توثيق آراء المفسرين حول مفهوم عبارة «لَا تَنْهَرْهُمَا» في الآية ٢٣ من سورة الإسراء بمقاربة دلالية بنيوية

ملخص

إن التأمل والتدبر في مضمون آيات سورة الإسراء (23-24)، مع محورية الفعل «لا تنهر»، يقدم مفهومًا مغايرًا للانطباعات التفسيرية. فقد تناول معظم المفسرين العبارات والمصطلحات المستخدمة في هاتين الآيتين حول المحور العام المتمثل في «احترام الوالدين» بمعانٍ متفاوتة ومتباينة أحيانًا. في حين أن الرسالة الكلية لهاتين الآيتين، التي تتمحور حول عبارة «وَلَا تَنْهَرْهُمَا»، تشير إلى عدم «طرد» و«إبعاد» الوالدين عن النفس. فكل مفردة وعبارة في هاتين الآيتين، بوصفها كيانًا واحدًا، تكمل مفهوم الفعل «نَهَرَ» والمعنى المستفاد منه. تركز هذه الدراسة، باعتمادها مقاربة دلالية بنيوية تتناول مفهوم الكلمات في سياق الجملة وبنيتها، بشكل خاص على المصاحبات اللفظية للفعل «نَهَرَ»، مثل عبارة «يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا»، وكلمة «أُفٍّ»، ووصف «كَرِيمٍ»، والعبارة الكنائية «خفض الجناح»، وتوضح المعنى المحوري والأساسي للآية، ألا وهو «حماية ورعاية» الوالدين وعدم طردهما وإبعادهما عن النفس، بوصفه أحد الواجبات الأساسية للأبناء عند بلوغ الوالدين مرحلة الشيخوخة والهرم. وتشير نتائج البحث إلى أنه، خلافًا لرأي معظم المفسرين، تدل كلمة «أُفٍّ» على أقصى درجات الإهانة والكراهية والابتعاد عن الوالدين. كما أن الفعل «لا تنهر» لم يُستخدم بمعنى «عدم الصراخ»، بل للنهي عن «الطرد والإبعاد والتنحية». وإضافة إلى ذلك، فإن وصف «قَوْلًا كَرِيمًا» وعبارة «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ» يكملان أيضًا المفهوم الكلي للآيتين، أي «رعاية ومراقبة» الوالدين.

مقدمة

لقد أتاح علم الدلالة اليوم، بفروعه المتنوعة، أرضية مناسبة لفهم أعمق لتعاليم القرآن والكشف عن الطبقات المعنائية لمفرداته. أحيانًا، لا يكون فهم وإدراك الرسالة القرآنية ممكنًا من خلال تحديد معنى كلمة أو مصطلح واحد، بل يتأتى من خلال كشف العلاقات المفهومية بين الكلمات والعبارات في آية واحدة أو عدة آيات، مع مراعاة سياقها. ومن ثم، فإن الوصول إلى مفهوم دقيق وشامل في نص ما يتطلب الانتباه إلى معنى الكلمات المصاحبة والنظر في النظام الكلي للمعاني وارتباطاتها ببعضها البعض. إن مكانة الوالدين الرفيعة في نظام الأسرة ووجوب تكريمهما كانت دائمًا موضع تأكيد القرآن الكريم. فقد ورد الأمر بالإحسان إلى الوالدين صراحة في سبع آيات من القرآن الكريم (البقرة: 83؛ النساء: 36؛ الأنعام: 151؛ الإسراء: 23-24؛ العنكبوت: 8؛ لقمان: 14-15؛ الأحقاف: 15). كما أوصى القرآن بالإحسان والبر بالوالدين في ثلاثة مواضع (العنكبوت: 8؛ لقمان: 14؛ الأحقاف: 15) بعبارة «وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا». وقد بيّن القرآن الكريم في الآيات 23-24 من سورة الإسراء ما يجب وما لا يجب في السلوك والقول عند التعامل مع الوالدين وكيفية معاشرتهم: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ‎﴿٢٣﴾‏ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ‎﴿٢٤﴾‏». لقد أشار الله في هذه الآيات، ضمن وصيته بالإحسان إلى الأب والأم، إلى مرحلة شيخوختهما، وأكد على رعايتهما والعناية بهما بعبارات ومصطلحات خاصة. تشير رؤية معظم المفسرين حول كلمات وعبارات هاتين الآيتين إلى جوانب مختلفة من السلوك والقول في التعامل مع الوالدين، وهو ما يختلف كثيرًا عن نتائج هذا البحث. إن ما يسعى الكاتب إلى بيانه في هذا البحث هو اكتشاف المعنى الصحيح للفعل «نَهَرَ» وكيفية وروده في السياق اللغوي للقرآن الكريم. وبناءً على ذلك، فإن عدم انتباه المفسرين إلى بنية الجمل ومفهوم الكلمات في سياق الآية 23 من سورة الإسراء، أدى إلى فهم غير صحيح للفعل «لا تنهر» والتوجيه القرآني بتكريم الوالدين في مرحلة الشيخوخة، وتجاهل تأكيد القرآن المتكرر على «رعاية وعناية» الوالدين في مواضع مختلفة من الآية المذكورة.

1. نقد ودراسة آراء المفسرين

كما ذُكر، فسّر بعض المفسرين كلمة «نهر» بمعنى «زجر»، وبناءً على ذلك، استنبطوا منها معنى الطرد والإبعاد عن النفس: «وَلَا تَنْهَرْهُمَا: وَلَا تَزْجُرْهُمَا» (الجرجاني، 1430: 2/ 210)؛ «وَلَا تَنْهَرْهُمَا، وَلَا تَزْجُرْهُمَا» (البغوي، 1420: 3/ 127)؛ «لَا تَنْهَرْهُمَا»: لا تطردهما (خرمدل، 1384: 1/ 565). كما قرن آخرون الطرد والإبعاد بقيد العنف والشدة. يقول الطبراني في هذا الصدد: «قوله تعالى: وَلَا تَنْهَرْهُمَا؛ أَيْ لَا تَزْجُرْهُمَا بِإِغْلَاظٍ» (الطبراني، دون تاريخ: 40/ 104)؛ كما اقترن بهذا المعنى قيد «التحقير والخفة» (الجصاص، دون تاريخ: 5/ 19). بالطبع، ربط مفسرون آخرون مفهوم «الزجر: الطرد والإبعاد» بوصف «الصراخ والضجيج»: «وَلَا تَنْهَرْهُمَا لَا تَزْجُرْهُمَا رَافِعًا صَوْتَكَ عَلَيْهِمَا» (الرسعني، 1429: 4/ 150)، وبناءً عليه، فإن مفهوم «الغلظة في القول والصراخ» هو نفس المعنى المستنبط من فعل «زجر» في معنى «نهر»: «وَلَا تَنْهَرْهُمَا مِنَ الِانْتِهَارِ وَهُوَ الْإِغْلَاظُ فِي الْقَوْلِ» (ابن جزي، 1416: 1/ 444)؛ «وَلَا تَنْهَرْهُمَا أَيْ وَلَا تُغْلِظْ عَلَيْهِمَا بِالْقَوْلِ» (السيواسي، 1427: 3/ 14). وفي تفسير «مواهب عليه»، انعكس هذا المعنى أيضًا: «وَلَا تَنْهَرْهُمَا: ولا تصيح بهما ولا ترد عليهما جوابًا غليظًا» (الكاشفي، دون تاريخ: 612). كما فهم الزمخشري من الفعل المذكور عدم طردهما ومنعهما بسبب سلوكهما غير المرضي في فترة الشيخوخة: «وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَلَا تَزْجُرْهُمَا عَمَّا يَتَعَاطَيَانِهِ مِمَّا لَا يُعْجِبُكَ» (الزمخشري، 1407: 2/ 658). ومع ذلك، يبدو أن استنباط مفهوم «الصراخ والغلظة في القول والصياح» مأخوذ من أوجه معاني فعل «زجر»؛ لأن هذا الفعل يجسد معنى «الطرد والإبعاد» في وجهين: «المقترن بالصوت» و«الطرد المطلق». يقول الراغب الأصفهاني في هذا الصدد: «الزَّجْرُ طَرْدٌ بِصَوْتٍ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّرْدِ تَارَةً وَفِي الصَّوْتِ أُخْرَى» (الراغب الأصفهاني، 1412: 378).

بناءً على ذلك، فإن فعل «زجر» في آية «فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ» (الصافات: 19)، يدل على الحركة المصحوبة بالصراخ والصوت: «ما هي إلا صيحة واحدة عظيمة…»، أما في آية «فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ» (القمر: 9)، فإن فعل «ازدجر» استُعمل بمعنى مطلق للطرد والمنع، أي: كذبوا عبدنا نوحًا وقالوا إنه مجنون ومُنع وطُرد. وكذلك في آية «فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا» (الصافات: 2)، ورد هذا الفعل بنفس مفهوم «الدفع»؛ أي: «الملائكة التي تدفع السحاب بشدة وتحركه». بهذه التوضيحات ومع الأخذ في الاعتبار سياق الآية ودور الكلمات المصاحبة للفعل «لا تنهرهما»، لا ضرورة لحمل معنى «الصراخ والصياح» المستفاد من فعل «زجر» على معنى فعل «نهر».

من العبارات المؤثرة في فهم المعنى الصحيح للفعل «لا تنهرهما»، ذكر القيد «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا» للوالدين، والذي يشير بعد الوصية بالسلوك الحسن تجاه الأب والأم، إلى مرحلة خاصة من حياتهما تتطلب مزيدًا من الرعاية والعناية والتعاطف من قبل الأبناء. اليوم، مع انتشار العلم والتكنولوجيا، ازدادت أيضًا الهموم الفكرية والذهنية للناس. الكثير من الأبناء، بسبب مشاغلهم العملية والعائلية، لا يملكون القدرة أو الوقت أو الدافع لرعاية كبار السن، وقد لوحظ كثيرًا أنهم، دون الاكتراث برغبة والديهم الباطنية، يطردونهم من محيط الأسرة ويتركونهم في دور المسنين أو المصحات. وعلى الرغم من أن أحد المؤشرات المهمة لكشف المعنى هو الانتباه إلى ظروف وثقافة زمن النزول، وأنه يجب مراعاة الوضع الثقافي والاجتماعي لتلك الفترة، فإن تعاليم القرآن الكريم ليست محصورة فقط في عصر النزول، بل تشمل جميع العصور والأزمان؛ ومن هنا يمكن اعتبار هذا التوجيه القرآني، أي «ولا تنهرهما»، مصداقًا لـ«طرد وإبعاد» الوالدين في فترة الشيخوخة والهرم، وهو ما استنكره القرآن الكريم.

2. دراسة مفهوم كلمة “نَهَرَ يَنْهَرُ”

المعنى المحوري والأساسي لكلمة «نهر» مأخوذ من المفهوم الأولي لـ«الانتقال من نقطة إلى أخرى» أو «إبعاد شيء عن مبدأ»، وقد امتد هذا المعنى ليشمل أسماء أخرى في سياقات مختلفة. بناءً على ذلك، يسمى «النهر» نهرًا لأنه يتصف بـ«الجريان والانتقال»؛ بمعنى أن «النهر» هو مكان يجري فيه الماء وينتقل من مبدأ إلى مكان آخر (الفراهيدي، 1408: 4/ 44). وعلى هذا الأساس، فإن «المنهرة» هي أيضًا مكان يقع بين البيوت ويفصل بين حريمها (ابن دريد، 1987: 2/ 807). معنى كلمة «النهار» (اليوم) مأخوذ أيضًا من هذا المفهوم المحوري، أي «الانتقال والإبعاد»، ويعني الفترة الزمنية بين لحظة شروق الشمس من الشرق وابتعادها نحو الغرب: «وَالنَّهَارُ: الْوَقْتُ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِيهِ الضَّوْءُ، وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي الْأَصْلِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا» (راغب الأصفهاني، 1412: 825). كما اعتبروا «الاتساع والانتشار» من معاني هذه الكلمة؛ ولذلك سمي اليوم «نهارًا» لأن النور يتسع وينبسط فيه (قرشي، 1371، 7: 115). وبهذا المعنى شاع نسبته إلى السلوك الإنساني وقيل: «وَنَهَرَ الرَّجُلَ يَنْهَرُهُ نَهْرًا: زَجَرَهُ»: أي أبعده عن نفسه (الزبيدي، 1414: 7/ 570). في «قاموس قرآن»، ورد معنى فعل «نَهَرَ» بأنه «المنع والإبعاد عن النفس»: «نهر: (على وزن فلس) بمعنى الزجر والإبعاد» (قرشي، 1371: 7/ 115). وقد ذكر الراغب الأصفهاني هذا المعنى نفسه مع إضافة وصف «الخشونة»، مصحوبًا بالتأكيد عليه (راغب الأصفهاني، 1412: 825). كما أخذ الزبيدي في «تاج العروس» نفس معنى «الإبعاد والمنع» في الاعتبار (الزبيدي، 1414: 7/ 570). ويلاحظ هذا المكون في أشعار الشعراء العرب البارزين: سَوَارِحَ لَمْ يَدْفَعْ عَنِ الرِّعْيِ دَافِعٌ لَئِيمٌ وَلَمْ يُنْهَرْ عَنِ المَاءِ زَاجِرُ (الشريف الرضي، 1999: 1/ 821). الترجمة: «تلك الدواب حرة طليقة، لم يمنعها عن المرعى مانع لئيم، ولم يطردها عن مورد الماء طارد».

3. المكونات الدلالية لكلمة «نَهَرَ يَنْهَرُ» في المصادر اللغوية

بناءً على ذلك، فإن المعنى اللغوي للفعل «نهر»، أي «الطرد والإبعاد»، هو نفس المفهوم الذي يمكن أن يكون، بالنظر إلى المصادر اللغوية، مبينًا للمعنى الصحيح لعبارة «لا تنهر». فعل «نهر» ومشتقاته في القرآن الكريم ورد مرتين فقط في صيغة أفعال النهي «لَا تَنْهَرْهُمَا» و «فَلَا تَنْهَرْ»، حيث ينهى فيهما الناس عن الإساءة إلى مخاطب خاص مع بيان نقاط تربوية. إن دراسة الترجمات المعاصرة للقرآن الكريم في تبيين معنى هذا الفعل في سياق الآية 23 من سورة الإسراء، تشير إلى مفهوم «الصراخ، الإهانة، الإيذاء، والزجر» في وجه الأب والأم. لكن النقطة المهمة هي أن هذا المعنى لم ينعكس في سياق الآية 10 من سورة الضحى، بل رُجع فيه إلى المعنى اللغوي. بناءً على ذلك، وبالنظر إلى العناصر الدلالية للفعل «نهر»، من الضروري اختيار معنى واحد لهذا الفعل يتناسب مع سياق كلتا الآيتين المتشابهتين. وقد أقر صاحب تفسير «نور» أيضًا، من خلال مقارنة معنى الفعلين «نهر» في القرآن الكريم، بوحدة السياق بينهما، واعتبر فعل «نهر» بمعنى «الإيذاء»، فقال: «عندما ينهى القرآن عن إيذاء سائل غريب، «أَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ»، فإن واجب معاملة الأب والأم واضح: «وَلَا تَنْهَرْهُمَا» (قرائتي، 1388: 5/ 41). ذكر «الفراهيدي» معنى «المنع والإبعاد» عن النفس أو الغير: «وَنَهَرْتُ الرَّجُلَ نَهْرًا وَانْتَهَرْتُهُ انْتِهَارًا: زَجَرْتُهُ بِكَلَامٍ عَنْ شَرٍّ»: أي «أبعدته بكلام عن شر» (الفراهيدي، 1408: 4/ 44). بالطبع، إلى جانب معنى «الطرد والإبعاد»، طرح بعض اللغويين مفهوم «الزجر» بهذه الطريقة: «النَّهْرُ» و«الِانْتِهَارُ» يعنيان أيضًا الزجر المصحوب بالخشونة؛ ومن ثم، فإن «نَهَرَهُ وَانْتَهَرَهُ» يعني أبعده وزجره (المصطفوي، 1385: 4/ 403). بناءً على ذلك، فإن مفهوم العبارة القرآنية في آية «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا» (الإسراء: 23)، يدل على عدم النطق بكلام مصحوب بالإهانة ويؤدي إلى الطرد والبعد. وكذلك في آية «وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ» (الضحى: 10)، فإن فعل «فلا تنهر» يعني لا تُبعد السائل ولا تزجره.

وقد اعتبر الطريحي في بيان معنى «نهر»، مجرد موضوع «الإبعاد عن النفس والمنع»، وقال: «قوله تعالى: أَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ [93/ 10] أي لا تَزْجُرْهُ وَلَا تَزْبُرْ. قِيلَ هُوَ طَالِبُ الْعِلْمِ إِذَا جَاءَكَ فَلَا تَنْهَرْهُ» (الطريحي، 1375: 3/ 507). مع أن كلمة «سائل» في هذه الآية، في سياق النعمة والضيق وفي مصاحبة اليتيم، جاءت بمعنى «طالب المال»، فإن الطريحي يرى أن معنى فعل «نهر»: الطرد، يتناسب مع أي نوع من الطلب، سواء كان ماليًا أو علميًا. فقد بيّن طرد وإبعاد «طالب العلم» بعبارة «فلا تنهر». وهذا يعني أنه إذا لم يقبل شخص طالب علم، فلا يُقصد بذلك مجرد «الصياح والصراخ» في وجهه، بل إن هذا السلوك يكون مصحوبًا بالإهانة والزجر، وفي النهاية بالطرد والإبعاد عن النفس. بالنظر إلى ما طُرح حول معنى فعل «نهر»، يمكن أن تكون مكوناته الدلالية على النحو التالي: {كلام مؤذٍ + {صراخ وإهانة}} + {طرد وإبعاد}.

4. توظيف الكلمات المصاحبة لعبارة «وَلَا تَنْهَرْهُمَا»

في تفسير الآيات ودراسة معنى الكلمات القرآنية، بالإضافة إلى أهمية الرجوع إلى المصادر اللغوية المعتبرة، فإن كشف العلاقات المفهومية بين تلك الكلمات للوصول إلى رسالة القرآن المنشودة يعد ضرورة لا مفر منها. بعبارة أخرى، إن التأمل في مفهوم عبارات وكلمات الآية أو الآيات محل البحث، في سياق المصاحبة اللفظية وإحالة آيات بعضها إلى بعض، بوصفه أحد وجوه تفسير القرآن بالقرآن، له دور فعال في كشف وفهم التعاليم القرآنية. بناءً على ذلك، في الآيتين 23 و 24 من سورة الإسراء، ومن أجل كشف أدق للرسالة القرآنية في عبارة «وَلَا تَنْهَرْهُمَا»، من الضروري دراسة الكلمات والعبارات التي تسبقها وتليها في الآيتين، حول محور المصاحبة اللفظية، بوصفها كيانًا واحدًا، وتحديد توظيف كل كلمة في تبيين رسالة القرآن الكريم.

4-1. عبارة «يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا» وتقديم كلمة «عندك»

إن التقديم الهادف لكلمة «عندك» على «الفاعل والمفعول» في عبارة «يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا»، يدل على علاقة المحبة والسلوك الودود للأب والأم في مرحلة الطفولة واستمرارها إلى مرحلة الشباب وما بعدها؛ أي أن هذه الشيخوخة والهرم للوالدين لا تحدث في بيئة غريبة وبعيدة عن أعين الأبناء، بل في جوارهم ومع مرور السنين (الطبرسي، 1372: 6/ 631). فكما كان الوالدان يشهدان لحظة بلحظة نمو أبنائهما وبلوغهم، كانا هما أيضًا يسيران نحو الشيخوخة والضعف والعجز؛ ومن هنا، فإن ذكر كلمة «عندك» يرسم بوضوح صورة تضحية الوالدين وتفانيهما وإظهار المودة والمحبة للأبناء، حيث بذلا وقتهما وطاقتهما في تربيتهم وتوفير ظروف نموهم وكمالهم، وبطبيعة الحال، يجب على الأبناء أيضًا أن يردوا هذا الجميل. يقول صاحب تفسير فتح الرحمن في بيان كلمة «عندك» ووظيفة الأبناء: «فائدة بيان كلمة ‘عندك’ هي أن تظهر أن الوالدين يصلان إلى الشيخوخة تحت حماية الابن وفي بيته، وأن مسؤولية رعايتهما تقع على عاتقه، وأنه لا يوجد لهما راعٍ سواه. فربما في هذه الفترة، يتعرض الابن لمشقات من جانب الوالدين لم تكن قد وصلته في طفولته من قبل الأب والأم» (الأنصاري، 1424: 166). في الجزء الأول من الآية، أي «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا»، يوجد احتمالان للمعنى: أحدهما أنه إذا بلغت سن الكمال والنضج وكان والداك عندك «يَبْلُغَنَّ كِبَرَكَ وَكَمَالَ عَقْلِكَ»، فلا تقل لهما أف؛ والوجه الآخر، وهو التفسير المشهور، يدل على أنه إذا بلغا الشيخوخة وكانا عندك «يَبْلُغَانِ كِبَرَهُمَا بِالضَّعْفِ وَالْهَرَمِ»، فلا تقل لهما أف (الماوردي، دون تاريخ: 3/ 238). ولكن بناءً على السياق والقرائن الموجودة في الآية، يبدو أن الوجه الثاني أقرب إلى الصحة، وقد تبنى معظم المفسرين هذا الرأي. تشير كلمة «عندك» في الآية المذكورة إلى هذه النقطة: أيها الإنسان، أمام عينيك وبعلمك ومعرفتك، قام والدك ووالدتك بتربيتك، وكنت شاهدًا على تضحيتهما وتفانيهما طوال حياتك؛ «وَمَعْنَى عِنْدَكَ أَنْ يَكُونَا فِي كَنَفِكَ وَكَفَالَتِكَ» (البيضاوي، 1418: 3/ 252؛ الكاشاني، 1423: 4/ 22). وكما يوقفان حياتهما على تربية الأبناء ورعايتهم، فإن من حقوقهما أيضًا أن يقوم الأبناء بحمايتهما ورعايتهما في جوارهم عند الشيخوخة والعجز، ليردوا جزءًا من تضحياتهما. وقد استنبط سيد قطب أيضًا هذا المفهوم من الدعم والرعاية من كلمة «عندك»: «وَكَلِمَةُ ‘عِنْدَكَ’ تُصَوِّرُ مَعْنَى الِالْتِجَاءِ وَالِاحْتِمَاءِ فِي حَالَةِ الْكِبَرِ وَالضَّعْفِ» (قطب، 1425: 4/ 2221). نظرًا للمكانة السامية للأب والأم في كيان الأسرة ودورهما المحوري في تربية جيل سليم، فإن القرآن الكريم في أربع آيات (البقرة: 83؛ النساء: 36؛ الأنعام: 151 والإسراء: 23)، بعد النهي عن الشرك بالله وعبادة غيره، يطرح مباشرة مسألة الإحسان إلى الوالدين وحسن معاملتهما، ويذكر الأبناء بمراعاة حقوقهما. النقطة المهمة هي أن بحث الإحسان إلى الوالدين في جميع هذه الآيات جاء مقترنًا بمسألة التوحيد ونفي الشرك. إن تكرار هذه العبارات يدل على الارتباط والصلة العميقة بين المفهومين؛ بمعنى أن أعظم نعمة هي نعمة الوجود والحياة التي تأتي في المقام الأول من الله، وفي المراحل التالية ترتبط بالأب والأم؛ لأن الابن جزء من وجود الأب والأم. لذلك، فإن ترك حقوق الأب والأم يعتبر معادلاً للشرك بالله (مكارم الشيرازي، 1371: 3: 379). بناءً على ذلك، ونظرًا لمكانة الوالدين في المنظومة الفكرية للقرآن الكريم والوصية المؤكدة برعايتهما والعناية بهما في ظروف الضعف والعجز، لا يليق ترك الأب والأم في أوج حاجتهما إلى حالهما، وتهيئة أرضية طردهما وإبعادهما عن محيط الأسرة الدافئ بالإهمال وعدم الاحترام. إن وجود الوالدين تحت مظلة حماية الأبناء، التي أشير إليها بعبارة «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، يدل على رعايتهما في كيان الأسرة، وليس مجرد توفير مكان لراحتهما؛ لأن المقطع الأخير من الآية 24 من سورة الإسراء، أي «وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا»، هو دعاء يدعو به الأبناء أثناء رعايتهم للوالدين وفي جوارهم من الله. في الحقيقة، الدعاء برحمة ومغفرة ذنوب الوالدين هو لتعويض جهودهما التربوية تجاه الأبناء. وعبارة «كما ربياني صغيرًا» تعني أيضًا أنه لا يليق بالأبناء أن ينسوا ماضيهم ومرارة ومشاكل طفولتهم التي تحملها الوالدان. بهذه التفاصيل، ربما يمكن الادعاء بأن حكم طرد وإبعاد الوالدين عند الشيخوخة والضعف وتركهما في الوحدة والعزلة أو في أماكن مثل دور المسنين لا وجاهة له في الخطاب القرآني.

4-2. الوظيفة الدلالية لكلمة «أف» في سياق الفعل «نَهَرَ»

لدراسة صحة الادعاء المطروح حول معنى «الإبعاد والطرد» من عبارة «لا تنهرهما» وتوسيع هذا المعنى في السياق العام للآية، فإن الاهتمام بالمظاهر المختلفة لعلم الدلالة اللفظي أمر ضروري ولا مفر منه؛ لأن القرآن نزل في بيئة ولغة عربية، وبالتأكيد قد راعى في بيان الآيات قوانين ومعاني الألفاظ كما كانت سائدة في عصر النزول. وكلمة «أف» لها أيضًا دور رئيسي ومهم في فهم الآية بشكل عام. وردت هذه الكلمة في كتب اللغة القديمة والأصيلة بمعنى «الأوساخ والقذارة حول وتحت الأظافر أو الأذن» التي تسبب الكراهة والضيق وتُلقى بعيدًا. ومن هنا، فإن العرب يقولون «أف» لكل ما يسبب الضيق والأذى والدفع (الأزهري، 1421: 14/ 181؛ ابن منظور، 1414: 9/ 6). وقد انعكس هذا المعنى أيضًا في مصادر اللغة المعاصرة. وقد اعتبر المصطفوي «أف» بأنها «كل وسخ وقذارة، وكل ما يزال ويُزال بسبب قذارته ووسخه، وكذلك كل عمل وشيء خفيف وقذر» (المصطفوي، 1385: 1/ 177). بناءً على ذلك، فإن كلمة «أف» في عبارة «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ»، تدل على الكراهة وعدم الرضا: «وَأُفٍّ: كَلِمَةُ تَكَرُّهٍ» (الفيروزآبادي، 1415: 3/ 157)، وقد استخدموها للتعبير عن الضيق وعدم الرضا من شخص ما: «وَتَقُولُ: أُفٍّ لَكَ يَا رَجُلُ، إِذَا تَضَجَّرْتَ مِنْهُ» (ابن دريد، 1987: 1/ 58). في تحديد وتبيين معنى كلمة «أف»، يوجد تفسيران؛ الفرق بين هذين الرأيين يكمن في مستوى ودرجة الحد الأدنى والأقصى للمعنى والرسالة من «أف». من بين المفسرين الأوائل، يعتقد ابن عباس أن «أف» كلمة تدل على الحد الأدنى من عدم الرضا والتضجر، ولكن على العكس من ذلك، يعتبر مقاتل «أف» كلامًا يكمن فيه الغيظ والغلظة ويحكي عن نوع من الشدة والذروة (الثعلبي، 1422: 6/ 92). وقد اعتبر بعض المفسرين، تماشيًا مع ابن عباس، كلمة «أف» في حدود (آخ) الفارسية التي تمثل أدنى درجات الضيق والتعب (الطوسي، دون تاريخ: 6/ 467؛ الطبرسي، 1372: 6/ 631؛ الزمخشري، 1407: 2/ 657) وأخف تعبير غير مؤدب (مكارم الشيرازي، 1371: 12/ 75؛ المدرسي، 1419: 6/ 220). وفي هذا المعنى، نُقلت رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «أَدْنَى الْعُقُوقِ أُفٌّ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ شَيْئًا أَيْسَرَ مِنْهُ وَأَهْوَنَ مِنْهُ لَنَهَىٰ عَنْهُ»؛ «أدنى درجات عقوق الأب والأم هو قول ‘أف’، ولو علم الله شيئًا أيسر وأهون منه لنهى عنه».

بالنظر إلى الفهم الأدنى في إساءة الأدب من كلمة «أف»، يُستنبط أيضًا حرمة السلوكيات الأخرى غير اللائقة وغير المناسبة من هذه الكلمة والآية؛ بمعنى أن كلمة «أف» تظهر أن أدنى درجات عدم المحبة وعدم الاهتمام بحق الأب والأم غير جائز. بعبارة أخرى، عندما يكون قول «أف»، الذي يعتبر أدنى درجات عدم الأدب وعدم الاهتمام بمكانتهما، من وجهة نظر القرآن أمرًا مستنكرًا ومذمومًا بشدة، فإن المراتب الأعلى والأشد ستكون بطبيعة الحال غير مقبولة وغير صحيحة. بناءً على هذا، فإن المفهوم الموافق لعبارة «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ»، الذي يتطابق من حيث النفي والإثبات مع ظاهر الكلام، يدل على «حرمة ضرب الأب والأم»، ومفهومه هو أن ضربهما حرام من باب أولى؛ لأن «الضرب» أشد من قول «أف» (السيوطي، 1384: 1/ 194). في المقابل، تعتقد مجموعة من المفسرين المتأخرين مثل مقاتل، بإفادة كلمة «أف» للحد الأقصى في إساءة الأدب تجاه الوالدين، ويعتبرونها حاملة لمعانٍ حادة وقاسية مثل الإهانة وعدم الأدب بكل وجه، مما يؤدي إلى ابتعاد الوالدين وانقباض خاطرهما (قطب، 1425: 4/ 2221). كما استنبط العلامة الطباطبائي منها معنى «الكراهية والبعد» (الطباطبائي، دون تاريخ: 13/ 80). ولكن مع هذه التفاصيل، ومن أجل الوصول إلى فهم أدق، فإن الانتباه إلى فضاء وسياق الآيات القرآنية التي تتضمن هذه الكلمة، أمر ضروري. بشكل عام، وردت كلمة «أف» في القرآن الكريم ثلاث مرات (الإسراء: 23؛ الأنبياء: 67؛ الأحقاف: 17). اثنتان منها تتعلق بالسلوك مع الوالدين، وواحدة تتعلق بالحوار بين النبي إبراهيم (ع) والمشركين. العبارة القرآنية «وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا» (الأحقاف: 17) وردت ضمن قصة تتعلق بإهانة ابن منكر للقيامة لوالديه المؤمنين، حيث استخدم الابن كلمة «أف» في خطابه لوالديه. يعتقد البعض أن استخدام ضمير «الَّذِي» بدلًا من «الإنسان» يرجع إلى أن الفرد بسبب كفره قد خرج من دائرة الكرامة الإنسانية السامية (صادقي طهراني، دون تاريخ: 27/ 40). كما أن عدم أدب الابن تجاه والديه وكفره بالله وإنكاره للقيامة في هذه الآية واضح (فضل الله، 1419: 21/ 27؛ مكارم الشيرازي، 1371: 21/ 337). النقطة الجديرة بالملاحظة هي أن المفسرين في هذه الآية، بناءً على فضاء وسياق الآيات ونوع حوار الابن الكافر مع والديه، يعتقدون أن «أف» ليست بمعنى «آخ» أو «آه» وغيرها من الأصوات التي تعبر عن أدنى درجات الغضب والكراهية، بل هي تعبير عن الغضب والكراهية وعدم الاحترام (الطباطبائي، دون تاريخ: 18/ 203؛ صادقي طهراني، دون تاريخ: 27/ 40؛ الطبري، 1412: 26/ 13؛ قطب، 1425: 6/ 3263) وإساءة أدب الابن تجاه والديه (مكارم الشيرازي، 1371: 21/ 337). من الطبيعي أن الابن الذي ابتعد عن كل إيمان وأخلاق محمودة، والذي استنكره القرآن، والذي يتخذ موقفًا معارضًا لدعوة والديه، لن يتخذ موقفًا يتسم باللطف واللين. بالإضافة إلى ذلك، فإن عبارة «وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ» التي وردت في تتمة الآية، يمكن أن تكون تعبيرًا عن شدة ضيق ويأس الوالدين من ابنهما، وتدل على درجة معنى وشدة «أف» الصادرة من الابن في خطابه لوالديه، حيث يطلبان العون من الله لهداية ابنهما. كما أن عبارة «وَيْلَكَ آمِنْ» التي صدرت من الوالدين المؤمنين في خطاب الابن الكافر، تدل على احتجاج وإصرار كل منهما على معتقداته، وهكذا يدخلون من كل باب لموعظة الابن (النحاس، 1421: 4/ 110). هذا الاختلاف في الرؤية لا يدل على القرابة والتقارب بين المؤمنين والمنكرين، بل ما يبرز هو البعد وشدة الكراهية والنفور؛ ومن هنا، إذا اعتبرنا «أف» بمعنى أدنى درجات التعبير عن الضيق، فلن يتوافق ذلك مع حقيقة الكفر والإيمان وسياق القصة.

من بين الاستخدامات الأخرى لكلمة «أف» قصة مواجهة النبي إبراهيم (ع) للأصنام وتحطيمها. هذه المرة، جرت هذه الكلمة على لسان إبراهيم (ع) في خطابه للمشركين وأصنامهم: «أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ» (الأنبياء: 67). إن تحطيم الأصنام، وذلك في يوم عيد خاص بالمشركين، وطريقة حوار إبراهيم (ع) ومخاطبته لهم، يمثل أعلى درجات التحقير والتوبيخ التي وجهها للأصنام والمشركين. إذا اعتبرنا كلمة «أف» في هذه الآية حاملة لأدنى درجات النفور والبعد، فسنواجه حينها نوعًا من عدم التناسب مع سياق ومعنى الآيات في هذه السورة وقصة النبي إبراهيم (ع) بأكملها؛ لأنه بعد تقديم الأدلة والبراهين القاطعة والصحيحة من قبل نبي الله، فإن استخدام كلمة تحمل أدنى درجات الضيق بسبب عبادة الأصنام، يخالف الجو السائد وتوقع المخاطب والمستمع من المتكلم. بناءً على ذلك، فإن كلمة «أف» في هذه الآيات لا يمكن أن تكون مجرد معنى صوتي من الأصوات التي تتضمن الضيق والحد الأدنى من الغضب والانزعاج. بالإضافة إلى ما سبق، فإن شدة فعل وكلام النبي إبراهيم (ع) في قصة الأصنام كانت لدرجة أن النمروديين قرروا حرقه بعد هذه الحادثة. كل هذه القرائن والأدلة تظهر أنه لا يمكن اعتبار «أف» الصادرة من النبي إبراهيم (ع) بمعنى «آخ» بالفارسية. ومن هنا، وبالنظر إلى المعنى المذكور سابقًا حول كلمة «أف» في سورة الإسراء، ومع الأخذ في الاعتبار مفهوم هذه الكلمة في آيات أخرى (الأنبياء: 67 والأحقاف: 17) ودراسة سياق هذه الآيات، يبدو أن «أف» في الآية 23 من سورة الإسراء تعني أيضًا اتخاذ كلمات حادة وشديدة اللهجة تُقال من منطلق غضب وضيق الابن تجاه والديه. بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الكلمة تحمل رسالة إبعاد الوالدين عن النفس والنفور والكراهية بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ بمعنى أن الابن بقوله هذه الكلمة لوالديه، يفهمهما ابتعادهما وطردهما. بالنظر إلى المعنى اللغوي لكلمة «أف»، يمكن استنتاج أن عبارة «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ» تدل على عدم الإساءة في الأدب، وعدم النفور والكراهية، وكذلك عدم طرد وإبعاد الوالدين عن النفس، وليس مجرد عدم الاهتمام والصراخ. ومن هنا، يبدو أنه بالنظر إلى صراحة الآية 23 من سورة الإسراء في بيان الأوامر والنواهي التي هي بمنزلة تحريم ووجوب موضوع خاص وهو «تكريم الوالدين»، فإذا اعتبرنا «أف» بمعناها الأدنى (عدم الاهتمام وأقل إساءة في الأدب)، أو كلمة «نهر» بمجرد معنى الصراخ ورفع الصوت في وجه الوالدين، فقد نواجه نوعًا من التكرار المكرر ولا نجد فرقًا ملموسًا بين الكلمتين. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم قبول الإهانة وعدم الأدب الأدنى من قبل الأبناء، وذلك في أي ظرف، يخلق نوعًا من التكليف بما لا يطاق؛ بمعنى أنه لا يمكن في جميع الأحوال والظروف اعتبار الشباب والمراهقين، الذين يعانون من الكثير من الاضطراب والتوتر بسبب تغير مرحلة الحياة ومتطلبات الظروف الجسدية والروحية، والذين قد يصرخون مرارًا وتكرارًا في وجه والديهم وأقاربهم ويرتكبون أدنى درجات عدم الأدب، مشمولين بهذا الحكم القرآني. لذلك، يبدو أنه إذا اعتبرنا مفهوم «أف» بمعناه الأقصى وأعلى درجات الغضب والنفور في التعامل مع الوالدين، ولكن في ظروف خاصة واستثنائية، يمكننا حينها تصور مفهوم «نهر» بما يتجاوز «الصراخ ورفع الصوت»، ليعني «الطرد والإبعاد مع الضيق»، وهو ما يتناسب مع المفهوم العام للآية ويتعلق بفترة شيخوخة الوالدين وحاجتهما الشديدة إلى الرعاية والعناية أكثر من أي وقت مضى.

4-3. دراسة دلالة وصف «كريم»

إن تبيين المعنى الصحيح لعبارة «لا تنهرهما» يتطلب الانتباه إلى جميع أركان الجملة ومعاني مفردات الآية؛ لأن هذه المفردات في تقديم المعنى المقصود ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببعضها البعض وتكمل المفهوم العام للآية. في هذا التحليل الدلالي، إذا كان المقصود من عبارة «لا تنهر» مجرد الحديث اللين والبعيد عن الصراخ، أو بعبارة أخرى، الكلام اللائق والمؤدب والمهذب، فمن الضروري أن توضح المفردات الأخرى هذا المعنى نفسه. في الجزء الأخير من آية «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا» (الإسراء: 23)، فإن عبارة «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا» تؤكد على نفس المسار المفهومي لـ«عدم طرد وإبعاد الوالدين» الذي تجلى في الأجزاء الأخرى من هذه الآية. بالنظر إلى أن معظم المفسرين فسروا «القول الكريم» في هذه العبارة بمعنى «الكلام الطيب والجميل» وبعبارات «مليئة باللطف واللين» (الثعلبي، 1422: 6/ 93؛ الزمخشري، 1407: 2/ 658)، كان من الضروري اختيار كلمة تعكس معنى «اللين واللطف والمودة». هذا المفهوم في الخطاب القرآني استخدمت له كلمة «لين»؛ ولذلك، كان من المفترض في توصية القرآن بالحديث بمودة وعطف مع الوالدين أن تُستخدم عبارة «قولًا لينًا» وليس «قولًا كريمًا»، لتصوير الحديث اللين والمحب للأبناء. وقد ورد هذا الأسلوب البياني في كيفية تعامل موسى وهارون مع فرعون، حيث أوصاهما الله بالحديث اللين والبعيد عن الغلظة بقوله: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ» (طه: 44). بالنظر إلى أنه في سورة الإسراء استُخدم وصف «كريم» للحديث، وورد قوله: «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»؛ فمن المحتمل أن استنباط معنى «اللين والحديث العطوف» لا يتناسب تمامًا مع المعنى الأصلي لوصف «كريم». بناءً على ذلك، فإن الدراسة الموجزة لمعنى وصف «كريم» في الآيات القرآنية ترشدنا إلى فهم صحيح للمفهوم الكلي للآية. وصف «كريم» لكلمة «رسول» في عبارة «وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ»، يشير إلى نبي محترم وعظيم أُرسل إليهم. وكذلك في الآية الشريفة «ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ»، فإن كلمة «كريم» تعني «المحترم وذا المكانة العالية» مما يدل على صفة «القبول والتقبل».

4-4. «خفض الجناح»، صورة فنية لدعم الوالدين وعدم طردهما

كما أُشير، أكدت الآية 23 من سورة الإسراء على كيفية التعامل مع الوالدين وتجنب طردهم وإبعادهم. إن الدراسة الدلالية لفعل «نهر» في المصادر اللغوية والتفسيرية أرشدتنا إلى مفهوم عدم الطرد والإبعاد المصحوب بالعنف والضيق، حيث إن جميع فقرات هذه الآية، سواء كانت حروفًا أو ظروفًا أو أفعالًا أو أوصافًا، في مظهر كيان واحد، متوافقة مع المعنى الأصلي لفعل «نهر»، ورسمت المسار المفهومي لأسلوب التعامل مع الوالدين. بشكل عام، إن ترسيخ مفهوم «الحماية وعدم الإبعاد» للوالدين، في قلب هذه الأوامر والنواهي المتشابكة، يتبلور في العبارة القرآنية «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» في الآية 24 من سورة الإسراء، والتي قد تكون جامعة لجميع المعاني المذكورة سابقًا في حماية الوالدين وتأكيدًا على معنى فعل «لا تنهرهما». وقد فسّر بعض المفسرين «خفض الجناح» في هذه الآية بالمعنى العام «للتواضع والخضوع» للوالدين، وفي سياق ذلك، فسروه ضمن الرؤية القائمة على «عدم جواز أدنى ظلم أو إساءة أدب بكلمة ‘أف’»، وعدم التعدي عليهما أو إيذاؤهما بعبارة «لا تنهرهما»، والنطق بكلام كريم وطيّب «قولًا كريماً».[1] (الطبرسي، ١٣٧٢: ٦٣١/٦؛ البيضاوي، ١٤١٨: ٢٥٢/٣؛ الرسعني، ١٤٢٩: ١٥٠/٤). وقد ربط صاحب تفسير «نور» عبارة «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ» بالفضائل الأخلاقية للإنسان في التعامل مع الوالدين، واستنبط منها التعامل المتواضع ومن منطلق العطف: «التواضع أمام الوالدين يجب أن يكون نابعًا من المودة والمحبة، لا ظاهريًا ومصطنعًا أو للحصول على أموالهما. الابن، في أي موقع كان، يجب أن يكون متواضعًا ولا يستعرض كمالاته أمام والديه» (قرائتي، 1388: 5/ 42). كما أن البعض، بنقلهم أقوالًا، اعتبروا هذه العبارة أبعد من مجرد الصراخ وبمعنى النهي عن «الضرب»: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، قَالَ: لَا تَرْفَعْ يَدَيْكَ عَلَيْهِمَا إِذَا كَلَّمْتَهُمَا»، وكذلك بمعنى النهي عن «النظر بغضب وحقد»: «قَالَ: إِنْ أَغْضَبَاكَ، فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمَا شَزَرًا» (ابن أبي حاتم، 1419: 7/ 2324). أما معنى «الانضمام والكفالة»، الذي يوضح نفس المعنى الكلي للآية، أي «عدم الطرد والدفع» و«الحماية» للوالدين عند الشيخوخة، فقد انعكس في رأي بعض المفسرين. في هذه الرؤية، يجب على الأبناء أن يبسطوا مظلة حمايتهم على رؤوس والديهم ويضعوهم في كنف حمايتهم. فالقرآن الكريم، باستخدام التعبير الاستعاري «خفض الجناح»، يقدم صورة تقريبية وقريبة من الذهن لحماية الطائر غير المحدودة لصغاره الضعفاء والعزل، حيث يأويهم تحت جناحه ويقدم لهم حمايته الكاملة. ويجب أن يترسخ هذا النهج في تعامل الأبناء مع والديهم بحيث يتجنبون بشدة طردهم وإبعادهم والتلفظ بعبارات تسبب لهم ألم الخاطر، وفي النهاية، بعدهم. وهذا يعني أنه كما الطائر الذي يحيط بجناحيه فراخه ويرعاهم، يجب على الابن أيضًا أن يميل بوالديه إليه عند ضعفهما وشيخوختهما ويضعهما في كنف حمايته. ولهذا، يذكّر القرآن الكريم بواجب الأبناء في رعاية الوالدين بتعبير كنائي: «فَلِهَذَا صَارَ خَفْضُ الْجَنَاحِ كِنَايَةً عَنْ حُسْنِ التَّدْبِيرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لِلْوَلَدِ: اكْفُلْ لِوَالِدَيْكَ بِأَنْ تَضُمَّهُمَا إِلَى نَفْسِكَ لِكِبَرِهِمَا وَافْتِقَارِهِمَا الْيَوْمَ إِلَيْكَ» (فضل الله، 1419: 14/ 84؛ طنطاوي، 1997: 8/ 327). لا شك أن هذه الحماية والرعاية للوالدين في الجوار هي رد ضئيل على التضحية والجهد الذي تحملاه في سبيل نمو الأبناء وتربيتهم في أيام طفولتهم: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، أَيْ: اكْفُلْ وَالِدَيْكَ بِأَنْ تَضُمَّهُمَا إِلَى نَفْسِكَ كَمَا فَعَلَا ذَلِكَ بِكَ حَالَ صِغَرِكَ وَكُنْتَ مُفْتَقِرًا إِلَيْهِمَا» (فخر الرازي، 1420: 20/ 326؛ الشوكاني، 1414: 3/ 260؛ ابن أبي الجامع، 1413: 2/ 199). من البديهي أن مفهوم «حماية ورعاية» الوالدين وعدم طردهم ودفعهم، ينبع بحد ذاته من المودة والعطف والتواضع الذي يصور الشخصية السامية للفرد في تعامله مع الوالدين. ولكن الموضوع الذي تسعى التعابير القرآنية في الآية محل البحث إلى تبيينه، يشير إلى نوع خاص من السلوك مع الوالدين، أي «الرعاية والمراقبة وعدم الطرد»، وهو مفهوم غُفِل عنه في كثير من التفاسير بالرغم من توجه علم الدلالة اللفظي وسياق الآية.

الخاتمة

اليوم، يلعب علم الدلالة بفروعه المتعددة دورًا مؤثرًا في فهم وإدراك تعاليم القرآن. من بين أنواع علم الدلالة الحديثة، الانتباه إلى تجاور الكلمات والعبارات في النص القرآني، والذي يؤدي، مع أهمية دور السياق، إلى كشف المعنى المحوري والرسالة المنشودة في النص القرآني. في الآيتين 23 و 24 من سورة الإسراء، نشهد مفهومًا محوريًا وأساسيًا في كيفية تعامل الأبناء مع الوالدين، حيث إن بيان الواجبات والمحظورات السلوكية والقولية في هاتين الآيتين، في قالب عبارات وجمل متحدة المعنى، يبين الرسالة النهائية التي ينشدها القرآن الكريم. في هذا البحث، تم اتخاذ المفهوم اللغوي لفعل «نهر»، أي «الطرد والإبعاد»، في عبارة «ولا تنهرهما» أساسًا للتحليل والدراسة، وتم التطرق إلى الخلافات التفسيرية حول هذا الفعل وغيره من الكلمات والعبارات المتوافقة معه. لقد فسر معظم المفسرين والمترجمين القرآنيين الفعل المذكور، الذي ورد مرتين فقط في القرآن الكريم وفي كلتا المرتين بسياق متماثل، بمعنى «الصراخ والصياح». هذا في حين أن الانتباه إلى سياق الآيات، ومعنى الكلمات المصاحبة، وكذلك تأصيل هذه الكلمة واستخدامها في الشعر العربي، يرشدنا إلى معنى «الإبعاد والطرد». إن المفهوم النهائي لهذا الفعل له ارتباط وثيق بالكلمات والعبارات التي تسبقه وتلحقه، والتي تعمل ككل واحد منسجم على تبيين مفهوم «عدم طرد وإبعاد» الوالدين، بل «حمايتهم ورعايتهم» في كنف الأبناء. إن تقديم كلمة «عِندَكَ» في عبارة «إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا»، هو تأكيد على حماية الأبناء للوالدين وحفظ حرمتهم ومكانتهم السامية في نظام الأسرة. والنهي عن قول «أُفٍّ» في عبارة «فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ»، المتوافق مع المفهوم الكلي لفعل «نهر»، ليس مجرد تعبير صوتي عن أصوات تتضمن الضيق والحد الأدنى من عدم الأدب، بل يمكن أن يكون دالًا على شدة الضيق واليأس لدى الوالدين من أبنائهم، ويحمل رسالة طردهم وإبعادهم عن النفس والنفور والكراهية بالمعنى الحقيقي للكلمة. بالإضافة إلى ذلك، فإن وصف «كريم» في الآيات القرآنية جاء مرة واحدة فقط مصاحبًا لكلمة «قول»، وفي الآية 23 من سورة الإسراء، بالنظر إلى معناه اللغوي، يحمل مفهوم «القبول وحفظ المكانة» للوالدين. وهذا الوصف في عبارة «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»، استُخدم بمعنى خطابي يحفظ فيه الأبناء القيمة والمكانة الحقيقية للأب والأم ويتقبلون وجودهم في كنفهم، لا أن يكتفوا بمجرد كلام طيب أو خطاب لين بعيد عن الصراخ – وهو ما عُبر عنه في القرآن بوصف «قول لين». والستار الأخير لهذا الانسجام والتناغم بين فقرات الآيتين، ينتهي بعبارة «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ»، حيث يصور التعبير الاستعاري «خفض الجناح» رعاية ومراقبة الوالدين تحت مظلة حماية الأبناء لديهم.

الهوامش

1. «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ – قَالَ – لَا تَمْلَأْ عَيْنَيْكَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ وَرِقَّةٍ، وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوْقَ أَصْوَاتِهِمَا، وَلَا يَدَكَ فَوْقَ أَيْدِيهِمَا، وَلَا تَتَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا» (البحراني، ١٤١٥: ٥١٧/٣).

Scroll to Top