تحليل فقه الحديثي لروايات «فطرس الملك»

الملخص: من الروايات المنقولة في مصادر الحديث الشيعية، رواية تُعرف بـ «فطرس الملك»، وقد وردت قصته في مصادر الحديث الشيعية. هذه القصة فضيلة عظيمة للإمام الحسين (ع). وحيث إن بعض المحققين والباحثين في مجال الحديث والتاريخ قد تناولوا هذا الحديث بالنقد والنظر ولم يعتبروه معتبرًا، فإن هذا المقال، مع تناوله الإجمالي لأسانيد هذه الرواية، قد جعل تقييم الاعتبار الدلالي لهذه الرواية محور بحثه. لقد سُجّلت هذه الرواية في ستة عشر مصدرًا حديثيًا وتاريخيًا كُتبت قبل القرن العاشر الهجري. بعض هذه المصادر نقلت الرواية مسندة وبعضها مرسلة. يبدو أن الرواية معتبرة وموثوقة من حيث السند، ويمكن الاطمئنان إلى صدور رواية «فطرس الملك»، خاصة بناءً على نقل كتاب «السرائر». كذلك، من النتائج المهمة للبحث أنه لم يُعثر على عدم انسجام أو تعارض بين الرواية المنقولة في الكتاب المذكور ومعايير تقييم اعتبار الأحاديث، بما في ذلك القرآن والسنة والعقل.

 

١. طرح المسألة

بناءً على مصادر الحديث، كان فطرس من الملائكة الذين عوقبوا بسبب عصيان أمر إلهي أو التباطؤ في تنفيذه. بعد فترة، ومن أجل العودة إلى مقامه، وبمساعدة جبرائيل وشفاعة النبي الأكرم (ص) والتوسل بالإمام الحسين (ع)، نال المغفرة الإلهية وعاد إلى مقامه السابق (انظر: المسعودي، ١٤٢٦ق، ١٦٤؛ الكشي، ١٤٠٩ق، ٥٨٢؛ ابن قولويه، ١٣٥٦ش، ٦٦).

السؤال الرئيس في هذا البحث هو: ما هي درجة اعتبار وصحة الروايات المتعلقة بفطرس الملك من حيث المحتوى؟
كما أن الأسئلة الفرعية لهذا البحث هي كالتالي:
١. ما هي النسبة بين متن روايات فطرس الملك والنصوص القرآنية؟
٢. ما هي النسبة بين متن روايات فطرس الملك والسنة القطعية وقول المعصوم؟
٣. ما هي النسبة بين متن روايات فطرس الملك والقضايا العقلية؟

حول سابقة هذا البحث، يجب القول بوجود ثلاث سابقات مهمة في هذا الموضوع؛ منها مقالة «اعتبار سنجی روایات فطرس» (تقييم اعتبار روايات فطرس) لعباس مفيد. وحيث إن كاتب المقالة المذكورة قد تناول بشكل مفصل دراسة أسانيد هذه الرواية، فقد تم في هذه المقالة، تجنبًا للتكرار، الامتناع عن الدراسة المفصلة لأسانيد الروايات والتركيز فقط على الدراسة الدلالية للرواية. المقالة الأخرى القريبة من موضوع هذه المقالة هي مقالة «بررسی دلالی روایتهای فطرس ملک» (دراسة دلالية لروايات فطرس الملك) لمريم قاسم أحمد. تناولت هذه المقالة النقد المضموني لروايات فطرس الملك؛ ولكن للأسف، تحتوي على نقاط ضعف كثيرة؛ منها عدم التتبع الكافي في استقصاء المصادر، وعدم الاهتمام بالتقدم والتأخر الزمني للمصادر، ونقص المعلومات الكافية حول مباني علم الدراية والرجال الحديث، ونقص المعلومات الكافية حول المباحث الفقهية والأصولية، ونقص المعلومات الكافية حول التاريخ والحديث، وعدم الاهتمام بالمسائل المنطقية، ومنها كون الدليل أخص من المدعى في كثير من الحالات. المقالة الأخرى هي «پژوهشی در روایات فطرس ملک» (بحث في روايات فطرس الملك) للسيد إحساني لنكرودي، والتي على الرغم من احتوائها على نقاط إيجابية كثيرة، إلا أن نقاط ضعف شوهدت فيها أيضًا؛ منها عدم التتبع الكافي في المصادر، وعدم التمييز الصحيح بين المصادر، وعدم الاهتمام ببعض الانتقادات الدلالية المهمة، وعدم دراسة الروايات الضعيفة. ومع ذلك، فإن هذه المقالة قد تلافت جميع نقاط الضعف في كلتا المقالتين السابقتين، ومن خلال التتبع الواسع في المصادر الحديثية والتاريخية، والاهتمام الكبير بالمسائل الحديثية، والأصولية، والمنطقية، والدلالية، والعقلية، قامت بدراسة أسانيد ومضامين روايات فطرس الملك.

 

 

وعليه، تبدو إعادة البحث حول هذه الرواية ضرورية، لأن هذه الرواية تعد من الفضائل العظيمة جدًا للإمام الحسين (ع)، وكما ذُكر، فقد حظيت باهتمام بعض المحققين واعتُبرت غير ذات اعتبار. هذا الأمر يدفع الباحثين في مجال الحديث والتاريخ إلى إجراء المزيد من الدراسة حول الرواية وتقديم آرائهم المخالفة إن وجدت. كذلك، وحيث إن هذا النوع من الروايات يتضمن مضامين مناسبة للأطفال والناشئة، يجب تقييم صحتها واعتبارها حتى إذا تم تأييدها، بالنظر إلى الجاذبية الخاصة للموضوع، تدخل مجال قصص وروايات الأطفال والناشئة ويُستفاد منها. في هذا البحث، يتم في الأقسام المختلفة دراسة دلالية لهذه الرواية. في القسم الأول، تُبحث ماهية رواية فطرس الملك بالتفصيل، وفي القسم الثاني، تُدرس دلالة ومحتوى جميع روايات فطرس الملك بناءً على ثلاثة معايير: القرآن، والسنة، والعقل.

 

 

٢. ماهية واقعة فطرس الملك

قبل الخوض في الدراسة الدلالية والمضمونية لرواية فطرس الملك، من الضروري دراسة أصل قصة هذا الملك بشكل موسع مع الانتباه الدقيق للتقدم والتأخر الزمني للمصادر. قبل البيان التفصيلي للبحث، يجب القول إجمالاً أن واقعة فطرس الملك قد وردت في مصادر حديثية وتاريخية مختلفة، والتي تنقسم من حيث التقدم الزمني إلى ثلاث فئات:

١. الفئة الأولى: مصادر القرون الخمسة الأولى، وتشمل: بصائر الدرجات، إثبات الوصية، رجال الكشي، كامل الزيارات، أمالي الصدوق، عيون المعجزات، دلائل الإمامة، وروضة الواعظين.
٢. الفئة الثانية: مصادر ما بعد القرن الخامس حتى القرن الثامن، وتشمل: بشارة المصطفى، الثاقب في المناقب، الخرائج والجرائح، السرائر، مناقب آل أبي طالب، والدر النظيم.
٣. الفئة الثالثة: مصادر القرن الثامن حتى القرن العاشر، وتشمل: مناقب الطاهرين والصراط المستقيم.

 

أما بالتفصيل، فمن حيث التقدم الزمني، أول من نقل هذه الرواية في كتابه هو محمد بن الحسن الصفار القمي في بصائر الدرجات. وقد نقل هذا الخبر مسندًا عن الإمام الصادق (ع) كالتالي:
عندما عرض الله ولاية أمير المؤمنين علي (ع) على الملائكة، قبلوها جميعًا إلا ملكًا يُدعى فطرس، فكسر الله جناحه. وعندما وُلد الحسين بن علي (ع)، أرسل الله جبرائيل مع سبعين ألف ملك لتهنئة النبي الأكرم (ص) بولادة الحسين. مر جبرائيل بفطرس، فقال له فطرس: إلى أين تذهب؟ أجاب: أرسلني الله إلى محمد لأهنئه بمولود وُلد له هذه الليلة. قال فطرس: خذني معك واطلب منه أن يدعو لي. قال جبرائيل: اركب على جناحي. فركب على جناحه ووصل إلى حضرة النبي محمد وهنأه، ثم قال: يا رسول الله، بيني وبين فطرس أخوة، وقد طلب مني أن أطلب منك أن تدعو له ليعود إليه جناحه. فقال النبي الأكرم (ص) لفطرس: أتقبل؟ قال: نعم. فعرض عليه النبي الأكرم ولاية أمير المؤمنين، فقبلها. فقال له: الآن التجئ إلى المهد، وامسح نفسك بمهد الحسين وتبرك به. فتوجه فطرس نحو مهد الحسين (ع)، والنبي يدعو له. قال النبي: كنت أرى أن جناحه ينمو ويجري منه الدم، وكبر حتى التصق بالجناح الآخر، وصعد مع جبرائيل إلى السماء وعاد إلى مكانه (الصفار، ١٤٠٤ق، ١/ ٦٨).

بعد الصفار، يمكن رؤية واقعة فطرس الملك في كتاب «إثبات الوصية» المنسوب للمسعودي بشكل مرسل. نقل المسعودي هذه الرواية باختلافات كثيرة وواضحة عن رواية الصفار كالتالي:
عندما وُلد الحسين، نزل جبرائيل مع ألف ملك ليهنئوا رسول الله. وفي إحدى جزر البحر، مر جبرائيل بملك يُقال له فطرس. كان الله تعالى قد أرسل فطرس لإنجاز أمر من الأمور، فتباطأ فطرس في أدائه. لذلك، كسر الله القهار جناحه وحرمه من مقامه وأنزله في تلك الجزيرة. ومكث هناك مدة خمسمائة عام. كان فطرس صديقًا لجبرائيل سابقًا، فقال لجبرائيل: إلى أين تذهب؟ قال جبرائيل: في هذه الليلة وُلد لمحمد مولود، وقد أرسلني الله مع ألف ملك لأهنئه. قال فطرس لجبرائيل: خذني معك إلى النبي، لعله يدعو لي. فأخذه جبرائيل معه. أوصل جبرائيل رسالة التهنئة الإلهية إلى رسول الله. نظر النبي إلى فطرس وقال: يا جبرائيل، من هذا؟ فقص جبرائيل قصة فطرس على النبي.

 

 

التفت رسول الله (ص) إلى فطرس وأمره أن يمسح جناحيه ببدن الإمام الحسين عليه السلام. فلما مسح فطرس جناحيه ببدن الإمام الحسين، أعاده الله الرؤوف إلى حالته الأولى. وعندما تحرك فطرس، قال له رسول الله (ص): قبل الله شفاعتي فيك، فكن موكلاً بأرض كربلاء دائمًا، وأخبرني بكل من يزور قبر الحسين إلى يوم القيامة. قال الراوي: ذلك الملك هو الذي يُسمى بعتيق الحسين عليه السلام (المسعودي، ١٤٢٦ق، ١٦٤).

بعد المسعودي، نقل الكشي في «اختيار معرفة الرجال» رواية عن محمد بن سنان تروي قصة فطرس. لا يختلف نقله كثيرًا عن النقول الأخرى (الكشي، ١٤٠٩ق، ٥٨٢). هذه الرواية للكشي نُقلت أيضًا في إثبات الوصية المنسوب للمسعودي عن محمد بن سنان (المسعودي، ١٤٢٦ق، ٢١٠). ولكن بعد الكشي، نقل ابن قولويه قصة فطرس الملك في كامل الزيارات مسندة عن الإمام الصادق (ع) أيضًا (١٣٧٧ق، ٢٠٣). رواية ابن قولويه شبيهة جدًا برواية «إثبات الوصية»، مع فارق أن المسعودي ذكر مدة عبادة فطرس بخمسمائة عام، بينما ذكرها ابن قولويه بستمائة عام. كذلك، ورد في رواية المسعودي أن النبي نظر إلى فطرس وقال: يا جبرائيل، من هذا؟ فقص جبرائيل قصة فطرس على النبي؛ بينما كتب ابن قولويه: «أخذ جبرائيل فطرس معه، وعندما وصل إلى مكان رسول الله (ص) ترك فطرس خارجًا ودخل هو إلى حضرته المباركة، وهنأه من قِبل الله ومن قِبله، ثم أخبره بحال فطرس. فقال رسول الله (ص): يا جبرائيل، أدخله. فأدخله جبرائيل، وشرح هو حاله للنبي» (ابن قولويه، ١٣٥٦ش، ٦٦).

كذلك ورد في رواية المسعودي: عندما تحرك فطرس، قال له رسول الله (ص): قبل الله شفاعتي فيك، فكن موكلاً بأرض كربلاء دائمًا، وأخبرني بكل من يزور قبر الحسين إلى يوم القيامة. بينما ورد في نقل ابن قولويه: مسح فطرس جناحه المكسور بالحسين (ع) فشُفي وطار في الهواء وقال: يا رسول الله، إن أمتك ستقتل هذا المولود حتمًا، ومقابل الحق الذي لهذا المولود عليّ، ألتزم بأن أوصل زيارة كل زائر يزوره إليه، وأبلغ سلام كل مسلم يسلم عليه إلى حضرته، وأعرض تهنئة كل من يهنئه عليه. قال هذا وطار إلى السماء (ابن قولويه، ١٣٥٦ش، ٦٦).

هذه الاختلافات موجودة في روايتي المسعودي وابن قولويه. ولكن بعد ابن قولويه، نقل الشيخ الصدوق أيضًا هذه الرواية في «الأمالي» مسندة عن الإمام الصادق (ع) (ابن بابويه، ١٣٧٦ش، ١٣٨). وقد نقل الرواية بشكل شبيه جدًا برواية المسعودي، ما عدا هذا الجزء الذي كتبه ابن قولويه: «ثم أخبره بحال فطرس. فقال رسول الله (ص): يا جبرائيل، أدخله. فأدخله جبرائيل، وشرح هو حاله للنبي». كتب الصدوق هذا الجزء كالتالي: «فأخبر جبرائيل النبي بحال فطرس» (نفس المصدر).

بعد الشيخ الصدوق، نقل ابن عبد الوهاب أيضًا في «عيون المعجزات» هذه الرواية مرسلة (بدون تاريخ، ٦٨). وقد نقل الرواية دون اختلاف كما نقلها المسعودي. ونقل الطبري الآملي أيضًا في «دلائل الإمامة» رواية الإمام الصادق مرسلة (الطبري الآملي، ١٤١٣ق، ١٨٩). ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه نقل نفس قصة فطرس الملك مسندة عن الإمام الباقر (ع) أيضًا؛ وهي تمامًا نفس رواية الحسين بن عبد الوهاب، ومثله روى آخر الرواية بشكل مختلف عن النقول الأخرى (نفس المصدر).

بعد الطبري الآملي، نقل الفتال النيسابوري أيضًا هذه الرواية في «روضة الواعظين» مرسلة عن الإمام الصادق (ع) (١٣٧٥ش، ١: ١٥٥). ونقله هو تمامًا نقل ابن قولويه.
المصادر المذكورة كُتبت في القرون الخمسة الأولى؛ ولكن بعد القرن الخامس، نقل محدثون وفقهاء آخرون هذه الرواية أيضًا. نقل الطبري الآملي هذه الرواية في «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» مسندة عن الإمام الرضا (ع) (١٣٨٣ق، ٢: ٢١٩). وقد نقل هذه الرواية بشكل مختلف إلى حد كبير. بعده، نقل ابن حمزة الطوسي أيضًا الرواية في «الثاقب في المناقب» مرسلة عن الإمام الصادق (ع) (١٤١٩ق، ٣٣٨). وقد أورد الرواية مطابقة لابن قولويه. بعده، نقل قطب الدين الراوندي أيضًا هذه الرواية في «الخرائج والجرائح» مرسلة ومن حيث المتن كما نقلها الشيخ الصدوق (١٤٠٩ق، ١: ٢٥٣). كذلك، نقل ابن إدريس الحلي في «السرائر» هذه الرواية عن الإمام الصادق (ع) كالتالي:
«إِنَّ فُطْرُسَ مَلَكٌ كَانَ يُطِيفُ بِالْعَرْشِ فَتَلَكَّأَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَقَصَّ جَنَاحَهُ وَ رَمَى بِهِ عَلَى جَزِيرَةٍ فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ هَبَطَ جَبْرَئِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص تَهْنِئَةً بِوِلَادَةِ الْحُسَيْنِ فَمَرَّ بِهِ فَعَاذَ بِجَبْرَئِيلَ فَقَالَ قَدْ بُعِثْتُ إِلَى مُحَمَّدٍ أُهَنِّئُهُ بِمَوْلُودٍ وُلِدَ لَهُ فَإِنْ شِئْتَ حَمَلْتُكَ إِلَيْهِ فَقَالَ قَدْ شِئْتُ فَحَمَلَهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ وَ بَصْبَصَ بِإِصْبَعِهِ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ امْسَحْ جَنَاحَكَ بِحُسَيْنٍ فَمَسَحَ جَنَاحَهُ بِحُسَيْنٍ فَعُرِجَ» (الحلي، ١٤١٠ق، ٣: ٥٨٠).
كما يتضح من نص ابن إدريس الحلي، فقد نقل الرواية بشكل شبيه بالروايات السابقة، مع فارق أنه خلافًا للمحدثين الآخرين الذين نقلوا ذنب ومعصية فطرس بعبارة «أبطأ»، نقله هو بعبارة «تَلَكَّأَ». كذلك، عبارة ذيل الحديث لا توجد في المصادر الأخرى.
بعد ابن إدريس الحلي، نقل ابن شهر آشوب أيضًا هذه الرواية بثلاثة أسانيد مرسلة (١٣٧٩ق، ٤: ٧٠). نقل الرواية الأولى عن ابن عباس والإمام الصادق (ع)، وهي شبيهة بالروايات السابقة. ولكنه، نقلاً عن كتاب «المسألة الباهرة في تفضيل الزهراء الطاهرة» عن أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ الطَّاهِرِ الْقَانِيِّ الْهَاشِمِي، أضاف إلى الرواية إضافات تختلف كثيرًا عن النقول الأخرى، سيُشار إليها عند دراسة المحتوى (نفس المصدر). كذلك، نقل يوسف بن حاتم الشامي في «الدر النظيم في مناقب الأئمة اللهاميم» قصة فطرس الملك كما نقلها المسعودي والحسين بن عبد الوهاب عن الإمام الباقر (ع) (الشامي، ١٤٢٠ق، ٥٢٨).

 

 

المصادر المذكورة كُتبت في القرنين السادس والسابع؛ ولكن بعد القرن السابع أيضًا، نُقلت هذه الرواية بواسطة محدثين ومؤرخين آخرين. منهم حسن بن علي بن محمد الطبري (حي في ٧٠١هـ) في «مناقب الطاهرين» مرسلة، والعاملي النباطي في «الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم» نقلاً عن الراوندي (الطبري، ١٣٧٩ش، ٥٩٠؛ العاملي النباطي، ١٣٨٤ق، ٢: ١٧٩).

أما في بعض كتب الأدعية، فهناك روايات تشير إلى أصل الواقعة وإن لم توردها بالتفصيل؛ منها أن الشيخ الطوسي في «مصباح المتهجد وسلاح المتعبد» نقل دعاءً علّمه الإمام العسكري (ع) لوكيله القاسم بن العلاء الهمداني في رسالة ليقرأه في اليوم الثالث من شعبان. وقد قال في ذيل الدعاء: «اللهم هب لنا في هذا اليوم خير موهبة وأنجح لنا فيه كل طلبة كما وهبت الحسين لمحمد جده وعاذ فطرس بمهده فنحن عائذون بقبره من بعده نشهد تربته وننتظر أوبته آمين رب العالمين» (الطوسي، ١٤١١ق، ٢: ٨٢٦). ونقل الشيخ الطوسي هذا الدعاء عن الإمام المهدي (عج) أيضًا (نفس المصدر). كذلك، نقل ابن المشهدي في «المزار الكبير»، والسيد ابن طاووس في «إقبال الأعمال»، والحسن بن سليمان الحلي في «مختصر البصائر» هذا الدعاء عن الإمام العسكري (ع) (انظر: ابن المشهدي، ١٤١٩ق، ٣٩٨؛ ابن طاووس، ١٤٠٩ق، ٢: ٦٨٩؛ الحلي، ١٤٢١ق، ١٣٤).

 

وبهذا يتضح أن واقعة فطرس الملك قد نُقلت في القرون الخمسة الأولى في ثمانية كتب حديثية ورجالية، وكذلك بعد القرن الخامس حتى قبل القرن الثامن في ستة كتب حديثية. واتضح أيضًا وجود هذه الرواية في مصدرين بعد القرن الثامن وقبل القرن العاشر. كما تبين أن أصل واقعة فطرس الملك قد أُشير إليه وأُيّد في بعض كتب الأدعية أيضًا.

 

٣. دراسة دلالية للروايات المتعلقة بفطرس الملك
١-٣. مدى تعارض الروايات المتعلقة بفطرس الملك مع النصوص القرآنية

لقد نزلت آيات كثيرة في القرآن الكريم حول الملائكة. وحيث إن من طرق معرفة الروايات الصحيحة من المزيفة والمكذوبة، طبقًا لأمر أهل البيت (ع)، هو عرض الروايات على القرآن، ففي هذا القسم، تُعرض روايات فطرس الملك على القرآن، وضمن الإجابة على إشكالات بعض المحققين، سيُشار إلى مدى تعارض روايات فطرس. في القرآن الكريم، تدل آيات كثيرة على عصمة الملائكة وعدم عصيانهم. على سبيل المثال، يقول الله تعالى في القرآن: «لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ» (التحريم: ٦). أو قال: «لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ» (الأنبياء: ٢٧).
لذلك، يجب أن يُعلم أن الذنب والمعصية ومخالفة طاعة الله لا سبيل لها إلى الملائكة أبدًا. ولكن هل تتوافق رواية فطرس الملك مع هذه الآيات؟ من هنا، فإن أول وأهم إشكال يُطرح على روايات فطرس هو أن آيات القرآن الكريم كلها تدل على أن الملائكة معصومون من الخطأ والذنب، فكيف تتلاءم رواية فطرس الملك، التي تدل على ذنب ملك، مع هذا النوع من الآيات؟

في الإجابة على هذا الإشكال، يجب القول بأن دليل هذا الإشكال من الناحية المنطقية أخص من المدعى؛ لأن جميع روايات فطرس الملك لا تدل على ذنب ومعصية من جانب فطرس؛ فقط رواية الصفار في بصائر الدرجات هي التي تدل على أن ذلك الملك قد خالف أمر الله؛ يجب التدقيق في عبارة بصائر الدرجات: «إِنَّ اللَّهَ عَرَضَ وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَبِلَهَا الْمَلَائِكَةُ وَ أَبَاهَا مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ فُطْرُسُ». كما هو واضح، في هذه العبارة من بصائر الدرجات، نُسب الذنب والعصيان إلى ملك، ولكن هذه النسبة، بناءً على آيات القرآن التي تنفي المعصية والذنب عن الملائكة، تتنافى وتتعارض تمامًا. ولكن، كما مر، لم ترد هذه الرواية فقط في بصائر الدرجات، بل وردت أيضًا في مصادر حديثية أخرى، ولم يُنسب فيها العصيان إلى فطرس الملك، بل في كثير من النقول، مثل «إثبات الوصية»، «كامل الزيارات»، «أمالي الصدوق»، «عيون المعجزات»، و«دلائل الإمامة»، استُخدمت كلمة «إبطاء» للفعل الذي صدر من هذا الملك، وفي نقل واحد «السرائر» استُخدمت كلمة «تلكؤ»، وكلتا الكلمتين تعنيان «التباطؤ». من الواضح أن هاتين الكلمتين لا تعنيان العصيان والذنب والمعصية. لذلك، لو كانت لدينا فقط رواية بصائر الدرجات لواقعة فطرس، لكان إشكال التنافي مع عصمة الملائكة صحيحًا، ولكن النقول الأخرى أساسًا لا تعتبر فعله عصيانًا، بل

 

تنسب إلى الملك التباطؤ في تنفيذ الأمر الإلهي، وهذا، كما سيأتي في الإجابة على الإشكال التالي، لا يتنافى أساسًا مع مقام عصمة الملائكة. من هنا، فإن القول بأن روايات فطرس الملك تتعارض مع آيات القرآن التي تدل على عصمة الملائكة (قاسم أحمد، ١٣٩٣ش، ١١٠-١١٣) هو قول غير مقبول.

بالطبع، أورد البعض إشكالاً مفاده أنه على الرغم من عدم نسبة العصيان والمخالفة إلى فطرس الملك في بعض الروايات، إلا أن نفس التباطؤ أيضًا غير ممكن للملائكة بناءً على آيات القرآن. هذا الإشكال أيضًا غير صحيح؛ لأنه أولاً، لا توجد آية في القرآن الكريم تدل على أن الملائكة لا يتباطؤون في الأوامر الإلهية، بل على العكس، تدل آيات القرآن على أن الملائكة يتسابقون في تنفيذ أوامر الله؛ على سبيل المثال، نقرأ في سورة النازعات: «وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا» (النازعات: ١-٥). هذه الآيات تدل بطريقة ما على أن الملائكة يتسابقون في الأعمال، وفي قصة فطرس الملك أُشير بالضبط إلى هذا الأمر؛ وهو أن فطرس الملك تباطأ في أمر من أوامر الله، وهذا يعني أنه لم يستطع أن يسبق الملائكة الآخرين. كذلك، على فرض أن هذا التباطؤ من فطرس الملك كان عصيانًا منه، فإن هذا العصيان يقينًا من نوع العصيان الذي نُسب في الآيات والروايات إلى بعض أنبياء الله؛ منها ما ورد في القرآن: «وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ» (البقرة: ٣٥-٣٦). وكذلك يقول: «وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى» (طه: ١٢١)؛ كلتا الآيتين تدلان بوضوح على عصيان وذنب آدم، الذي كان نبي الله. لذلك، أي جواب يُقدم هنا، يُقدم بطريق أولى حول ذنب وعصيان الملائكة أيضًا؛ بعبارة أخرى، كما أن الذنوب التي نُسبت ظاهريًا في آيات القرآن إلى الأنبياء، تُؤوّل بحكم العقل والنقل، فإن الذنب الذي يُنسب إلى الملائكة يجب أيضًا أن يُؤوّل.

سبب ذلك هو أنه وفقًا لعلماء العالم الإسلامي، مقام الأنبياء أعلى بكثير من مقام الملائكة؛ فكيف يمكن العصيان للأنبياء، ولكن لا يمكن للملائكة الذين هم أدنى من الأنبياء؟ بعبارة أخرى، كما أن المفسرين أوّلوا الآيات التي تدل على عصيان الأنبياء وقالوا إن المقصود بعصيان الأنبياء هو ترك الأولى، يمكن قول الشيء نفسه عن عصيان الملائكة؛ خاصة وأن مقام الملائكة أدنى من مقام الأنبياء.
من ناحية أخرى، اعترض الملائكة على الله تعالى في خلق آدم (البقرة: ٣٠). إذا قيل إن الملائكة يتمتعون بالعصمة المطلقة، فكيف يمكن تبرير هذه الآية؟ لذلك، يجب القول إن هذه الآية أو الآيات والروايات التي تدل على عصيان الملائكة هي من نوع الذنوب المنزلتية وترك الأولى. بالطبع، كتب البعض: «إذا اعتقدنا حتى بترك الأولى فيما يتعلق بالملائكة، فهذا يعني أننا قبلنا الخلل والنقصان في الأوامر الإلهية، وبالتالي فإن القول بأن معصية ملك مثل فطرس كانت بسبب الانشغال بطاعة أخرى وترك الإسراع في تنفيذ أمر الله ليس مقبولاً» (قاسم أحمد، ١٣٨٣ش، ١١٦).

هذا الإشكال أيضًا نابع من افتراض المُشكِل أن جميع الملائكة رسل إلهيون ووسائط فيض، وإذا لم يكونوا كذلك أو تباطأوا في أداء الأعمال، فسوف يُدمر الكون؛ بينما يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ» (الحج: ٧٥). كما يتضح من حرف «من» الذي يدل على التبعيض، أن بعض الملائكة رسل ومبعوثون إلهيون، وليس كل الملائكة رسل الله أو وسائط فيض ووجود؛ لذلك، ليس الأمر أن جميع الملائكة الذين هم تحت الأمر الإلهي وسائط، بل بعضهم يسبحون ويقدسونه (الشورى: ٥)، وبعضهم ملائكة عذاب (التحريم: ٦)، وبعضهم رسل (الحج: ٧٥).
إن حمل جميع نقول رواية فطرس الملك دون أي قرينة على أن ذلك الملك كان رسولاً إلهيًا أو واسطة فيض ولم يكن يستطيع التباطؤ في أمر الله، هو نظرة غير دقيقة أساسًا؛ لأنه يمكن أيضًا افتراض أن فطرس كان من الملائكة الذين لم يكونوا رسلاً ولا وسائط فيض ولا ملائكة عذاب، بل كانت له مأمورية أخرى. لذلك، بما أنه يمكن افتراض كلا الاحتمالين، لا يمكن رفض جميع روايات فطرس الملك بشكل مطلق، بل يُرفض ذلك النقل

الواحد الذي يدل على المخالفة والتمرد على الأمر الإلهي، وتبقى النقول الأخرى قائمة بقوتها. أمر آخر، هو أنه بما أن ترك الأولى ممكن في أنبياء الله الذين هم رسل ووسائط فيض وأوامر وتعاليم إلهية، فلا يوجد دليل على عدم قبول ترك الأولى من جانب الملائكة، بل يمكن إثبات ترك الأولى في الملائكة بطريق الأولوية؛ لأن جميع العلماء متفقون على أن مقام الملائكة أدنى من مقام الأنبياء والأولياء الإلهيين، وبما أن ترك الأولى ممكن من الأنبياء، فمن المؤكد أن هذا الترك للأولى موجود أيضًا في الملائكة. بعبارة أخرى، كيف يمكن للأنبياء، وهم رسل إلهيون ووسائط فيض وأمر إلهي، أن يتركوا الأولى؛ ولكن في الملائكة، الذين هم في مرتبة أدنى من الأنبياء، لا يمكن ترك الأولى؟!

١-١-٣. نتيجة العرض على القرآن

كما بُيّن بشكل موسع، يجب أن تكون النظرة إلى روايات فطرس الملك نظرة مجموعية وليست نظرة أحادية النقل؛ لأن نقول رواية فطرس الملك مختلفة ومتعددة، وفقط نقل واحد من رواية فطرس الملك (نقل بصائر الدرجات) يتعارض مع آيات القرآن، القاضية بعصمة الملائكة، بينما لا يوجد تنافٍ في الخمسة عشر نقلاً الأخرى مع آيات القرآن.

٢-٣. مدى تعارض روايات فطرس الملك مع السنة

من معايير تمييز الأخبار والأحاديث الصحيحة عن الكاذبة والموضوعة، هو عدم تعارض وتنافي الأحاديث مع الأحاديث الأخرى صحيحة السند أو السنة القطعية. من هنا، يتم في هذا القسم دراسة مدى تعارض روايات فطرس الملك مع الأحاديث الصحيحة والسنة القطعية.
حول صفات وخصائص الملائكة، نُقلت عن المعصومين (ع) روايات وأحاديث كثيرة؛ منها ما قاله أمير المؤمنين علي (ع) في خطبة: «خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ … أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ – أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ – بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَحَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَعَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشَّبُهَاتِ» (السيد الرضي، ١٤١٤ق، ١٢٩). وكذلك نُقل عن الإمام السجاد (ع) أنه قال: «اللَّهُمَّ وَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ الَّذِينَ لَا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِكَ، وَ لَا يَسْأَمُونَ مِنْ تَقْدِيسِكَ، وَ لَا يَسْتَحْسِرُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ، وَ لَا يُؤْثِرُونَ التَّقْصِيرَ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِكَ، وَ لَا يَغْفُلُونَ عَنِ الْوَلَهِ إِلَيْكَ» (علي بن الحسين (ع)، ١٣٧٦ش، الدعاء الثالث). أو الروايات الأخرى التي ذكرها بعض المحققين أيضًا (قاسم أحمد، ١٣٩٣ش، ١١٨-١٢٢)، كلها تدل على أن الملائكة لا يعصون أمر الله ولا يتجاوزونه ولا يمكنهم مخالفة أمره.

 

ولكن السؤال الأساسي هو: إلى أي مدى تتعارض هذه الروايات مع روايات فطرس الملك؟

في الإجابة على هذا السؤال، يجب القول، كما أُشير إليه في الأقسام السابقة أيضًا، أن الدراسة الدقيقة لروايات فطرس الملك تحتاج إلى نظرة مجموعية للروايات المتعلقة بها؛ لأنه من بين روايات فطرس الملك، هناك نقل واحد فقط (نقل بصائر الدرجات) يتعارض مع السنة القطعية والرواية المذكورة. سبب ذلك هو أنه في النقل المذكور، صُرّح بأن ذلك الملك قد خالف أمر الله. وبما أن السنة القطعية تدل على أن العصيان من جانب الملائكة ومخالفة الأوامر الإلهية غير ممكنة للملائكة، فإن هذا النقل يُعتبر مردودًا أيضًا. أما بقية نقول رواية فطرس الملك، فلا تتعارض أساسًا مع هذا النوع من الروايات؛ لأن ما يُلاحظ في النقول الأخرى هو التباطؤ، والتوقف، وتنفيذ الأمر الإلهي بدون سرعة، وهذا لم يُسلب من الملائكة في أي رواية أو سنة قطعية. بل على العكس من ذلك، ورد في الآيات والروايات أن الملائكة أساسًا يتسابقون في تنفيذ الأمر الإلهي: «فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا» (النازعات: ٤)، وكل تسابق يستلزم بالضرورة تخلفًا. لذلك، كان فطرس الملك من هذا القبيل من الملائكة، ولم يستطع في الأمر الإلهي أن يسبق البعض. وبما أن الملائكة خالون من الشهوة، فإنهم يستحقون العقوبة حتى على هذا التباطؤ، ولهذا السبب تعرض فطرس الملك للعقوبة الإلهية. وفعله هذا كفعل الأنبياء والأوصياء في موضوع الذنوب المنزلتية أو ترك الأولى، والذي تم تناوله بشكل موسع في الأقسام السابقة. لذلك، من بين روايات فطرس الملك، كان هناك نقل واحد فقط (نقل بصائر الدرجات) يتعارض مع السنة القطعية، و ١٥ نقلاً أخرى لا تتعارض مع السنة القطعية.

 

٣-٣. مدى تعارض روايات فطرس الملك مع القضايا العقلية
من المعايير الأخرى لتمييز الأخبار والأحاديث الصحيحة عن الكاذبة والمزيفة، هو عدم تعارضها وتنافيها مع القضايا العقلية؛ لذا، في هذا القسم، يتم بحث مدى تعارض روايات فطرس الملك مع القضايا العقلية.

قد يتبادر إلى الذهن هذا الإشكال بأن تصور «نمو الأجنحة وجريان الدم لملك، وهو موجود مجرد وليس له جسم مادي… أو التعلق برموش العين مع كون الملائكة مجردين، ليس مقبولاً» (قاسم أحمد، ١٣٩٣ش، ١٢٣). وبالتالي، لا ينسجم مع العقل، ونتيجة لذلك، تبدو رواية فطرس الملك غير عقلانية بسبب تعارضها مع تجرد الملائكة.

في الجواب على هذا الإشكال، يجب القول بأن الدليل في هذا الإشكال أخص من المدعى. المدعى هو أن رواية فطرس الملك مزيفة ومختلقة. الدليل هو أن في هذه الرواية عبارة لا تتوافق مع تجرد الملائكة. قبل الجواب الأساسي على هذا الإشكال، من الجيد أن نعود إلى العبارتين المذكورتين وننقلهما حرفيًا.
العبارة الأولى هي عبارة وردت في نقل الصفار في بصائر الدرجات، حيث كتب: «فتوجه فطرس نحو مهد الحسين (ع). والنبي يدعو له. قال النبي الأكرم: كنت أرى أن جناحه ينمو ويجري منه الدم، وكبر حتى التصق بالجناح الآخر، وصعد مع جبرائيل إلى السماء وعاد إلى مكانه» (الصفار، ١٤٠٤ق، ١: ٦٨). العبارة الثانية من كتاب المناقب، كتب ابن شهر آشوب: «خيّر الله العليم فطرس بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختار فطرس عذاب الدنيا. كان فطرس معلقًا برموش عينيه في جزيرة بحرية لا يمر به حيوان» (ابن شهر آشوب، ١٣٧٩ق، ٤: ٧٠). هذه هي العبارة التي يتحدث عنها المُشكِل. ولكن كما مر، الدليل أخص من المدعى، لأنه فقط في نقلين من هذه الرواية توجد هاتان العبارتان، وفي ١٤ نقلاً آخر لا أثر لهاتين العبارتين. لذلك، من الأفضل أن يُقال إن رواية بصائر الدرجات ورواية المناقب الثانية غير مقبولتين بسبب عدم انسجامهما مع تجرد الملائكة، لا أن يُدّعى أن جميع روايات فطرس الملك مزيفة ومختلقة.

 

 

الإشكال الآخر الذي يبدو في هذا السياق هو أن مدلول النص القرآني حول الملائكة يقع في نطاق المباحث الاعتقادية، وقد ذكر الله تعالى الإيمان بالملائكة صراحة في جملة الإيمان به (البقرة: ٢٨٥)؛ ولهذا السبب، يجب الاكتفاء بالظهور اللغوي أو السياقي للآيات المتعلقة بالملائكة، ولا ينبغي تأويلها (قاسم أحمد، ١٣٩٣ش، ١٢٣).

هذا الإشكال أيضًا غير مقبول؛ لأن المفسرين قد أوّلوا بعض آيات القرآن التي لها جانب اعتقادي أيضًا. على سبيل المثال، توجد آيات كثيرة يدل ظاهرها ونصها على جسمانية الله تعالى؛ مثل: «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (الفجر: ٢٢)؛ «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى» (طه: ٥). وهذه مسألة اعتقادية؛ بينما أوّل علماء الشيعة وبعض علماء أهل السنة هذه الآيات وفسروا كلًا منها بمعانٍ أخرى ونفوا الجسمانية التي هي ظاهر نص القرآن عن الله تعالى (انظر: الطوسي، بدون تاريخ، ١٠: ٣٤٧؛ الثعلبي، ١٤٢٢ق، ١: ٢٠١).

كذلك، يدل ظاهر كثير من آيات القرآن الكريم على أن عدة من الأنبياء الإلهيين قد ارتكبوا العصيان والذنب: «وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى» (طه: ١٢١)؛ «فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهُمَا» (البقرة: ٣٦). وعصمة الأنبياء أيضًا مسألة اعتقادية، ولا ينبغي تأويل هذه الآيات وفقًا لاستدلال المُشكِل؛ بينما أوّل علماء الشيعة وبعض علماء أهل السنة هذه الآيات. على سبيل المثال، انظر: الطوسي، بدون تاريخ، ٥: ٢٤٧٩.

إذن، هذا الادعاء بأنه بما أن الآيات المتعلقة بالملائكة مسألة اعتقادية فلا ينبغي تأويلها، هو ادعاء بدون دليل؛ بل يمكن القول بأن عصمة الملائكة كعصمة الأنبياء، وإذا ارتكبوا خطأً، فإن تلك الأخطاء ليست عصيانًا وذنبًا أساسًا، بل هي ترك الأولى، وقد بُيّنت التوضيحات المتعلقة بذلك في الانتقادات الأخرى.

١-٣-٣. نتيجة العرض على العقل

يبدو أن روايات فطرس الملك لا تتنافى مع القضايا العقلية. فقط نقل بصائر الدرجات والنقل الثاني من مناقب يُستبعدان بسبب عدم انسجامهما مع تجرد الملائكة. أما النقول الأخرى، وخاصة نقل «السرائر» الذي يتمتع بسند موثوق به أيضًا، فلا يوجد أي تنافٍ بينها وبين القضايا العقلية.

٤. الاستنتاج

١- نُقلت روايات فطرس الملك في ١٦ مصدرًا حديثيًا ورجاليًا وتاريخيًا قبل القرن العاشر الهجري.
٢- نُقلت هذه الرواية بشكل مستفيض، وبسبب تعدد الرواة في الطبقات المختلفة، يمكن أن تُدرج ضمن الأحاديث المشهورة أيضًا.
٣- من بين الروايات المنقولة، تُعتبر الروايتان المنقولتان في «السرائر» و«المزار الكبير» موثوقتين من حيث السند.
٤- من بين روايات فطرس الملك، يتعارض نقل «بصائر الدرجات» فقط مع النصوص القرآنية بسبب دلالته على عصيان فطرس ومخالفته؛ أما النقول الأخرى التي تشير إلى التباطؤ في تنفيذ أمر الله، فلا تتعارض مع أي نص قرآني، وبالتالي فإن فعل هذا الملك يُشبه ترك الأولى عند الأنبياء والمرسلين الإلهيين، الذي أُشير إليه في بعض آيات القرآن.
٥- من بين روايات فطرس الملك، يتعارض نقل «بصائر الدرجات» فقط مع السنة القطعية والروايات الصحيحة؛ أما بقية النقول، فليست متعارضة فحسب، بل تؤيدها روايات أخرى أيضًا.
٦- من بين روايات فطرس الملك، يتعارض نقل «بصائر الدرجات» والنقل الثاني من «مناقب» فقط مع القضايا العقلية، علمًا بأنه في نقل «مناقب» لا يوجد دليل على رد الرواية بأكملها.
وعليه، فإن أصل قصة فطرس الملك قد نُقل بشكل مستفيض، بالإضافة إلى أن سند ابن إدريس الحلي في «السرائر» معتبر وموثوق به، ويتأيد بالدعاء المنقول في «المزار الكبير». كذلك، لا يتعارض أو يتنافى مع النصوص القرآنية، والسنة القطعية، والقضايا العقلية.

 

المصادر

القرآن الكريم.
ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي والمستطرفات، قم، دفتر انتشارات اسلامى، ١٤١٠ق.
ابن حمزة الطوسي، محمد بن علي، الثاقب في المناقب، قم، انصاریان، ١٤١٩ق.
ابن شهر آشوب المازندراني، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، قم، علامه، ١٣٧٩ق.
ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال، تهران، دار الكتب الإسلاميه، ١٤٠٩ق.
ابن عبد الوهاب، حسين بن عبد الوهاب، عيون المعجزات، قم، مكتبة الداوري، بي تا.
ابن قولويه، جعفر بن محمد، كامل الزيارات، ترجمه ذهنى تهرانى، تهران، پيام حق، ١٣٧٧ش.
كامل الزيارات، نجف، دار المرتضوية، ١٣٥٦ش.
ابن مشهدي، محمد بن جعفر، المزار الكبير، قم، دفتر انتشارات اسلامى، ١٤١٩ق.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دارالفكر، چاپ سوم، ١٤١٤ق.
إحساني لنكرودي، محمد، پژوهشی در روایات فطرس ملک، علوم حدیث ٣٤ (١٣٨٣): ٦٨-٨٠.
الحلي، حسن بن سليمان، مختصر البصائر، قم، مؤسسه نشر اسلامى، ١٤٢١ق.
الحميري، عبدالله بن جعفر، قرب الإسناد، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، ١٤١٣ق.
الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح، قم، مؤسسه امام مهدى، ١٤٠٩ق.
السيدرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغه، قم، هجرت، ١٤١٤ق.
الصدوق، محمد بن على، الأمالي، تهران، كتابچى، ١٣٧٦ش.
الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلى الله عليهم، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، ١٤٠٤ق.
الطبري الآملي، محمد بن أبي القاسم، بشارة المصطفى لشيعة المرتضى، نجف، المكتبة الحيدرية، ١٣٨٣ق.
الطبري الآملي، محمد بن جرير، دلائل الإمامه، قم، بعثت، ١٤١٣ق.
الطبري، حسن بن علي، مناقب الطاهرين، ترجمه حسين درگاهى، تهران، رایزن، ١٣٧٩ش.
الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، تهران، مرتضوى، چاپ سوم، ١٣٧٥ش.
الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بي تا.
مصباح المتهجد وسلاح المتعبد، بيروت، مؤسسه فقه الشيعة، ١٤١١ق.
العاملي النباطي، على من محمد، الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، نجف، المكتبة الحيدرية، ١٣٨٤ق.
علي بن الحسين (ع)، امام چهارم، الصحيفة السجادية، قم، الهادى، ١٣٧٦ش.
الفتال النيسابوري، محمد بن احمد، روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، قم، رضى، ١٣٧٥ش.
قاسم احمد، مریم، نقد دلالی روایتهای فطرس ملک، تحقیقات علوم قرآن وحدیث ٢١ (١٣٩٣): ١٠٣-١٢٦.
الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي – اختيار معرفة الرجال، مشهد، دانشگاه مشهد، ١٤٠٩ق.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تهران، دار الكتب الإسلامية، چاپ چهارم، ١٤٠٧ق.
مفيد، عباس، اعتبار سنجی روایات فطرس، مطالعات قرآن وحدیث سفینه ١٧، ٦٥ (١٣٩٨): ١٢٨-١٥٥.
منسوب به مسعودي، علي بن حسين، إثبات الوصية لعلي بن أبي طالب عليه السلام، ترجمه: محمد جواد نجفى، تهران، اسلاميه، ١٣٦٢ش.
إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب، قم، انصاریان، چاپ سوم، ١٤٢٦ق.

 

Scroll to Top