ملخص
من أهم المساعي في مجال الروايات – والتي أكد عليها المعصومون (ع) – هو السعي لفهم معانيها الصحيحة. وتزداد هذه المسألة أهمية عندما يكون معنى رواية ما صعباً أو عرضة لسوء الفهم. ومن أمثلة هذا النوع من الروايات، إحدى فقرات كلام النبي (ص): «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» التي وردت في خطبة حجة الوداع. وقد قامت عزيزة الحبري، وهي من الناشطات في نظرية النسوية الإسلامية – القرآنية، بتفسير الفقرة المذكورة بمعنى الزنا، واعتبرت أن ضرب المرأة في الآية ٣٤ من سورة النساء لا يجوز إلا عندما ترتكب المرأة الزنا. وعلى هذا الأساس، سعى البحث الحالي، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، إلى الإجابة عن هذا السؤال: كيف يتم تحليل معنى «إيطاء الفُرُش» في عبارة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» في الروايات النبوية (ص)؟ وتشير نتائج البحث إلى أن كلام النبي (ص) كان ناظراً إلى سلوك معروف بين العرب؛ فبحسب هذه العادة، كانت النساء يتحدثن مع الرجال الأجانب ولا يرين في ذلك بأساً. وعندما نزلت آية الحجاب، وُضعت النساء في ستر الحجاب، ونُهي الرجال عن التحدث والمجالسة مع النساء. وبالطبع، لم يكن النهي عن محادثة الرجل والمرأة الأجنبية بصورة المحادثات والتعاملات الشائعة والعادية في مجتمع ذلك اليوم، بل الأرجح أنه كان حديثاً مصحوباً بعرض المودة والتلوث بالذنب.
١. طرح الإشكالية
على مر التاريخ الإسلامي، بذل العلماء المسلمون بعد القرآن أعظم جهودهم العلمية في حفظ وتدوين وتبيين روايات المعصومين (ع). ولهذا السبب، ظل الحديث يجري في جسد المجتمع الإسلامي كروح تبعث على الحياة. بدأت الجهود في مجال الروايات بحفظ كلام المعصومين (ع) ثم نُقل إلى الأوراق، وبعد ذلك دُوّن وبُوّب في المجاميع الحديثية ضمن قوالب مختلفة. كانت جهود القرون الإسلامية الأولى تتركز في الغالب على جمع الروايات دون تأمل وفهم لمعانيها. وقد اعترف ابن عبد البر (ت ٤٦٣هـ) بأن جهود المحدثين في عصره كانت في الغالب دون تفقه وتدبر في معاني الروايات (ابن عبد البر، ١٣٩٨هـ، ٢: ١٢٧)، هذا في حين كان تأكيد المعصومين (ع) – على الأقل بالنسبة للشيعة – منصباً على فهم الحديث.1 على أي حال، بعد تشكل المصادر الروائية، ونظراً للابتعاد عن صدر الإسلام، والتطور والتغير الدلالي الذي طرأ على بعض المفردات والمصطلحات، والتحولات الثقافية والسياسية الواسعة التي شهدها المجتمع الإسلامي، عزم العلماء على توضيح معاني الروايات من خلال تدوين المعاجم اللغوية وكتب غريب الحديث وشروح الحديث. ورغم تأليف هذه الآثار، ظل المضمون الصحيح لبعض الروايات غامضاً. وقد نشأ هذا الغموض عن عوامل مثل عدم التحليل العميق، والفهم الخاطئ للروايات، والأحكام المسبقة، والتفسير بالرأي.
من بين نماذج الحديث، فقرة من كلام النبي (ص) في خطبة حجة الوداع، وهي ناظرة إلى فقه الأسرة وتشتمل على إحدى واجبات النساء تجاه أزواجهن، والفقرة موضع البحث هي هذه الجملة لرسول الله (ص): «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ». وتكمن أهمية تبيين هذه الفقرة من جهة في صعوبة معناها، ومن جهة أخرى، في محاولة بعض الباحثين المعاصرين والغربيين لتأييد رؤيتهم النسوية؛ فعزيزة الحبري2، أستاذة جامعة ريتشموند3، وهي من الناشطات والمبتكرات في نظرية النسوية الإسلامية – القرآنية، قد حاولت بأدلة مختلفة إنكار أصل موضوع ضرب المرأة في الآية ٣٤ من سورة النساء أو تقديم تفسير مختلف له. ومن أدلتها، الاستناد إلى خطبة حجة الوداع للنبي (ص) وفقاً لرواية الترمذي: «…لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَ لِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقَّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ» (الترمذي، ١٤٠٣هـ، ٣: ٣٠٥). تعتقد الحبري أنه بالنظر إلى انعكاس جزء من الآية ٣٤ من سورة النساء في هذه الرواية، فقد تم تفسير مفهوم «النشوز» في الرواية، وذُكر شرطان لنشوز المرأة وضربها: ١- إدخال شخص لا يرضاه الزوج إلى فراشه، ٢- ارتكاب فاحشة مبينة (Hibri, 2003, 219). وبهذا الفهم، فسرت فقرة «فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» بمعنى ارتكاب الزنا فقط، واعتبرت أن ضرب المرأة في الآية ٣٤ من سورة النساء لا يجوز إلا عندما تزني المرأة، وتكون جميع المراحل التربوية قبل الضرب عديمة الأثر أيضاً (نفس المصدر، ٢١٩-٢٢٠).
يسعى هذا البحث، باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، إلى الإجابة عن هذا السؤال: كيف يتم تحليل معنى «إيطاء الفُرُش» في الروايات النبوية (ص): «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ»؟ وتجدر الإشارة إلى أن خطبة حجة الوداع قد نقلها العديد من مصادر الرواية لدى أهل السنة، وربما بعض المجاميع الحديثية الشيعية، وأن الجمل السابقة واللاحقة لها ليست متطابقة في جميع الروايات. وقد اكتفت عزيزة الحبري برواية الترمذي لتأييد وجهة نظرها. لذا، سيتم أولاً عرض جميع صيغ هذه الرواية من مصادرها، ثم من خلال دراسة الاعتبار السندي والمقارنة المضمونية مع القرآن، ستكون الرواية الأكثر استقامة هي محور البحث. وفي تتمة البحث، ولتحليل فقه الحديث (إيطاء الفُرُش)، سيُبحث أولاً في المعنى اللغوي لـ«الإيطاء»، ثم ستُنتقد بعض المعاني المطروحة لمعنى «إيطاء الفرش»، وفي النهاية سيُبيّن المعنى الصحيح. ومن الجدير بالذكر أنه بالبحث الذي أُجري، لم يُعثر على تحقيق في هذا المجال، لذا يأتي هذا البحث لسد هذا النقص.
٢. روايات «إيطاء الفرش»
في كثير من المجاميع الروائية لأهل السنة وكذلك في بعض المصادر الحديثية الشيعية، رُويت عن رسول الله (ص) خطبة حجة الوداع. وفي هذه الخطبة المطولة، أُشير إلى موضوعات مختلفة أخلاقية واجتماعية وأسرية. ومن الموضوعات المهمة في الخطبة، والتي يُعد معناها مبهماً إلى حد ما، توصيات النبي (ص) بشأن كيفية تعامل الرجال مع إثم النساء ونشوزهن. وقد نقل المحدثون هذا الجزء من كلامه (ص) باختلافات متعددة – في تقديم وتأخير وزيادة ونقصان الجمل مقارنة ببعضها البعض – وكما مر في بيان المسألة، فإن الرواية الواردة في سنن الترمذي كانت إلى حد ما قادرة على تأييد وجهة نظر عزيزة الحبري في موضوع ضرب المرأة، وهي بدورها امتنعت عن نقل الروايات المشابهة على هذا الأساس. لذا، تُعرض أولاً جميع صور وطرق كلام النبي (ص) للعثور على أصح نقل:
١- أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) في مسنده: «حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا على بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه: «…فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ لَا يَمْلِكُنَ لأنفسهن شَيئًا وَإِنَّ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ وَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقًّا أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا غَيْرَكُم وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَه فَإِنْ خِفْتُم نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّح» (الشيباني، د.ت، ٥: ٧٢-٧٣).4
٢- ابن أبي شيبة الكوفي (ت ٢٣٥هـ)، ومسلم النيسابوري (ت ٢٦١هـ)، وابن ماجه القزويني (ت ٢٧٣هـ) والنسائي (ت ٣٠٣هـ) في إحدى روايتيه، وأبو داود السجستاني (ت ٢٧٥هـ)، والطبري (ت ٣١٠هـ) والبيهقي (ت ٤٥٨هـ) عن النبي (ص): «…فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ5 وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ6 أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».7 (أبو شيبة الكوفي، ١٤٠٩هـ، ٤: ٤٢٥؛ القشيري، د.ت، ٤: ٤١؛ القزويني، د.ت، ٢: ١٠٢٥؛ النسائي، ١٤١١هـ، ٢: ٤٢٢؛ أبو داود، ١٤١٠هـ، ١: ٤٢٧؛ الطبري، ١٤١٢هـ، ٤: ٢١٢؛ البيهقي، د.ت، ٥: ٨).
٣- الترمذي (ت ٢٧٩هـ) في موضعين من سننه، وكذلك ابن ماجه القزويني (ت ٢٧٣هـ) والنسائي (ت ٣٠٣هـ) في روايتهما الثانية: «…أَلَا وَاسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ8 لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقَّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلَا وَحَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ».9 (القزويني، د.ت، ٢: ٣١٥؛ ٤: ٣٣٨؛ النسائي، ١٤١١هـ، ١: ٥٩٤؛ الترمذي، ١٤٠٣هـ، ٥: ٣٧٢). وهؤلاء المحدثون أيضاً رووا الحديث بخمسة رواة متطابقين: «حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي…» عن النبي (ص).
٤- ابن شعبة الحراني في كتاب تحف العقول بدون سند – كما هي طريقة هذا الكتاب – نقل: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقّاً حَقَّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ أَحَداً فُرُشَكُمْ وَلَا يُدْخِلْنَ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ بُيُوتَكُمْ إِلَّا بِإِذْنِكُمْ وَ أَلَّا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَعْضُلُوهُنَّ وَ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ فَإِذَا انْتَهَينَ وَ أَطَعْنَكُمْ فَعَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (الحراني، ١٤٠٤هـ، ٣٣-٣٤).
٥- الصدوق والطبري بسند مشابه10 11 عن عبد الله بن عمر نقلا: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ النِّسَاءَ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ ضَرّاً وَ لَا نَفْعاً أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَ اسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ فَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ وَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ وَ مِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لَا تَضْرِبُوهُن» (الطبري، ١٤١٢هـ، ٤: ٢١٢؛ الصدوق، ١٣٦٢ش، ٢: ٤٨٧).
من مستلزمات الوصول إلى المعنى الصحيح لكلمة «إيطاء» في جملة «يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» – التي وردت في جميع الروايات المذكورة – هو العثور على أدق نقل وأصح ضبط من قبل الرواة، لأن الاختلاف في النقول سيؤدي أيضاً إلى اختلاف في الفهم. فمثلاً، وفقاً للروايتين الثالثة والخامسة، لا يوجد أي عقاب أو تأديب للنساء اللاتي يرتكبن «إيطاء الفُرُش»، وفي الرواية الثانية، يقتصر عقاب ارتكابه على التأديب الخفيف للنساء، وفي الرواية الرابعة، يكون بالترتيب: الضغط، وهجر الفراش، والتأديب الخفيف، وفي الرواية الأولى، هو مثل الرواية الخامسة مع فارق أنه بدلاً من الضغط، ذُكرت الموعظة. إن الاختلاف الذي يُرى في هذه الروايات ناتج عن النقل بالمعنى ومدى دقة ضبط الرواة. لذا، من خلال دراسة الأسانيد وتحليل محتوى الروايات، سيتم تحديد أصح رواية لتبيين المعاني بدقة.
٣. دراسة أسانيد الروايات ومحتواها
١-٣. دراسة أسانيد الروايات
من طرق الوصول إلى الرواية الأكثر اعتباراً هو الانتباه إلى أصل صدورها عن المعصوم، وهذا الأمر المهم يتحقق من خلال معرفة الرواة الأوثق والأضبط، وكذلك اتصال أو عدم اتصال الرواية بالمعصوم. وفيما يلي بيان حالة أسانيد الروايات الخمس محل البحث:
الرواية الأولى: في رواية أحمد بن حنبل، أبو حُرّة الرقاشي ناقل الحديث عن عمه عن النبي (ص). في مصادر علم الرجال، قيل إن اسم أبي حُرّة هو واصل بن عبد الرحمن، وحنيفة، وحكيم (العسقلاني، ١٤١٥هـ، ٢: ١٢١؛ المزي، ١٤٠٦هـ، ٧: ٤٥٦؛ الذهبي، ١٣٨٢هـ، ٤: ٣٢٩؛ ١: ٦٢١). وأحياناً ذُكر حنيفة اسماً لعم أبي حرة الذي صحب النبي (ص) فترة قصيرة (العسقلاني، ١٤١٥هـ، ٢: ١٢١). وفي الجرح والتعديل لأبي حرة اختلفوا أيضاً؛ فوثقه البعض وضعفه البعض الآخر (المزي، ١٤٠٦هـ، ٧: ٤٥٦؛ الذهبي، ١٣٨٢هـ، ٤: ٣٢٩). بغض النظر عن أبي حرة، فإن اسم ومكانة عمه غير واضحين، لذا عند وصفه، يُشار إليه بـ «عم أبي حرة الرقاشي» (ابن سعد، د.ت، ٧: ٨٤). الراوي التالي، علي بن زيد بن جدعان، هو أيضاً محل خلاف بين علماء الرجال في جرحه وتعديله (المزي، ١٤٠٦هـ، ٢٠: ٤٣٧-٤٣٩؛ الذهبي، د.ت، ١: ١٤٠). أما في توثيق الرواة التاليين فهناك اتفاق. لذلك، لا يمكن الحكم بشكل قاطع على سند هذه الرواية بالضعف أو التوثيق.
الرواية الثانية: جابر بن عبد الله الأنصاري، الصحابي الجليل للنبي (ص)، والراويان التاليان: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) وابنه جعفر (ع)، وهما من أحفاد النبي (ص) والإمام علي (ع) – موثوقون لدى جميع علماء الرجال. أما الراوي الرابع: حاتم بن إسماعيل، ففي كتب الرجال يختلف القول في جرحه وتعديله؛ فالبعض مثل النسائي في «الضعفاء والمتروكين» لا يعتبره قوياً (النسائي، ١٤٠٦هـ، ١٦٨). ونُقل عن أحمد بن حنبل أن البعض ادعى أنه كان يغفل في نقل الحديث اعتماداً على ذاكرته، ومع ذلك فإن كتابه الحديثي صالح لنقل الرواية (الرازي، ١٣٧١هـ، ٣: ٢٥٧؛ المزي، ١٤٠٦هـ، ٥: ١٩٠). كما وثقه كثير من علماء أهل السنة (ابن سعد، د.ت، ٥: ٤٢٥؛ الذهبي، ١٤٠٧هـ، ١٢: ١٠٨). وبناءً على مجموع الآراء، يبدو أن القول بتوثيق حاتم أقوى من تضعيفه. لذا، فإن سند هذه الرواية معتبر.
الرواية الثالثة: رُويت بسند «حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي…». جميع رواة سند الرواية الثالثة موثوقون لدى علماء أهل السنة. حسين بن علي الجعفي (المزي، ١٤٠٦هـ، ٦: ٤٥١-٤٥٢)، وزائدة بن قدامة (نفس المصدر، ٩: ٢٧٦-٢٧٧)، وشبيب بن غرقدة السلمي (نفس المصدر، ١٢: ٣٧٢)، وسليمان بن عمرو بن أحوص الجشمي (نفس المصدر، ١٢: ٤٩)، وعمرو بن أحوص الجشمي (نفس المصدر، ٢١: ٥٣٩) جميعهم موثقون.
الرواية الرابعة: فاقدة للسند، فطريقة كتاب تحف العقول عدم ذكر السند، لذا لا يمكن الحكم على سندها.
الرواية الخامسة: الرواة الثلاثة المشتركون والنهائيون في سند حديث الصدوق والطبري هم: «مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ». في هذا السند، أجمع علماء الرجال على تضعيف «موسى بن عبيدة الربذي» (النسائي، ١٤٠٦هـ، ٤: ١٦١؛ الرازي، ١٣٧١هـ، ٨: ١٥٢؛ المزي، ١٤٠٦هـ، ٢٩: ١٠٨-١١٣)، لذا فإن سند هذه الرواية ضعيف.
٢-٣. التحليل المضموني للروايات وتطبيقها على الآيات
أحد مرجحات تقارب مضمون الرواية قدر الإمكان مع آيات القرآن هو الانتباه إلى الآيات التي أشار إليها النبي (ص) في ثنايا كلامه. يبدو أن فقرة «يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» في الروايات تشير إلى عصيان المرأة لأمر زوجها. في ثقافة القرآن، يُذكر هذا العصيان تحت عنوان «النشوز». وفيما يتعلق بكيفية مواجهة الرجل لنشوز زوجته، توجد عدة آيات أُشير إليها أيضاً في هذه الروايات؛ فالروايات الأربع الأولى تضمنت جزءاً من الآية ٣٤ من سورة النساء المتعلقة بنشوز المرأة: «وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا» (النساء: ٣٤)، وفي الروايتين الثالثة والرابعة، بالإضافة إلى الآية المذكورة، ورد جزء من الآية ١٩ من سورة النساء يتعلق بفاحشة المرأة: «وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».12
أما في الروايات الأربع الأولى، فإن الرواية الوحيدة التي تضمنت الآية ٣٤ من سورة النساء بدقة هي الرواية الأولى؛ وتوضيح ذلك أن الله في هذه الآية قد أجاز للرجال في مواجهة نشوز المرأة ثلاث مراحل بالترتيب: الموعظة، وهجر الفراش، والضرب (بناءً على التفسير المشهور). ووفقاً لمضمون الآية، إذا تلوثت امرأة بمعصية الله أو كانت على وشك ارتكاب إثم، فإن أنسب شخص لردعها عن الإثم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو زوجها، الذي يتولى هنا واجب عموم المؤمنين، ليعظها في المرحلة الأولى، وإذا لم يكن ذلك مؤثراً، يُظهر لها امتعاضه، وفي المرحلة الثالثة يؤدبها بدنياً كأي عمل معصية (جوادي آملي، ١٣٨٩ش، ١٨: ٥٥٠-٥٥١).
في الرواية الثانية، أولاً، لم يُشر إلى النشوز، وثانياً، من بين المراحل الثلاث لمواجهة النشوز، أُشير إلى الضرب فقط. في الرواية الثالثة، بدلاً من النشوز، وردت «فاحشة مبينة»، ومن مراحل التأديب الثلاث، ذُكرت مرحلتا «هجر الفراش» و«الضرب»، بالإضافة إلى أن مسألة «فاحشة مبينة» تتعلق بالآية ١٩ من سورة النساء ولا علاقة لها أساساً بالآية ٣٤ من سورة النساء وتنفيذ مراحل التأديب. في الرواية الرابعة، بدلاً من «النشوز»، وردت «فاحشة»، ومن المراحل الثلاث، بدلاً من طريقة الموعظة، ذُكرت طريقة «الضغط» (تَعْضُلُوهُنَّ) – التي تتعلق بالآية ١٩ من سورة النساء. وكما مر، في الروايتين الثالثة والرابعة، بالإضافة إلى الآية ٣٤ من سورة النساء، تضمنت جزءاً من الآية ١٩ من سورة النساء. في هذه الآية، يتوجه الكلام إلى الرجال بأنه لا ينبغي لهم، من خلال الضغط، أن يستولوا على جزء مما أعطوهن (من مهور) إلا إذا ارتكبن فاحشة واضحة، وأن يعاشروهن بالمعروف.
في التفاسير، طُرحت ثلاث وجهات نظر لتفسير «الفاحشة»: ١- الزنا، ٢- النشوز، ٣- جميع المعاصي (الطوسي، د.ت، ٣: ١٥٠؛ الزمخشري، ١٤٠٧هـ، ١: ٤٩٠؛ الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٣: ٤٠؛ الفخر الرازي، ١٤٢٠هـ، ١٠: ١٢؛ الزحيلي، ١٤١٨هـ، ٤: ٢٩٩). بين هذه الآراء، رجح بعض المفسرين القول الثاني (الزمخشري، ١٤٠٧هـ، ١: ٤٩٠)، ورجح البعض القول الثالث واستندوا فيه إلى رواية عن الإمام الباقر (ع) (الفيض الكاشاني، ١٤١٦هـ، ١: ٤٣٤؛ الحويزي، ١٤١٥هـ، ١: ٤٥٩؛ الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٣: ٤٠)، بينما اختار آخرون القول الأول – الذي يبدو أكثر دقة – وطرحوا أدلة لذلك: ١- كثرة استعمال كلمة «فاحشة» في معنى الزنا (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٤: ٢٥٥). ٢- في هذه الحالة يكون الرجل تحت ضغط وصعوبة، ويجب على المرأة أن ترد جزءاً من المهر أو كله (فضل الله، ١٤١٩هـ، ٧: ١٦٢). ٣- اقتضاءً لتناسب الحكم والموضوع والسياق، فإن مراد إثم المرأة يقع في نطاق ما أعطاه الرجل للمرأة من أموال، أي في محور مسائل مثل التمكين والمضاجعة (جوادي آملي، ١٣٨٩ش، ١٨: ١٤١-١٤٢).
الرأي الثاني (التفسير بالنشوز) لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن حكم النشوز وطريقة مواجهة الرجل له قد ورد في الآية ٣٤ من سورة النساء. والرأي الثالث أيضاً محل نقد؛ لأنه أولاً، إذا كان المقصود بـ«الفاحشة» مطلق الكبائر، ويمكن استنباط ذلك من ظاهر رواية ما، فإن معظم الرجال يمكنهم عدم إعطاء مهور زوجاتهم، في حين يجب ملاحظة مثل هذه الأحاديث إلى جانب الروايات الأخرى لبيان حكمها الفقهي. ثانياً، الرواية المستند إليها تعاني من إرسال السند وضعفه (جوادي آملي، ١٣٨٩ش، ١٨: ١٥٨).
بناءً على ما تقدم، في الرواية الثالثة التي ورد فيها: «لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحِ»، فإنه في حالة ارتكاب «فاحشة مبينة» – التي هي الزنا – يُسمح للرجل بتملك المهر: «لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ»، ويُؤمر بهجر الفراش: «فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ»، وبالتأديب البدني: «وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ»، هذا في حين أن: أولاً، في حالة ارتكاب «الفاحشة»، واجب الرجل هو أخذ جزء من المهر أو كله وفقاً لمراد الآية ١٩ من سورة النساء. ثانياً، وفقاً للسنة النبوية (ص)، يجب إقامة الحد الشرعي على مثل هذه المرأة، لا هجر الفراش والضرب الخفيف. ثالثاً، إذا افترضنا أن الحالة هي النشوز، فإن المراحل الثلاث: الموعظة، وهجر الفراش، والضرب، بناءً على الآية ٣٤ من سورة النساء، كان ينبغي ذكرها في الرواية، وهو ما لم يحدث. يبدو أن نقل هذه الرواية بهذه الطريقة من قبل الرواة ناتج عن عدم فهم صحيح لكلام النبي (ص) أو عدم الدقة في نقله. ومما يؤيد ذلك تتمة الرواية التي وردت فيها عبارة «فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ»، في حين كان يجب ذكر هذه الجملة قبل مراحل التأديب.
في الرواية الرابعة أيضاً، حدث تقديم وتأخير بين الجمل، بحيث إذا وقعت المرأة في «فاحشة»، يحق للرجل أن يضيق عليها: «تَعْضُلُوهُنَّ»، وإذا وقعت في «أَنْ لَا يُوطِئْنَ أَحَداً فُرُشَكُمْ وَلَا يُدْخِلْنَ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ بُيُوتَكُمْ إِلَّا بِإِذْنِكُمْ» – والذي كما سيأتي هو أحد عوامل نشوز المرأة – يحق للرجل أن يهجر زوجته أو يؤدبها تأديباً خفيفاً: «تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ». بالطبع، وفقاً للآية ٣٤ من سورة النساء، قبل هاتين المرحلتين، يجب على الرجل أن يعظ المرأة، وهو ما لم يرد في هذه الرواية.
من خلال التدقيق في مضمون الرواية الخامسة وعرضها على آيات القرآن ومقارنتها بالروايات الأربع السابقة، يبدو أن جزءاً من كلام النبي (ص) قد حُرِّف وحُذف جزء آخر. الجزء المحرَّف هو جملة «لَا تَضْرِبُوهُنَّ»؛ (لا تضربوا النساء)، لأنها لا تخالف الروايات الأخرى فحسب، بل هي في تعارض مع الآية ٣٤ من سورة النساء. أما الجزء المحذوف فهو أن في الرواية جملة «فَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقٌّ وَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقٌّ» هي مقدمة للإشارة إلى الحقوق المتبادلة بين الزوج والزوجة. وفي تتمتها، بعبارة «مِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ»، أُشير إلى حق الأزواج: «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوفٍ فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ». وفي نهاية هذه العبارة، كان من المناسب الإشارة إلى مراحل تأديب المرأة بناءً على الآية ٣٤ من سورة النساء، وهو ما لم يحدث. وفي تتمة الرواية، حيث أُشير إلى حق النساء، كان من المناسب أن تُذكر أولاً جملة مثل: «وَ مِنْ حَقِّهِنَّ عَلَيْكُمْ» لتتوافق مع تتمة الرواية: «فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» ويُراعى اللف والنشر الموجود في الرواية.
بناءً على ما تقدم، في الخلاصة يجب القول إن الروايتين الثانية والثالثة، رغم صحة أسانيدهما، إلا أن محتواهما لم يُنقل بدقة عند عرض فقرات محل البحث على الآيات. أما الرواية الرابعة، فبسبب عدم نقل سندها من قبل ابن شعبة، إذا حكمنا عليها بناءً على المحتوى فقط، فإنها تعاني من نفس آفة الروايتين الأخيرتين. أما الرواية الخامسة، فبالإضافة إلى آفات الروايات السابقة، تعاني من ضعف السند أيضاً. ولكن في الرواية الأولى، على الرغم من وجود اختلاف في الرأي في جرح وتعديل بعض رواتها، إلا أنها من بين هذه الروايات، تقدم المحتوى الأكثر استقامة في تطابقه مع آيات القرآن؛ لأن المراحل التي طرحتها في مواجهة نشوز المرأة تتوافق مع الترتيب الذي بينه الله تعالى في الآية ٣٤ من سورة النساء. وعلى هذا الأساس، تُطرح مباحث فقه الحديث في «إيطاء الفُرُش» ضمن فقرة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» بناءً على الرواية الأولى.
٤. فقه الحديث في «إيطاء الفرش» في جملة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ»
لدراسة وتحليل مباحث فقه الحديث في «إيطاء الفُرُش»، يُبحث أولاً في المعنى اللغوي لـ«إيطاء»، ثم تُنتقد بعض المعاني المطروحة لمعنى «إيطاء الفرش»، وبعد ذلك يُبيّن المعنى الصحيح.
١-٤. المعنى اللغوي لـ «الإيطاء»
«إيطاء» مصدر ثلاثي مزيد من باب إفعال من جذر «وطأ». وقد ذكر اللغويون لهذه المادة معاني متعددة: المشي على الأرض: «وطئ الأرضَ يطأها وطأً» (ابن دريد، ١٩٨٨م، ١: ٢٤٢)، وتهيئة الشيء: «وطَّأْتُ لك الأمر إذا هيأته» (الأزهري، ١٤٢١هـ، ١٤: ٣٦؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٦: ١٢)، وظهور الشيء: «وَطُؤَ الشيء فهو وطيء بين» (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ٨٧٤). وكذلك بمعنى الجماع في استعمال: «وَطِئْتُ الجَارِيةَ أي جامعتها» (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٧: ٤٦٨؛ الأزهري، ١٤٢١هـ، ١٤: ٣٦؛ ابن سيده، ١٤٢١هـ، ٩: ٢٥٢؛ الفيروزآبادي، ١٤١٥هـ، ١: ٤١؛ الفيومي، ١٤١٤هـ، ٦٦٤؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ١: ١٩٧؛ الطريحي، ١٣٧٥ش، ١: ٤٤٣؛ الزبيدي، ١٤١٤هـ، ١: ٢٧٧)، أو كناية عن «الجماع»/«النكاح»: «وَطِئَ امرأته كناية عن الجماع» (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ٨٧٥)، «وَطِئ الرجل المرأة، كناية عن النكاح» (الحميري، ١٤٢٠هـ، ١١: ٢٠٩). وللمعنى الأخير شاهد روائي أيضاً، وقد استُخدم في بعض الروايات بهذا المعنى. على سبيل المثال، نقل الحاكم في موضعين من مستدركه: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ (ص) يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ بَيْعِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقْسَمَ وَعَنِ الْحَبَالَى أَنْ يُوطَأْنَ حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ…».13 (الحاكم النيسابوري، د.ت، ٢: ٥٥-٥٦، ١٣٧). كما روى ابن أبي شيبة الكوفي: «إِذَا سُبِيَتِ الْمَجُوسِيَّةُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ عُرِضَ عَلَيْهِنَّ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمْنَ وُطِئْنَ وَاسْتُخْدِمْنَ وَإِنْ أَبَيْنَ أَنْ يُسْلِمْنَ اسْتُخْدِمْنَ وَلَمْ يُوطَأْنَ».14 (ابن أبي شيبة الكوفي، ١٤٠٩هـ، ٣: ٣١٢)، وكذلك روى في رواية أخرى: «إِذَا سُبِيَتِ الْيَهُودِيَّاتُ وَالنَّصْرَانِيَّاتُ عُرِضَ عَلَيْهِنَّ الْإِسْلَامُ وَجُبِرْنَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَسْلَمْنَ أَوْ لَمْ يُسْلِمْنَ أُوطِئْنَ وَاسْتُخْدِمْنَ».15 (ابن أبي شيبة الكوفي، ١٤٠٩هـ، ٣: ٣١٢).
٢-٤. نقد معنى الجماع والزنا في «إيطاء الفرش»
بناءً على المعاني اللغوية المذكورة، قد يُتصور أن مادة «إيطاء» في فقرة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» قد استُخدمت بمعنى الجماع أو النكاح. ويبدو أن هذا المعنى غير صحيح، لأنه أولاً، للجماع أو النكاح دلالة معنوية إيجابية ومشروعة، في حين أن النساء في الروايات النبوية (ص) قد نُهين عن ارتكابه. ثانياً، في هذا المعنى، استُخدمت الكلمة بصيغة الثلاثي المجرد «وَطِئ»، أما في الفقرة محل البحث فهي ثلاثي مزيد من باب إفعال «يوطئ»، وقاعدةً، يجب أن تكون هذه الزيادة مؤثرة في اختلاف المعنى. ثالثاً، في معنى الجماع، استُخدم «وَطِئ» مع «الجارية» أو «المرأة»، ولكن في الرواية استُخدم «يوطئ» مع «الفرش».
بعض المعاصرين، بالنظر إلى معنى «الجماع»، اعتبروا «يوطئ» في الحديث مجازاً بمعنى «الزنا» (المدني، ١٣٨٤ش، ١: ١٣٥).16 وقد استنبط الطبري هذا المعنى نفسه من الحديث وكتب: معنى قول النبي (ص): «مِنْ حَقِّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ» هو ألا تمكن النساء أنفسهن لأحد غير أزواجهن، فإذا فعلت امرأة ذلك وجامعت أحداً غير زوجها، فلزوجها الحق في حرمانها من الكسوة والنفقة اللائقة (الطبري، ١٤١٢هـ، ٤: ٢١٢-٢١٣). وكذلك، كما مر، اعتبرت عزيزة الحبري أن مراد كلام النبي (ص) هو ارتكاب الزنا، وبهذا التفسير اعتبرت ضرب المرأة في الآية ٣٤ من سورة النساء جائزاً فقط عندما تزني المرأة (Hibri, 2003, 219-220).
لكن يبدو أن تفسير كلام النبي (ص) بالزنا غير صحيح، للأسباب التالية: أولاً، لم تقدم الكتب اللغوية المعتبرة مثل هذا المعنى؛ فقد استخدموا تركيب «وطأ» مع «الفراش»، «وَطَّأْتُ لك الفراش» بمعنى التهيئة والإعداد (الفراهيدي، ١٤٠٩هـ، ٧: ٤٦٧؛ الأزهري، ١٤٢١هـ، ١٤: ٣٦؛ ابن منظور، ١٤١٤هـ، ١: ١٩٧؛ ابن سيده، ١٤٢١هـ، ٩: ٢٥٢؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ٦: ١٢٠). هذا المعنى اللغوي أعم من معنى ارتكاب الزنا؛ فيمكن من هذا الاستعمال استنباط كلا المعنيين: تهيئة مجال للمحادثة الخاصة أو ارتكاب الزنا، والذي يبدو أن المعنى الأول هو الصحيح في رواية النبي (ص) بضميمة قرائن أخرى.
ثانياً، بناءً على الرواية الأولى الواردة في مسند أحمد بن حنبل والتي تبدو أدق من الروايات الأخرى، ورد: «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا غَيْرَكُمْ وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَه فَإِنْ خِفْتُم نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ». وحتى وفقاً للروايتين الثانية والرابعة، في حالة ارتكاب المرأة لـ«إيطاء الفرش»، يجب تأديبها بلطف وليونة – غير شديد «ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ» – هذا في حين أن حد الزنا الشرعي معين وشديد. وقد تنبه شراح هذه الروايات من المتقدمين والمتأخرين إلى هذا الإشكال، والطريف أن أغلب هؤلاء الشراح قد طرحوا كلامهم في شرح الرواية الثانية – التي يعد مسلم وأبو داود من أبرز ناقليها -:
الخطابي (ت ٣٨٨هـ) – في شرحه لسنن أبي داود – كتب: في جملة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ»، المراد ليس الزنا، لأن الزنا حرام بكل أشكاله وغير مشروط بعدم رضا الزوج عنه. لو كان المقصود الزنا، لوجب في هذه الحالة الضرب الشديد والعقوبة المؤلمة بالرجم، في حين ورد في الرواية أنه إذا ارتكبت النساء هذا الخطأ، فيجب تأديبهن دون شدة (الخطابي، ١٣٥١هـ، ١: ٤٥٤). وقد نقل الطيبي (ت ٧٤٣هـ) هذا الكلام للخطابي في شرحه (الطيبي، ١٤١٧هـ، ٦: ١٩٦٥-١٩٦٦).
ابن حزم (ت ٤٥٦هـ) في كتابه الفقهي – المحلي في شرح المجلى بالحجج والآثار – يتبنى الرأي أعلاه. وهو بعد نقل الحديث من صحيح مسلم (الرواية الثانية) يكتب: مراد النبي (ص) بفراش البساط (ليس الزنا)، لأن زنا المحصنة يوجب عقوبة الرجم، لا ضرباً غير شديد. لا شك أن مراد حضرته هو دخول أي شخص، رجلاً كان أم امرأة، إلى البيت دون رضا الزوج (ابن حزم الأندلسي، د.ت، ١٠: ٧٢).
٣-٤. تحليل المعنى الصحيح لـ«إيطاء الفرش»
كما مر، فإن المعاني المتداولة لمادة «وطأ» في المعاجم اللغوية لا توضح معنى «إيطاء الفرش». ولكن مع مواصلة البحث في كتب اللغة، قدم بعض اللغويين المتعمقين معنى مختلفاً يبدو أنه يمكن من خلاله استنباط المعنى الصحيح للفقرة الروائية. الظاهر أن أول لغوي تنبه لهذه المسألة ووقف على اختلاف المعنى اللغوي لمادة «وطأ» مع استعمالاتها الأخرى هو أبو موسى المديني (ت ٥٨١هـ). وهو في كتاب «المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث» في مادة «وطأ» بعد نقل جزء من حديث «عَلَيْهِنَّ من الحق ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه» يفسر الرواية كالتالي: «ألا يدخلن عليكم أحداً تكرهونه ولا يجلسن مجلساً تكرهونه، فإن العرب كانت لا ترى بذلك بأساً فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك» (المديني، ١٤٠٨هـ، ٣: ٤٢٩). ويبدو أن مثل هذه المحادثات لم تكن محادثات عادية، بل كانت مصحوبة بعرض المودة وتهيئة بساط الإثم. وهذا المطلب له شاهد قرآني أيضاً، وسنتحدث عنه لاحقاً.
ابن الأثير (ت ٦٠٦هـ) في كتابه المفيد «النهاية في غريب الحديث والأثر» (١٣٦٧ش، ٥: ٢٠١) طرح الرأي نفسه، وكذلك ابن منظور (١٤١٤هـ، ١: ١٩٨) وعلي خان المدني – اللغوي الشيعي – (١٣٨٤ش، ١: ٢٣٨) والعلامة المجلسي في شروحه (١٤٠٤هـ، ٢١: ٢٣٤؛ ١٤٠٦هـ، ١٣: ١٨٧) نقلوا كلام ابن الأثير وأقروه.
تُظهر الدراسات أن مثل هذا التفسير للرواية كان سابقاً لكلام اللغويين، وأن بعض شراح المجاميع الحديثية لأهل السنة، بناءً على شواهد نصية من الحديث، كانوا أول الرواد في هذا التفسير للروايات. وتقريباً، اتفق جميعهم على هذا المعنى من الروايات – بالترتيب الذي سيأتي -:
الخطابي (ت ٣٨٨هـ) في شرحه على سنن أبي داود أشار إلى هذه الحقيقة وكتب: جملة «إِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَه»؛ معناها ألا يأذن النساء لأي رجل بالدخول إلى المنزل والتحدث معهن. كان تحدث الرجال مع النساء من عادات العرب، ولم يكونوا يرون ذلك عيباً أو قبيحاً. وعندما نزلت آية الحجاب، وُضعت النساء في ستر الحجاب، ونُهي الرجال عن التحدث والمجالسة مع النساء (الخطابي، ١٣٥١هـ، ١: ٤٥٤).
المازري (ت ٥٣٦هـ) في شرحه على صحيح مسلم قال: المراد ألا يختلي النساء بالرجال. المراد ليس الزنا، لأن ذلك الفعل يوجب الحد، وهو حرام في كل حال – سواء بالإكراه أو عدمه (المازري، ١٩٨٨م، ٢: ٨٥).
القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) في «إكمال المعلم بفوائد كتاب مسلم» (عياض، ١٤١٩هـ، ٢: ٥٨) والنووي (ت ٦٧٦هـ) – في شرحه على صحيح مسلم – أوردا كلام الخطابي نفسه. وأضاف النووي: المعنى المختار للرواية هو ألا يأذن النساء لمن تكرهونه بالدخول إلى منازلكم ومجالستكم؛ سواء كان ذلك الشخص رجلاً أجنبياً، أو امرأة، أو أحد محارم الزوجة، فالنهي يشمل الجميع (النووي، ١٤٠٧هـ، ٨: ١٨٣-١٨٤).
السيوطي أيضاً في شرحه على صحيح مسلم وسنن ابن ماجه يتبنى هذا الرأي (السيوطي، ١٤١٦هـ، ٣: ٣٢٢؛ هو نفسه، د.ت، ١: ١٣٣). ومن بين الشراح الآخرين، العظيم آبادي (ت ١٣٢٩هـ) في شرح سنن أبي داود (العظيم آبادي، ١٤١٥هـ، ٥: ٢٦٣) والمباركفوري في شرح الترمذي (المباركفوري، ١٤١٠هـ، ٤: ٢٧٤) لديهم كلام مماثل.
عبد المحسن العباد – الشارح المعاصر لسنن أبي داود – تبنى هذا الرأي أيضاً، وكتب: المقصود من «وطء الفُرُش»، هو التحدث في خلوة بين المرأة والرجل الأجنبي. وعندما ظهر الإسلام، منعه وأمر بالحجاب وحرم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية. لذا قال النبي (ص): «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما». فإذا فعلت النساء مثل هذا السلوك غير اللائق، فأدبوهن بضرب غير شديد (العباد، د.ت، ١: ٢). وغير شراح الآثار الحديثية، فإن المفسرين الذين فسروا الرواية قد أوردوا هذا الشرح نفسه (آل غازي، ١٣٨٢هـ، ٥: ١٨٨-١٨٩؛ البغدادي، ١٤١٥هـ، ١: ١٦٠).
كما مر، يبدو أن تحدث المرأة والرجل الأجنبي في هذه الروايات لم يكن على شكل محادثات وتفاعلات رائجة وعادية في مجتمع ذلك اليوم، بل الأرجح أنه كان حديثاً مصحوباً بعرض المودة والتلوث بالذنب. وقد أُشير إلى مثل هذه السلوكيات ونُهي عنها في القرآن بعبارة «اتخاذ أخدان». ففي الآية ٢٥ من سورة النساء – التي تتحدث عن شروط الزوجة التي يُراد نكاحها – ورد: «…فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ…».17 وقد فسر مفسرو الفريقين مراد فقرة «مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ» بصداقة الرجال مع النساء (القمي، ١٣٦٧، ١: ١٣٦؛ الطبري، ١٤١٢هـ، ٥: ١٤؛ الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٣: ٥٥؛ السيوطي، ١٤٠٤هـ، ٢: ١٤٢)، وهذه الصداقة نفسها كانت مقدمة للفحشاء (القرطبي، ١٣٦٤ش، ٥: ١٤٣).
يعتقد بعض المفسرين أن عطف «مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ» (صاحبات الأصدقاء) على «مسافحات» (الزانيات) في الآية محل البحث يفيد بأن للعبارتين معنيين مختلفين – وليسا مترادفين – وبناءً على قرينة المقابلة، فإن «مُسَافِحَات» تدل على الزنا العلني، و«مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ» – التي تبدأ بالخلوة واتخاذ الأصدقاء – تدل على الزنا السري (الآلوسي، ١٤١٥هـ، ٣: ١٢؛ الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ٤: ٢٧٨). وتؤيد هذا التفسير روايات عن ابن عباس (الطبري، ١٤١٢هـ، ٥: ١٤؛ الطبرسي، ١٣٧٢ش، ٣: ٥٥؛ السيوطي، ١٤٠٤هـ، ٢: ١٤٢؛ الآلوسي، ١٤١٥هـ، ٣: ١٢).
ولكن قد يُشكل، بالنظر إلى أنه بعد فقرة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ»، في الرواية الأولى وردت جملة: «وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدِ تَكْرَهُونَه»، وفي الرواية الثالثة جملة: «وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ»، وفي الرواية الرابعة: «وَلَا يُدْخِلْنَ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ بُيُوتَكُمْ إِلَّا بِإِذْنِكُمْ»، على التفسير الذي مر؛ لأن هذه الجمل، على الرغم من اختلاف الألفاظ، يبدو أن لها مضموناً واحداً ومساوياً لفقرة «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ»، فمعناها هو أنه لا ينبغي للنساء أن يسمحن بدخول بيوت أزواجهن لمن يكرهونهم.
الظاهر أن هذا الإشكال غير وارد، وفي رده يُحتمل أحد الجوابين التاليين: أولاً، كما كتب المباركفوري في شرح سنن الترمذي، فإن جملة: «وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ» هي بمثابة تفسير للجملة التي قبلها – والتي كانت عامة – (هَذَا كَالتَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ عَامٌ) (المباركفوري، ١٤١٠هـ، ٨: ٣٨٤). أي بالنظر إلى أن الفقرة محل البحث لها معنى كلي ويُحتمل لها عدة معانٍ، فقد أُوردت الجملة التي بعدها لتبيين المعنى المقصود.
ثانياً، بما أن فهم الفقرة محل البحث لم يكن سهلاً، فقد أضاف الرواة هذه العبارة للتوضيح، ويُعد الحديث من أحاديث المزيد في المتن.18 ومما يؤيد هذا الرأي، أولاً، عدم ورودها في الروايتين الثانية والخامسة، مما يوحي بأنها كانت واضحة لهؤلاء الرواة. ثانياً، وجود اختلاف في ألفاظ الروايات الأولى والثالثة والرابعة.
٥. الخلاصة
١- مما تقدم، اتضح أن من ضرورات فهم الروايات، تجنب السطحية والسعي للعثور على المعنى الدقيق للروايات. وقد تجلى هذا الأمر في استكشاف معنى إحدى جمل رسول الله (ص) في خطبة حجة الوداع. وفي هذه الخطبة، إحدى توصيات النبي (ص) للنساء بشأن مراعاة حقوق أزواجهن هي فقرة: «أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ».
٢- اعتبر بعض المتقدمين والمعاصرين أن مقصود حضرته من هذه الجملة هو عدم ارتكاب الزنا. وقد نشأ هذا الفهم السطحي للروايات من الارتكاز الذهني وعدم التتبع الدقيق في فهم هذه الكلمة بما يتناسب مع عصر صدور الروايات. وكان أهم نقد لهذا التفسير هو تتمة الرواية التي توصي في حالة ارتكاب مثل هذا الخطأ، بالضرب غير الشديد «ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ»، في حين أن الحد الشرعي للزنا محدد وشديد.
٣- أما فهم كلام النبي (ص) في ضوء الانتباه إلى سنن وعادات العرب، فقد تحدد واتضح أن كلامه كان ناظراً إلى تحدث النساء مع الرجال الأجانب، وهو ما لم يكونوا يرونه عيباً. وعندما نزلت آية الحجاب، وُضعت النساء في ستر الحجاب ونُهي الرجال عن التحدث والمجالسة مع النساء. الظاهر أن النهي عن تحدث المرأة والرجل الأجنبي في هذه الروايات لم يكن على شكل المحادثات العادية في مجتمع ذلك اليوم، بل الأرجح أنه كان حديثاً مصحوباً بعرض المودة والتلوث بالذنب.
الهوامش
- يؤيد هذا الادعاء أمثال هذه الروايات: «أَنْتُمْ أَفْقَهُ النَّاسِ إِذَا عَرَفْتُمْ مَعَانِيَ كَلَامِنَا» و «حَدِيثُ تَدْرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ حَدِيثٍ تَرْوِيهِ» (الصدوق، ١٤٠٣هـ، ١-٢).
- عزيزة الحبري.
- جامعة ريتشموند.
- ترجمة الحديث دون الفقرة محل البحث «أَنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا غَيْرَكُم»: اتقوا الله في النساء، فإنهن أسيرات عندكم لا يملكن لأنفسهن شيئاً، ولكم عليهن حقوق ولهن عليكم حقوق؛ فحقكم عليهن هو … وألا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، فإن خفتم نشوزهن، فعظوهن أولاً، ثم اهجروهن في المضاجع، وفي المرحلة التالية عاقبوهن بدنياً بصورة لطيفة.
- سجل ابن ماجه وأبو داود والنسائي والبيهقي والطبري «بأَمَانَةِ».
- نقل ابن ماجه وأبو داود والبيهقي والطبري: «إِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنّ»، والنسائي: «إِنَّ عَلَيْهِم». من الواضح أن النسائي لم ينقل هذه الفقرة بشكل صحيح، لأن النبي (ص) كان في هذه الفقرة في مقام تبيين واجب النساء تجاه الرجال، لذا كان يجب استخدام ضمير «هن» في «عليهن» بصورة «هن»، كما نقل الباقون.
- ترجمة الحديث: «اتقوا الله في النساء، فقد تزوجتموهن بأمانة من الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، لكم عليهن حقوق؛ … فإن لم يراعين ذلك، فعاقبوهن بدنياً بصورة لطيفة. وحقوقهن عليكم هي أن توفروا لهن الطعام والكسوة اللائقة».
- في نقل ابن ماجه، بدلاً من «فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ»، ورد «فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ».
- ترجمة الحديث: «أوصوا بعضكم بعضاً بالنساء خيراً، فإنهن أسيرات عندكم ولا تملكون منهن أكثر من المتعة الجنسية، إلا أن يرتكبن فاحشة ظاهرة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع أولاً، وفي المرحلة التالية عاقبوهن بدنياً بصورة لطيفة. فإن أطعنكم فلا تتجاوزا عليهن (لا تسعوا في إيذائهن). لكم حقوق على النساء، وللنساء حقوق عليكم (حقوقكم عليهن هي … وألا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، وحقوقهن عليكم هي أن توفروا لهن الكسوة والطعام اللائق».
- «حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ ابْنُ أَخِي أَبِي زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَلْخِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ».
- «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِي قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: ثنا مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ الرِّبَذِيُّ قَالَ: ثنا صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ …».
- يا أيها الذين آمنوا، لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً، ولا تضيقوا عليهن لتأخذوا بعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وعاشروهن بالمعروف.
- «نهى رسول الله (ص) يوم خيبر عن بيع الغنائم قبل قسمتها وعن وطء السبايا الحوامل قبل أن يضعن حملهن».
- «إذا سبيت المجوسيات وعبدات الأوثان، عُرض عليهن الإسلام، فإن أسلمن جاز وطؤهن واستخدامهن، وإن أبين أن يسلمن استُخدمن ولم يوطأن».
- «إذا سبيت اليهوديات والنصرانيات، عُرض عليهن الإسلام وأُجبرن عليه، فإن أسلمن أو لم يسلمن جاز وطؤهن واستخدامهن».
- جدير بالذكر أن هذا التبيين ورد في مقدمة كتاب الطراز الأول الذي كتبه السيد علي شهرستاني، ورأي المؤلف مخالف لذلك، كما سيأتي في متن المقال.
- فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان.
- حديث المزيد في المتن هو حديث يُروى فيه بزيادة كلمة أو كلمات، وتفيد هذه الزيادة معنى إضافياً، وهذا المعنى الإضافي يُستفاد أيضاً من الأحاديث ذات المضمون المماثل (الميرداماد، ١٤٢٢هـ، ١٦١).