأفهامهم، وبناءً على ذلك، يضرب الله في الأمثال القرآنية المعقولات في صورة محسوسات وينزل من مقامها لتكون في متناول فهم البشر وإدراكهم، وبفهمها يحصل التذكر. كذلك في الآيتين «وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» (العنكبوت: 43) و«…وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (الحشر: 21)، أُشير إلى الفائدة الثانية للمثل، حيث يعتبر الله أن فلسفة وحكمة ضرب الأمثال هي التعقل والتفكر والفهم والتدبر، لأن الأمثال في المرحلة الأولى تؤدي إلى الدقة والتذكر، وكلها مقدمة لنمو فهم الأفراد وبصيرتهم. يقول الإمام علي (ع) في بيان مشابه: «إن التفكر يدعو إلى البر والعمل به» (البحراني، 1375ش، 1: 725).
5. أمثال نهج البلاغة
كان المثل في العربية في البداية تشبيهاً بسيطاً ناشئاً عن مواجهة الإنسان بالحيوان أو وصف أمور مادية تهمه كالخمر وغيرها، ومع ظهور القرآن ثم كلام النبي الأكرم (ص)، حدثت تغيرات وتطورات كبيرة في أمثال العرب، سواء من حيث البنية الأدبية والقواعد اللغوية أو من حيث المحتوى والدلالة المعنوية. والإمام علي (ع)، الذي يتحدث متأثراً بالقرآن والكلام النبوي (ص)، أولى اهتماماً خاصاً ببيان المثل، وبهدف فهم أفضل للمخاطب، استخدم أمثالاً متعددة في كلامه؛ لينقل بذلك معنى عميقاً في كلام موجز ولكنه غزير المحتوى، بمقدار عقول الناس. يبلغ عدد الأمثال في نهج البلاغة أكثر من 220 مثلاً، وقد قام باحثون (راجع: خلفية البحث) بجمع هذه الأمثال. هناك آثار عربية أخرى مثل «حِكَم» ابن دريد، و«أمثال» منسوبة للجاحظ، و«حِكَم» الإمام علي (ع)، و«شذرات الأدب» للشيخ الرئيس، و«أقوال أمير المؤمنين (ع)» لعلي البخاري، و«هزار كلمه» (ألف كلمة) لابن أبي الحديد، أشارت في ثنايا محتوياتها إلى بعض أمثال نهج البلاغة (بروكلمان، بدون تاريخ، 1: 179-181، ذيل «أمثال سيدنا علي»). من حيث الموضوع، يُخصص عدد كبير من أمثال الإمام علي (ع) لمواضيع بسيطة كالحيوانات والحرب وغيرها؛ حيث كان الإمام (ع) في مقام القيادة الإلهية، ولبيان الحقائق السامية، مضطراً لتنزيل بعض المفاهيم إلى مستوى الأفق المادي لفكر الإنسان، وتشبيه مراده بالمقولات والأشياء الأكثر تداولاً بين عامة الناس. يمكن تصنيف أمثال نهج البلاغة إلى أنواع عدة: 1- تقسيم الأمثال إلى منظوم ومنثور. المثل المنظوم كالشعر المنسوب للإمام علي (ع): «مَا فَاتَ مَضَى وَ مَا سَيَأْتِيكَ فَأَيْنَ؟ قُمْ فَاغْتَنِمِ الْفُرْصَةَ بَيْنَ العَدَمَيْنِ» (الخوئي، 1400هـ، 8: 67؛ غروي، 1407هـ، 454)؛ أي ما فات قد مضى، وما سيأتيك فأين هو؟ قم فاغتنم الفرصة بين العدمين. ستأتي أمثلة على المثل المنثور لاحقاً. 2- تقسيم الأمثال إلى أمثال قرآنية وغير قرآنية، والأمثال غير القرآنية تنقسم بدورها إلى نوعين: المثل السائر والقياسي. المثل القرآني في نهج البلاغة كالعبارة: «أَمَّا بَعْدُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَالْمَرْأَةِ الْحَامِلِ حَمَلَتْ… وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ» (الشريف الرضي، 1414هـ: الخطبة 71، 100)، حيث يقرأ الإمام (ع) جزءاً من الآية 88 من سورة «ص» لأهل العراق؛ وهذه الآية تُستخدم كمثل لتهديد فرد أو جماعة، والمراد هو المصائب والقتل الذي سيلحق بهم من بني أمية والحجاج. المثل السائر هو مثل قاله الأقدمون في مناسبات مختلفة ثم شاع على الألسن، وعندما يحدث موقف له مناسبة أو مشابهة أو مشاركة معه، يُردد ذلك المثل (غروي، 1401هـ: 4). ستأتي أمثلة على المثل السائر في القسم التالي. المثل القياسي هو وصف أو قصة تهدف إلى توضيح فكرة أو إقامة دليل لإثباتها عن طريق التشبيه أو التمثيل، وعادة ما يستعين بالمقارنة والموازنة ويدرس موضوعين؛ أو يصور سلوكاً إنسانياً بهدف التوضيح أو التنبيه وتأديب المخاطب أو لمجرد ضرب المثال (عابدين، 1959م: 12؛ قطامش، 1988م: 30). يقول الإمام (ع) في الحكمة 263 من نهج البلاغة: «صَاحِبُ السُّلْطَانِ كَرَاكِبِ الْأَسَدِ يُغْبَطُ بِمَوْقِعِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَوْضِعِهِ»؛ أي أن مصاحب السلطان كراكب الأسد، يُحسد على مكانته وهو أعلم بخطورة موقفه (الشريف الرضي، 1414هـ: الحكمة 263، 521). يُستخدم الجزء الأول من هذا الكلام كضرب مثل لمن يقبل بمخاطر جمة ويلقي بنفسه في التهلكة (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 19: 147؛ غروي، 1407هـ، 227). 3- تقسيم أمثال نهج البلاغة إلى نوعين من حيث كون القائل الأول لها هو الإمام أم لا. هناك أقوال قالها الإمام (ع) لأول مرة ثم اشتهرت وأخذت طابع المثل وأُدرجت في كتب «أمثال العرب»؛ مثل عبارة «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ»؛ أي في الفتن كن كابن اللبون، لا ظهر له فيُركب ولا ضرع فيُحلب (الشريف الرضي، 1414هـ: الحكمة 2، 469)، قالها الإمام (ع) لأول مرة، ثم استُخدمت في كتب الأمثال العربية خطاباً للذين يتعرضون لثورات وفتن أهل الباطل، وتوصية بألا يكونوا أداة في أيدي هؤلاء وأولئك في مثل هذه الظروف (الثعالبي، 1981م: 337). هناك حوالي 150 مثلاً من نهج البلاغة من هذا القبيل، ذُكرت متفرقة في كتب الأمثال المشهورة، وقد جمعها غروي في كتاب «الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة». النوع الثاني هو الأمثال التي لم يكن الإمام (ع) قائلها الأول، بل كان ناقلاً لها. السمة البارزة لهذا النوع من الأمثال هي أنها اشتهرت أكثر بعد استخدام الإمام (ع) لها، وشاعت على الألسن وبقيت خالدة. جميع النماذج التالية في قسم التناص هي من هذا النوع.
6. تناص الأمثال في نهج البلاغة
فيما يلي، وبناءً على نظرية التناص، سيتم تقديم بعض أمثال نهج البلاغة التي لم يكن الإمام علي (ع) قائلها الأول.
1-6. المثال الأول
النص الحاضر: قول الإمام (ع) في المقطع الأخير من الخطبة 27، التي تتحدث عن فضل الجهاد، وأُلقيت حين وصل خبر هجوم جيش معاوية على مدينة الأنبار للإمام (ع)؛ لكن الناس لم يتحركوا للجهاد؛ فخاطب أصحابه الكاذبين قائلاً: «لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاع»؛ أي من لا يُطاع أمره، لا رأي له (الشريف الرضي، 1414هـ: الخطبة 27، 71).
النص الغائب: لهذا المورد يمكن ذكر نصين غائبين: شعر «أمرتهم أمري بمنعرج اللوى، ولا أمر للمعصي إلا مضيعا»؛ أي أمرتهم أمري بمنعرج اللوى، ولكن لا أمر لمن لا يطيع إلا الضياع. من كلحبة اليربوعي (الميداني، بدون تاريخ، 2: 215؛ غروي، 1407هـ، 387)؛ ومثل «لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاع» لعتبة بن ربيعة (العسكري، بدون تاريخ، 2: 408).
العمليات التناصية: يذكر صاحب جمهرة الأمثال أن أول قائل لمثل (لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاع) هو عتبة بن ربيعة؛ حين كان ينظم قريشاً لحرب بدر، ولما لم يستمع إليه أصحابه، شكى منهم (العسكري، بدون تاريخ، 2: 408)، واستخدم الإمام (ع) هذا التمثيل في كلامه. وبحسب شراح نهج البلاغة، فإن هذا المثل نفسه مأخوذ من شعر كلحبة اليربوعي (هبيرة بن عبد مناف من شعراء الجاهلية الذي عُرف باسم أمه «كلحبة»). أصبح هذا الشعر مثلاً واشتهر عندما قاله المهلب في الحرب بينه وبين أبي حرملة العبدي (بعد حرب الجمل) (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 4: 189-192). وبما أن الشعر المذكور أقدم من مثل عتبة، فيجب اعتباره النص الغائب الأصلي؛ وفي الوقت نفسه، بما أن الإمام (ع) لم يأخذ كلامه مباشرة من هذا الشعر بل أورد كلام عتبة؛ فمن الضروري أن نعتبر كلام عتبة أيضاً نصاً غائباً، وبناءً على ذلك، نذكر نوعين من التناص. في تحليل كلام الإمام (ع) وعلاقته بالمثل المذكور، يمكن القول: في كل من المثل والشعر، يشكو القائل من وجود أصحاب متخاذلين ويعتبرهم سبب الهزيمة. ومن هذه الزاوية تحديداً، يشكو الإمام (ع) من أصحابه ويذكر لهم هذا المثل. في الحقيقة، إذا كان القائد والزعيم في أقصى درجات القوة من حيث الروح المعنوية والوعي والإدارة، ولكن كان له أتباع ضعفاء وجبناء ومترددون لا يستطيعون تنفيذ خطط قائدهم الدقيقة بشكل جيد، فإنه محكوم عليه بالهزيمة. هذا التخاذل ونكث العهد من أصحاب الإمام (ع) أدى إلى أن يتهم الإمام (ع) بعدم معرفة فنون الحرب، ليس فقط من قبل الأعداء، بل حتى من بعض الأصدقاء الذين رأوا شجاعة الإمام (ع) السابقة (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 2: 80؛ مكارم الشيرازي، 1385ش، 2: 169-171). بالنظر إلى أن النص الغائب في هذا المثال كان موردين، فإن العلاقة التناصية تختلف. إذا اعتبرنا كلام الإمام (ع) في النص الحاضر مأخوذاً من مثل عتبة، فسيكون تناصاً لفظياً من نوع النفي الجزئي، حيث ورد فيه النص الغائب نفسه دون تغيير في اللفظ والمضمون في النص الحاضر. وفي الحالة الثانية، إذا كان كلام الإمام (ع) مأخوذاً من شعر كلحبة، فسيكون تناصاً مضمونياً من نوع النفي الموازي؛ لأن الإمام (ع) لم يأت بنفس اللفظ، ولكنه أخذ ذلك المضمون وحافظ على التوافق المعنوي بين النص الحاضر والغائب في كلامه.
2-6. المثال الثاني
النص الحاضر: قول الإمام علي (ع) في مقطع من الخطبة 149 في ظروف كانوا فيها على وشك الشهادة، وكانوا يعتزمون الوصية وتقديم النصح والإرشاد للجميع؛ يقول: «وَصِيَّتِي لَكُمْ… وَخَلَاكُمْ ذَمٌّ»، أي وصيتي لكم ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تضيعوا سنة محمد (ص)؛ أقيموا هذين العمودين، وأوقدوا هذين المصباحين، وعندها لا يلحقكم لوم (الشريف الرضي، 1414هـ، الخطبة 149، 207).
النص الغائب: ضرب المثل «أُطْلُبْ وَخَلَاكَ ذَمٌّ»؛ أي كن في مقام المطالبة بالثأر، فلن يلحقك لوم. من قصير بن سعد (البيهقي، 1367ش، 239).
العمليات التناصية: لم يُذكر في كتب الأمثال فرد وتاريخ دقيق للقائل الأول وزمن قوله، وذُكر القول التالي فقط بشكل مجمل في شروح نهج البلاغة: «أول من قال هذه الجملة هو رجل اسمه قصير بن سعد، غلام جذيمة (أحد ملوك العرب). عندما قُتل الملك على يد امرأة اسمها الزباء، قال قصير لابن أخت الملك: انتقم لدم جذيمة. فأجاب: كيف أصل إلى القاتلة؟ إنها أسرع من عقاب السماء. وهنا أجاب قصير بعبارة «أُطْلُبْ وَخَلَاكَ ذَمٌّ» (أي كن في طلب الثأر، فلن يلحقك لوم وإن لم تصل إليها)» (مكارم الشيرازي، 1385ش، 5: 709). بعد ذلك، أصبحت هذه العبارة ضرب مثل لمفهوم السعي في كل الظروف حتى لو لم يؤد إلى النتيجة المرجوة والكاملة (الخوئي، 1400هـ، 9: 114). يقول البيهقي، شارح القرن السادس، في ذيل هذه العبارة: «خَلَاكُمْ ذَمٌّ» هو ضرب مثل معروف بين العرب، ومفهومه أنه لا لوم عليكم؛ لأنكم أديتم واجبكم (البيهقي، 1367ش، 239). هنا أيضاً، أخذ الإمام (ع) هذا المفهوم واستخدمه في سياق آخر وفقاً لمراده المعنوي، وخاطب أبناءه وأصحابه قائلاً: أقيموا عمودي التوحيد وشريعة النبي (ص)، وما دمتم لم تبتعدوا عن هذين، فلا توبيخ ولا لوم عليكم (حتى لو تعرضتم لهزائم متعددة). بالنظر إلى النص الغائب وبنيته والنص الحاضر وسياق كلام الإمام (ع)، يمكن القول إن هنا قد حدث تناص مضموني من نوع النفي الموازي؛ لأن معنى النص الغائب لم يتغير بشكل جوهري في النص الحاضر (كلا النصين يحملان معنى «لا لوم عليكم»)، ولكنه، بالنظر إلى مقتضى كلام الإمام (ع)، أدى نفس الدور في النص الحاضر أيضاً.
3-6. المثال الثالث
النص الحاضر: قول الإمام (ع) في المقطع الختامي من الخطبة 160 من نهج البلاغة، حيث يتحدث عن زهده في العيش: «وَاللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي… فَقُلْتُ [اعْزُبْ] اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى»؛ أي والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك؟ فقلت: اعزب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى (الشريف الرضي، 1414هـ، الخطبة 160، 229).
النص الغائب: ضرب المثل «عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى» (غروي، 1407هـ، 271-272) عن خالد بن الوليد (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 9: 234).
العمليات التناصية: النص الغائب هو ضرب مثل معروف بين العرب، وابن أبي الحديد هو الوحيد الذي نسب قوله الأصلي إلى خالد بن الوليد ولم يقدم تاريخاً لقوله؛ بينما في كتب الأمثال وغيرها من شروح نهج البلاغة، هناك إجماع على أن القائل الأول لهذا المثل مجهول، ولكنه اشتهر بين العرب وشاع. في تحليل كلام الإمام (ع) والمثل المذكور، يمكن القول: يُستخدم هذا المثل لمن يتحمل الشدائد والصعاب والمحن في وقتها، وعندما يرى نتيجة تحمل المشقة عند وصوله إلى مبتغاه، يفرح بعمله ويثني عليه الآخرون أيضاً (مكارم الشيرازي، 1385ش، 6: 258). الإمام (ع) في رده على السائل الذي سأل لماذا ترقع هذا الثوب ولا ترميه، استخدم نفس المثل ليفهمه أنه عندما تفارق الروح الجسد وينتقل الإنسان من هذه الدنيا إلى دنيا أخرى؛ فإن صبر الإنسان وتحمله لمصاعب الدنيا المادية، وإعراضه عن ملذاتها، وتحمل مشاقها ومراراتها، سيجلب له عاقبة حسنة ومحمودة (ابن ميثم البحراني، 1362ش، 3: 525؛ مكارم، 1375ش، 6: 258-259؛ جعفري، 1376ش، 26: 155)، وهناك سيفرح الإنسان نفسه بهذه التحملات، وسيرى الآخرون مكانته ويمدحونه. هنا، يتفق النص الحاضر والنص الغائب من حيث اللفظ والقصد والمعنى على إلقاء مطلب واحد، وهو أن من يتحمل مشاق الدنيا، سيُحمد في النهاية؛ والفرق الوحيد بين النص الحاضر والنص الغائب هو أن المقصود بالصباح في المثل هو الزمن الدنيوي، والمقصود عند الإمام (ع) هو يوم القيامة. بناءً على ذلك، يقوم تناص لفظي من نوع النفي الموازي، حيث أخذ الإمام (ع) نفس اللفظ وأوجد توافقاً بين كلامه وهذا المثل.
4-6. المثال الرابع
النص الحاضر: الخطبة 168 هي إحدى خطب الإمام (ع) بعد مبايعة الناس له، في ظروف اقترح فيها فريق من أصحاب الإمام (ع) معاقبة الذين ثاروا على عثمان، فألقى الإمام (ع) هذه الخطبة رداً عليهم. جاء في مقطع من هذه الخطبة: «وَسَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ»؛ أي سأمسك هذا الأمر ما استمسك لي، فإذا لم أجد مفراً، فآخر الدواء الكي (الشريف الرضي، 1414هـ، الخطبة 168، 243).
النص الغائب: مثل «آخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ» للقمان بن عاد (غروي، 1407هـ، 16).
العمليات التناصية: النص الحاضر هو كلام الإمام (ع) حول مشاكل الحروب الداخلية التي نشأت بعد مقتل الثوار على عثمان. لقد شخص الإمام (ع) هذه المشاكل بشكل صحيح وقال لأصحابه: عندما يُطالب بدم عثمان، سينقسم الناس إلى فرق: فرقة توافقكم الرأي (موافقون على المطالبة بالثأر)؛ وفرقة تخالفكم الرأي، وفرقة ثالثة لا هي مع هذا الرأي ولا ذاك، وتتوقف. في هذه الظروف، إذا اتُخذ إجراء، ستنشب حرب أهلية وتتزعزع أركان الحكومة. في مثل هذه الظروف، يجب إصلاح الأمور بالشدة والقسوة لا باللين (لأن هذا ليس في المصلحة)، فأطيعوني ولا تفعلوا ما يؤدي إلى ثورة. اصبروا حتى تستقر الأمور؛ سأحافظ على الأمر بالصبر والمداراة ما أمكنت المداراة؛ وإذا لم أجد سبيلاً، فآخر العلاج الكي (مكارم الشيرازي، 1385ش، 6: 448). النص الغائب هو مثل شائع الاستخدام بين العرب؛ في الماضي، كانوا يكّوون مكان الجرح بالحديد المحمى للجروح العميقة والخطيرة بعد تجربة كل طرق العلاج وعدم وجود سبيل للعلاج، وكان ذلك علاجاً مؤلماً جداً. ثم استُخدمت هذه الجملة كناية ومثلاً في الحالات الأخرى التي تُغلق فيها جميع الأبواب العادية والسلمية (مكارم الشيرازي، 1385ش، 6: 448). في تحليل سبب إيراد الإمام (ع) لهذا المثل، يمكن القول إن الإمام (ع) كان يقصد أن يفهم أصحابه ألا يتخذوا إجراءً خطيراً حتى لا يخرج الوضع عن السيطرة. يجب تهدئة المجتمع في هذه الحالة من التوتر، وبعد أن تهدأ الأجواء، يتم التعامل مع المخالفين بحزم وشدة؛ كما يُستخدم العلاج القاسي والمؤلم (الحديد المحمى) لعلاج الجروح العميقة. هنا، حدث تناص لفظي من نوع النفي الموازي، واستخدم الإمام (ع) المثل في المعنى الذي أراده.
5-6. المثال الخامس
النص الحاضر: الرسالة 28 من نهج البلاغة، هي رد الإمام (ع) على إحدى رسائل معاوية. في الرسالة التي كتبها معاوية للإمام (ع)؛ هاجم الإمام (ع) بجرأة ووقاحة بأنواع من التهم، منها حسده للخلفاء السابقين، ومناصرته لهم. استخدم الإمام (ع) في هذه الرسالة أمثالاً كثيرة لترسيخ المعنى في ذهن المخاطب؛ على سبيل المثال، في مقطع منها، يقول لمعاوية: «تُخْبِرُنَا بِبَلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا وَنِعْمَتِهِ عَلَيْنَا فِي نَبِيِّنَا فَكُنْتَ فِي ذَلِكَ كَنَاقِلِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ»؛ أي تخبرنا بنعمة الله علينا في نبينا، فكنت في ذلك كناقل التمر إلى هجر (الشريف الرضي، 1414هـ، الرسالة 28: 385).
النص الغائب: مثل «كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ» من قائل غير معروف (ميداني النيسابوري، بدون تاريخ، 2: 152؛ الخوئي، 1400هـ، 17: 337؛ ابن أبي الحديد، 1404هـ، 15: 188).
العمليات التناصية: النص الحاضر هو كلام الإمام (ع) لمعاوية وإظهار دهشة الإمام (ع) من تذكير معاوية بنعم الله على وجود النبي (ص) وآله (ع). النص الغائب «كَمُسْتَبْضِعِ التَّمْرِ إِلَى هَجَرَ» (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 15: 188؛ الخوئي، 1400هـ، 17: 337) هو مثل قديم لم يُعرف قائله الأول ولكنه كان شائعاً قبل الإمام (ع). المثل مأخوذ من القصة التالية التي أوردتها معظم الشروح وكتب الأمثال. هجر اسم مدينة في البحرين، فيها بساتين نخيل وكثير من التمر. رجل من أهل هجر حمل مالاً إلى مدينة البصرة ليبيعه ويشتري ما يربح به. في البصرة، لم يجد شيئاً أرخص وأكثر كساداً من التمر؛ فاضطر إلى شراء التمر وحمله إلى مدينة هجر، ووضعه في بيته منتظراً ارتفاع سعره؛ ولكن السعر انخفض تباعاً حتى فسد كل التمر وضاع (ابن ميثم البحراني، 1362ش، 4: 436؛ إبراهيم، 1416هـ، 2: 171؛ الشريف الرضي، 1379ش، 895). بعد ذلك، أصبح هذا المثل يُضرب لمن يحمل شيئاً إلى معدنه ومركزه. صاحب جمهرة الأمثال أورد مثلاً آخر شبيهاً بهذا المثل، وهو أحدث منه ومأخوذ من شعر «النابغة الجعدي» (وإن امرأ أهدى إليك قصيدة… كمستبضع تمراً إلى أرض خيبرا) (أبو هلال العسكري، بدون تاريخ، 2: 153). في الفارسية، توجد معادلات لهذا المثل، مثل: «حمل الورد إلى البستان»، «يحملون الكمون إلى كرمان والشمندر إلى هراة، وكذلك التمر إلى البصرة والفولاذ إلى الهند» (أندقاني، 1379ش، 167). في تحليل كلام الإمام (ع) وارتباطه بالمثل المذكور، يمكن القول إن معاوية ينقل خبراً ويذكر نعم الله على النبي الأكرم (ص) وآله إلى شخص هو نفسه مصدر ذلك الخبر، والأجدر به أن ينقل هذا الخبر إلى الآخرين، لا أن ينقله الآخرون إليه. هنا، بين الإمام (ع) مراده بهذا المثل وقال: يا معاوية، ما شأنك بتعداد نعم الله علينا أهل البيت (ع)؟ لأن «أَهْلُ البَيْتِ أَدْرَى بِمَا فِي البَيْتِ» (الخوئي، 1400هـ، 17: 364، 1380). هنا، حدث تناص لفظي ومضموني من نوع النفي الجزئي، لأنه لم يوجد أي فرق بين المعنى الذي يقصده القائل الأصلي ومقصود الإمام (ع)، وقد استوعب الإمام (ع) معنى المثل تماماً واستخدمه جيداً في كلامه.
6-6. المثال السادس
النص الحاضر: يقول الإمام (ع) في مقطع آخر من نفس الرسالة مخاطباً معاوية: «وَمَا كُنْتُ لِأَعْتَذِرَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ أَنْقِمُ عَلَيْهِ أَحْدَاثاً فَإِنْ كَانَ الذَّنْبُ إِلَيْهِ إِرْشَادِي وَهِدَايَتِي لَهُ فَرُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ»؛ أي لم أكن لأعتذر من أني كنت أنقم عليه أحداثاً، فإن كان الذنب إليه إرشادي وهدايتي له، فرب ملوم لا ذنب له. فكثير من الناس يُلامون وهم أبرياء (الشريف الرضي، 1414هـ، الكتاب 28: 388).[5]
النص الغائب: مثل «رُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ» لأكثم بن صيفي أو الأحنف بن قيس (أبو هلال العسكري، بدون تاريخ، 1: 472؛ ميداني النيسابوري، بدون تاريخ، 1: 305؛ غروي، 1407هـ، 168-169).
العمليات التناصية: النص الحاضر هو كلام الإمام (ع) رداً على تهمة معاوية بمشاركة الإمام (ع) في قتل عثمان. النص الغائب هو ضرب مثل مشهور عند العرب لم يكن الإمام (ع) أول قائل له، وهناك اختلاف في كتب الأمثال وشروح نهج البلاغة حول قائله الأول. يعتقد البعض أن «أكثم بن صيفي» هو أول من قاله؛ حيث صدر منه فعل لام الناس عليه بسببه وطردوه؛ بينما لم يكن الناس يعلمون سبب فعله، ولذلك لاموا أكثم وهو بريء. يقول آخرون إن هذا المثل قيل لأول مرة لـ«الأحنف بن قيس»؛ حيث قال رجل في مجلس الأحنف بن قيس: لا شيء عندي أسوأ من التمر والزبد؛ فأجاب الأحنف: «رُبَّ مَلُومٍ لَا ذَنْبَ لَهُ»، فكم من بريء يُلام (ميداني النيسابوري، بدون تاريخ، 1: 305؛ الخوئي، 1400هـ، 19: 188). بناءً على هذا المثل، فإن اللوم، وهو أشد درجات العتاب؛ قد يصيب وقد يخطئ. يُستخدم هذا المثل لمن يرى الناس منه فعلاً فيسيئون الظن به بسببه؛ بينما هم غافلون عن حقيقة ذلك الفعل الصائب والصحيح، أو يُقال في حق من لم يفعل شيئاً ويُتهم به بلا سبب (ابن ميثم البحراني، 1362ش، 4: 445). وقد نظم المتنبي هذا المضمون في شعره قائلاً: «وجُرْمٍ جَرَّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ، فَحَلَّ بِغَيْرِ جَارِمِهِ العَذَابُ»، أي كم من جرم ارتكبه سفهاء قوم، فنزل عقابه على من لم يرتكبه (الرازي، 1391ش، 187). في تحليل كلام الإمام (ع)، يتضح جيداً أن الإمام (ع) استخدم هذا المثل بشكل صحيح وصائب، وقال لمعاوية: إذا اعتبر أحد انتقاداتي لعثمان، التي كانت من باب الإرشاد والتوجيه، ذنباً ولامني عليه، أو لامني دون أن أرتكب ذنباً وأشارك في قتل عثمان؛ حينها سأكون مصداقاً لهذا المثل، فكم من بريء يُلام. لقد أقام النص الحاضر علاقة مع النص الغائب باستخدام تناص لفظي من نوع النفي الجزئي؛ لأن الإمام (ع) أورد نفس اللفظ والمعنى دون تدخل أو تصرف في المقصود، في كلامه، ونسّقه مع بقية كلامه.
7-6. المثال السابع
النص الحاضر: يقول الإمام (ع) في مقطع من الرسالة 31 من نهج البلاغة الموجهة إلى ابنه، ضمن وصية ونصيحة: «وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً»؛ أي واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يسار به وإن كان واقفاً (الشريف الرضي، 1414هـ، الرسالة 31: 401).
النص الغائب: مثل «مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً» لحكيم غير معروف (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 16: 94).
العمليات التناصية: يقدم الإمام علي (ع) في النص الحاضر الموجه إلى ابنه الإمام الحسن المجتبى (ع) تشبيهاً بليغاً عن عمر الإنسان قائلاً: يا بني، اعلم أن من كان مركبه الليل والنهار، فإنه يُسار به وهو في حركة؛ وإن ظن نفسه ساكناً، فهو يقطع المسافة باستمرار؛ أو وإن كان ظاهراً واقفاً ويستريح. يشير هذا الكلام إلى أن الحركة نحو نهاية العمر هي حركة إجبارية لا اختيارية؛ ويد القدر الإلهي تحمل الجميع على مركب الزمن، وسواء أرادوا أم لم يريدوا، تسير بهم بسرعة نحو نقطة النهاية؛ وإن كان الغافلون عنها غافلين (مكارم الشيرازي، 1385ش، 9: 616-617). النص الغائب، بحسب كلام ابن أبي الحديد، هو عبارة تمثيلية وقول حكيم، لا يُعلم هل هو للإمام (ع) أم لا، ولكنه نُسب إلى الإمام (ع) (ابن أبي الحديد، 1404هـ، 16: 94). في تحليل الكلام المذكور، يمكن القول إن الإمام (ع) قد استخدم قولاً حكيماً ومشهوراً لوعظ ابنه ونصيحته بشأن سرعة مرور العمر وضرورة اغتنامه والاستعداد للآخرة. بناءً على ذلك، حدث تناص لفظي من نوع النفي الجزئي، حيث استخدم الإمام (ع) قولاً حكيماً لشخص آخر في ثنايا كلامه وأراد نفس المعنى. تجدر الإشارة إلى أن مضمون هذا الكلام قد ورد كثيراً في عبارات أخرى للإمام (ع)؛ على سبيل المثال، روت المصادر الروائية الأحاديث التالية عن الإمام (ع): «أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ» (الشريف الرضي، 1414هـ، الحكمة 64: 479)؛ و«فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لَا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّيْرِ» (المجلسي، 1403هـ، 77: 433؛ ابن أبي الحديد، 1404هـ، 9: 209). لذلك، يبدو أن تشكيك ابن أبي الحديد في كون الإمام (ع) هو القائل الأول خطأ، وبما أن مثل هذا التشكيك لم يرد في شروح وكتب الأمثال (البحراني، 1362ش، 5: 41-44؛ الخوئي، 1400هـ، 20: 29-31؛ مكارم، 1385ش، 9: 616-618)، يمكن الادعاء بأن الإمام (ع) هو القائل الأول للكلام المذكور، وقد اشتهر كمثل بعد الإمام (ع).
8-6. المثال الثامن
النص الحاضر: يقول الإمام (ع) في مقطع آخر من نفس الرسالة ضمن وصية أخلاقية: «مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى»؛ أي ما أقبح الخضوع عند الحاجة والجفاء عند الغنى (الشريف الرضي، 1414هـ، الرسالة 31: 404).
النص الغائب: مثل «مَا أَقْبَحَ الْخُضُوعَ عِنْدَ الْحَاجَةِ» لقائل غير معروف (الثعالبي، 1981م: 43).
العمليات التناصية: النص الحاضر هو موعظة ونصيحة من الإمام (ع) للإمام المجتبى (ع) حول قبح الخضوع عند الحاجة والغلظة عند الغنى. النص الغائب يذكر نفس العبارة كمثل حكمة، بنفس اللفظ والمعنى، وينسبه إلى مثل فارسي الأصل لم يرجع أصله إلى الإمام (ع) بل اشتهر قبله (الثعالبي، 1981م: 43). جاء في شرح رسالة الإمام (ع): «بعض ضعاف النفوس عند الحاجة يعرضون حاجتهم لهذا وذاك بذلة تضع شخصيتهم موضع تساؤل؛ ولكن عند الغنى، يردون من يمدون إليهم يد الحاجة بقسوة» (مكارم الشيرازي، 1385ش، 9: 668). بناءً على هذه المقدمة، ليس تحليل كلام الإمام (ع) وارتباطه بالمثل المذكور صعباً؛ لأن الإمام (ع) نقل توصية أخلاقية بنفس اللفظ والمضمون، وتحقق تناص لفظي من نوع النفي الجزئي. تجدر الإشارة إلى أن ابن أبي الحديد اعتبر الجزء الثاني من جملة الإمام (ع) (وَالْجَفَاءَ عِنْدَ الْغِنَى) مأخوذاً من الآية الشريفة «فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ»، أي فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق (يونس: 23)، وبناءً على ذلك، تقوم علاقة تناص مضموني من نوع النفي الموازي بين الجزء الثاني من النص الحاضر والآية الشريفة.
9-6. المثال التاسع
النص الحاضر: في مقطع آخر من نفس الرسالة، يقدم الإمام (ع) توصية أخلاقية حول عدم اتباع الهوى، ويخاطب الإمام المجتبى (ع) قائلاً: «وَالْهَوَى شَرِيكُ الْعَمَى»؛ أي والهوى شريك العمى (الشريف الرضي، 1414هـ، الرسالة 31: 404).
النص الغائب: ضرب المثل «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» لقائل غير معروف (ميداني، بدون تاريخ، 1: 78، 196؛ عليزاده، 1379ش، 240).
العمليات التناصية: في هذه العبارة، يقدم الإمام (ع) توصية أخلاقية أخرى للإمام المجتبى (ع) قائلاً: «اتباع الهوى شريك ونظير للعمى». فكما أن الأعمى لا يرى الأجسام التي حوله، وإن كانت قريبة ومجاورة له؛ كذلك أتباع الهوى محرومون من رؤية الحقائق الواضحة؛ لأن حجاب اتباع الهوى هو أشد الحجب وأظلمها، ولم يُوجد في آفات المعرفة آفة أسوأ منه (مكارم الشيرازي، 1385ش، 9: 675-676). صاحب فرائد الأدب اعتبر النص الغائب (مثل «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ») مثلاً حكمياً عاماً وقديماً وغير متعلق بالإمام علي (ع)، وكان جارياً على ألسنة عامة الناس (معلوف، 1973م: 941). وفي الوقت نفسه، لم يُعثر على أي قصة أو واقعة تدل على شأن صدور هذا المثل. بافتراض قبول هذا القول، فإن كلام الإمام (ع) هو مثل أُخذ مضمونه من مثل آخر، وقد استخدم الإمام (ع) نفس المطلب ببيان آخر في كلامه؛ ومن هنا، فإن العلاقة بين النصين هي من نوع النفي الموازي. من الضروري ذكر هذه النقطة، وهي أنه في المصادر الروائية الشيعية، ورد الحديث النبوي «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ» (الشريف الرضي، 1422هـ، 171)، وبناءً على ذلك، إذا كان كلام الإمام (ع) مأخوذاً من حديث النبي الأكرم (ص)، فتقوم علاقة تناص من نوع النفي الموازي بين كلام الإمام (ع) وكلام النبي (ص)؛ ولكن إذا كان كلام النبي (ص) نفسه مأخوذاً من المثل العربي المشهور، فعندئذ تقوم علاقة تناص من نوع النفي الجزئي بين حديث النبي (ص) والمثل العربي.
10-6. المثال العاشر
النص الحاضر: الرسالة 41 من نهج البلاغة، المعروف أنها كُتبت لابن عباس، يعاتبه فيها الإمام (ع) لعدم مراعاته للضوابط الصحيحة في بيت المال. جاء في مقطع منها: «وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَا أَخَذْتَهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ لِي أَتْرُكُهُ مِيرَاثاً لِمَنْ بَعْدِي فَضَحِّ رُوَيْداً فَكَأَنَّكَ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى»؛ أي أقسم بالله رب العالمين، ما يسرني أن ما أخذته من أموالهم لو كان حلالاً لي لأتركه ميراثاً لمن بعدي. فسِر رويداً، فكأنك قد بلغت المدى (الشريف الرضي، 1414هـ، الرسالة 41: 414).
النص الغائب: الأمثال المعروفة «ضَحِّ رُوَيْداً» (أبو هلال العسكري، بدون تاريخ، 2: 6؛ ميداني، بدون تاريخ، 1: 419؛ غروي، 1401هـ، 85، غروي، 1407هـ، 243) و«ضَحَّيْتُ الغَنَمَ» (السابق، 243) لقائلين غير معروفين.
العمليات التناصية: النص الحاضر هو كلام الإمام (ع) في توبيخ أحد عماله، الذي انتقده الإمام (ع) بشدة بسبب نكث العهد والإسراف في بيت المال، وقال له: «لا تسرف في صرف المال ولا تخن الأمانة، وسِر أبطأ قليلاً». النص الغائب مأخوذ من الأمثال العربية المشهورة والقديمة «ضَحَّيْتُ الغَنَمَ» و«ضَحِّ رُوَيْداً». يقول غروي في كتابه نقلاً عن الزمخشري: أصل هذا المثل أنه عندما كان عرب البادية يرحلون؛ حين يصلون إلى مراعٍ خصبة، كانوا يقولون: «ضَحِّ رُوَيْداً»، ومقصودهم أن ترعى الإبل قليلاً وتأكل العلف حتى تصل إلى المقصد وهي شبعانة (غروي، 1407هـ، 243). وإذا كان أحدهم يرعى إبله وقت الظهيرة ويُنهضها ويسير بها بسرعة وهي لم تشبع؛ كانوا يضربون له هذا المثل. تدريجياً، ومع ظهور حالات مشابهة، عُمم هذا المثل على الناس، واستُخدم لمفهوم التمهل والتأني (مكارم، 1385ش، 10: 131)، أو لمن كان مأموراً بالتهدئة (ابن ميثم البحراني، 1362ش، 5: 91-92). في تحليل كلام الإمام (ع) لاستخدامه هذا المثل، يمكن القول إن الإمام (ع)، من باب الشفقة التي يكنها لهذا العامل، عندما يراه قد أخطأ وتعدى على بيت المال، سواء عن قصد أو غير قصد؛ كأب يصرخ في وجه ابنه المخطئ؛ يوبخه ويذكره بفناء الحياة الدنيا. ثم يضرب له هذا المثل ليفهمه أن يكف عن هذا السلوك؛ لأنه سيفارق هذا العالم قريباً، وسيكون عليه أن يجيب عن أعماله أمام العدل الإلهي (مكارم، 1385ش، 10: 116-132). التناص الموجود هنا هو تناص لفظي من نوع النفي الكلي؛ لأن الإمام (ع) استخدم المثل في مقصد مخالف تماماً لمقصده الأصلي، وهذا هو أعلى أنواع التناص. في الختام، تجدر الإشارة إلى أن الحالات المذكورة أعلاه هي مجرد نماذج، حيث إن أصل وجذر المثل المستخدم في كلام الإمام (ع) لا يعود إليه، أو أن هناك تشكيكاً في ذلك؛ في الواقع، كان الإمام (ع) يردد أمثالاً شائعة بين العرب ويستخدمها في كلامه.
7. الاستنتاج
مما قيل في هذا البحث، نستخلص النتائج التالية: من بين حوالي 220 مثلاً وردت في نهج البلاغة؛ لا يُعتبر الإمام (ع) القائل الأول لعدد قليل منها، وبنقله لتلك الأمثال، أثر تأثيراً كبيراً في شهرتها وخلودها. أكثر العلاقات التناصية الموجودة في نهج البلاغة هي بحيث يستخدم الإمام (ع) نص المثل نفسه في سياق جديد ودلالة جديدة. أكثر أشكال حضور الأمثال في كلام الإمام (ع) شيوعاً هو التناص اللفظي الذي لا يصعب تحديده؛ وفي الوقت نفسه، توجد حالات نشأ فيها تناص مضموني. أصعب أنواع التناص من حيث التمييز هو التناص المضموني؛ لأن القارئ لا يرى حضوراً لفظياً محسوساً وملموساً لذلك المثل، وكشفه يتطلب دراسة جميع الأمثال والإحاطة بها. ارتباط نهج البلاغة كنص حاضر بالأمثال العربية كنص غائب هو في الغالب واعٍ ومن نوع النفي الموازي، وقد تمكن الإمام (ع) من إيجاد توافق بين النص الخفي والنص الحاضر والدفاع عن معناه. دافع الإمام (ع) من استخدام الأمثال العربية في كلامه هو فهم أدق للكلام من قبل المخاطب وتأثير أكبر عليه.
الهوامش
1. جوليا كريستيفا.
2. فردينان دي سوسور.
3. ميخائيل باختين.
4. نظراً لأن جميع هذه الأنواع الأربعة قد ذُكرت بوصفها من الأمثال في كتب الأمثال؛ فإننا في هذه المقالة لا نفرّق بينها.
5. ورد هذا القول المشهور في النسخة الكاملة من رسالة الإمام (ع) إلى معاوية.