الملخص
الصحابة هم أوّل من تصدّى لتفسير القرآن بعد النبي (صلى الله عليه وآله) والإمام علي (عليه السلام) متأثرين بتعاليم هذين العظيمين. وقد قدّم الأستاذ معرفت في كتابه «التفسير الأثري الجامع» تعريفاً جديداً للمعنى الاصطلاحي لـ«الصحابة» استناداً إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وبناءً عليه، قام بتعديل وتوثيق جميع الصحابة، واستنتج من ذلك الاعتبار المطلق لآثارهم التفسيرية. يتناول هذا المقال، بعد دراسة مفهوم «الصحابي» وبيان ودراسة رأي الأستاذ في هذا الشأن، نقداً سندياً ومتنياً لتلك الطائفة من روايات العترة التي استند إليها لإثبات حجية واعتبار تفسير الصحابي، ويحلل فهم الأستاذ لهذه الروايات. يرى الكاتب أن مفهوم «الصحابي» حقيقة لغوية أو عرفية لا ينحصر نطاقها المعنوي في عدد قليل يُعدّ على الأصابع. كما أنه لا يوجد في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أي دليل على اعتبار خاص لتفسير الصحابة من حيث كونهم صحابة؛ إذ إن هذه الروايات تعاني من إشكالات سندية ودلالية.
المقدمة
طرح الأستاذ معرفت في «التفسير الأثري الجامع» نظرية خاصة حول مدى قيمة واعتبار «الآثار التفسيرية للصحابة». ويرى أن تفسير الصحابي ذو قيمة من الناحيتين العلمية والعملية. ويعتبر الأستاذ أقوال الصحابة التفسيرية، سواء كانت أخباراً حسية أم آراء اجتهادية، حجة ومعتبرة وذات قيمة وأحد المصادر الرئيسية للتفسير. ومن وجهة نظره، فإن الصحابة هم باب علم النبي، وقد قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بتعليمهم وتربيتهم ليكونوا واسطة بينه وبين الناس. وقد اشترط لاعتبار تفسير الصحابة والعمل به صحة الطريق المنتهي إلى الصحابي وكونهم من الطبقة الأولى. واستند في دعواه هذه إلى أدلة عقلية ونقلية، منها روايات أهل البيت (عليهم السلام). ومن منظوره، تدل روايات العترة على «عدالة» و«صدق» و«خبرة» و«علم» الصحابة، وتؤكد اعتبار وحجية «روايتهم» و«درايتهم» التفسيرية (معرفت، 1383، ج 1: ص 98-105).
وقد انتقد بعض الباحثين وجهة نظره، ومن ذلك مقال «معرفي ونقد “التفسير الأثري الجامع”» (روشن ضمير، 1386، ص 277-294) و«مكانة الصحابة في تبيين القرآن» (سند، فهيمي بور، 1388، ص 42-74). يقوم هذا المقال، من خلال استقراء وتقييم روايات أهل البيت (عليهم السلام) حول «قيمة وحجية تفسير الصحابة» المنقولة في مصادر الشيعة، والتي استند إليها في «التفسير الأثري الجامع» كأحد أدلة «اعتبار تفسير الصحابة»، بنقد وتحليل فهم الأستاذ معرفت الحديثي بطريقة مختلفة.
طرح المسألة
الصحابة هم أقرب الأفراد إلى عصر نزول القرآن وزمن الرسالة. لقد رأوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسمعوا منه تلاوة وتفسير آيات القرآن. لذلك، كان الصحابة أول المسلمين الذين بادروا إلى تفسير القرآن، وقد نُقلت آثارهم التفسيرية بواسطة التابعين والأجيال اللاحقة. ولكن، هل تفسير الصحابة، سواء كان مرفوعاً أم موقوفاً، ورواياتهم وآراؤهم التفسيرية، معتبر وحجة؟ وهل مجرد كون الشخص صحابياً كافٍ لإضفاء الاعتبار على تفسيره؟ أم أن اعتبار وحجية تفسير الصحابة يحتاج إلى دليل؟ وفي هذه الحالة، ما هو الدليل؟ وهل اعتبر المعصومون روايات وآراء الصحابة التفسيرية معتبرة وصحيحة؟ من الممكن الاستناد إلى العقل أو آيات القرآن لإثبات اعتبار تفسير الصحابة، وهو ما يتطلب بحثاً مستقلاً لقبوله أو رفضه. يهدف هذا البحث إلى الإجابة عن هذا السؤال: هل روايات أهل البيت (عليهم السلام) في مصادر الشيعة تثبت اعتبار وحجية تفسير الصحابة أم لا؟ يتناول هذا المقال دراسة روايات أهل البيت (عليهم السلام) التي نُقلت في «التفسير الأثري الجامع» كدليل على اعتبار تفسير الصحابة.
دراسة المفهوم
1. رواية «المرفوع» و «الموقوف»
«المرفوع» هو حديث يُنسب إلى المعصوم، سواء كان سنده متصلاً أو منقطعاً (الشهيد الثاني، 1408هـ، ص 132؛ النووي، 1421هـ، ج 1: ص 36). ويقابل مصطلح المرفوع مصطلحي «الموقوف» و«المقطوع».
وهو أيضاً الرواية التي سقط من وسط سندها أو آخره راوٍ أو أكثر، وصُرّح بهذا السقوط بألفاظ مثل «رفعه» أو «يرفعه» (غفاري، 1369، ص 36). ومقصودنا من «المرفوع» هو التعريف الأول.
«الموقوف» أو «الأثر» هو رواية تنتهي إلى صحابي النبي أو أحد أصحاب العترة، سواء كان سندها متصلاً أو منقطعاً (الشهيد الثاني، 1408هـ، ص 132؛ النووي، 1421هـ، ج 1: ص 36؛ غفاري، 1369، ص 132). وقد أطلق بعض باحثي القرآن المعاصرين على روايات الصحابة المرفوعة في التفسير اسم «الروايات التفسيرية» وعلى روايات الصحابة الموقوفة في التفسير اسم «الآراء التفسيرية» (بابايي، 1391، ج 1: ص 98).
2. التفسير
قُدّمت تعاريف مختلفة لـ«التفسير». يقول الراغب: «التفسير في عرف العلماء هو كشف معاني القرآن وبيان المراد منه؛ سواء كان ذلك بحسب اللفظ المشكل وغيره، أو بحسب المعنى الظاهر وغيره» (الزركشي، 1410هـ، ج 2: ص 285؛ السيوطي، 1421هـ، ج 2: ص 427). يقول الأستاذ معرفت: «التفسير هو إزالة الإبهام عن اللفظ العسير الذي يعتريه الخلل في إيصال المعنى المقصود» (معرفت، 1383، ج 1: ص 29). وقد اقترح آخرون، بعد تضعيف التعاريف المذكورة، هذا التعريف: «التفسير الصحيح للقرآن هو بيان ظاهر الآيات بناءً على قراءتها الصحيحة ومفاهيمها العرفية وبنيتها الأدبية وقرائنها المتصلة، وكشف مراد الله تعالى من ظاهر الآيات بالنظر إلى القرائن والأدلة المنفصلة» (بابايي، 1394، ص 13). على أي حال، هدف المفسر هو كشف مراد الله في آيات القرآن.
3. الصحابة
المعنى اللغوي والاصطلاحي
«الصحابة» و«الصحب» جمع «صاحب»، و«الأصحاب» جمع «الصحب»، وتعني في اللغة: الرفيق، المرافق، الصديق، الملازم، والمعاشر (الجوهري، 1407هـ، ج 1: ص 162؛ ابن سيده، د.ت، ج 3: ص 166؛ الزمخشري، 1386هـ، ص 153؛ الراغب، 1412هـ، ج 1: ص 475). والراغب هو اللغوي الوحيد الذي يرى أن «كثرة الملازمة» هي المعنى العرفي لـ«الصاحب» (الراغب، 1412هـ، ج 1: ص 475). أما هل يختلف مصطلح «الصحابة» عن معناه العرفي أم لا، فلا يوجد إجماع في الرأي. يقول أهل الحديث: «الصحابي هو كل مسلم رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولو للحظة قصيرة» (النووي، 1421هـ، ج 1: ص 41)، ولكن أصحاب الفقه والأصول يقولون: «الصحابي هو كل مسلم طالت ملازمته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» (الغزالي، 1417هـ، ص 131؛ الزركشي، 1421هـ، ج 3: ص 359). وفي هذه التعاريف، يُعتبر وجود أو عدم وجود صفات مثل «حسن الخلق»، «العلم الغزير»، «الكذب»، و«النفاق» خارجاً عن معنى هذه الكلمة.
تعريف «الصحابي» من وجهة نظر الأستاذ معرفت
قدّم العلامة معرفت تعريفاً ثالثاً ومضيقاً للصحابي. فبالإضافة إلى قيد «كثرة الملازمة»، اشترط لصحة إطلاق اسم الصحابي كمال استفادتهم العلمية والأخلاقية من النبي، وبقائهم على جادة السلامة بعد رحيله. وحصر هذا اللقب في النخبة والجماعة البارزة من الملازمين الأجلاء والطبقة الأولى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين كانوا مرآة لكمالات رسول الله وعلمه ومعنوياته (معرفت، 1383، ج 1: ص 98؛ همو، 1387، صص 26 و 28). ويرى أن التعريف الجامع المانع للصحابة من منظور القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) وكبار الشيعة هو كالتالي: «الصحابة جمع صحابي، بمعنى النخبة من عشاق فخر الرسالة الذين أحاطوا كالفراشات بشمعة وجوده؛ فكانوا ينهلون ليلاً ونهاراً من فيض بركاته، ويجتهدون في نصرته، ويبذلون كل ما يملكون بإخلاص في سبيله؛ ولم يغفلوا لحظة عن رعاية شجرة الإسلام الطيبة ونشر تعاليم القرآن السامية؛ وكانوا دائماً يقظين واعين لئلا يصيب هذا الصرح الشامخ أي ضرر. لقد بذلوا أنفسهم النفيسة بسخاء في هذا الطريق ولم يتوانوا أبداً؛ ولم يتراجعوا في الشدائد والمصاعب؛ وسعوا لاستمرار الإسلام وازدهاره، ووقفوا كالسد المنيع أمام كل بدعة ومنكر؛ ولو كلفهم ذلك حياتهم. الصحابة، وفقاً لهذا التعريف، هم أولئك الذين أصبحوا، بفضل التربية المستمرة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، مظهراً لأخلاقه، وتجلياً لعلمه وحكمته، وحملة لرسالة الإسلام العالمية» (همو، 1387، ص 26).
ومن وجهة نظره، فإن «الصحابي» ليس بمعنى مطلق المصاحب والملازم للركاب» (نفس المصدر، ص 25)، بل هم أولئك الأفراد المحيطون به الذين كانوا «يسعون في طريق اكتساب المعنوية من حضرته، وبذلوا في هذا الطريق كل ما في وسعهم، واستمروا في هذا الاكتساب العلمي» (نفس المصدر، ص 26). وهو يخصّص لقب الصحابي الجليل فقط لأولئك الذين «بسبب الملازمة المستمرة، استفادوا من بركات وجوده» و«أصبحوا مظهراً لأخلاقه الكريمة» (نفس المصدر، ص 19). والدلالة الصريحة لهذه العبارات هي أن لقب «الصحابي» يقتصر على فئة خاصة من تلاميذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومتربّيه، ولا يطلق على غيرهم.
نقد ودراسة
ترد على هذا التعريف عدة إشكالات:
1- تعريف الأستاذ لا يتوافق مع موازين اللغة. فالخصائص الإيجابية أو السلبية لمصاديق الصحابة، كوجود الأخلاق الحسنة والعلم الغزير أو عدم وجود الكذب والنفاق، خارجة عن المعنى اللغوي والعرفي والاصطلاحي لهذه الكلمة.
2- الاستخدام القرآني والروائي لكلمتي «صاحب» و«أصحاب» يدل على صحة استخدام هذه الكلمة في حق من لا يتمتعون بمزايا علمية وأخلاقية، كما في قوله تعالى: «…إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا…» (التوبة: 40). كما أن بعض روايات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته الأطهار تدل على إطلاق لفظ «الصحابي» على المنافقين والكاذبين والطبقة غير المثقفة في عصر النبي. مثل الرواية النبوية: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُجْلَوْنَ عَنِ الْحَوْضِ فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِي فَيَقُولُ إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَك بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أدبارهم الْقَهْقَرَى» (البخاري، 1401هـ، ج 7: ص 208؛ مسلم، د.ت، ج 7: ص 68). أو رواية الإمام علي (عليه السلام): «رَجُلٍ مُنَافِقِ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ مُتَصَنِّعِ بِالْإِسْلَام لَا يَتَأَثَّمُ وَ لَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَذَّابٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوهُ وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ» (الكليني، 1407هـ، ج 1: ص 62). أو رواية الإمام الباقر (عليه السلام): «أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَدِ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ» (الكليني، 1407هـ، ج 8: ص 270؛ العياشي، 1380هـ، ج 1: ص 200).
3- إذا كان «الصحابي» حقيقة شرعية أو لقباً فخماً وحصرياً لمن هم مرآة لكمالات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمثقفين حول مقام الرسالة، فمن الأجدر أن يقتصر هذا اللقب الفخم على أهل بيت النبي المعصومين، أي الإمام علي، والسيدة فاطمة، والإمام الحسن، والإمام الحسين (عليهم السلام)، الذين هم في الحقيقة جزء من طبقة الصحابة. ودليل هذا القول رواية موثقة عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه الكرام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه فسّر كلمة «أصحابي» بأهل بيته (عليهم السلام): «فَمَا قَالَ أَصْحَابِي فَقُولُوا بِهِ فَإِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي فِيكُمْ كَمَثَلِ النُّجُومِ بِأَيِّهَا أُخِذَ اهْتُدِيَ وَ بِأَيِّ أَقَاوِيلِ أَصْحَابِي أَخَذْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ أَهْلُ بَيْتِي» (الصفار، 1404هـ، ج 1: ص 11؛ الصدوق، 1403هـ، ص 157).
4- نسب الأستاذ تعريفه الضيق للصحابة إلى كبار علماء الشيعة، وهو ما لا يبدو صحيحاً. يقول الشهيد الثاني في تعريف الصحابي: «الصحابي هو من لقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو مؤمن به ومات مسلماً، وإن ارتد في الفترة ما بين اللقاء والموت على الإسلام» (الشهيد الثاني، 1408هـ، ص 339). وقد عدّ المامقاني قيد «كثرة الملازمة» و«التأثر بأخلاق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» من الأقوال الشاذة والمردودة (المامقاني، د.ت، ج 3: ص 114). كما أطلق السيد محسن الأمين لقب الصحابي على أمثال مروان والمغيرة ونفى عنهم صفة العدالة (الأمين، 1406هـ، ج 1: ص 113).
5- في موضع آخر، قدّم الأستاذ الإمام علي (عليه السلام) كمعيار لتقييم الصحابة، واستخدم صفتي «الصالح» و«الطالح» (غير الصالح) في حق الصحابة والتابعين (معرفت، 1418هـ، ج 1: ص 223). إن حمل صفة «الطالح» على لقب «الصحابة» مع قوله بأن «الصحابي لقب فخم لا يطلق إلا على المثقفين حول مقام الرسالة» (همو، 1387هـ، ص 17)، أو أن «لقب الصحابي الفخم لا يليق إلا بأولئك الذين أحاطوا كالفراشات بشمعة وجود خاتم المرسلين» (نفس المصدر، ص 19)، لا يتوافق.
بناءً على ذلك، فإن نطاق مفهوم الصحابي في اللغة والعرف أوسع بكثير من تعريف الأستاذ، وقيوده في التعريف تفتقر إلى دليل متين وتؤدي إلى الخروج عن المفهوم اللغوي والعرفي والاصطلاحي.
دراسة روايات أهل البيت (عليهم السلام)
استنتج الأستاذ، استناداً إلى 9 روايات من أهل البيت (عليهم السلام) في مصادر الشيعة، اعتبار وحجية تفسير الصحابة، وسنتناول بيانها ودراستها.
1. رواية الراوندي في «النوادر»
نقل الراوندي، بإسناده في بداية كتاب «النوادر»، رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «وَ أَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا قُبِضْتُ دَنَا مِنْ أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَ أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي فَإِذَا قُبِضَ أَصْحَابِي دَنَا مِنْ أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ وَ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ ظَاهِراً عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ قَدْ رَآنِي» (الراوندي، د.ت، ص 23)؛ «وأنا أمان لأصحابي، فإذا رحلتُ عن هذه الدنيا، اقترب منهم ما وُعدوا به. وأصحابي أمان لأمتي، فإذا رحلوا هم عن الدنيا، اقترب من أمتي ما وُعدت به. وسيظل هذا الدين منتصراً على كل الأديان ما دام فيكم من رآني».
وجه الاستدلال
يقول الأستاذ في استدلاله بهذه الرواية: «صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليسوا أمناء إلا لكونهم حملة علم النبي وكنز شريعته النبوية للعالمين أجمع. ولعل مقصود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ قَدْ رَآنِي»، هم الصحابة الذين أدركوا مصدر علم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وشريعته واستفادوا منه استفادة كاملة» (معرفت، 1383، ج 1: ص 102). إذن، فالصحابة، بما أنهم «أمناء الأمة»، يتمتعون بعلم وفهم كبيرين في الدين.
نقد ودراسة
1- شكك البعض في أسانيد روايات الراوندي. يقول المحقق الخوئي عن الراوندي وكتابه: «لا شك في منزلة الراوندي الرفيعة ووثاقته… ولكن اعتبار كتابه لم يثبت لنا؛ لأن في سنده عبد الواحد بن إسماعيل ومحمد بن الحسن التميمي، فالأول لم تثبت وثاقته والثاني مجهول الحال» (الخوئي، 1377، ج 1: ص 221).
2- بغض النظر عن سند الرواية، فإن فقرات من رواية الراوندي (النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ… وَ أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي) تتفق في مضمونها مع جزء من رواية موثقة عن الإمام الصادق (عليه السلام) (فَإِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي فِيكُمْ كَمَثَلِ النُّجُومِ) (الصفار، 1404هـ، ج 1: ص 11؛ الصدوق، 1403هـ، ص 157)، والتي فُسّر فيها «أصحابي» بـ«أهل البيت». وهذا يدل على أن المراد بـ«أصحابي» في حديث الراوندي، الذين هم أمان للأمة، هم أهل بيت النبي، ولا دلالة فيه على عموم الصحابة أو الصحابة غير المعصومين.
3- في روايات كثيرة وردت فيها تعابير «لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ ظَاهِراً» (الطوسي، 1411هـ، ص 133)، و«لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزاً مَنِيعاً»، و«لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ صَالِحاً» (الصدوق، 1362، ج 2: صص 470 و 473)، وهي تتعلق بخلفاء النبي الاثني عشر (صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا بحد ذاته قرينة أخرى على أن المقصود بـ«أصحابي» في رواية الراوندي التي استخدمت فيها نفس التعابير، هم أهل البيت فقط، لا غيرهم.
4- الرواية التي استدل بها الأستاذ وردت فقط في كتاب النوادر. والمكانة التي أُعطيت للأصحاب في رواية النوادر بتعبيري «أَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي» و«لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ ظَاهِراً» قد أُثبتت لأهل البيت (عليهم السلام) في روايات كثيرة. وكثرة هذه الروايات تصل إلى حد لا تستطيع رواية النوادر معارضتها. على سبيل المثال، نقل الشيخ الطوسي رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «النُّجُومُ أَمَانٌ لِأَهْلِ السَّمَاءِ، وَ أَهْلُ بَيْتِي أَمَانٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ ذَهَبَ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَ إِذَا ذَهَبَ أَهْلُ بَيْتِي ذَهَبَ أَهْلُ الْأَرْضِ» (الطوسي، 1414هـ، ص 379؛ الصدوق، 1395، ج 1: ص 205).
2. رواية الكشّي عن الإمام الصادق (عليه السلام)
نقل الكشّي بسنده عن إسماعيل بن جابر عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «يَحْمِلُ هَذَا الدِّينَ فِي كُلِّ قَرْنٍ عُدُولٌ يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْمُبْطِلِينَ وَ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْجَاهِلِينَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» (الكشي، 1404هـ، ج 1: ص 10)؛ «يحمل عبء حفظ هذا الدين في كل قرن رجال عدول ينفون عنه تأويلات المبطلين وتحريفات الغالين وافتراءات الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد».
وجه الاستدلال
ذكر الأستاذ هذه الرواية دون بيان وجه الاستدلال بها، كأحد الأدلة النقلية الدالة على أمانة الصحابة (معرفت، 1383، ج 1: ص 101)، ولكن يمكن الاستدلال بها على النحو التالي: إن مضمون الحديث، بالنظر إلى عمومية «كل قرن»، يشمل الصحابة، وبقرينة «يَحْمِلُ هَذَا الدِّينَ» و«يَنْفُونَ عَنْهُ تَأْوِيلَ الْمُبْطِلِينَ وَ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْجَاهِلِينَ»، يدل على علم وخبرة وفهم ودراية الصحابة، وبقرينة «عدول» يدل على وثاقتهم وعدالتهم وأمانتهم. إذن، فالصحابة موضع ثقة، وتفسيرهم له اعتبار علمي وعملي.
نقد ودراسة
1- سند الرواية ضعيف. ففي سندها علي بن محمد بن فيروزان القمي الذي لم يوثق في المصادر الرجالية. وقد ضعّف المحقق الخوئي الروايات التي ورد هو في سندها (الخوئي، 1413هـ، ج 1: ص 289؛ ج 10: ص 48؛ ج 20: ص 287). وضعف سند الرواية لا يمكن أن يكون دليلاً قطعياً على إثبات حجية روايات وآراء الصحابة التفسيرية.
2- الرواية المذكورة، بقرينة روايات أخرى، تتعلق ببيان مكانة أهل البيت (عليهم السلام)، ومضمونها المشترك هو أن الأرض لا تخلو في أي زمان من حجة لله يحفظ الدين من التحريف، لذا فهي لا تشمل الصحابة. وألفاظ بعض هذه الروايات كالتالي:
أ) نقل مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه الكرام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «فِي كُلِّ خَلَفٍ مِنْ أُمَّتِي عَدْلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَنْفِي عَنْ هَذَا الدِّينِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَ تَأْوِيلَ الْجُهَّالِ…» (الحميري، 1413هـ، ص 77؛ الصدوق، 1395هـ، ج 1: ص 221). في هذه الرواية، صُرّح بأن أهل بيت النبي هم «حفظة الدين من التحريف».
ب) نقل محمد بن الحسن بن صفار عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «فَانْظُرُوا عِلْمَكُمْ هَذَا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ فَإِنَّ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي كلِّ خَلَفٍ عُدُولًا يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» (الصفار، 1404هـ، ج 1: ص 10؛ الكليني، 1407هـ، ج 1: ص 32). يقول المولى صالح المازندراني في تبيين هذا الحديث: «المقصود بـ«العدول» في هذه الرواية هم الأئمة (عليهم السلام). وهم الراسخون في العلم، والعالمون بتفسير وتأويل القرآن بالإلهام الإلهي وتعليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). يرون الحقائق بعين اليقين بفضل طهارة طينتهم، ونور بصيرتهم، وخلوص عقيدتهم، وكمال بصيرتهم» (المازندراني، 1382، ج 2: ص 32).
كما يقول العلامة المجلسي: «في كلّ خلف عدول» يعني في كل قرن؛ لأن «الخَلَف» هم من يأتون بعد شخص ما، وكل قرن هو خليفة للقرن الذي سبقه… ومن المحتمل أن يكون المراد بـ«الخلف» في الحديث، كل طبقة من أولاد الأئمة (عليهم السلام)، والمقصود بـ«العدول» هم الأئمة (عليهم السلام) أنفسهم باعتبار الزمان، لأنهم فسروا «الخلف» بـ«القرن». والقرن يطلق أحياناً على أربعين سنة، وأحياناً على ثمانين سنة، وأحياناً على مائة سنة… ومن المعلوم أنه في كل مائة عام بعد معصوم واحد، يشمل إمامين معصومين وأكثر حتى الغيبة الكبرى… والاحتمال الآخر هو أن يكون المقصود بـ«العدول» صيغة مبالغة لـ«العدل» أو باعتبار بعض القرون. أو أن يكون المقصود بـ«العدول» كل إمام معصوم (عليه السلام) مع أصحابه الصادقين. ومن الممكن أيضاً أن يكون المقصود بـ«العدول» هم الصادقون من رواة أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وحملة علومهم» (المجلسي، 1404هـ، ج 1: ص 105).
وفقاً لهذا البيان، فإن المقصود بـ«العدول» هم أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، ومنهم الصحابة. إذن، فالرواية لا تظهر في اعتبار فهم ووثاقة الصحابي في آثاره التفسيرية من حيث كونه صحابياً، ولا تثبت قيمة مستقلة لتفسير الصحابي في عرض تفسير أهل البيت (عليهم السلام).
ج) في رواية عن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه الكرام عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «وَ اخْتَارَنِي عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَ اخْتَارَ مِنِّي عَلِيّاً وَ فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَوْصِيَاءِ وَ اخْتَارَ مِنْ عَلِيٍّ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ اخْتَارَ مِنَ الْحُسَيْنِ الْأَوْصِيَاءَ مِنْ وُلْدِهِ يَنْفُونَ عَنِ التَّنْزِيلِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَ تَأْوِيلَ الْمُضِلِّينَ تَاسِعُهُمْ قَائِمُهُمْ وَ هُوَ ظَاهِرُهُمْ وَ هُوَ بَاطِنُهُمْ» (الصدوق، 1409هـ، ج 1: ص 281؛ المسعودي، 1426هـ، ص 268؛ النعماني، 1397، ص 67؛ الحلبي، 1404هـ، ص 419).
في هذه الرواية، فقرة «يَنْفُونَ عَنِ التَّنْزِيلِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَ تَأْوِيلَ الْمُضِلَّينَ» التي تتفق في مضمونها مع رواية الكشي، تنطبق بصراحة على أهل البيت وخلفاء النبي الاثني عشر (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا توجد أي دلالة على إثبات دور للصحابة في حفظ الدين من التحريف.
د) في جزء من حديث مفصل عن الإمام العسكري (عليه السلام)، تم بيان عواقب التأويلات الخاطئة والتفاسير الأنانية للدين. وفي هذا الصدد، ينقل الإمام حديثاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) لبيان نموذج تاريخي لتحريفات معاوية والمواجهة العالمة للإمام علي (عليه السلام) معه، ثم يقول: «طُوبَى لِلَّذِينَ هُمْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ وَ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ وَ تَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ» (الصدوق، 1403هـ، ص 35).
في هذه الرواية، شأن حفظ الدين من التأويلات الباطلة وأنواع التحريفات ينطبق على الإمام علي (عليه السلام) الذي هو أفضل الصحابة وجزء من أهل بيت النبي. إذن، ليس للقب الصحابي أي خصوصية، ولم يرد أي ذكر له في هذه الرواية.
هـ) استدل الشيخ المفيد في إثبات استمرارية الإمامة بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بأدلة عقلية ونقلية، منها الرواية التالية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «في كل خَلَفٍ مِنْ أُمَّتِي عَدْلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَنْفِي عَنْ هَذَا الدِّينِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَ انْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ» (المفيد، 1413هـ، ص 325).
تفسيره لهذه الرواية هو أن الأرض لا تخلو أبداً من حجة لله، وبهذا يستدل على إمامة الإمام المهدي (عجل الله فرجه). إذن، هذه الرواية تتعلق ببيان مكانة أهل البيت (عليهم السلام) ولا توجد فيها أي دلالة على منزلة الصحابة وبيان اعتبار تفسيرهم. والنتيجة هي أن الروايات المذكورة هي مفسِّرة لرواية الكشي.
3. رواية أمالي الطوسي عن الإمام علي (عليه السلام)
نقل الشيخ الطوسي بسنده رواية عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: «وَ أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِ نَبِيِّكُمْ، لَا تَسُبُّوهُمْ، وَ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُحْدِثُوا بَعْدَهُ حَدَثاً، وَ لَمْ يَأْتُوا مُحْدِثاً، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَوْصَى بِهِمْ» (الطوسي، 1414هـ، ص 523).
وجه الاستدلال
نُقلت هذه الرواية دون بيان وجه الاستدلال بها ضمن الأدلة النقلية الدالة على أمانة الصحابة (معرفت، 1383، ج 1: صص 101 و 103). ولكن الكاتب بعد ذلك، من نقل روايات أخرى، وفي مقام الاستنتاج الكلي منها، يقول: «هذه الروايات تتعلق بدراية وعلم وفهم الصحابي لمبادئ الدين» (نفس المصدر، ص 104). ولعل وجه استدلال الكاتب بهذا الحديث هو ملازمة العدالة والأمانة للصحابي؛ لأن منطوق «هم الذين لم يحدثوا بعده حدثا» ينفي الذنب الكبير «البدعة في الدين» والكلام المبتدع من ساحة الصحابي، وهو تعبير آخر عن عدالتهم. إذن، فروايات وآراء الصحابة التفسيرية كاشفة عن كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ما يستلزم صدقهم في القول وفهمهم لمبادئ الدين.
نقد ودراسة
1- سند الرواية ضعيف بسبب وجود محمد بن عبد الله أبو المفضل الشيباني. وقد ضعفه النجاشي (1365، ص 396)، والشيخ الطوسي (1420هـ، ص 401، 1373، ص 447)، وابن الغضائري (1422هـ، ص 98-99)، والعلامة الحلي (1402هـ، صص 252 و 256). يقول النجاشي: «رأيت كبار أصحابنا يطعنون فيه ويضعفونه». كما لم يرد في المصادر الرجالية اسم «الفضل بن محمد بن المسيب» و«هارون بن عمرو بن عبد العزيز المجاشعي» لم يوثق.
2- الكاتب بعد تعريف الصحابي، وبالاستناد إلى أحاديث العترة (عليهم السلام)، ألحق روايات الصحابة الموقوفة بأخبارهم الحسية، واستنتج عدالة وخبرة الصحابة وحجية واعتبار تفاسيرهم (معرفت، 1383، ج 1: ص 98-105). ولكن، أولاً، إذا كان مقصود الأستاذ من الصحابة أفراداً خاصين ومعدودين مثل أمير المؤمنين (عليه السلام)، بمعنى أنهم كانوا عدولاً وعلماء، فلن يكون هناك ثمرة للنزاع. أما إذا كان هدف البحث هو إثبات أصل كلي لعدالة وخبرة جميع الصحابة للاستناد إليه عند الشك في اعتبار آراء تفسيرية لصحابي ما، فسيكون ذلك مفيداً. ويبدو أن أدلة الأستاذ لا تتناسب مع ادعاء عدالة وخبرة جميع الصحابة، ولا يوجد أي تناسب بينها وبين تعريفه الحدي والمضيق للصحابة.
ثانياً، إذا كان في الحديث المذكور «أصحاب نبيكم» هو الموضوع، و«لا تسبوهم» (حرمة سب الصحابة) هو الحكم، والجملة الحالية «وهم الذين لم يحدثوا بعده حدثاً» بمنزلة وصف للموضوع، يطرح هذا البحث الأصولي: هل هذا الوصف «حيثية تقييدية» للموضوع، فتكون نتيجته تقييد حرمة السب بالصحابة غير المبتدعين؟ ومع وجود مفهوم للوصف الذي هو علة منحصرة للحكم، فهل تنتفي حرمة السب عن الصحابة المبتدعين؟ أم أن هذا الوصف «قيد للموضوع» و«حيثية تعليلية»، فتكون نتيجته بقاء حكم حرمة السب على إطلاقه وشموليته حتى بالنسبة للصحابة المبتدعين؟ ظاهر جملة «لم يحدثوا» في رواية الطوسي، بقرينة روايات أخرى، أنها «حيثية تقييدية» وأن حكم «لا تسبوهم» ينتفي بالنسبة للصحابة المبتدعين في الدين. إذن، فمفاد هذا الحديث لا يدل على حرمة سب جميع الصحابة وعدالة جميعهم، وفي هذا الشأن يجب الرجوع إلى أدلة أخرى.
ثالثاً، صريح الروايات المشابهة يصنف الصحابة إلى حفظة للدين ومبتدعين، ويؤكد على رعاية حقوق وحرمة الفئة الأولى منهم. في رواية صحيحة السند (المجلسي، 1404هـ، ج 23: ص 83) نُقل عن الإمام علي (عليه السلام) قوله: «اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِ نَبِيِّكُمُ الَّذِينَ لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثاً وَ لَمْ يُؤْوُوا مُحْدِثاً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَوْصَى بِهِمْ وَ لَعَنَ الْمُحْدِثَ مِنْهُمْ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَ الْمُؤْوِيَ لِلْمُحْدِثِ» (الكليني، 1407هـ، ج 7: ص 52؛ الصدوق، 1413هـ، ج 4: ص 191؛ الطوسي، 1407هـ، ج 9: ص 177؛ سليم بن قيس، 1405هـ، ج 2: ص 926). الزيادة في هذه الرواية على أمالي الطوسي هي عبارة «وَ لَعَنَ الْمُحْدِثَ مِنْهُمْ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَ الْمُؤْوِيَ لِلْمُحْدِثِ» التي تدل صراحة على لعن الصحابة المبتدعين. إذن، لزوم احترام الصحابة، الذي من مصاديقه قبول أقوالهم، لا يشملهم جميعاً. بناءً على ذلك، فإن عدالة الصحابة كقاعدة كلية ليس لها فعالية في إضفاء الاعتبار على رواياتهم الموقوفة.
رابعاً، الدلالة المطابقية والمقصود الأصلي لرواية الطوسي هو النهي عن سب الصحابة. وجملة «الذين لم يحدثوا» مقصود تبعي، لا بالذات. الرواية ليست في مقام بيان أن جميع الصحابة عدول، أو أن أياً منهم لا ينسب كذباً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأن رواياتهم الموقوفة بمنزلة مرفوعاته.
خامساً، على فرض ظهور رواية الأمالي في عدالة الصحابة، فإنها تدل على لزوم قبول أخبارهم الحسية. أما قبول آرائهم التفسيرية أو الروايات التي يحتمل أن تكون اجتهادية، فيحتاج إلى إحراز خبرتهم. ولا توجد أي ملازمة بين العدالة والخبرة، ورواية الأمالي، على فرض تمامية دلالتها، إنما تبين عدالة ووثاقة الصحابة، لا خبرتهم. بينما وضع الكاتب هذه الرواية ضمن أدلة الدراية والعلم والفهم للصحابي (معرفت، 1383، ج 1: ص 104).
4. رواية أبي الفتوح الرازي عن الإمام الرضا (عليه السلام)
نقل الكاتب عن أبي الفتوح الرازي رواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «اجتمع آل محمد على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وعلى قضاء ما فات من الصلوة في الليل بالنهار، وعلى قضاء ما فات في النهار بالليل، وعلى أن يقولوا في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن قول» (معرفت، 1383، ج 1، 103؛ الرازي، 1408، ج 1: ص 50).
وجه الاستدلال
لم يذكر الأستاذ وجه الاستدلال بهذه الرواية لإثبات أمانة وخبرة الصحابة في التفسير. ولكن يمكن القول بأن إجماع أهل البيت (عليهم السلام) على لزوم قول أفضل الكلام عن الصحابة يكشف عن مقامهم العلمي والعملي الرفيع. إذن، فتفسير الصحابة له قيمة واعتبار علمي.
نقد ودراسة
1- هذه الرواية مرسلة، ولم تنقل في أي من المصادر الروائية والتفسيرية سوى كتاب الثعلبي.
2- أبو الفتوح (ت 556هـ) لم يذكر سنده إلى الإمام الرضا (عليه السلام). ويبدو أن مصدره هو تفسير «الكشف والبيان» للثعلبي (ت 427هـ). وسند رواية الثعلبي هو كالتالي: «حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا أبونصر منصور بن عبد الله الأصفهاني، حدثنا أبو القاسم الإسكندراني، حدثنا أبو جعفر الملطي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه قال…» (الثعلبي، 1422هـ، ج 1: ص 106). لم يرد اسم منصور بن عبد الله الأصفهاني وأبو القاسم الإسكندراني في المصادر الرجالية، وبهذا يكون السند ضعيفاً.
3- هناك اختلاف بين متن رواية أبي الفتوح والثعلبي. فقد نقلها الثعلبي بعبارة «على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن القول وفي صاحبهما» (الثعلبي، 1422هـ، ج 1: ص 106)، بينما نقلها أبو الفتوح بصيغة «على أن يقولوا في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن قول» (الرازي، 1408هـ، ج 1: ص 50).
4- نقل المحدث النوري الرواية عن أبي الفتوح وبدون «على أن يقولوا في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)…» (النوري، 1408هـ، ج 4: ص 189).
5- على فرض أن النسخة الأصلية تحتوي على «على أن يقولوا في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحسن قول»، فإنها بقرينة روايات أخرى لا تشمل جميع الصحابة. مثل الأحاديث النبوية المعتبرة التي تدل صراحة على ذم بعض الصحابة. نظير الحديث الذي سبق ذكره: «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي…» (البخاري، 1401هـ، ج 7: ص 208؛ مسلم، د.ت، ج 7: ص 68). أو رواية أخرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقاً فِيهِمْ ثَمَانِيَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ» (مسلم، د.ت، ج 8: ص 122). هاتان الروايتان المنقولتان في مصادر أهل السنة المعتبرة، تدلان صراحة على نفاق بعض الصحابة وعودتهم إلى عقائد الجاهلية. إذن، فرواية أبي الفتوح، لا سنداً ولا دلالة، لا يمكن الاستناد إليها لإثبات الاعتبار المطلق لتفسير الصحابة.
6- على فرض تمامية دلالة الرواية على اعتبار تفسير الصحابة، فإنها تتعلق بعدد محدود منهم، والمقصود بـ«أصحاب النبي»، بقرينة روايات أخرى، هم أهل البيت (عليهم السلام) خاصة.
5. حديث النجوم
نقل الشيخ الصدوق في رواية موثقة بسنده عن إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه الكرام عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «وَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ مِنِّي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي فَقُولُوا بِهِ فَإِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي فِيكُمْ كَمَثَلِ النُّجُومِ بِأَيِّهَا أُخِذَ اهْتُدِي» (الصدوق، 1403هـ، ص 156؛ معرفت، 1383، ج 1: ص 103).
وجه الاستدلال
لم يذكر الكاتب وجه استدلاله بهذه الرواية، ولكن يمكن التكهن من تشبيه الأصحاب بالنجوم الساطعة أن الصحابة هم هداة إلى الطريق المستقيم ومنقذون من ضلالة الكفر والمعصية. ومقتضى هذه المكانة أن يكون الصحابة عالمين بالدين، عاملين به، فاهمين له، وخبراء به، وفي مقام العمل عادلين وصادقين. إذن، فبموجب حديث النجوم، تثبت خبرة ووثاقة الصحابة في آثارهم التفسيرية.
نقد ودراسة
من المثير للدهشة أن الأستاذ لم ينقل بقية الرواية! فقد جاء في تتمة هذه الرواية: «وَ بِأَيِّ أَقَاوِيلِ أَصْحَابِي أَخَذْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ وَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِي لَكُمْ رَحْمَةٌ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ أَهْلُ بَيْتِي». في تتمة الرواية، تم تفسير كلمة «أصحابي» بـ«أهل البيت (عليهم السلام)» وحُصرت بهم. كما أن وجه التشبيه بالنجوم لا يشمل غير المعصوم؛ لأنه أولاً، أهل البيت (عليهم السلام)، بالنظر إلى المعنى اللغوي للصحابي، هم رفقاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحقيقيون، ويصدق عليهم عنوان الصحابي حقيقة. ثانياً، بما أن الهداية الكاملة لا تتحقق إلا على يد المعصوم، فالمقصود بـ«أصحابي» في هذه الرواية هم المعصومون (عليهم السلام) فقط؛ لأن العمل بكل أقوال الصحابة، حتى المتعارض منها، قد عُدّ رحمة وهداية للناس. ومثل هذا القول لا يمكن تصوره إلا في كلام المعصوم (عليه السلام). يقول الشيخ الصدوق في ذيل هذه الرواية: «أهل البيت (عليهم السلام) ليس في كلامهم اختلاف. ولكن لأنهم أحياناً في مقام إصدار الحكم الواقعي وأحياناً في مقام فتوى تقية للشيعة، فقد يبدو كلامهم ظاهراً متعارضاً. وهذا الاختلاف الناشئ عن ظروف التقية هو رحمة للشيعة» (الصدوق، 1403هـ، ص 157).
ومع ذلك، فقد ضعّف الأستاذ معرفت في موضع آخر هذه الرواية قائلاً: «نقل الشيخ الصدوق في معاني الأخبار، بعد نقل رواية «فَإِنَّمَا مَثَلُ أَصْحَابِي فِيكُمْ…»، يضيف: «فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: أَهْلُ بَيْتِي» هذا الجزء من الرواية منقول عن «غياث بن كلوب» وهو شخص مجهول الهوية ولا توثيق له» (معرفت، 1387ق، ص 75). ولكن إشكال سماحته، المستقى من الشوشتري (1410هـ، ج 8: ص 355)، لا يبدو صحيحاً؛ لأن غياث بن كلوب من الذين اعتبرهم الشيخ الطوسي من العامة، وأخبر عن اتفاق الشيعة على العمل برواياته في حال عدم وجود معارض لها (الطوسي، 1417هـ، ج 1: ص 149). وقد عدّ المجلسي الأول حديث غياث في عداد الأحاديث الموثقة (محمد تقي المجلسي، 1404هـ، ج 13: ص 3). وحكم المحقق الخوئي بوثاقة غياث استناداً إلى عبارة الطوسي (الخوئي، 1413هـ، ج 14: ص 254). كما عدّ المامقاني كلام الطوسي من أسباب وأمارات مدح الراوي (المامقاني، د.ت، ج 3: صص 77 و 79). بالإضافة إلى ذلك، على فرض قبول تضعيف حديث النجوم، فإن استناد الأستاذ إليه لإثبات خبرة ووثاقة الصحابة لن يكون له وجه.
إذن، فبموجب مفاد هذه الرواية، فإن كلام أهل البيت (عليهم السلام) فقط (التفسيري وغير التفسيري) هو المعتبر والحجة ومصدر الهداية. أو أن الرواية ليس لها أي دلالة (نفياً وإثباتاً) على اعتبار تفسير صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والاستدلال بها لإثبات عدالة وخبرة الصحابة غير تام.
6. رواية عيون أخبار الرضا (عليه السلام)
نقل الشيخ الصدوق رواية بسنده عن موسى بن نصر الرازي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «سُئِلَ الرِّضَا (عليه السلام) عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ وَ عَنْ قَوْلِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) دَعُوا لِي أَصْحَابِي فَقَالَ (عليه السلام) هَذَا صَحِيحٌ يُرِيدُ مَنْ لَمْ يُغَيِّرْ بَعْدَهُ وَ لَمْ يُبَدِّلْ» (الصدوق، 1378، ج 2: ص 87؛ معرفت، 1383، ج 1: ص 104).
وجه الاستدلال
نقل الأستاذ معرفت هذا الحديث دون بيان الاستدلال. ولكن يبدو أن لازم كون الإمام (عليه السلام) قد صحح الرواية النبوية «أصحابي كالنجوم» و«دعوا لي أصحابي» هو إثبات خبرة ودراية ووثاقة الصحابة في آثارهم التفسيرية.
نقد ودراسة
1- سند الرواية ضعيف بسبب عدم معرفة رواتها وعدم ذكر أسمائهم في المصادر الرجالية الشيعية. نعم، بالنظر إلى قول ابن حبان من علماء رجال أهل السنة عن موسى بن نصر الرازي: «موسى بن نصر الرازي من عقلاء «الري» وفي نقل الحديث، صدوق… روى عنه أصحابنا» (ابن حبان، 1401هـ، ج 9: ص 163؛ ابن حجر، 1390، ج 6: ص 134)، يُظن أن موسى بن نصر الرازي كان من علماء أهل السنة. وسؤال الراوي وجواب الإمام (عليه السلام) المتناسب معه يؤيد هذا الاحتمال.
2- ظاهر الرواية هو سؤال الإمام الرضا (عليه السلام) عن حديثين نبويين. الأول «أصحابي كالنجوم» الذي، وفقاً لبيان الإمام (عليه السلام)، يقتصر على من لم يغيروا الدين. الرواية الثانية هي الحديث النبوي «دعوا لي أصحابي»، والذي، بحسب السيوطي، نهى فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد عن شتم عبد الرحمن بن عوف في نزاع حدث بينهما. ويؤيد السيوطي هذا المعنى بنقل نزاع آخر شتم فيه الزبير عبد الرحمن. فعرض خالد على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: يا رسول الله، نهيتني عن سب عبد الرحمن، بينما الزبير يشتمه (السيوطي، 1416هـ، ص 87). يتضح من هذه العبارة أن خالداً فهم من «دعوا لي أصحابي» نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سب الصحابة. ولكن هل هذا الحكم عام أم يشمل بعض الصحابة؟ التفسير الشائع في زمن الإمام الرضا (عليه السلام) لهذا الحديث النبوي كان عمومية النهي. وقد رد الإمام الرضا (عليه السلام)، ضمن تأييد إجمالي لمتن الرواية، على عمومية النهي عن السب، وقيده بالصحابة الذين لم يبتدعوا في الدين. إذن، فكلام الإمام (عليه السلام) ناظر إلى بيان حدود نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث العموم والتخصيص أو الإطلاق والتقييد. فأولاً، حديث «دعوا لي أصحابي» ناظر إلى لزوم حفظ عفة اللسان تجاه الصحابة، ولا تلازم بينه وبين إثبات اعتبار تفسيرهم ومكانتهم الخاصة. ثانياً، حرمة الشتم لا تشمل الصحابة المبتدعين.
3- قد يكون مراد الإمام (عليه السلام) من «الأصحاب» هم أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم، ولكنه، نظراً لكون مخاطبه من أهل السنة، وبمراعاة للتقية، اكتفى بعبارة «مَنْ لَمْ يُغَيِّرُ بَعْدَهُ وَ لَمْ يُبَدِّلْ» دون تحديد المصداق الحقيقي للأصحاب.
7. رواية «الحلف بالطلاق»
نقل الشيخ الصدوق بسنده عن محمد بن إسحاق الطالقاني عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: «قَالَ: حَلَفَ رَجُلٌ بِخُرَاسَانَ بِالطَّلَاقِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ مِنْ أَصحابِ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَيَّامَ كانَ الرِّضَا (عليه السلام) بهَا فَأَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِطَلَاقِهَا فَسُئِلَ الرِّضَا (عليه السلام) فَأَفْتَى أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ فَكَتَبَ الْفُقَهَاءُ رُقْعَةٌ وَأَنْفَذُوهَا إِلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ مِنْ أَيْنَ قُلْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّهَا لَمْ تُطَلَّقْ فَوَقَعَ (عليه السلام) فِي رُقْعَتِهِمْ قُلْتُ هَذَا مِنْ رِوَايَتِكُمْ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَالَ لِمَسْلَمَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَ قَدْ كَثُرُوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ خَيْرٌ وَ أَصْحَابِي خَيْرٌ وَ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَأَبْطَلَ الْهِجْرَةَ وَ لَمْ يَجْعَلْ هَؤُلَاءِ أَصْحَاباً لَهُ قَالَ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْلِهِ» (الصدوق، 1378، ج 2: ص 87؛ معرفت، 1383، ج 1: ص 104).
«حلف شخص في خراسان – في الأيام التي كان فيها الإمام الرضا (عليه السلام) مقيماً هناك – بالطلاق أن معاوية ليس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! فأفتى الفقهاء هناك بطلاق زوجته. فسُئل الإمام (عليه السلام) عن ذلك، فأفتى بأن زوجته لا تطلق. فكتب الفقهاء رسالة إلى الإمام وسألوه: من أين قلت يا ابن رسول الله إنها لم تطلق؟ فكتب الإمام (عليه السلام) في جوابهم: هذا من روايتكم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لمسلمة الفتح وقد كثروا عليه: أنتم خير وأصحابي خير، ولا هجرة بعد الفتح، فأبطل الهجرة ولم يجعل هؤلاء أصحاباً له. فرجع الفقهاء إلى قوله».
وجه الاستدلال
يقول الأستاذ معرفت في ذيل هذا الحديث: «هذه الرواية هي أجمل إشارة إلى وجه خروج أمثال معاوية – الذين كانوا يدعمون المبتدعين في الدين والمبتدعين أنفسهم – من زمرة الصحابة الأجلاء؛ لأن ابتداع هؤلاء في الدين ومخالفتهم لسيرة وسنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يكشف عن ثباتهم على معتقداتهم الجاهلية، ويدل على أن الإيمان لم يرسخ بعد في قلوبهم. لقد قبل هؤلاء الإسلام ليس عن رغبة بل عن اضطرار. ولهذا السبب، امتنع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن إطلاق لفظ الصحابي، الذي له معنى فخم، عليهم» (معرفت، 1383، ج 1: ص 104).
مفاد هذا الكلام هو أن خروج أمثال معاوية من عنوان الصحابي بسبب ابتداعهم في الدين يكشف عن براءة الصحابة من الانحرافات. إذن، فالصحابة واعون بخبايا الدين وخبراء به، وتفسيرهم له اعتبار علمي.
نقد ودراسة
1- سند الرواية ضعيف بسبب عدم معرفة رواتها وعدم ذكر أسمائهم في المصادر الرجالية الشيعية.
2- في فقه أهل البيت (عليهم السلام)، لا ينعقد الحلف بالطلاق. يقول المحقق الحلي: «ولا تنعقد اليمين بالطلاق ولا بالعتاق» (المحقق الحلي، 1408هـ، ج 3: ص 131؛ همو، 1418هـ، ج 1: ص 207). ومن ظاهر كلام الشيخ الطوسي (1387، ج 6: ص 204) والعلامة الحلي يتبين أن بطلان الحلف بالطلاق إجماع فقهاء الشيعة. يقول العلامة: «الحلف بالطلاق عندنا باطل» (العلامة الحلي، 1412هـ، ج 13: ص 70). إذن، فاليمين بأن يطلق زوجته إن كان معاوية صحابياً باطلة؛ سواء كان معاوية صحابياً أم لا. بعبارة أخرى، حكم بطلان «الحلف بالطلاق» لا يدور مدار كون معاوية صحابياً أم لا. فمثل هذا الحلف في فقه أهل البيت (عليهم السلام) باطل حتى لو كان صحابياً. ولهذا، فإن هدف الإمام (عليه السلام) هو منع وقوع طلاق زوجة الحالف بالاستناد إلى مقبولات الخصم في مقام الاحتجاج. وهذا لا يعني تأييد الإمام الرضا (عليه السلام) لصدور ذلك الحديث النبوي. خاصة وأن الإمام (عليه السلام) في مقام الاحتجاج استخدم عبارة «هَذَا مِنْ رِوَايَتِكُمْ». بناءً على ذلك، فإن التوجه الأصلي للإمام (عليه السلام) في هذه الرواية هو بيان بطلان الحلف بالطلاق، والذي استُخدم في مقام المحاجة.
3- مفاد «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» الذي احتُج به في الحديث الرضوي يحتمل معنيين: 1- ثواب الهجرة قبل فتح مكة أفضل بكثير من فضل الهجرة بعد الفتح. فالمسلمون الذين هاجروا قبل الفتح من دار الكفر إلى دار الإسلام لهم فضل مضاعف على غيرهم. 2- بما أن مكة تحولت بعد الفتح إلى دار الإسلام، لم يعد للهجرة من مكة إلى دار الإسلام معنى (المجلسي، 1404هـ، ج 10: ص 10؛ النووي، 1421هـ، ج 5: ص 173). إذن، فمعاوية ومن أسلم بعد فتح مكة ليس لهم فضل المؤمنين قبل الفتح. وهذا المعنى، كما أنه لا يثبت ميزة لمعاوية، فإنه لا يثبت للمهاجرين قبل الفتح، فضلاً عن ثواب وفضل الهجرة، منزلة علمية وعملية. فلا توجد ملازمة بين وجود فضل الهجرة للصحابة المهاجرين ووجود الدراية والفهم والعلم والخبرة فيهم.
بالنتيجة، ليس لهذه الرواية أي ظهور في وثاقة وخبرة الصحابة والاعتبار العلمي لتفسيرهم.
8. رواية الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام)
نقل الكليني رواية بسند حسن (المجلسي، 1404هـ، ج 1: ص 216) وبأسانيده عن منصور بن حازم عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «قُلْتُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) صَدَقُوا عَلَى مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَمْ كَذَبُوا؟ قَالَ بَلْ صَدَقُوا» (الكليني، 1407هـ، ج 1: ص 65؛ معرفت، 1383، ج 1: ص 105).
وجه الاستدلال
يكتب الأستاذ في ذيل هذا الحديث: «أصدر الإمام الصادق (عليه السلام) حكماً كلياً بشأن الصحابة، وهو أنهم صادقون في نقل الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليسوا كاذبين، ولا يتوجه إليهم أي اتهام في نقل الحديث. وهذا بحد ذاته شهادة واضحة على أن الصحابة في أداء الرسالة الإلهية يتمتعون بمنزلة رفيعة جداً». وهو يرى أن هذه الرواية دليل على صدق ووثاقة الصحابة في نقل الحديث (معرفت، 1383، ج 1: ص 104).
نقد ودراسة
1- وجود احتمالات معنوية في هذا الحديث يمنع من ظهوره في المدعى. قد يكون مقصود السائل من «فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ»، خصوص الصحابة المتصفين بالإيمان والتقوى والمحافظة على أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا مطلق الصحابة (صالح المازندراني، 1382، ج 2: ص 397). وهو يسأل عن علة اختلاف أحاديث الصحابة العدول الصادقين، والإمام (عليه السلام) يجيب وفقاً لاعتقاد الراوي. في هذا الاحتمال، فإن «صدقوا» التي هي جواب الإمام الصادق (عليه السلام) للسائل لا تشمل جميع الصحابة.
قد يكون مقصود السائل مطلق الصحابة، ولكن مراد الإمام (عليه السلام) الجدي من «صدقوا» هو بعض الصحابة، ولكنه أجاب دون تفصيل للحفاظ على حياته من شر المخالفين، أو لمنع نشر الأسرار (آصف الشيرازي، 1430هـ، ص 275). وقد اعتبر العلامة المجلسي هذا المعنى أظهر من المعنى الأول وحمل الرواية على التقية (المجلسي، 1404هـ، ج 1: ص 216).
2- هذا القول بأن جميع الصحابة صادقون ومبرؤون من الاتهام في نقل كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يتوافق مع روايات أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يمكن نسبة مثل هذا الكلام إليهم. فقد نقل الكليني رواية مفصلة بسند معتبر (المجلسي، 1404هـ، ج 1: ص 210) وبمضمون صحيح ومقبول ومشهور (صالح المازندراني، 1382، ج 2: ص 374) عن سليم بن قيس عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: «وَ قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ثُمَّ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ وَ إِنَّمَا أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ: رَجُلٌ مُنَافِقٌ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ لَا يَتَأَثَّمُ وَ لَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُتَعَمِّداً فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَذَّابٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوهُ وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ أَخَذُوا عَنْهُ وَ هُمْ لَا يَعْرِفُونَ حَالَهُ» (الكليني، 1407هـ، ج 1: ص 62)؛ «في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كذب الناس عليه حتى قام فيهم خطيباً فقال: «أيها الناس! لقد كثر الكاذبون عليّ. فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». ثم كُذب عليه بعده أيضاً. وإنما يأتيكم الحديث من أربعة أصناف لا خامس لهم: الأول، منافق يظهر الإيمان ويتصنع بالإسلام، لا يتورع عن الكذب على النبي متعمداً ولا يرى في ذلك إثماً. لو علم الناس أنه منافق كاذب لما قبلوا منه ولما صدقوه، ولكنهم يقولون: هذا قد صاحب النبي ورآه وسمع منه. فيأخذون عنه وهم لا يعرفون حقيقته».
فقرات هذه الرواية: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ»، و«وَ قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَى عَهْدِهِ»، و«وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا هَذَا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ» تظهر، بل تصرح، بأن بعض الصحابة كانوا يكذبون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته. وشاهد أو مؤيد هذا المطلب رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) منقولة في مصادر أهل السنة المعتبرة: «عن ربعي بن حراش أنه سمع علياً رضي الله عنه يخطب قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار» (مسلم، د.ت، ج 1: ص 7؛ البخاري، 1401هـ، ج 1: ص 35؛ ابن ماجه، د.ت، ج 1: ص 13؛ الترمذي، 1403هـ، ج 4: ص 142؛ الحاكم النيسابوري، د.ت، ج 2: ص 138). لقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الرواية المسلمين الذين كانوا في طبقة الصحابة عن الكذب عليه بشدة. وصيغة النهي «لا تكذبوا» كاشفة عن وقوع افتراء بعض الصحابة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). إذن، فهذا المطلب بأن «جميع الصحابة صادقون في نقل رواياتهم» و«لم يتهم أي منهم بالكذب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)» (معرفت، 1383، ج 1: ص 105)، ليس صحيحاً.
9. رواية سليم بن قيس عن الإمام علي (عليه السلام)
نقل الكليني رواية طويلة بأسانيده عن سليم بن قيس عن الإمام علي (عليه السلام). وقد سأل سليم عن سبب اختلاف الأحاديث التي يرويها الصحابة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قائلاً: «في أيدي الناس أشياء من تفسير القرآن وأحاديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أراكم تخالفونها وتعتبرونها كلها باطلة، فهل تعتقدون أن الناس يكذبون على رسول الله عمداً ويفسرون القرآن بآرائهم؟». وفي معرض جوابه، قسم الإمام علي (عليه السلام) الصحابة الرواة إلى أربعة أقسام. الأول المنافقون الذين تم وصفهم. وأما المجموعة الأخرى: «وَ رَجُلٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئاً لَمْ يَحْمِلْهُ عَلَى وَجْهِهِ وَ وَهِمَ فِيهِ وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً فَهُوَ فِي يَدِهِ يَقُولُ بِهِ وَ يَعْمَلُ بِهِ وَ يَرْوِيهِ فَيَقُولُ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)… وَ رَجُلٍ ثَالِثٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) شَيْئاً أَمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ سَمِعَهُ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ فَحَفِظَ مَنْسُوخَهُ وَ لَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ… وَ آخَرَ رَابِعٍ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُبْغِضٍ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَ تَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ يَنْسَهُ بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ فَجَاءَ بِهِ كَمَا سَمِعَ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ وَ عَلِمَ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ فَعَمِلَ بِالنَّاسِخِ وَ رَفَضَ الْمَنْسُوخَ» (الكليني، 1407هـ، ج 1: ص 62)؛ «الثاني هو من سمع شيئاً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يفهمه على وجهه، ولكنه لم يتعمد الكذب، فهذا الحديث في يده، يعتقده ويعمل به ويرويه قائلاً: أنا سمعته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)… الثالث هو من سمع شيئاً من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر به، ثم نهى عنه النبي وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ… الرابع هو من لم يكذب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يبغض الكذب خوفاً من الله وتعظيماً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم ينس ما سمعه بل حفظه على وجهه، فأتى به كما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ وترك المنسوخ».
وجه الاستدلال
يقول الكاتب، دون ذكر متن الحديث، بإشارة مجملة إلى محتواه: «لقد أورد الإمام علي (عليه السلام) حديثاً طويلاً عن الصحابة الصالحين وفصلهم عن المنافقين. وقد اعتبر الإمام (عليه السلام) الصحابة صادقين في نقل حديثهم، وأن اختلافهم ناتج عن اختلافهم في (مقدار) الحضور عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيفية تلقي الحديث، بينما لم يقع الإمام علي (عليه السلام) نفسه في محفوظاته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أي اختلاف أو خطأ» (معرفت، 1383، ج 1: ص 105).
يُفهم من بيان الأستاذ حول هذا الحديث ثلاث نقاط: 1- لفظ الصحابي لا يطلق على المنافقين. 2- رواية سليم تدل على صدق الصحابة في نقل الحديث. 3- كان الصحابة يختلفون في حضور وتلقي الحديث.
نقد ودراسة
1- فقرات مختلفة من هذه الرواية تصرح بإطلاق لفظ الصحابي على منافقي عصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أ) حديث (المنافق) الكاذب في عبارة: «رَجُلٌ مُنَافِقٌ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ» هو أحد الأقسام الأربعة (إِنَّمَا أَتَاكُمُ الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةِ) للأحاديث المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). (ب) الإمام (عليه السلام) في عبارة «قَالُوا هَذَا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ»، يخبر عن الاستعمال العرفي في زمانه؛ حيث كانوا يطلقون لفظ الصحابي على المنافق أيضاً؛ لدرجة أن الناس لو علموا بنفاق الراوي لما قبلوا حديثه (لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ)، لا أنهم لم يكونوا ليسموه صحابياً.
هذه الفقرات قرائن واضحة على أن المنافقين كانوا جزءاً من الصحابة، وأن لفظ الصحابي كان يستخدم في حقهم.
2- المدلول الصريح للرواية هو تعمد بعض الصحابة الكذب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَى عَهْدِهِ حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ»، و«لَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُتَعَمِّداً».
3- صريح فقرات «إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا وَ صِدْقاً وَ كَذِباً…»، و«وَ رَجُلٍ ثَالِثٍ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) شَيْئاً أَمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ…»، و«وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّيْءِ فَيَفْهَمُ» هو أن ليس كل الصحابة يتمتعون بالدراية والخبرة في فن التفسير وفهم الحديث. بناءً على ذلك، فإن مجرد كون الشخص صحابياً ليس دليلاً على خبرته في تفسير القرآن وفهم الحديث، والروايات التفسيرية وغير التفسيرية للصحابة، من حيث كونهم صحابة، ليس لها اعتبار وحجية.
الخاتمة
1- كلمة «الصحابي» حقيقة لغوية أو عرفية، وليست حقيقة شرعية. ومدح أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض روايات أهل البيت (عليهم السلام) لا يبدو دليلاً منطقياً على تحويل هذه الكلمة إلى حقيقة شرعية، وبمفهوم ضيق جداً. فلسان الروايات هو التخصيص، لا الحكومة في الموضوع بمعنى التصرف في مفهوم الصحابي وتضييق نطاقه. وقد تم بيان الشواهد والمؤيدات على ذلك في دراسة مفهوم الصحابي.
2- إذا كانت كلمة «الصحابي» حقيقة شرعية، فإن معناها الاصطلاحي في روايات المعصومين يختص بأهل بيت النبي المطهرين، وليس مطلق صحابة النبي، سواء المعصومين وغير المعصومين.
3- روايات أهل البيت (عليهم السلام) التي استخدمت فيها ألفاظ «أصحابي»، «أصحاب النبي»، «أصحاب نبيكم»، و«أصحاب رسول الله»، تعاني من إشكالين عامين: 1- غالبية هذه الروايات ضعيفة سنداً. مثل رواية أمالي الشيخ الطوسي، ورواية تفسير أبي الفتوح، ورواية عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، وغيرها. 2- لا تظهر أي من الأدلة الروائية المدعاة، سواء كانت حسنة، موثقة، أو ضعيفة، في دراية ووثاقة الصحابي.
4- إذا كانت الأدلة العقلية والقرآنية قاصرة أيضاً عن إثبات اعتبار قول الصحابي، فلن يبقى أي دليل شرعي أو عقلي على اعتبار وحجية قول الصحابي. وهذا لا يعني أن قول الصحابي لا قيمة له مطلقاً، بل إن اعتبار تفسيرهم مشروط. فبالنسبة للرواية المرفوعة، يجب إحراز عدالة أو على الأقل وثاقة الصحابي. وبالنسبة للروايات الموقوفة التفسيرية، إذا كان مضمونها خبراً حسياً وتقريراً لمشاهدات الصحابي، فيجب إحراز عدالتهم أو وثاقتهم، وإذا كان مضمونها أخباراً حدسية وآراء اجتهادية للصحابة في التفسير، فيجب، بالإضافة إلى ذلك، إحراز خبرتهم أيضاً.
المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. ابن بابويه، محمد بن علي (1362)، الخصال، قم: جماعة المدرسين.
3. ابن بابويه، محمد بن علي (1378)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، طهران: نشر جهان.
4. ابن بابويه، محمد بن علي (1395)، كمال الدين وتمام النعمة، طهران: إسلامية.
5. ابن بابويه، محمد بن علي (1403هـ)، معاني الأخبار، قم: جماعة المدرسين.
6. ابن بابويه، محمد بن علي (1413هـ)، من لا يحضره الفقيه، قم: جماعة المدرسين.
7. ابن سيده، علي بن إسماعيل (د.ت)، المحكم والمحيط الأعظم، بيروت: دار الكتب العلمية.
8. ابن غضائري، أحمد بن حسين (1422هـ)، الرجال، قم: دار الحديث.
9. ابن ماجه، محمد بن يزيد (د.ت)، السنن، بيروت: دار الفكر.
10. أمين، سيد محسن (1406هـ)، أعيان الشيعة، بيروت: دار التعارف.
11. بابايي، علي أكبر (1391)، المدارس التفسيرية، قم: معهد الحوزة والجامعة للبحوث.
12. بابايي، علي أكبر (1394)، قواعد تفسير القرآن، قم: معهد الحوزة والجامعة للبحوث.
13. بخاري، محمد بن إسماعيل (1401هـ)، صحيح البخاري، بيروت: دار الفكر.
14. بستی، ابن حبان (1401هـ)، الثقات، حيدر آباد دكن: مؤسسة الكتب الثقافية.
15. ترمذي، محمد بن عيسى (1403هـ)، السنن، بيروت: دار الفكر.
16. جوهري، إسماعيل بن حماد (1407هـ)، الصحاح، بيروت: دار العلم.
17. حاكم نيشابوري، محمد بن عبد الله (د.ت)، المستدرك على الصحيحين، بيروت: دار المعرفة.
18. حلبي، أبو الصلاح (1404هـ)، تقريب المعارف، قم: الهادي.
19. حلي، جعفر بن حسن (1408هـ)، شرائع الإسلام، قم: إسماعيليان.
20. حلي، جعفر بن حسن (1418هـ)، المختصر النافع، قم: مؤسسة المطبوعات الدينية.
21. حلي، حسن بن يوسف (1402هـ)، خلاصة الأقوال، قم: الشريف الرضي.
22. حلي، حسن بن يوسف (1412هـ)، منتهى المطلب، مشهد: مجمع البحوث الإسلامية.
23. حميري، عبد الله بن جعفر (1413هـ)، قرب الإسناد، قم: آل البيت (عليهم السلام).
24. خويي، سيد أبو القاسم (1377)، مصباح الفقاهة، قم: مكتبة الداوري.
25. خويي، سيد أبو القاسم (1413هـ)، معجم رجال الحديث، د.م: د.ن.
26. رازي، أبو الفتوح (1408هـ)، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، مشهد: بنياد پژوهشهای اسلامی.
27. راغب أصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ)، المفردات، بيروت: دار القلم.
28. راوندي، قطب الدين (د.ت)، النوادر، قم: دار الكتاب.
29. روشن ضمير، محمد إبراهيم (1386)، «معرفی ونقد التفسير الأثري الجامع»، إلهيات وحقوق، السنة السابعة، العدد 26، ص 277-294.
30. زركشي، محمد بن بهادر (1410هـ)، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة.
31. زركشي، محمد بن بهادر (1421هـ)، البحر المحيط في أصول الفقه، بيروت: دار الكتب العلمية.
32. زمخشري، محمود بن عمر (1386)، مقدمة الأدب، طهران: مؤسسة الدراسات الإسلامية بجامعة طهران.
33. سند، محمد؛ فهيمي بور، فهيمة (1388)، «مكانة الصحابة في تبيين القرآن»، سفينة، السنة السابعة، العدد 25، ص 42-74.
34. سيوطي، جلال الدين (1416هـ)، اللمع في أسباب ورود الحديث، بيروت: دار الفكر.
35. سيوطي، جلال الدين (1421هـ)، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: دار الكتاب العربي.
36. شريف شيرازي، محمد هادي (1430هـ)، الكشف الوافي، قم: دار الحديث.
37. شوشتري، محمد تقي (1410هـ)، قاموس الرجال، قم: جماعة المدرسين.
38. صفار، محمد بن حسن (1404هـ)، بصائر الدرجات، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
39. طوسي، محمد بن حسن (1373)، الرجال، قم: جماعة المدرسين.
40. طوسي، محمد بن حسن (1387)، المبسوط، طهران: المكتبة الرضوية.
41. طوسي، محمد بن حسن (1407هـ)، تهذيب الأحكام، طهران: دار الكتب الإسلامية.
42. طوسي، محمد بن حسن (1411هـ)، الغيبة، قم: دار المعارف الإسلامية.
43. طوسي، محمد بن حسن (1414هـ)، الأمالي، قم: دار الثقافة.
44. طوسي، محمد بن حسن (1417هـ)، العدة، قم: محمد تقي علاقبنديان.
45. طوسي، محمد بن حسن (1420هـ)، الفهرست، قم: مكتبة المحقق الطباطبائي.
46. عاملي، زين الدين علي بن أحمد (الشهيد الثاني) (1408هـ)، الرعاية في علم الدراية، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
47. عسقلاني، ابن حجر (1390هـ)، لسان الميزان، بيروت: مؤسسة الأعلمي.
48. عياشي، محمد بن مسعود (1380)، كتاب التفسير، طهران: المطبعة العلمية.
49. غزالي، محمد (1417هـ)، المستصفى، بيروت: دار الكتب العلمية.
50. غفاري، علي أكبر (1369)، دراسات في علم الدراية، طهران: جامعة الإمام الصادق (عليه السلام).
51. فيض كاشاني، محسن (1406هـ)، الوافي، أصفهان: مكتبة إمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
52. كشي، محمد بن عمر (1404هـ)، اختيار معرفة الرجال، قم: آل البيت (عليهم السلام).
53. كليني، محمد بن يعقوب (1407هـ)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
54. مازندراني، مولى صالح (1382هـ)، شرح الكافي، طهران: المكتبة الإسلامية.
55. مامقاني، عبد الله (د.ت)، تنقيح المقال، د.م: د.ن.
56. مجلسي، محمد باقر (1404هـ)، مرآة العقول، طهران: دار الكتب الإسلامية.
57. مجلسي، محمد باقر (1406هـ)، ملاذ الأخيار، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
58. مجلسي، محمد تقي (1404هـ)، روضة المتقين، قم: مؤسسة الثقافة الإسلامية كوشانبور.
59. مسعودي، علي بن حسين (1426هـ)، إثبات الوصية، قم: أنصاريان.
60. معرفت، محمد هادي (1383)، التفسير الأثري الجامع، قم: مؤسسة التمهيد.
61. معرفت، محمد هادي (1387)، الصحابة من منظر القرآن وأهل البيت، قم: مؤسسة التمهيد.
62. معرفت، محمد هادي (1418هـ)، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب، مشهد: الجامعة الرضوية.
63. مفيد، محمد بن نعمان (1413هـ)، الفصول المختارة، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
64. نجاشي، أحمد بن علي (1365)، الرجال، قم: جماعة المدرسين.
65. نعماني، ابن أبي زينب (1397هـ)، الغيبة، طهران: صدوق.
66. نوري، حسين (1408هـ)، مستدرك الوسائل، قم: آل البيت (عليهم السلام).
67. نووي، يحيى بن شرف (1421هـ)، شرح صحيح مسلم، بيروت: دار الفكر.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: 1396/12/12، تاريخ القبول: 1397/4/13. المعرّف الرقمي (DOI): 10.22081/jqr.2019.50369.1940
2. طالب دكتوراه في معهد الحوزة والجامعة للبحوث. ali.tabasi14@yahoo.com