توظيف التناص القرآني في تصحيح متن الروايات: دراسة حالة لنهج البلاغة

ملخص

يعد التناص من المباحث الحديثة في مجال الدراسات الأدبية التي تتناول دراسة العلاقات بين نصين. وقد سعى المنظّرون المختلفون، بخلفيات وتحليلات متباينة، إلى شرح هذا المنهج. ويُعتبر جيرار جينيت من أشهر المنظّرين المتأخرين في هذا المجال، حيث قام بتصنيف مفصل لأنواع العلاقات التناصية وتحليل كيفياتها. ومن بين النصوص الدينية، حظي ارتباط نهج البلاغة بالقرآن الكريم بعناية خاصة من شرّاح نهج البلاغة، لا سيما مع اعتبار الإمام علي (ع) القرآن الناطق والتأكيد على معيّته للقرآن. إن استخدام منهج التناص في تحليل هذه العلاقة لا يساهم في تعميق فهمنا للقرآن ونهج البلاغة فحسب، بل يساعد أيضاً في تقنين منهج دراستها. ولهذا المنهج وظائف متعددة، منها ما يتعلق بتصحيح النصوص. في هذا المقال، تناولنا دراسة نهج البلاغة بهدف إظهار أن الالتفات إلى هذه العلاقة يسهم في كشف التصحيف والإدراج والاضطراب في متن نهج البلاغة. يقع التصحيف أحياناً في حركات الكلمات، وأحياناً أخرى في جذر الكلمة. وقد تم العثور على عشرة أمثلة لهذين النوعين من التصحيف في نهج البلاغة. أما الخلل الآخر فهو إدراج كلمة أو أكثر في متن الحديث، وقد وُجد مثالان لهذا النوع في نهج البلاغة. والخلل الأخير هو اضطراب متن الحديث، الذي وُجد منه مثال واحد فقط في نهج البلاغة.

1. طرح الإشكالية

لقد استعان أهل البيت (ع) في خطبهم ورسائلهم وأقوالهم بآيات القرآن الكريم بما يتناسب مع المقام. وبنظرة فاحصة إلى نهج البلاغة، ندرك أن كلام الإمام علي (ع) يتفاعل ويتصل اتصالاً وثيقاً وعميقاً بمفاهيم القرآن الكريم وتعبيراته السامية، بوصفه تراثاً دينياً وأدبياً شاملاً؛ حيث استخدم الإمام (ع) المفردات والتعبيرات والمفاهيم القرآنية على نطاق واسع، مما أضفى على كلامه جاذبية وعمقاً في المعاني وقوة في التأثير. ويُعد نقل حديث الثقلين عن النبي (ص) دليلاً على الارتباط العميق والوشيج بين أهل البيت والقرآن. فإذا استخدم أهل البيت (ع) آية أو آيات من القرآن في كلامهم، فإنهم قد وعوا معناها ومفهومها واستخدموها على الوجه الصحيح؛ لذا، فإن الالتفات إلى الآيات المستخدمة في كلام أهل البيت (ع)، بالإضافة إلى جانبه الجمالي وعلو معناه، قابل للدراسة من جوانب أخرى، منها ما يتعلق بالألفاظ والتعبير. ومن بين النظريات في مجال نقد النصوص التي ولجت حديثاً إلى مباحث الدراسات القرآنية والحديثية في العقود الأخيرة، نجد نظرية التناص.[1]

يمكن تناول أهمية وضرورة البحث في التناص وتوظيفه في الدراسات القرآنية والحديثية من منظورين؛ الأول: أن استخدام هذه المناهج هو في الواقع استخدام للغة عالمية تتجاوز الحدود الإقليمية. فالدراسات الإنسانية عموماً، والدراسات القرآنية والحديثية خصوصاً، في تزايد مستمر في مختلف دول العالم، سواء المسلمة منها أو غير المسلمة، ومن هنا، تنشأ الحاجة إلى لغة مشتركة للتواصل مع الباحثين الآخرين، ويمكن لمناهج تحليل النص الحديثة أن تؤدي هذا الدور. والمنظور الثاني: تعميق الدراسات القرآنية والحديثية بين المسلمين أنفسهم. فمباحث التناص تفتح زاوية جديدة في دراسة العلاقات بين النصوص، مما يساعد على فهم أفضل لتلك النصوص. في هذا المقال، نوضح وجهات النظر المختلفة في مجال التناص ونعرض الرؤية المختارة، ثم نتناول الخلفية البحثية في هذا المجال. ويُخصص الجزء الأساسي من المقال لوظيفة هذا المنهج في تصحيح متن نهج البلاغة. بناءً على ما سبق، فإن من أهم أهداف هذا المقال، النظر من زاوية تطبيقية إلى علاقات التناص بين نهج البلاغة والقرآن الكريم بهدف التصحيح؛ وبالتالي، فإن إشكالية هذا البحث تكمن في دراسة مدى إمكانية كشف وتصحيح مواطن الخلل في متن نهج البلاغة بالاستعانة بعلاقات التناص.

2. دراسة مفهوم التناص ومراحله

بما أن جينيت هو الوحيد من بين منظّري التناص الذي عني بتعريفه وتقسيمه، فإن أساس هذا البحث يقوم على نظريته. جيرار جينيت (المولود عام 1930م) فرنسي الجنسية. يرى جينيت أن “التعالي النصي” (Transtextuality) هو كل ما يضع نصاً ما في علاقة، ظاهرة كانت أم خفية، مع نصوص أخرى. ومن هنا، يطرح جينيت “التعالي النصي” كموضوع للشعرية (genette, 1997, 1). ويضع جينيت التناص (Intertextuality) كأول نوع من أنواع “التعالي النصي”؛ ويكتب: يُعرّف التناص بأنه علاقة حضور مشترك[2] بين نصين أو أكثر. وبعبارة أدق وأوضح، التناص هو الحضور الفعلي لنص داخل نص آخر (المصدر نفسه، 1-2). ويرى آلن أن مفهوم التناص عند جينيت لا يتطابق مع المفهوم المستخدم في ما بعد البنيوية؛ ذلك أن التناص عند جينيت يعني «الحضور المتزامن لنصين أو عدة نصوص والحضور الفعلي لنص في نص آخر» (آلن، 1385ش، 148).

يقسّم جينيت التناص إلى قسمين: ظاهر (لفظي) وخفي (غير لفظي). ويُعد الاقتباس[3] أول أنواع التناص الظاهر (اللفظي). ومن وجهة نظر جينيت، فإن الاقتباس (سواء كان بين علامتي تنصيص أم لا) هو أوضح أشكال التناص وأكثرها حرفية. أما السرقة الأدبية[4] والتلميح[5] فهما نوعان من التناص الخفي عند جينيت. ويرى جينيت أن السرقة الأدبية هي أخفى أنواع التناص وأقلها اعتياداً، حيث تكون عملية غير معلنة، لكنها تظل استعارة حرفية. أما التلميح، فهو «أخفى وأكثر القوالب التناصية (غير اللفظية) ضمنيةً حتى مقارنة بالسرقة الأدبية» (genette, 1997, 1-2). والجدير بالذكر أن جينيت هنا يعلن أن السرقة الأدبية خفية من منظور عدم الإشارة إلى مرجع النص، ومن جهة أخرى، يعتبرها لفظية لأنها تسرق العبارات نفسها. ويمكن تلخيص أقسام التناص عند جينيت في الجدول التالي:

أدوات التناص ظاهر/خفي لفظي/غير لفظي
الاقتباس ظاهر لفظي
السرقة الأدبية خفي لفظي
التلميح خفي غير لفظي

تجدر الإشارة إلى أن المقصود بأدوات التناص هو أنه لتحويل نص ما إلى نص متناص، يجب استخدام أدوات وتقنيات لا يمكن إنجاز هذا العمل بدونها. فالاقتباس والسرقة الأدبية والتلميح هي أدوات أدبية تحول نصًا ما إلى نص متناص. ولا ينبغي أن يُتصور أن جينيت قد قسم التناص إلى ثلاثة أقسام: الاقتباس، والسرقة الأدبية، والتلميح، بل قسمه إلى ظاهر/خفي ولفظي/غير لفظي.

3. دراسة الخلفية البحثية

عند استعراض الخلفية البحثية لهذا الموضوع، يمكن الإشارة إلى مقالات متنوعة تناولت هذا المنهج في دراسة القرآن والمصادر الحديثية. ومن هذه المقالات ما يلي:

  1. العلاقات التناصية بين القرآن والرسالة الحادية والثلاثين من نهج البلاغة (مسبوق؛ بيات، 1391ش، 27-43).
  2. التناص القرآني في الصحيفة السجادية (إقبال؛ حسن خاني، 1391ش، 31-44).
  3. العلاقات التناصية بين القرآن وخطب نهج البلاغة (مسبوق، 1392ش، 205-224).
  4. دراسة العلاقات التناصية القرآنية في الصحيفة الرضوية (مختار؛ محبي، 1393ش، 83-99).
  5. رمزية الأخلاق الاجتماعية في نهج البلاغة وصحيفة الإمام بمنهج تناصي (فتاحي زاده؛ سقا، 1393ش، 127-150).
  6. تجلي القرآن في دعاء مكارم الأخلاق للإمام السجاد (ع) بمنهج تناصي (فتاحي زاده؛ داودي، 1395ش، 3-30).
  7. التناص بين القرآن الكريم والصحيفة السجادية (ستوده نيا؛ محققيان، 1395ش، 21-36).

من بين هذه المقالات، تم تبيين منهج التناص الذي اعتمده المؤلف صراحة في المقالة رقم 5 فقط. حيث تناول المؤلف دراسة كلام الإمام الخميني باستخدام تناص جينيت. بالإضافة إلى ذلك، أُشير إلى أثر التناص في التراث الأدبي الفارسي والعربي بذكر مصطلحات مثل الاقتباس والتضمين والسرقة الأدبية وغيرها. ومع ذلك، لم يتم التطرق إلى اختلاف رؤية التناص المعاصرة عن المباحث المذكورة، والتي تتجاوز مجرد تحديد أنواع التناص، كما لم يُشر إلى وظيفة التناص والدور الذي يلعبه في تحليل وفهم رسالة النص بشكل أفضل. في كتابات النقاد العرب، طُرحت تصنيفات للتناص لا نجد لها أثراً في آراء منظري هذا الفن من أمثال كريستيفا وبارت وجينيت. ومن ناحية أخرى، فإن معظم الكتّاب الإيرانيين (ممن كتبوا مقالات في مجال القرآن والحديث) قد استخدموا نفس أسلوب الكتّاب العرب، دون الرجوع إلى المصادر اللسانية الأولية أو الثانوية في هذا الموضوع. بناءً على الدراسات التي أُجريت ومطالعة جميع المقالات التي كُتبت في مجال الدراسات القرآنية والحديثية حول التناص، يبدو أن القصور الأبرز في هذه المقالات والمقالات المشابهة هو أن أياً منها (المقالات المذكورة أعلاه) لم ينظر نظرة تطبيقية إلى هذا المنهج، واكتفى بذكر أمثلة على التناص. ويأتي هذا في حين أن هذه النظرية قد أُبدعت لتحليل النصوص، وخصوصاً النصوص الأدبية. فما ورد في هذه المقالات بوصفه عملية تناصية لم يكن سوى شرح أشبه بالترجمة لنصين، دون الالتفات إلى الدلالات المعنوية التي يضفيها كل نص على الآخر.

4. الوظيفة التصحيحية لعلاقات التناص بين نهج البلاغة والقرآن

من المتطلبات الأساسية لفهم الحديث، بصرف النظر عن صحة السند، هو الوصول إلى نص صحيح خالٍ من أي عيب؛ ذلك أن «الكثير من حالات سوء الفهم وصعوبته ناشئة عن خطأ في قراءة وكتابة الأحاديث الموجودة في النسخ المختلفة» (مسعودي، 1378ش، 61). يمكن تقسيم آفات الحديث إلى فئتين رئيسيتين: آفة في مرحلة صدور الحديث، وآفة في مرحلة نقل الحديث. فالأحاديث في مرحلة الصدور قد يعتريها الصدور التدريجي، والتقية، والتورية، والنسخ (المصدر نفسه، 21). وبما أن هذا البحث لا يتناول هذا النوع من الآفات، فسنعرض عن التفصيل فيها. وما يتم تناوله في هذا البحث هو الاهتمام بآفات مرحلة نقل الحديث. وفي هذه المرحلة، نواجه ست آفات: الأولى: التصحيف، والتحريف، والقلب. الثانية: الإدراج، والسقط، والاضطراب. الثالثة: التقطيع، والاختصار. الرابعة: النقل بالمعنى. الخامسة: الوضع والدس في الحديث. السادسة: الآفة السندية (المصدر نفسه، 24). ومن بين هذه الفئات الست، لا تُبحث في هذا المقال سوى الآفتان الأولى والثانية. والسبب في ذلك هو أنه بناءً على الدراسات التي أجريت على متن نهج البلاغة، فإن هاتين الفئتين من الآفات فقط هما ما يمكن تصحيحهما من خلال علاقات التناص بين نهج البلاغة والقرآن، بينما تحتاج الآفات الأخرى إلى مناهج مختلفة. ومن بين الآفات الست، فإن الآفات الثلاث: التصحيف، والتحريف، والإدراج والسقط، هي وحدها التي وُجدت لها شواهد في نهج البلاغة. لقد استخدم الإمام علي (ع) ما مجموعه 46 آية على سبيل الاقتباس، و108 آيات على سبيل التضمين، وحوالي 250 آية على سبيل التلميح في نهج البلاغة.[6] ومن هذا العدد، تم العثور على 13 حالة في نهج البلاغة يمكن تصحيحها باستخدام منهج التناص. وفيما يلي، يتم استعراض هذه النماذج.

1-4. التصحيف

الحديث المُصَحَّف هو حديث غُيِّر فيه قسم من سنده أو متنه إلى كلمة أو عبارة مشابهة له. ومثال التصحيف في المتن: «مَن صَامَ رَمَضَانَ وَ أَتْبَعَهُ سِتّاً مِن شَوَّالٍ» حيث صُحِّفَت كلمة (سِتّاً) إلى (شَيْئاً) (مدير شانه چي، 1386ش، 93-94). أحياناً، تحدث أخطاء وتغييرات أثناء النقل الكتابي والشفهي للحديث، ينتج عنها تحول في معنى الحديث وعدم فهم مقصود المعصوم. ويُعد احتمال حدوث مثل هذه التغييرات من النقاط المهمة التي يجب الانتباه إليها في فهم الرواية ونقدها وتوثيقها والعمل بمضمونها. فالتصحيف شائع في جميع النصوص التاريخية، ومنها الحديث، وهو ظاهرة منتشرة (مسعودي، 1389ش، 67). وفيما يلي، نتناول دراسة حالات من التصحيف والتحريف في نهج البلاغة تم تصحيحها من خلال علاقات التناص.

1-1-4. التصحيف في حركات الكلمات

من موارد التصحيف، الضبط الإعرابي غير الصحيح للروايات. وهذا النوع من التصحيف يصدر من المحققين ومصححي الكتب الروائية (أبو شهبة، دون تاريخ، 478؛ ماهر ياسين، 1430ق، 482). إن الخطوة الأولى في التعامل مع نص عربي هي معرفة الوزن الصرفي للكلمات. ولهذا الأمر أهمية بالغة عند التعامل مع النصوص الدينية كالأحاديث، ذلك أن تغيير الوزن الصرفي لكلمة ما قد يؤدي إلى تغيير مفهومها، وبالتالي يُنسب إلى الدين مفهوم خاطئ أو غير دقيق.

المثال الأول

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة الثانية (بعد عودته من صفين): «وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالدِّينِ الْمَشْهُورِ وَ الْعَلَمِ الْمَأْثُورِ وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُور …» (سيد رضي، 1414ق، 46). عبارة «العلم المأثور» يمكن ضبطها إعرابياً بطريقتين: «العِلْم» و«العَلَم». وقد اختار البعض، مثل ابن أبي الحديد، الكلمة الثانية وقالوا إن المراد بها قد يكون القرآن، لأنه مأثور ومروي، وهو علامة يُهتدى بها. كما أن المتكلمين قد أطلقوا على المعجزات اسم «أعلام» أي علامات. ومن الممكن أيضاً أن يكون المقصود بها إحدى معجزات النبي (ص) غير القرآن، لأنها كثيرة ومأثورة. ويؤيد هذا الرأي عبارة الإمام (ع) التالية: «و الكتاب المسطور»، فهذه العبارة تدل على اختلاف مفهوم العبارتين (ابن أبي الحديد، 1404ق، 1: 136). وفي بعض الشروح الأخرى لنهج البلاغة، تم الشرح على أساس «العَلَم المأثور»، وقيل إن المقصود هو المعجزات، ولم تتم الإشارة إلى الوجه الإعرابي الآخر لهذه الكلمة (الراوندي، 1364ش، 1: 111؛ مكارم شيرازي، 1375ش، 1: 276). يعتقد ابن ميثم أن المقصود بـ«العَلَم المأثور» هو دين الإسلام الذي يهدي الناس إلى حضرة الله، وهو هدف جميع الأديان. وكلمة «مأثور» في عبارة الإمام (ع) تشير إلى أحد المعنيين التاليين: 1- دين الإسلام مأثور، أي مقدم على سائر الأديان، كما يُرفع العلم أمام الجمع فيُهتدى به. 2- دين الإسلام مأثور، أي يُنقل من قرن إلى قرن للهداية (ابن ميثم البحراني، 1362ش، 1: 240). وفي بعض الشروح الأخرى، ورد ما يقرب من هذا الفهم (موسوي، 1376ق، 1: 63). وقال البعض أيضاً إن المقصود بالمأثور هو المنقول من زمان إلى زمان. فالله عندما اصطفى الأنبياء الماضين، آتاهم معجزات؛ كعصا موسى، وإحياء الموتى وشفاء المرضى لعيسى؛ فالمعجزة إذن ليست خاصة بنبي الإسلام (ص) بل هي لجميع الأنبياء (قزويني حائري، دون تاريخ، 1: 112).

وفي هذا السياق، أشار المجلسي إلى أن عبارة «العلم المأثور» يمكن أن تكون بكسر العين وفتحها، ولكنه لم يقدم أي توضيح آخر، ولم يأتِ بشرح لهذين الوجهين (المجلسي، 1403ق، 18: 218). تشير عبارة «الْعِلْمِ الْمَأْثُورِ» إلى الآية: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُوني ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هَذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» (الأحقاف: 4). تخاطب هذه الآية المشركين بأن يأتوا بدليل على شركهم من كتاب سماوي قبل القرآن أو بشيء من العلم أو بقية من علم مأثور (الطباطبائي، 1417ق، 18: 187). تشير الآية ضمناً إلى أن المشركين كانوا يعتقدون بشيء كعلوم باقية ومنقولة عن أسلافهم. ولذلك قال لهم الله أن يأتوا بدليل على عقيدتهم من هذه العلوم الماضية. وقد قال الإمام علي (ع) في هذه العبارة أن النبي (ص) يملك تلك العلوم الباقية أو المنقولة عن الماضي. وبناءً على ذلك، وبالنظر إلى آية القرآن، من الأنسب أن تُقرأ «العِلم المأثور». وقد رجّح الشوشتري هذا الوجه أيضاً وقال: الظاهر أن عبارة «العِلم المأثور» تُقرأ بكسر العين، وهذا القول يشير إلى الآية «ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ» (الأحقاف: 4) (الشوشتري، 1376ش، 2: 149).

المثال الثاني

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 86 في وصف الله تعالى: «و عَلِمَ أعمالكم». حسب قول الشوشتري، ضُبطت هذه العبارة في بعض النسخ بـ «عَلَّمَ»، بينما الكلمة الصحيحة بدون تشديد ويجب أن تكون «عَلِمَ»؛ لأن هذه العبارة تشير إلى الآية «وَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ» (محمد: 30) (الشوشتري، 1376ش، 11: 346). من جهة أخرى، الآيات التي يُعلِّم فيها الله شيئاً للآخرين هي: «… وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…» (المائدة: 110)؛ «وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّها …» (البقرة: 31)؛ «عَلَّمَ الْقُرْآنَ» (الرحمن: 2)؛ «الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ» (العلق: 4-5). هذه الآيات تدل على أن متعلق التعليم هو شيء لا يعلمه الإنسان، وبما أن أعمال كل شخص واضحة وجلية له، فلا يمكن أن تكون متعلقاً للتعليم؛ لذا فإن استخدام الفعل الثلاثي المزيد «عَلَّمَ» لأعمال الفرد غير مناسب.

المثال الثالث

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 192، المعروفة بالقاصعة، في وصف الشيطان: «فَاحْذَرُوا عِبَادَ اللَّهِ عَدُوَّ اللَّهِ أَنْ يَعْدِيَكُمْ بِدَائِهِ وَ أَنْ يَسْتَفِزَّكُمْ بِنِدَائِهِ وَ أَنْ يُجْلِبَ عَلَيْكُمْ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ [رَجْلِهِ]». وردت في بعض نسخ نهج البلاغة كلمة «جِبِلَّتِهِ» بدلاً من «رَجِلِهِ» (موسوي، 1376ش، 420). وكلمة «رَجْلِهِ» ضُبطت إعرابياً بوجهين. وفي متن نهج البلاغة، وُضع أحد الوجهين الإعرابيين -رَجْلِهِ- بين معقوفين. وفي متن نهج البلاغة الذي نشرته مؤسسة نهج البلاغة، اعتُبر هذا الوجه الإعرابي هو الصحيح (سيد رضي، 1372ش، 289). وفي كتاب تمام نهج البلاغة، وردت بصيغة «رَجِلِهِ» (موسوي، 1376ش، 135). لم تشر شروح نهج البلاغة إلى الفرق بين هذين الوجهين الإعرابيين. ولذلك، يُختار الوجه الإعرابي الأقرب إلى متن القرآن. «رَجْل» جمع راجل، وتعني المشي على قدمين (مغنية، 1358ش، 3: 114). تشير هذه العبارة من نهج البلاغة إلى الآية «وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ وَ عِدْهُمْ وَ مَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً» (الإسراء: 64). لذا، فإن الوجه الإعرابي الأنسب هو الأقرب إلى متن القرآن. يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 10 عن الشيطان: «أَلَا وَ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ جَمَعَ حِزْبَهُ وَ اسْتَجْلَبَ خَيْلَهُ وَ رَجِلَهُ ….» (سيد رضي، 1414ق، 54). عبارة نهج البلاغة تشير إلى الآية «وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ…» (الإسراء: 64). لذا، فإن كلمة «رَجِلِهِ» هي الأنسب.

2-1-4. التصحيف في مادة الكلمات

أحياناً، يؤدي التصحيف الذي يقع في كلمة واحدة إلى تغيير مادتها. وفي الواقع، يؤدي التصحيف هنا إلى انتقال كلمة إلى جذر آخر. وفيما يلي، تُذكر أمثلة على هذه الحالات.

المثال الأول

نقل الإمام علي (ع) في الحكمة 96 الآية 68 من سورة آل عمران وقال: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِياءِ أَعْلَمُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلَا [ع] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الآيةَ ثُمَّ قَالَ [ع] إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَ إِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ» (سيد رضي، 1414ق، 484). من المحتمل أن هذه العبارة قيلت رداً على معاوية، لأنها من حيث السياق تشبه إلى حد كبير الرسالة 28. وبصرف النظر عن المخاطب بهذه الحكمة، هناك تقارب مفاهيمي وثيق بين هذه الحكمة والرسالة 28 من نهج البلاغة. في هذه الحكمة، تعرضت كلمة «أعلمهم» للتصحيف، لأنها لا تتوافق مع سياق الحكمة نفسها ولا مع الروايات الأخرى لهذه الحكمة. لقد استخدم الإمام علي (ع) آية موضوعها المحوري هو اتباع الأنبياء، ولذلك يجب أن تطرح العبارة الأولى من الحكمة أيضاً موضوع الاتباع والاقتداء. وهنا يجب أن تكون «أعملهم» لتتوافق مع سياق ونقل الآية. من ناحية أخرى، لا يمكن للعلم بتعاليم الأنبياء أن يدفع الفرد لاتباعهم. كما أن ذيل الحكمة يتحدث مرة أخرى عن طاعة النبي (ص)، ومن هنا يمكن القول بأن كلمة «أعلمهم» قد صُحِّفت وصوابها «أعملهم». بالإضافة إلى سياق الحكمة، وردت روايات أخرى لهذه الحكمة في مصادر أخرى تعزز وجود التصحيف فيها. فقد أورد الآمدي (ت 550هـ) في غرر الحكم عدة روايات تعزز احتمال وجود التصحيف في نقل نهج البلاغة وسائر الروايات. وروايات الآمدي هي: «أَقْرَبُ النَّاسِ مِنَ الْأَنْبِياءِ أَعْمَلُهُمْ بِمَا أَمَرُوا بِهِ» و «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِياءِ عِ أَعْلَمُهُمْ [أَعْمَلُهُمْ] بِمَا جَاءُوا بِهِ» (الآمدي، 1366ش، 110). وفي مجموعة ورام بن أبي فراس (ت 606هـ)، وردت هذه الحكمة بصيغة «أعملهم» فقط. «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِياءِ أَعْمَلُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلَا عِ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هَذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ» (ورام بن أبي فراس، 1410ق، 1: 24). كما نقلها المجلسي عن مجمع البيان للطبرسي (ت 548هـ) بصيغة «أعملهم» (المجلسي، 1403ق، 64: 25). وبالطبع، وردت في الطبعة الحالية من مجمع البيان بصيغة «أعلمهم» (الطبرسي، 1372ق، 2: 770). وقد أقر ابن أبي الحديد أيضاً بوجود تصحيف في هذه الحكمة. ويعتبر استدلال الإمام علي (ع) بالآية القرآنية والعبارة في ذيل الحكمة شاهداً يؤيد رأيه (ابن أبي الحديد، 1404ق، 18: 252).

المثال الثاني

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 64: «… وَ الشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا…» (سيد رضي، 1414ق، 95). المراد من عبارة «يُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا» محل إبهام. لم يتعرض عدد من شراح نهج البلاغة لهذه العبارة وقدموا شرحاً عاماً عن الشيطان. ويرى بعض الشراح أن فعل «يركب» غير مناسب، ولكنهم قدموا شروحهم دون الإشارة إلى سبب عدم صحة هذه الكلمة. وقد كتب هؤلاء المفسرون في شرح «يركبها» أنها تعني «يرتكبها»، ثم نظروا إلى هذه العبارة في إطار التشبيه وقالوا: هنا شُبِّه تسلط الإنسان على المعصية بالركوب، حيث يسيطر الراكب على مركوبه (حسيني شيرازي، دون تاريخ، 1: 252). على الرغم من أن الشارح حاول توضيح المعنى، إلا أنه لم يقدم أي دليل على زعمه بأن «يركب» تعني «يرتكب». ومن ناحية أخرى، لا يوجد هنا أي ركن من أركان التشبيه. وإذا كان الأمر يستدعي التأويل، فيجب القول بأن «يركب» هنا من باب المجاز. وكذلك المدرس وحيد، ترجم وشرح فعل «يركبها» بمعنى «يرتكبها» دون أي توضيح (مدرس وحيد، دون تاريخ، 4: 193). المسألة هي: هل يزين الشيطان الذنب في أعين الناس ليرتكبوا ذلك الذنب أم ليركبوه؟ أساساً، طالما أمكن حمل كلمة على معناها الحقيقي، فلا ينبغي الأخذ بالمعنى المجازي. تشير هذه العبارة من نهج البلاغة إلى عدة آيات تتحدث عن تزيين الشيطان للأعمال القبيحة. بعض هذه الآيات هي: «قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ…» (الحجر: 39)، «…وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ» (الأنعام: 43)، «وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ…» (الأنفال: 48)، «… فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ…» (النحل: 63)، «… وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ» (النمل: 24). هنا يزين الشيطان الأعمال القبيحة في أعين الناس ليرتكبوها؛ لذا يجب أن يكون الفعل «ركب» هنا على باب الافتعال، الذي يفيد المطاوعة والتأثر. رَكَبَ، ارتَكَبَ، أي قبل المعصية والذنب. من ناحية أخرى، الذنب ليس شيئاً يركبه الإنسان، بل على العكس، الذنب شيء يوضع على كاهل الإنسان ويعيق حركته. وهناك آيات في القرآن تصف الذنب بأنه إصر، وأغلال (آل عمران: 157) ووزر (الأنعام: 164؛ فاطر: 18). إن التصور القرآني للذنب والمعصية هو أنه كشيء ثقيل يركب على الفرد؛ أما إذا جاءت عبارة نهج البلاغة بصيغة «رَكِبَ يَرْكَبُ»، بمعنى الركوب على شيء (ابن منظور، 1414ق، 1: 428)، فإنه يُقدم تصوراً مغايراً للتصور القرآني. في هذا التصور، يمتلك الفرد القدرة على ركوب المعصية وهو من يوجهها. بينما في التصور القرآني، يفقد الفرد القدرة، لأن المعصية هي التي تركبه وتدير حركته. ولذلك، يبدو فعل «ارتكب» أكثر ملاءمة. أشار الشوشتري في ذيل هذه العبارة من نهج البلاغة إلى أن عبارة «ليركبها» قد تكون محرفة وصوابها «ليرتكبها». ودون تقديم أي توضيح آخر، أشار فقط إلى آيتي 39 من سورة الحجر و 63 من سورة النحل، ويبدو أن استنتاجه يستند إلى هاتين الآيتين (الشوشتري، 1376ش، 11: 134). ومما يؤيد هذا التحليل، رواية أخرى قريبة من عبارة نهج البلاغة عن الإمام علي (ع) يقول فيها: «وَ الشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُمَنِّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا وَيُزَيِّنُ لَهُ الْمَعْصِيَةَ لِيَرْتَكِبَهَا حَتَّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ مَنِيَّتُهُ» (الديلمي، 1412ق، 1: 32)، وكما يُلاحظ، فقد استُخدم فيها فعل «يرتكب».

المثال الثالث

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 83: «… عِبَادَ اللَّهِ أَيْنَ الَّذِينَ عُمِّرُوا فَنَعِمُوا وَ عُلِّمُوا فَفَهِمُوا وَأُنْظِرُوا فَلَهَوْا وَسُلِّمُوا فَنَسُوا …» (سيد رضي، 1414ق، 114). لم يتعرض معظم شراح نهج البلاغة لهذا المقطع. وفي بعض الشروح، ورد أن الأحكام قد عُلِّمت لهم وعرفوا الحلال والحرام (هاشمي خوئي، 1400ق، 6: 68). وفي شرح مكارم، ورد فقط أنهم لم يعملوا بعلمهم (مكارم شيرازي، 1375ش، 3: 450). وربما يمكن القول بأنهم اعتبروا «فهموا» بمعنى عدم العمل. وفي شرح آخر، ورد أن الأنبياء علموهم الخير والشر، فأدركوا ذلك ولم يكونوا جاهلين، ولكنهم مع ذلك انحرفوا وعصوا (حسيني شيرازي، دون تاريخ، 1: 339). هنا، أضاف الشارح في مقام تصويب المعنى، الانحراف والعصيان إلى الشرح، بينما لم ترد مثل هذه العبارة في كلام الإمام. وعلى الأرجح، استنبط هذا من سياق العبارة، حيث إن مجرد الفهم ليس مذموماً، والمذموم هو عدم العمل. وفي شرح آخر، ورد أن المسائل التي أمامهم قد اتضحت، وأُزيلت الحجب عن أعينهم، وأدركوا الحقيقة، وعرفوا أحكام الشريعة وما ينفع ويضر في الدنيا والآخرة، وبعد ذلك لم يعد لديهم أي عذر أو حجة، وإذا انحرفوا فلن تكون لهم حجة (موسوي، 1376ق، 1: 505). وهنا أيضاً، أُشير إلى الانحراف بينما تخلو عبارة نهج البلاغة منه. يكتب الشوشتري: في جميع نسخ نهج البلاغة ورد «عُلِّمُوا فَفَهِمُوا»، ولكن لا شك أن كلمة «ففهموا» مصحَّفة، لأن الإمام (ع) في مقام الذم، وأصل العبارة «فوهموا»؛ كما يقول الله تعالى: «وَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» (فصلت: 17) (الشوشتري، 1376ش، 11: 181). يكتب العلامة في ذيل الآية 17 من سورة فصلت: المراد بهداية ثمود هو إراءتهم طريق السعادة ودلالتهم على الحق، بأن بين لهم الاعتقاد الحق والعمل به؛ والمراد بقوله: استحبوا العمى على الهدى، أنهم قدموه عليه واختاروا من بين الأمرين العمى (الطباطبائي، 1417ق، 17: 377). إذن، المقصود بالتعليم هو إيصال الرسالة الإلهية إلى الناس. وفي المقابل، أصغى البعض لهذه التعاليم وعملوا بها، وألقى بها البعض الآخر وراء ظهورهم ولم يعيروها اهتماماً.

المثال الرابع

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 4 من نهج البلاغة: «… مَا شَكَكْتُ فِي الْحَقِّ مُذْ أُرِيتُهُ لَمْ يُوجِسْ مُوسَى خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ الْجُهَّالِ وَ دُوَلِ الضَّلَال …» (سيد رضي، 1414ق، 51). تشير هذه العبارة من نهج البلاغة إلى الآيات: «فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدَ ساحِرٍ وَلا يَفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى» (طه: 64-70). في هذه الآيات، يقف موسى وهارون في جانب، وفي الجانب الآخر فرعون والسحرة، والناس يشهدون هذا الحدث. السؤال الذي يطرح هنا هو: مم كان خوف موسى (ع)؟ يساعد سياق الآيات في العثور على إجابة لهذا السؤال، ويرى العلامة الطباطبائي بناءً على ذلك، أن خوف موسى كان تصوراً لديه عن سحر السحرة. عندما بدأ السحرة المواجهة، اشتبه الأمر على موسى حتى تصور أن هذه الحيات تتحرك، ولذلك خاف ألا ينجح. ولهذا قال له الله لا تخف، إنك أنت الأعلى. بعد أن ألقى موسى عصاه وابتلعت سحر السحرة، آمن السحرة برب موسى وهارون (الطباطبائي، 1417ق، 14: 178). النقطة الأخرى المطروحة في هذه العبارة من نهج البلاغة هي نسبة «دول الضلال» إلى السحرة. يذكر ابن فارس معنيين أصليين لكلمة «دُوَل». أحدهما يعني الانتقال من مكان إلى آخر، والآخر يعني الضعف والوهن (ابن فارس، دون تاريخ، 2: 314). وفي الصحاح للجوهري، ورد أن «دولة» تعني دوران الشيء. فيقال مثلاً: «الفيء دولة بينهم يتداولونه، يكون مرة لهذا ومرة لهذا، والجمع دولات ودول»؛ أي يدور بينهم، مرة لهم ومرة لغيرهم، وجمع دولة هو دولات ودول (الجوهري، دون تاريخ، 4: 1700). لم ترد كلمة «دول» بمعنى الدولة والسلطة السياسية الحاكمة في العين للخليل الفراهيدي (1409ق، 8: 70)، ولا في جمهرة اللغة لابن دريد (دون تاريخ، 2: 682)، ولا في المحيط في اللغة لصاحب بن عباد (دون تاريخ، 9: 354)، ولا في معجم مقاييس اللغة لابن فارس، ولا في مفردات الراغب (راغب الأصفهاني، دون تاريخ، 322)؛ لذا يمكن القول بأن «دولة» بمعنى السلطة السياسية مفهوم متأخر (بستاني، 1375ش، 402)، ولم يدخل هذا المعنى إلى قواميس اللغة العربية ليس فقط في زمن صدور نهج البلاغة، بل حتى بعد عدة قرون من عهد الإمام علي (ع). بناءً على ما تقدم، يبدو أنه قد وقع هنا تصحيف. ذلك أن السحرة لم يكونوا أصحاب دولة و…، وكيف يمكن أن يُطلق لفظ «دول» على بضعة أشخاص لم يكونوا حتى من المقربين في بلاط فرعون؟ عندما طلب السحرة أجراً في حال فوزهم، وعدهم فرعون بأنهم سيكونون من المقربين (الأعراف: 113-114؛ الشعراء: 41-42). لذا، من المحتمل جداً أن تكون كلمة «ذوي» هي الصحيحة بدلاً من «دول»، أي أصحاب الضلال. بالإضافة إلى النقاط المذكورة، هناك رواية أخرى متأخرة عن هذا النص للسيد الرضي تؤيد هذا الرأي. فقد نقل الطبري الآملي الكبير (ت 326هـ) في كتاب المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب (ع) ما يلي: «[لَمْ] يُوجِس مُوسَى [ع] مِنْ نَفْسِهِ خِيفَةً أَشْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَلَبَةِ الرِّجَالِ، وَ ذَوِي الضَّلَال…» (الطبري الآملي الكبير، 1415ق، 408).

المثال الخامس

يقول الإمام علي (ع) في الرسالة 27 من نهج البلاغة، الموجهة إلى محمد بن أبي بكر عندما ولاه مصر: «… وَ تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللَّهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ وَلَا [يَنْقُفُ] يُنْقَصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ…» (سيد رضي، 1414ق، 383-384). تشير العبارة الأخيرة من متن نهج البلاغة إلى الآية: «فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ» (هود: 109). يتحدث كلا النصين، نهج البلاغة والقرآن، عن كيفية تعامل الله في يوم القيامة، مع فارق أن نص نهج البلاغة يتعلق بأهل الجنة، بينما عبارة القرآن تتعلق بأهل النار. وفي كلتا الحالتين، لا ينقص الله من عذاب أهل النار ولا من ثواب أهل الجنة. لذا، فإن ورود كلمة «ينقف» في متن نهج البلاغة وكذلك في شرح ابن أبي الحديد (ابن أبي الحديد، 1404ق، 15: 163) هو تصحيف لكلمة «ينقص». من ناحية أخرى، يُستخدم الفعل «ينقف» لكسر الأشياء المادية، وليس الأمور المعنوية كالثواب والعقاب (الفراهيدي، 1409ق، 5: 177).

المثال السادس

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 95 من نهج البلاغة: «… وَ مَضَى عَلَى الطَّرِيقِ وَ دَعَا إِلَى الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ» (سيد رضي، 1414ق، 140). لهذه العبارة علاقة تناصية مع الآية «ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ…» (النحل: 125). وقد وقع تصحيف في عبارة نهج البلاغة. في الواقع، كان يجب أن تكون عبارة نهج البلاغة «دعا بالحكمة»، لأن دعوة النبي (ص) إلى سبيل الله، وفقاً لآية القرآن، تمت بالحكمة والموعظة الحسنة. وكذلك الشوشتري، عندما يشرح هذه العبارة، يذكرها بصيغتها المصححة دون الإشارة إلى وجود تصحيح أو تحريف في عبارة نهج البلاغة، فيقول: «و دعا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة» ثم يشير إلى الآية 125 من سورة النحل (الشوشتري، 1376ش، 2: 196).[7]

المثال السابع

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 132 في وصف الله تعالى: «… الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ وَ الْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ…» (سيد رضي، 1414، 189-190). تشير هذه العبارة إلى الآية «هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (الحديد: 3). وقد ذكر البعض في شرح عبارة نهج البلاغة أن المقصود بـ«الْبَاطِنُ لِكُلِّ خَفِيَّةٍ» هو العليم والبصير بكل شيء مستور ومخفي، والمقصود بـ«الْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ» هو العالم بكل شيء مستور وخفي (هاشمي خوئي، 1400ق، 8: 299). وبالنظر إلى آية القرآن، يمكن القول بأنه من المحتمل بقوة أن يكون الصحيح «الظاهرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ» بدلاً من «الْحَاضِرُ لِكُلِّ سَرِيرَةٍ». في الواقع، يسعى متن نهج البلاغة إلى بيان أن الله، مع كونه باطناً عن كل شيء خفي، هو ظاهر أيضاً.

2-4. الإدراج في الحديث

الحديث المدرج ثلاثة أقسام. الأول: أن يضيف الراوي كلاماً من عنده في ذيل الحديث، فيظن الرواة اللاحقون أن هذا الكلام من أصل الحديث، فيحسبونه جزءاً من الرواية. الثاني: أن يكون للراوي حديثان بسندين مختلفين، ولكنه يروي كلا المتنين بسند واحد. الثالث: أن يسمع الراوي حديثاً من عدة شيوخ، ولكنه يرويه وكأنه سمعه منهم جميعاً في مجلس واحد (النووي، 1405ق، 46). وفيما يلي، نذكر مثالين على الإدراج تم العثور عليهما في نهج البلاغة.

المثال الأول

يقول الإمام علي (ع) في الرسالة 65 من نهج البلاغة مخاطباً معاوية: «… قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ وَ مُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ الْمُبِينُ…» (سيد رضي، 1414ق، 456). هذه العبارة اقتباس من الآية «فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» (يونس: 32). الآيات 31 إلى 36 من سورة يونس لها سياق واحد. في هذه الآيات، يخاطب الله المشركين ويصحح أفكارهم عن الله (الطباطبائي، 1417ق، 10: 50). وهنا، يضع الإمام علي (ع) نفسه بمثابة الحق ومعاوية بمثابة أهل الضلال. يريد الإمام علي (ع) أن يشير إلى أنه بعد أن بايعه الناس وظهر الحق، لم يعد هناك مجال لعدم القبول، وما بعد ذلك فهو ضلال وضياع. يعتقد الشوشتري أن كلمة «المبين» في هذه العبارة من نهج البلاغة زائدة، وفقاً لآية القرآن وكذلك لنص شرح ابن أبي الحديد وابن ميثم. من ناحية أخرى، عندما يُذكر الحق بشكل مطلق، يجب أن يُذكر الضلال أيضاً بشكل مطلق ليتقابل اللفظان (الشوشتري، 1376ش، 5، 350-351). بالإضافة إلى رأي الشوشتري، لا توجد كلمة «المبين» في متن رسالة الإمام علي (ع) في الكتب التالية: ترجمة نهج البلاغة من القرنين 5 و 6 (مترجم مجهول، 1377ش، 2: 393)، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، قطب الدين الراوندي، القرن 6 (الراوندي، 1364ش، 3: 236)، حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، قطب الدين الكيذري، القرن 6 (قطب الدين الكيذري، 1375ش، 2: 572)، تنبيه الغافلين وتذكرة العارفين، ملا فتح الله الكاشاني، القرن 10 (الكاشاني، 1378ش، 2: 544)، بحار الأنوار، المجلسي، القرن 12 (المجلسي، 1403ق، 33: 118)، شرح نهج البلاغة، نواب لاهيجي، القرن 13 (لاهيجي، دون تاريخ، 286)، الدرة النجفية، إبراهيم بن حسين خوئي، القرن 14 (خوئي، دون تاريخ، 347)، نهج البلاغة، مؤسسة نهج البلاغة (مؤسسة نهج البلاغة، 1372ش، 393)، تمام نهج البلاغة، القرن 14 (موسوي، تمام نهج البلاغة، 843). إذن، بالنظر إلى هذه النسخ، يمكن القول بأن كلمة «المبين» زائدة. وعلى الرغم من أن كلمة «المبين» وردت في القرآن كصفة لـ«الضلال» (آل عمران: 164؛ الأنعام: 74؛ الأعراف: 60؛ يوسف: 8 و 30؛ مريم: 38؛ الأنبياء: 54؛ الشعراء: 97؛ القصص: 15 و 85؛ لقمان: 11؛ سبأ: 34؛ يس: 24 و…)، إلا أنها في جميع حالات الاستعمال وردت في موضع لا يُذكر فيه الحق في الآية. أما في المواضع التي يُذكر فيها الحق في الآية، فقد جاء الضلال بدون صفة (يونس: 32؛ الرعد: 14؛ غافر: 25؛ الشورى: 18).

المثال الثاني

يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 155: «… عَظَمَتْهُ الْعُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغاً إِلَى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ هُوَ اللَّهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ…» (سيد رضي، 1414ق، 217). يذكر الشوشتري أن في بعض النسخ ورد «هو الله الملك الحق المبين» وأن كلمة «الملك» زائدة؛ لأنه لا يوجد مثل هذا الشيء في نسخ ابن أبي الحديد وابن ميثم، ومن ناحية أخرى، تشير هذه العبارة إلى الآية «يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ» (النور: 25). وكما يلاحظ، لا توجد كلمة «الملك» في هذه الآية أيضاً (الشوشتري، 1376ش، 1: 340). وفي مصادر أخرى غير شرح الشوشتري، ورد متن الخطبة 155 بدون كلمة «الملك» أيضاً. وهذه المصادر هي: حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، قطب الدين الكيذري، القرن 6 (قطب الدين الكيذري، 1375ش، 1: 678)، شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، القرن 7 (ابن أبي الحديد، 1404ق، 9: 181)، شرح نهج البلاغة، ابن ميثم، القرن 7 (ابن ميثم، 1362ش، 3: 252)، الدرة النجفية، إبراهيم بن حسين خوئي، القرن 14 (خوئي، دون تاريخ، 187).

3-4. اضطراب المتن

الحديث المضطرب هو الحديث الذي يُروى بطرق مختلفة (النووي، 1405ق، 45). وفي نهج البلاغة، لم يُعثر إلا على حالة واحدة من الحديث المضطرب يمكن تصحيحها من خلال علاقات التناص. يقول الإمام علي (ع) في الخطبة 106 في وصف النبي (ص): «… فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَ بَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً…» (سيد رضي، 1414ق، 153-154). ومن ناحية أخرى، ذُكرت نفس هذه الأوصاف للنبي (ص) في الخطبة 72 مع اختلاف طفيف: «… فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَ خَازِنُ عِلْمِكَ الْمَخْزُونِ وَ شَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَ بَعِيثُكَ بِالْحَقِّ وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ…» (سيد رضي، 1414ق، 101). في الخطبة 72، تشير عبارة «بَعِيثُكَ بِالْحَقِّ وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ» إلى آيات متعددة في القرآن تتحدث عن كيفية إرسال النبي (ص) بشكل خاص وسائر الأنبياء بشكل عام. وفي جميع هذه الآيات، كان إرسال الأنبياء «بالحق». بعض هذه الآيات هي: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً…» (البقرة: 119؛ فاطر: 24)؛ «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ…» (النساء: 170)؛ «… لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ…» (الأعراف: 43)؛ «… قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ…» (الأعراف: 53)؛ «وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ…» (الإسراء: 105)؛ «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً» (سبأ: 28)؛ «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ» (الأنبياء: 107)؛ «… وَ أَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً» (النساء: 79)؛ «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً…» (الأعراف: 158). بالنظر إلى هذه الآيات، يمكن القول بأن عبارة الخطبة 106 «بَعِيثُكَ نِعْمَةً وَ رَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً» قد تعرضت للتحريف، وأنه في الموضعين، يجب أن تكون «بَعِيثُكَ بِالْحَقِّ وَ رَسُولُكَ إِلَى الْخَلْقِ».

5. الاستنتاج

  1. التناص من المناهج الجديدة لتحليل النص، والتي تساهم في مجال الدراسات القرآنية والحديثية، بالإضافة إلى فهم النصوص، في تصحيح المتون الحديثية أيضاً.
  2. استخدم الإمام علي (ع) في نهج البلاغة في مواضع متعددة آيات من القرآن ضمن كلامه. وبما أن نص القرآن قد وصل إلينا دون نقص أو زيادة، وبنفس ألفاظ الوحي، يمكن بمساعدة مضامين الآيات المستخدمة في نهج البلاغة، تصحيح متن نهج البلاغة وكشف التصحيفات والإدراجات والاضطرابات.
  3. بالنظر إلى علاقات التناص، تم تحديد وتصحيح مثالين على الإدراج، ومثال واحد على الاضطراب، وعشرة أمثلة على التصحيف. إن الحالات المصححة، في معظمها، لا يمكن إثباتها دون الانتباه إلى القرينة القرآنية. وفي بعض الحالات، يؤيد وجود نسخ أخرى، وفي حالات أخرى، وجود متن الخطبة في شروح نهج البلاغة، هذا التصحيح ويعزز قوته.

الهوامش

  1. في العربية، يقابله مصطلح «التناص»، وفي الإنجليزية «intertextuality».
  2. copresence
  3. quoting
  4. plagiarism
  5. allusion
  6. هذا الإحصاء قام به كاتبا هذا المقال، وليس له مصدر مكتوب.
  7. «سار على طريق الحق ودعاهم إلى الحكمة والموعظة الحسنة».

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (ره)، 1404هـ.

ابن دريد، محمد بن حسن، جمهرة اللغة، بيروت، دار العلم للملايين، د.ت.

ابن فارس، أحمد، معجم المقاييس في اللغة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، د.ت.

ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر، الطبعة الثالثة، 1414هـ.

ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي، شرح نهج البلاغة، د.م.، دفتر نشر الكتب، الطبعة الثانية، 1362ش.

أبو شهبة، محمد بن محمد، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، د.م.، دار الفكر العربي، د.ت.

آلن، غراهام، بینامتنیت، ترجمة پیام یزدانجو، طهران، نشر مرکز، 1385ش.

الآمدي، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، قم، دفتر تبليغات إسلامي، 1366ش.

بستاني، فؤاد افرام، فرهنگ ابجدي، طهران، إسلامي، الطبعة الثانية، 1375ش.

مؤسسة نهج البلاغة، نهج البلاغة، تصحيح عزيز الله عطاردي، طهران، مؤسسة نهج البلاغة، 1372ش.

الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية، بيروت، دار العلم للملايين، د.ت.

الحسيني الشيرازي، سيد محمد، توضيح نهج البلاغة، طهران، دار تراث الشيعة، د.ت.

الخوئي، إبراهيم بن حسين، الدرة النجفية، د.م.، د.ن.، د.ت.

الديلمي، حسن بن أبي الحسن، إرشاد القلوب إلى الصواب، قم، الشريف الرضي، 1412هـ.

راغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، بيروت، دار القلم، د.ت.

الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي (ره)، 1364ش.

السيد الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، قم، هجرت، 1414هـ.

الشوشتري، محمد تقي، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، طهران، أميركبير، 1376ش.

صاحب بن عباد، إسماعيل، المحيط في اللغة، بيروت، عالم الكتب، د.ت.

الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية، 1417هـ.

الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، الطبعة الثالثة، 1372ش.

الطبري، محمد بن جرير، المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، قم، كوشانبور، 1415هـ.

الغفاري، علي أكبر، تلخيص مقباس الهداية للعلامة المامقاني، طهران، انتشارات جامعة الإمام الصادق (ع)، 1369ش.

الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم، نشر هجرت، الطبعة الثانية، 1409هـ.

القزويني الحائري، سيد كاظم، شرح نهج البلاغة، د.م.، د.ن.، د.ت.

قطب الدين الكيذري، محمد بن حسين، حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة، قم، مؤسسة نهج البلاغة وانتشارات عطارد، 1375ش.

الكاشاني، ملا فتح الله، تنبيه الغافلين وتذكرة العارفين، طهران، انتشارات پیام حق، 1378ش.

اللاهيجي، محمد باقر، شرح نهج البلاغة، طهران، أخوان كتابچي، د.ت.

ماهر ياسين، فحل الهيتي، أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1430هـ.

مترجم مجهول، نهج البلاغه با ترجمه فارسی قرن 5 و 6، تصحيح عزيز الله جويني، طهران، انتشارات دانشگاه طهران، 1377ش.

المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1403هـ.

المدرس وحيد، أحمد، شرح نهج البلاغة، قم، المؤلف، د.ت.

المسعودي، عبد الهادي، آسیب شناخت حديث، قم، انتشارات زائر، 1389ش.

________، روش فهم حديث، طهران، سمت، 1378ش.

المغنية، محمد جواد، في ظلال نهج البلاغة، بيروت، دار العلم للملايين، 1358هـ.

مكارم الشيرازي، ناصر، پيام إمام شرح تازه وجامعي بر نهج البلاغه، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1375ش.

الموسوي، سيد صادق، تمام النهج البلاغة، طهران، مؤسسة إمام صاحب الزمان (عج)، 1376ش.

الموسوي، سيد عباس، شرح نهج البلاغة، بيروت، دار الرسول الأكرم – دار المحجة البيضاء، 1376هـ.

النووي، يحيى بن شرف، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير في أصول الحديث، بيروت، دار الكتاب العربي، 1405هـ.

ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورام، قم، مكتبة الفقيه، 1410هـ.

الهاشمي الخوئي، حبيب الله بن محمد، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، مكتبة الإسلامية طهران، الطبعة الرابعة، 1400هـ.

Genette, Gerard, Palimpsests: Literature in the second degree, tanslated by Channa Newman and Claude Diubinsky, Lincoln/London, University of Nebraska press, 1997.

Scroll to Top