المستخلص
تُعد روايات الأريكة تقريرًا استشرافيًا وتنبئيًا عن هواجس النبي الأكرم (ص) فيما يتعلق بكيفية تعامل الأجيال القادمة مع الأحاديث. بناءً على ما ورد في هذه الروايات، حذّر النبي (ص) أمته من ظهور تيار في المستقبل يهمل الروايات ويعتبر القرآن وحده هو الجدير بالطاعة. شهرة هذه الروايات لدى محدثي أهل السنة دفعت تيار كتابة التاريخ الكلاسيكي نحو قبول هذه التقارير، لدرجة أنهم اعتبروا هذه الروايات تقريرًا عينيًا عن وقائع زمن النبي (ص). بينما في دراسات تيار-دراسة تقارير النصوص القديمة، لا تتمتع بالضرورة بموضوعية تاريخية، وربما تكون إعادة إنتاج لكثير من الدوافع التنافسية والهوياتية للفترات المتأخرة. تناول هذا البحث، بالاعتماد على هذا الافتراض المسبق، تحليل روايات الأريكة، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن روايات الأريكة، أكثر من كونها تدل على مسار تاريخي أصيل وتعكس تعامل النبي (ص) مع فكر الاكتفاء بالقرآن ومعاداة الحديث، هي نتاج تقابل أداره أهل الحديث لاحقًا في تعاملهم مع تيارات أخرى. فكر الاكتفاء بالقرآن، الذي كان يُعتبر عائقًا جديًا في مسار تيار أهل الحديث؛ دفع تيار أهل الحديث إلى نقل روايات الأريكة بشكل واسع عن لسان النبي (ص)، والتي تذم معادي الحديث والمكتفين بالقرآن، لترسيخ قاعدتهم التيارية بين المسلمين.
- طرح المسألة
أحد الموضوعات الإشكالية في مجال دراسات الحديث هو التبيين المنطقي للعلاقة بين القرآن والحديث. إن تشكّل تيارات فكرية مختلفة حول هذه القضية منذ القرن الأول الهجري حتى الآن يدل على أهميتها وتعقيدها وضرورة تبيينها. في هذا المجال، يمكن إعادة تعريف تيارين رئيسين: تيار المكتفين بالقرآن وتيار أهل الحديث، واللذين تفرعت منهما تيارات فرعية أخرى أيضًا. تيار المكتفين بالقرآن، الذي حظي بدعم الخلفاء بعد وفاة النبي الأكرم (ص) واستمر في الحياة لمدة قرن، جعل معاداة الحديث، أو بعبارة أخرى، محاربة تدوين الحديث، شغله الشاغل. استأنف هذا التيار في القرون الأخيرة نشاطه تحت عنوان “القرآنيون” في بعض المناطق الإسلامية.
في المقابل، تيار أهل الحديث، الذي ظهر في أوائل القرن الثاني الهجري بالتزامن مع رفع القيود عن تدوين الحديث، تمكن بسرعة من تهميش تيار المكتفين بالقرآن واستمر في الحياة كتيار قوي لا منافس له.
إن تحليل هذا النوع من التيارات الحديثية، كظاهرة تاريخية شهدت تحولات عبر الزمن، ودراسة هذه التحولات بشكل منهجي في إطار “تيار-دراسة” ممكنة. لهذا السبب، جذبت تيار-دراسة الدراسات الحديثية اهتمام دارسي الحديث المعاصرين. مفهوم “تيار-دراسة”، على الرغم من حداثته، من المفاهيم التي تكررت بتردد عالٍ في الفضاء العلمي والفكري للعصر المعاصر. يُضاف هذا المفهوم عمومًا إلى عناوين مثل “فكري”، “سياسي”، “ثقافي”، ويشكل تركيب “تيار-دراسة فكري/ثقافي/سياسي”. “تيار-دراسة” هو علم يبحث في التيارات الفكرية والثقافية والسياسية أو الاجتماعية المختلفة. في عملية تيار-الدراسة، تُدرس نشأة وتطور وزوال التيارات المختلفة. تُعتبر تيار-الدراسة ضرورة لا يمكن إنكارها في مجال دراسات تاريخ صدر الإسلام أيضًا، وأحد أهم المجالات التي تكون فيها تيار-الدراسة مرشدة وأثمرت نتائج علمية جيدة هي تيار-دراسة الدراسات الحديثية. يعتقد البعض أن فكرًا منهجيًا لا يمكن أن يتحول إلى تيار إلا إذا كان يتمتع بقاعدة اجتماعية وظهر بشكل تنظيم اجتماعي. هذا الفكر أو المجموعة التي تدعمه، لأي سبب كان، تتميز في نظر مجتمع عصرها وتُعرف لدى غالبية ذلك المجتمع أو لدى الأطياف الاجتماعية المؤثرة وتكون محل إشارة.
بناءً على ذلك، فإن التمييز بين المعتقد الحقيقي لفرد ما أو فكره الفردي وتصور المجتمع لذلك المعتقد والفكر مهم جدًا. من هنا تتشكل التيارات الاجتماعية، وما يهم هنا هو نوع تصور وذهنية المجتمع حول معتقد ما. بالطبع، هذا لا يعني بالضرورة وجود تطابق بين المعتقد الشخصي للفرد وذهنية المجتمع حوله؛ بل في كثير من الحالات، تختلف الذهنية الاجتماعية لفكر ما عن أصل ذلك المعتقد، وما يمهد لتشكل تيار ما قد يكون الإحساس بالتقابل والاختلاف وليس وجود تقابل واختلاف في نفس الأمر. لهذا السبب، يمكن القول إن معيار تشكل وتميز كثير من التيارات هو الإحساس بالتقابل وليس وجود التقابل. هذه النقطة تصدق أيضًا على التقارير التاريخية للنصوص القديمة. أحيانًا، لا يتعلق تقرير ما، خلافًا لما يدعيه التيار الحديثي الغالب أو يسعى لإثباته، بتيار اجتماعي متقدم؛ بل هو انعكاس لهواجس تيار متأخر يسعى، من خلال ربط نفسه بالماضي، للوصول إلى قاعدة متينة. تُعدّ الروايات المعروفة بالأريكة نموذجًا مناسبًا لهذا النوع من الدراسات، وسيتم تحليلها فيما بعد.
يُظهر سابق البحث أنه، بغض النظر عما قاله شراح الحديث من أهل السنة ذيل روايات الأريكة، أو ما تناوله دارسو الحديث الشيعة المعاصرون ذيل أدلة منع تدوين الحديث، فإن دراسات منفردة قد تناولت بشكل مستقل روايات الأريكة أو موضوع تيار-الدراسة. من بينها مقال “حديث الأورنك؛ إعادة قراءة حديث الأريكة كمستند واعتبار السنة وحيًا”، حيث يشير الكاتب، ضمن إشارته إلى ضعف سند الرواية، إلى التشكيك في الاستناد إليها لإثبات قضية كون السنة وحيًا. ومقال “تيار-دراسة أصحاب الحديث منذ بداية التشكيل حتى فترة اقتدار الأشاعرة”. ما يميز البحث الحاضر عن هذا النوع من الدراسات، وخاصة المقال الأول، هو نظرة من نوع تاريخ الفكر بمنظور تيار-دراسي، وهو ما لم يُتناول في أي من البحوث السابقة.
- مسار تطور الرواية عبر الزمن
وجدت روايات الأريكة في فترة زمنية تمتد من القرن الثالث حتى أواخر القرن الخامس الهجري في 18 مصدرًا من المصادر الأولية لأهل السنة. هذا بخلاف الجوامع الروائية المتأخرة والتفاسير التي نقلت الرواية بنفس المتون والأسانيد السابقة. اختيار هذه الفترة الزمنية يرجع إلى أن الشافعي (المتوفى 204هـ) وعبد الرزاق الصنعاني (المتوفى 211هـ) في السنوات الأولى من القرن الثالث الهجري قدما أولى الصيغ لروايات الأريكة، وأن الخطيب البغدادي (المتوفى 463هـ) أورد أكثر التقارير اختلافًا. باستثناء البخاري (المتوفى 256هـ) ومسلم النيسابوري (المتوفى 261هـ)، نقل معظم محدثي أهل السنة هذه الروايات. المصادر التي أوردت الرواية المذكورة، حسب الترتيب الزمني، هي: مسند الشافعي (المتوفى 204هـ)، ومصنف عبد الرزاق (المتوفى 211هـ)، ومسند الحميدي (المتوفى 219هـ)، ومسند ابن أبي شيبة (المتوفى 235هـ)، ومسند أحمد بن حنبل (المتوفى 241هـ)، وسنن الدارمي (المتوفى 255هـ)، وسنن ابن ماجه (المتوفى 273هـ)، وسنن أبي داود (المتوفى 275هـ)، وسنن الترمذي (المتوفى 279هـ)، والآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (المتوفى 287هـ)، ومسند البزار (المتوفى 292هـ)، ومسند أبي يعلى الموصلي (المتوفى 307هـ)، وصحيح ابن حبان (المتوفى 354هـ)، وسنن الدارقطني (المتوفى 385هـ)، والإبانة الكبرى لابن بطة العكبري (المتوفى 387هـ)، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (المتوفى 463هـ)، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (المتوفى 463هـ).
تدعي هذه التقارير أن ثمانية على الأقل من الصحابة سمعوا هذه الرواية من النبي (ص). ومن بينهم، تكررت أسماء المقدام بن معديكرب، وأبي هريرة، وأبي رافع، وعرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، بتردد أكبر، على التوالي.
2-1. أولى الصيغ لروايات الأريكة
الشافعي (المتوفى 204هـ)، وعبد الرزاق الصنعاني (المتوفى 211هـ)، والحميدي (المتوفى 219هـ) هم أول المحدثين الذين نقلوا روايات الأريكة. ينقل الحميدي، دون أي نقص أو زيادة في السند والمتن، ما نقله الشافعي فقط. وفي هذا السياق، أورد عبد الرزاق، بواسطة معمر بن راشد، تقريرين مرسلين عن شيخيه البصريين؛ أي قتادة والحسن البصري، ولم يُشر فيهما إلى لفظ “أريكة”. في التقرير الأول، يدعي قتادة (المتوفى 118هـ) أن النبي (ص) قال: “هَل عَسَى أَحَدُكم أن يُكَذِّبَني وَهُوَ مُرْتَفِقٌ قَالَ وَلا أَعْلَمُهُ إلا قَالَ يُحَدَّثُ عَنِّي بالحَديثِ فَيَقُولُ : مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ اللهِ (ص)”. “مُرتفق أي مُتَّكِئ”.
في التقرير الثاني، يقول الحسن البصري نقلاً عن النبي (ص): “هَلْ عَسَى أَحَدُكم أن يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَكِى عَلَى حَشاياه يُحَدَّثُ عنّى بالحديث، فَيَقُولُ : ما قَالَ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص)، و من لنا بذلك”. “الحشايا جمع حشية، وهي ظاهر البطن البارز، وكذلك الوسادة التي يُتكأ عليها”. اضطراب عبارات هذين التقريرين دفع المحدثين اللاحقين إلى إصلاح متنهما. تقرير أبي يعلى الموصلي (المتوفى 307هـ) عن جابر بن عبد الله عن رسول الله (ص) كأقرب تحرير لروايات عبد الرزاق هو كالتالي: “عَسَى أَنْ يُكَذِّبَنِي رَجُلٌ وَهُوَ مُتَّكِى عَلَى أَرِيكَتِهِ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي ، فَيَقُولُ : مَا قَالَ ذَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) ؟ ، دَعْ هَذَا وَهَاتِ مَا فِي الْقُرْآنِ”. “قريبًا يكذب عليّ رجل وهو متكئ على أريكته، يبلغه الحديث عني، فيقول: ما قال ذا رسول الله (ص)؟ دع هذا وهات ما في القرآن”.
من المحتمل أن يكون هذان التقريران المرسلان أولى الصيغ لروايات الأريكة، التي لم تفقد بساطتها بعد ولم تتعرض لتغييرات وتحولات تحريرية. على الرغم من أن هذين التقريرين أقل شهرة، وبسبب ضعف السند وعدم إتقان العبارات لم يحظيا باهتمام المحدثين اللاحقين، إلا أن عبارتي “وَ هُوَ مُرتَفِقٌ” و “هُوَ مُتَّكِى عَلَى حَشایاه”، اللتين وردتا فقط في هذين التقريرين، استُبدلتا لاحقًا من قبل محدثي أهل السنة الآخرين بالعبارة المشهورة “وَ هُوَ مُتَّكِى عَلَى أريكته”.
2-2. دور الشافعي في ترسيخ خطاب أصحاب الحديث بالاعتماد على روايات الأريكة
لعب الشافعي (المتوفى 204هـ)، كحلقة وصل بين أصحاب الحديث المتقدمين وأصحاب الحديث المتأخرين، دورًا لا بديل له في ترسيخ خطاب أصحاب الحديث وتهميش خطاب أصحاب الرأي. وسعى، بهدف كسر هيمنة خطاب أصحاب الرأي، إلى حد أنه لم يرضَ حتى بمنهج أقرانه السابقين مثل مالك بن أنس (المتوفى 179هـ)، وبتقديم تعريف ضيق للسنة، أخرج الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين، التي يمكن اعتبارها رأيهم الشخصي بنوع ما، من نطاق شمول السنة. فإذا كان محدثون مثل مالك والأوزاعي حتى ذلك الحين يعتبرون لرأي الصحابة والتابعين اعتبارًا ومكانة؛ فإن الشافعي لا يعتبر تقليد رأي الصحابة والتابعين حجة؛ إلا تلك الروايات المنسوبة إلى النبي (ص). خلافًا لرأي من يعتقدون أن الشافعي قام بمثل هذه الإجراءات بهدف تقريب وجهات نظر أصحاب الحديث وأصحاب الرأي؛ يجب اعتبار هذا الإجراء منه في سياق الغلبة على رأي أصحاب الرأي.
لم يدخر الشافعي جهدًا للوصول إلى هذا المقصد. يمكن تقييم الاهتمام بروايات الأريكة وإبرازها في هذا السياق نفسه. الشافعي هو أول من أدخل عبارة “مُتَّكِى عَلَى أريكَتِهِ” في الفضاء الخطابي لهذه الروايات في تقريره عن روايات الأريكة. وهو يقدم لنا طريقين لروايات الأريكة: طريق مرسل نقله في طبقة التابعين محمد بن المنكدر عن رسول الله (ص)، وطريق آخر يسعى لرفع نفسه إلى درجة الحديث المرفوع ويُنسب إلى أبي رافع، الغلام المعتق للنبي (ص). سفيان بن عيينة، الذي نقل الشافعي كلتا روايتيه عنه، كان مترددًا في نسبة الرواية إلى النبي (ص)، واعترف بأنه أحفظ للطريق المرسل لمحمد بن المنكدر؛ لأنه سمعه أولاً ثم تلقى رواية أبي رافع عن رسول الله (ص).
يكشف الشافعي (المتوفى 204هـ) في أهم آثاره الفقهية والقانونية، أي كتاب “الأم”، في جو جدلي، عن رواية الأريكة. الشخص الذي يناظره، على الأقل كما نقل الشافعي، كان يعتبر القرآن الكريم معيارًا لتقييم الروايات، وفي هذا الصدد يستند إلى رواية نبوية (ص) قال فيها الحضرة: “مَا جَاءَكُم عَنِّى فَاعْرِضُوهُ عَلَى القُرآن؛ فَإِن وافَقَهُ فَأَنَا قُلتُهُ وإِن خَالَفَهُ فَلَم أقله”. وفي موضع آخر، يقول بسنده إن النبي (ص) بعد أن سمع أن اليهود يكذبون على عيسى (ع)، صعد المنبر وقال: “إِنَّ الحَديثُ سَيَفْشُو عَنِّى فَمَا أَتَاكُم عنى يُوافِق القُرآنَ فَهُوَ عَنّى و ما أتاكُم عَنِّى يُخالِفِ القُرآنَ فَلَيْسَ عَنّى”. “بعدي سيفشو الحديث عني، فما أتاكم عني يوافق القرآن فهو عني، وما أتاكم عني يخالف القرآن فليس عني”.
رد الشافعي على استدلال المدعي بادعاء أن الرواية المذكورة غير مشهورة بين المحدثين، وفي المقابل استند إلى رواية الأريكة. وهو ينقل بسنده عن أبي رافع عن رسول الله (ص) قوله: “لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَكِنًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: مَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ”. “لأحذرن أن أجد أحدكم متكئًا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه، وما لم نجده فيه فلا”.
الخطاب الذي قدمه الشافعي، دون قصد، كخطاب منافس، كان معروفًا ومشهورًا بين محدثي الشيعة تحت عنوان “روايات العرض”؛ ولكن محدثي أهل السنة الأوائل كانوا ينظرون إلى هذه الروايات بعين الإنكار. ومع ذلك، يمكن تتبع بصمات هذا الفكر في بعض التقارير السنية. في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري، قدم اثنان على الأقل من محدثي أهل السنة تقريرًا مشابهًا لما نقله الشافعي؛ بالطبع مع إضافة جديرة بالاهتمام. روى الدارقطني (المتوفى 385هـ) وابن بطة العكبري (المتوفى 387هـ) بسند مشابه عن ابن عمر عن النبي (ص) أن الحضرة خاطب عمر بن الخطاب قائلاً: “يَا عُمَرُ ، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِى عَلَى أَرِيكَتِهِ ثُمَّ يُكَذِّبُنِي، مَا جَاءَكُمْ عَنِّي فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ، فَأَنَا قُلْتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقُهُ فَلَمْ أَقُلْهُ”.
هذا التقرير، الذي فضّل الشافعي حذف عبارة “يا عمر” من بدايته، سواء كان صيغة سنية أصيلة أو له جذور في خطاب منافس، يدل على تيار كان يعتبر عمر بن الخطاب مصداقًا واضحًا لروايات الأريكة. كون الحاكم النيسابوري (المتوفى 405هـ)، بعد نقل روايات الأريكة، يتحدث عن إجراء عمر في حبس ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي ذر بسبب نقلهم الحديث عن النبي (ص)، يدل على شهرة هذه الفكرة والتيار. ومع ذلك، تمكن الشافعي وأصحاب الحديث من تحويل رأس حربة هذه الروايات من مصداقها الواضح، أي الخليفة الثاني، نحو مخالفيهم من أصحاب الرأي والمكتفين بالقرآن.
على أي حال، هذه التقارير الأولى لروايات الأريكة وكيفية تعامل الشافعي معها تدل على تيارين؛ أحدهما تيار المكتفين بالقرآن، الذي كان يقول بمحورية القرآن المطلقة أو محورية القرآن في مقام توثيق الروايات. والآخر تيار أهل الحديث، الذي كان يتمتع في العقود الأخيرة من القرن الثاني الهجري بسلطة بلغت حدًا جعل الأوزاعي (المتوفى 157هـ) يدعي صراحة، نقلاً عن أساتذته: “القُرآنُ أحوج إلَى السُّنَّةِ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى القُرآنِ”، أو “السُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى كِتَابِ اللهِ وليس الكتاب قاضياً عَلَى السُّنَّةِ”؛ أي أن السنة حاكمة على القرآن وليس العكس.
كما أن الشافعي هو أول من كشف صراحة عن النزاع بين المكتفين بالقرآن وأهل الحديث. وهو في كتاب “جماع العلم” يبيّن أولى علامات هذا النزاع كالتالي: “لم أسمع من أحد يدعي العلم أو يعتبره الآخرون عالمًا ينكر وجوب التسليم لأوامر النبي (ص) التي أوجبها الله تعالى، أو يلتزم بغير القرآن وسنة رسول الله (ص). لم يشكك أحد في وجوب قبول الأخبار الواردة عن رسول الله (ص) إلا جماعة سأبيّن رأيهم قريبًا”. يتابع الشافعي تصنيف مخالفي الحديث في ثلاثة مجالات: المجموعة الأولى، التي يشير إليها بـ “الطائفة التي رَدَّتِ الأخبار كُلَّها”، هم معادون للحديث لا يقبلون أي حديث. المجموعة الثانية هم الذين يعتبرون وظيفة الحديث مجرد تبيين الأحكام والمفاهيم الموجودة في القرآن، وهم في الحقيقة يعارضون وظيفة الحديث في التوسع. وأخيرًا، المجموعة الثالثة هم معارضو خبر الواحد. بالطبع، لم يحدد الشافعي الجماعات المنافسة وفضّل عدم ذكر أسمائها. لم يُشر كبار أهل الحديث الآخرون أيضًا إلى هؤلاء الأفراد. لاحقًا، ادعى الخضري بك في “تاريخ التشريع الإسلامي” أن الشافعي في مناظرته مع أصحاب الرأي ينسب الاكتفاء بالقرآن ومعارضة الحديث إلى جماعة من أهل البصرة. وهو يحتمل أنه، بالنظر إلى أن البصرة كانت في ذلك العصر مركزًا للمجادلات الكلامية لجماعات مهمة مثل المعتزلة، وأن معظم المعتزلة نشأوا في البصرة، فمن المحتمل أن يكون الأفراد الذين أشار إليهم الشافعي من معتزلة البصرة.
لا يبدو هذا التحليل بعيدًا عن الواقع، خاصة عندما نرى أن عبد الرزاق الصنعاني نقل كلتا روايتيه المرسلتين عن شيوخ بصريين، أي قتادة والحسن البصري. بغض النظر عن كون هذين التقريرين مرسلين، فإن تحليلهما من منظور تاريخ الفكر وبمنهج تيار-دراسي يدل على أنه في البصرة، كان البعض ينكرون أحاديث رسول الله (ص)، أو على الأقل كان الآخرون يعرفونهم بهذه السمة. يبدو أن إشكالهم الرئيس على الروايات كان في مرحلة الثبوت وليس الاعتبار، لهذا السبب كانوا يقولون: “مَا قَالَ هَذَا رَسُولُ الله (ص)”. بمرور الزمن، فُسّر هذا الموقف تجاه الحديث بأنه معاداة للحديث. لهذا السبب، الشافعي، الذي توفي قبل عبد الرزاق الصنعاني بعدة سنوات ويُعتبران معاصرين من حيث الزمن، تصدى بشدة لهذا الموقف. في السنوات الأولى من القرن الرابع الهجري، كما نقل أبو يعلى الموصلي (المتوفى 307هـ)، فُسّر هذا القول أيضًا بطريقة استُنتج منها التقابل مع الحديث والميل إلى القرآن: “دَعْ هَذَا وَهَاتِ مَا فِي الْقُرْآنِ”. بناءً على ذلك، يمكن الادعاء بأن روايات الأريكة أتاحت للشافعي وأصحاب الحديث الفرصة لقمع أي فكر معادٍ للحديث بشدة بالاستناد إلى هذه الروايات. وبعد الشافعي أيضًا، أصبحت هذه الروايات مستندًا لمحاربة فكر الاكتفاء بالقرآن وترسيخ تيار أهل الحديث.
2-3. تقارير متنوعة لروايات الأريكة
تُظهر دراسة تقارير المصادر القريبة من سنوات منتصف القرن الثالث الهجري أن المحدثين كانوا يسعون للوصول إلى نماذج أكثر تنوعًا من روايات الأريكة. لم يكن القرن الثالث الهجري قد انتصف بعد، ولم يمض وقت طويل على أولى الصيغ لروايات الأريكة، حتى دخلت تقارير متنوعة، سواء من حيث السند أو المحتوى، إلى حلقات الحديث والمصادر المكتوبة. فإذا كنا نواجه سابقًا عدة روايات مرسلة في الغالب، فإننا نواجه في “مسند أحمد بن حنبل” (المتوفى 241هـ) طيفًا أكثر تنوعًا من الرواة والصحابة الذين ادعوا سماع روايات الأريكة من النبي (ص). نقل أحمد بن حنبل روايات الأريكة عن أبي رافع وأبي هريرة والمقدام بن معديكرب. الرواية التي نقلها الشافعي والحميدي سابقًا بواسطة ابن عيينة عن أبي رافع، نقلها أحمد بن حنبل بتغيير طفيف بواسطة ابن لهيعة عن أبي رافع كالتالي: “لَأَعْرِفَنَّ مَا يَبْلُغُ أَحَدَكُمْ مِنْ حَدِيثِي شَيْءٌ وَهُوَ مُتَّكِى عَلَى أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ: مَا أَجِدُ هَذَا في كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى”. “لأعرفن ما يبلغ أحدكم من حديثي شيء وهو متكئ على أريكته فيقول: ما أجد هذا في كتاب الله تعالى”. إذا اعتُبر تغيير أسلوب النفي “لَا أُلْفِيَنَّ” (لأحذرن أن أجد) الموجود في تعبير الشافعي إلى أسلوب التأكيد “لأعرِفَنَّ” (لأعرفن) الموجود هنا مهمًا، فإن الرواية المذكورة في الحقيقة قد تغيرت طبيعتها من وظيفة تحذيرية إلى وظيفة تنبؤية.
في رواية أخرى نقلها أحمد بن حنبل بسنده عن أبي هريرة، قام الراوي، بنظرة إلى روايات العرض وبهدف إبطال وظيفتها، بنقل بالمعنى هادف. في هذه الرواية، ادُّعي أن رسول الله (ص) قال: “لا أَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ أَتَاهُ عَنِّي حَدِيثُ وَهُوَ مُتَكِنْ فِي أَرِيكَتِهِ فَيَقُولُ اتْلُوا عَلَيَّ بِهِ قُرْآنًا. مَا جَاءَكُمْ عَنِّي مِنْ خَيْرٍ قُلْتُهُ أَوْ لَمْ أَقُلْهُ فَأَنَا أَقُولُهُ، وَمَا أَتَاكُمْ عَنِّي مِنْ شَرِّ فَأَنَا لَا أَقُولُ الشَّرَّ”. “لأعرفن أحدًا منكم أتاه عني حديث وهو متكئ في أريكته فيقول: اتلوا علي به قرآنًا. ما جاءكم عني من خير قلته أو لم أقله فأنا أقوله، وما أتاكم عني من شر فأنا لا أقول الشر”. الفقرة الأخيرة من الرواية، التي تدعي أن النبي (ص) قال: “إذا وصل إليكم مطلب خير من جانبي، سواء قلته أو لم أقله، فاعتبروه مني”، يمكن تقييمها في الحقيقة في سياق إبطال خاصية روايات العرض؛ لأنه في هذه الحالة لا تعود هناك حاجة لعرض الروايات على القرآن. كما قيل سابقًا، كان محدثو أهل السنة يعارضون بشدة روايات العرض، وادعى الشافعي، مقابل استناد المنافس إلى روايات العرض، أن هذه الروايات، في نظره، فاقدة للأساس.
قبل أحمد بن حنبل بقليل، نقل أبو بكر بن أبي شيبة (المتوفى 235هـ) رواية عن المقدام بن معديكرب تُعتبر نقطة تحول في هذا المجال، وقد رواها تقريبًا جميع المحدثين اللاحقين. يدعي المقدام بن معديكرب أن رسول الله (ص) أعلن حرمة أكل بعض الأشياء مثل لحم الحمار، ثم قال: “يُوشِكُ الرَّجُلُ يَتَّكِنُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ”. “قريبًا يتكئ الرجل على أريكته، يُحدّث بحديث من حديثي، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله”. الإضافة الأخيرة للرواية، أي عبارة “أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ”، هي انعكاس لفكر وتيار كان يؤكد على فكرة تطابق القرآن والسنة.
قدم أحمد بن حنبل صيغتين أخريين للرواية المذكورة نقلاً عن المقدام بن معديكرب. في الصيغة الأولى، برواية عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشِي عن المقدام بن معديكرب، نشهد نصًا موسعًا يقدم لنا معلومات إضافية مقارنة بجميع النصوص السابقة: “قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ؛ أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، لَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ. أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِي وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا …”. “ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه؛ ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه. لا يوشك رجل ينثني شبعانًا على أريكته يقول: عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع، ألا ولا لقطة من مال معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها…”.
الفقرة الأولى من الرواية، أي عبارة “أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ؛ أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ”، هي بوضوح استنتاج حر من الفقرة الأخيرة لرواية ابن أبي شيبة بعبارة “وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ”، مع فارق أنه في رواية ابن أبي شيبة، يمكن نسبة الإضافة الأخيرة للرواية إلى الراوي؛ ولكن في هذه الرواية، صُنعت العبارة المعنية على لسان رسول الله (ص). بُيّن وأُثبت تفرد وغرابة هذه الإضافة في رواية عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشِي عن المقدام بن معديكرب في بحث سابق. يعتقد الكاتب بحق أن رواية الأريكة، بالعبارة “أوتيت الكتاب ومثله معه”، على الرغم من شهرتها، تُعتبر “حديثًا غريبًا” بالاصطلاح الحديثي؛ لأن رواية الأريكة بالعبارة المذكورة أعلاه لم ينقلها في طبقة الصحابة إلا المقدام بن معديكرب، وفي طبقة التابعين فقط عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي.
في الصيغة الثانية، التي نقلها الحسن بن جابر عن المقدام بن معديكرب، يربط زمن صدور روايات الأريكة بالفترة الزمنية لفتح خيبر: “حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) يَوْمَ خَيْبَرَ أَشْيَاءَ ثُمَّ قَالَ: يُوشِكُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِى عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثِي فَيَقُولُ …”. كان تحديد هذه الفترة الزمنية كافيًا لكي يكشف محدثو أهل السنة الآخرون بعد فترة وجيزة عن روايات بيّنت هذه المسألة بشكل أوضح. في السنوات الأخيرة من القرن الثالث الهجري، نقل أبو داود (المتوفى 275هـ) وابن أبي عاصم (المتوفى 287هـ) كلاهما بسندهما عن عرباض بن سارية نصًا أطول من جميع التقارير السابقة. نقرأ في هذه الرواية أن رسول الله (ص) وعددًا من الصحابة دخلوا خيبر. اعترض رئيس خيبر، الذي كان رجلاً سيء الخلق (كان رجلاً منكرًا ماردًا)، على النبي (ص) قائلاً: “بأي حق تذبحون حميرنا وتأكلون ثمارنا وتدخلون بيوتنا وتضربون نساءنا؟” غضب الحضرة (ص) من هذا الفعل للصحابة، وأمر عبد الرحمن بن عوف أن ينادي “الصلاة جامعة” ليجتمع الجميع، ثم قال: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَحِلَّ لَكُمْ بُيُوتَ الْمُكَاتَبِينَ إِلَّا بِإِذْنِ، وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ، وَلَا تَضْرِبُوا نِسَاءَهُمْ، أَمْ حَسِبَ امْرُؤٌ مِنْكُمْ وَقَدْ شَبعَ حَتَّى بَطَنَ وَهُوَ مُتَّكِى عَلَى أَرِيكَتِهِ لَا يَظُنُّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ، أَلَا إِنِّي قَدْ حَدَّثْتُ وَوَعَظْتُ بِأَشْيَاءَ هِيَ مِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنَ السَّبَاعِ كُلُّ ذِي نَابٍ، وَلَا الْحُمْرُ ، وَلَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الْمُكَاتَبِينَ إِلَّا بِإِذْنٍ، و….”. “لم يحل الله تعالى لكم دخول بيوت أهل الكتاب المعاهدين إلا بإذن، ولا أكل أموالهم، ولا ضرب نسائهم. أيظن أحدكم، وقد شبع حتى بطن وهو متكئ على أريكته، ألا يظن أن الله عز وجل حرم شيئًا إلا ما في القرآن؟ ألا إني قد حدثت ووعظت بأشياء هي مثل القرآن أو أكثر، وأنه لا يحل لكم من السباع كل ذي ناب، ولا الحمر، ولا تدخلوا بيوت المعاهدين إلا بإذن، و…”.
لا يُرى في التقارير السابقة أي صلة بين واقعة خيبر ورواية الأريكة. في الرواية التي نقلها أحمد بن حنبل عن عرباض بن سارية، ليس فقط لا نشهد مثل هذا التفصيل؛ بل لم يُشر إطلاقًا إلى عبارة “وَهُوَ مُتَّكِى عَلَى أَرِيكَتِهِ”. وفي روايات أحمد بن حنبل الأخرى أيضًا، التي تختص بغزوة خيبر، لم يُذكر أي شيء عن العبارة المشار إليها. في أحد هذه التقارير، يدعي المقدام بن معديكرب أننا كنا نقاتل في ركاب خالد بن وليد، اشتهى الأصحاب والرفاق أكل اللحم؛ لهذا السبب، قيدوا فرسًا وطلبوا مني الإذن لذبحه. استشرت أنا أيضًا خالد بن وليد في هذا الخصوص. قال خالد: “غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) غَزْوَةَ خَيْبَرَ فَأَسْرَعَ النَّاسُ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ فَقَالَ: يَا خَالِدُ نَادِ فِي النَّاسِ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةً لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُسْلِمٌ، فَفَعَلْتُ فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا بَالُكُمْ أَسْرَعْتُمْ فِي حَظَائِرِ يَهُودَ أَلَا لَا تَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهَدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحَرَامٌ عَلَيْكُمْ حُمُرُ الْأَهْلِيَّةِ وَالْإِنْسِيَّةِ وَخَيْلُهَا وَبِغَالُهَا وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ”.
روى أحمد بن حنبل شبيه هذه الواقعة عن صحابة آخرين مثل جابر بن عبد الله وأبي ثعلبة الخشني أيضًا: “غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) خَيْبَرَ وَالنَّاسُ جِيَاعٌ فَأَصَبْنَا بِهَا حُمُرًا مِنْ حُمُرِ الْإِنْسِ فَذَبَحْنَاهَا، قَالَ: فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ (ص) فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَنَادَى فِي النَّاسِ : أَنَّ لُحُومَ حُمُرِ الْإِنْسِ لَا تَحِلُّ لِمَنْ شَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: … لَا تَحِلُّ النَّهْبَى وَلَا يَحِلُّ كُلُّ ذِي نَابِ مِنْ السَّبَاعِ وَلَا تَحِلُّ الْمُجَثَّمَةٌ”. “كنت مع النبي (ص) في غزوة خيبر والناس جياع، فأصبنا بها حميرًا من حمير الإنس فذبحناها. قال: فأُخبر النبي (ص) فأمر عبد الرحمن بن عوف فنادى في الناس: أن لحوم حمير الإنس لا تحل لمن شهد أني رسول الله. قال: … لا تحل النهبى ولا يحل كل ذي ناب من السباع ولا تحل المجثمة (الحيوان الذي يُربط ليُرمى حتى يموت، مثل الأرنب)”.
2-4. الحشوية وروايات الأريكة
من بين جميع الصيغ الموجودة لروايات الأريكة، توجد رواية واحدة فقط منسوبة إلى ابن عباس، وهي فريدة إلى حد ما. هذه الرواية، التي تُعتبر بوضوح تقريرًا متأخرًا، نقلها الخطيب البغدادي. وهو يدعي، بسنده عن ابن عباس، أن رسول الله (ص) قال: “مَا بَالُ أَصْحَابِ الْحَشَايَا يُكَذِّبُونِي؟ عَسَى أَحَدُكُمْ يَتَّكِنُ عَلَى فِرَاشِهِ يَأْكُلُ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَيُؤْتَى يُحَدَّثُ عَنِّيَ الْأَحَادِيثَ، يَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهَا، عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ ، مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ فَاتَّبِعُوهُ”. ليس واضحًا تمامًا ما إذا كان مراد الراوي من “أصحاب الحشايا” هو التيار الفكري “الحشوية” أم لا. لم يتعرض الخطيب البغدادي ولا محدثو أهل السنة الآخرون لهذه القضية. ومع ذلك، من الواضح أن الراوي قدم فهمًا حرًا لروايات الأريكة، وربما يكون نقلاً بالمعنى لأولى الصيغ لروايات الأريكة، حيث يقول عبد الرزاق الصنعاني في تقرير منسوب إلى الحسن البصري نقلاً عن النبي (ص): “هَل عَسَى أَحَدُكم أن يُكَذِّبَنِي وَهُوَ مُتَّكِى عَلَى حشاياه يُحَدَّثُ عنّى بالحديث، فيَقُولُ : ما قَالَ هَذَا رَسُولُ اللهِ (ص)، و مَن لَنا بذلك؟”.
على الرغم من أنه لم يُشر في أي مصدر إلى “الحشوية” بعنوان “أصحاب الحشايا”؛ إلا أنه إذا كان المراد الحقيقي للراوي هو الحشوية نفسها، فبالنظر إلى الأطياف المتنوعة التي عُرفت بهذه السمة، على أي منها سيصح إسناد رأي الاكتفاء بالقرآن ومعاداة الحديث؟ من بين الجماعات المختلفة التي اشتهرت بهذا الاسم، يبرز اسم الخوارج وأهل الحديث أكثر من غيرهم. إطلاق عنوان “أصحاب الحشايا” على الخوارج، الذين عُرفوا بتشددهم في قبول الروايات، يمكن أن يكون مصداقًا واضحًا للحشوية التي يسعى تقرير الخطيب البغدادي لتطبيق روايات الأريكة عليها.
- الخلاصة
مما قيل حتى الآن، يمكن استنتاج ما يلي:
دخلت روايات الأريكة إلى الفضاء الخطابي لأصحاب الحديث في جو جدلي وبجهود الشافعي. أُكد على هذه الروايات ردًا على تيار المكتفين بالقرآن، وهو التيار نفسه الذي كان، بالاعتماد على روايات العرض، يقول بمحورية القرآن المطلقة أو محورية القرآن في مقام توثيق الروايات.
منذ منتصف القرن الثالث الهجري، عندما قدم أحمد بن حنبل روايات الأريكة بأسانيد ومتون أكثر تنوعًا، قبل معظم محدثي أهل السنة اللاحقين هذه الروايات، لدرجة أن المتأخرين اعتبروا شهرة واعتبار هذه الروايات غير قابلة للطعن.
لا مكان لهذه الروايات في الفضاء الخطابي الشيعي، ولم يستند إليها إلا بعض دارسي الحديث الشيعة المعاصرين بهدف تحدي إجراءات الخلفاء في منع تدوين الحديث.
المصادر
آهنگ، علي؛ ومهدي آريان فر. “تحليل انتقادى ديدگاه يحيى محمد پيرامون علم رجال شيعه؛ با تأكيد بر كتاب مشكلة الحديث”. مطالعات فهم حديث، مج. 4، ع. 8 (1397 ش): صص. 55-73.
ابراهيم پور، علي. “روش شناسى جريان شناسى به مثابه دانشى ميان رشته اى مبتنى بر پارادايم علم اسلامى”. تحقيقات بنيادين علوم انسانى، ع. 16 (1398ش): صص. 133-173.
ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد (المتوفى 235هـ). مسند ابن أبي شيبة. تحقيق: عادل بن يوسف العزازي وأحمد بن فريد العزيزي. الرياض: دار الوطن، 1997م.
ابن أبي عاصم، أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني (المتوفى 287هـ). الآحاد والمثاني. تحقيق: د. باسم الجوابرة. الرياض: دار الراية، 1411ق.
ابن بطة، عبيد الله بن محمد العكبري (المتوفى 387هـ). الإبانة الكبرى. تحقيق: رضا بن نعسان معطي. الرياض: دار الراية، الطبعة الثانية، 1415ق.
ابن حبان البستي، أبو حاتم محمد بن حبان (المتوفى 354هـ). صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. تحقيق: شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1414ق.
ابن شاهين، أبو حفص عمر بن أحمد البغدادي (المتوفى 385هـ). شرح مذاهب أهل السنة. تحقيق: عادل بن محمد. (بلا مكان): مؤسسة قرطبة للنشر والتوزيع، 1415ق.
ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله (المتوفى 463هـ). التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد البكري. المغرب: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387ق.
ابن ماجه، محمد بن ماجه القزويني (المتوفى 273هـ). سنن ابن ماجه. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. (بلا مكان): دار الرسالة العالمية، 1430ق.
أبو داود السجستاني، سليمان بن الأشعث (المتوفى 275هـ). سنن أبي داود. تحقيق: شعيب الأرنؤوط ومحمد بللي. (بلا مكان): دار الرسالة العالمية، 1430ق.
أبو يعلى الموصلي، أحمد بن علي (المتوفى 307هـ). مسند أبي يعلى. تحقيق: حسين سليم أسد. دمشق: دار المأمون للتراث، 1404ق.
أحمد بن حنبل، أبو عبد الله (المتوفى 241هـ). مسند أحمد. تحقيق: شعيب الأرنؤوط. بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1420ق.
أحمدي حاجي كلائي، حميد. “جريان شناسى سياسى”. رهيافت انقلاب اسلامى، (1386ش): صص. 29-44.
أحمدي ميانجي، علي (المتوفى 1421هـ). مكاتيب الرسول. قم: دار الحديث، 1419ق.
أميرخاني، علي. “جريان شناسى اصحاب حديث از ابتداى شكل گيرى تا دوران اقتدار اشاعره”. نقد ونظر، مج. 17، (1391ش): صص. 126-146.
البزار، أحمد بن عمرو (المتوفى 292هـ). مسند البزار. تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله. المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 2009م.
البغوي، الحسين بن مسعود (المتوفى 516هـ). شرح السنة. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وزهير الشاويش. بيروت: المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1403ق.
پاكتچي، أحمد. “أحاديث آفرينش آدم ‘عَلَى صُورَتِهِ’: چالشهاى فهم در سده هاى دوم وسوم هجرى”. مطالعات فهم حديث، مج. 1، ع. 1 (1393ش): صص. 9-27.
پاكتچي، أحمد. تاريخ حديث. طهران: انجمن علمى دانشجويى الهيات دانشگاه امام صادق (ع)، الطبعة الثالثة، 1390ش.
الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى (المتوفى 279هـ). سنن الترمذي. تحقيق: بشار عواد معروف. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1996م.
تمسكى بيدگلى، علي. “حديث اورنگ: بازخوانى حديث اريكه به مثابه مستند وحيانى خواندن سنت”. تحقيقات علوم قرآن وحديث، مج. 16، ع. 43 (خريف 1398 ش): صص. 127-147.
الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله (المتوفى 405هـ). المستدرك على الصحيحين. القاهرة: دار الحرمين، 1417ق.
الحربي، إبراهيم بن إسحاق. غريب الحديث. تحقيق: د. سليمان العايد. مكة: جامعة أم القرى، 1405ق.
الحسيني الجلالي، السيد محمد رضا. “حشوية”. دانشنامه جهان إسلام. طهران، 1388ش.
الحميدي، أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى (المتوفى 219هـ). مسند الحميدي. تحقيق: حسين سليم أسد. دمشق: دار السقا، 1996م.
الخضري بك، محمد. تاريخ التشريع الإسلامي. القاهرة: دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1427ق.
الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي (المتوفى 463هـ). الكفاية في علم الرواية. حيدر آباد الدكن: جمعية دائرة المعارف العثمانية، 1357ق.
الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر (المتوفى 385هـ). تعليقات الدارقطني على المجروحين لابن حبان. تحقيق: خليل بن محمد العربي. القاهرة: الفاروق الحديثة، 1414ق.
الدارقطني، أبو الحسن علي بن عمر. سنن الدارقطني. تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون. بيروت: مؤسسة الرسالة، 1424ق.
الدارمي، محمد بن عبد الله (المتوفى 255هـ). سنن الدارمي. تحقيق: فواز أحمد زمرلي وخالد السبع العلمي. بيروت: دار الكتاب العربي، 1407ق.
سعيد بن منصور (المتوفى 227هـ). سنن سعيد بن منصور. الرياض: دار الألوكة للنشر، 1433ق.
الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس (المتوفى 204هـ). الأم. بيروت: دار المعرفة، 1410ق.
الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس. تفسير الإمام الشافعي. تحقيق: د. أحمد بن مصطفى الفران. الرياض: دار التدمرية، 1427ق.
الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس. جماع العلم. (بلا مكان): دار الآثار، 1423ق.
الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس. مسند الشافعي. بيروت: دار الكتب العلمية، 1400ق.
الصنعاني، عبد الرزاق (المتوفى 211هـ). مصنف عبد الرزاق. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. بيروت: المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1403ق.
علوي، سيد حسين. جريان شناسى قرآن پژوهى مستشرقان در ايالات متحده آمريكا (با تأكيد بر سير تطور، رويكردها، مبانى و روشها). طهران: مركز بين المللى ترجمه ونشر المصطفى، 1400ش.
الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب (المتوفى 817هـ). القاموس المحيط. بيروت: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة، 1426ق.
قاسم پور، محسن؛ وعلي مهمان نواز. “بررسى تغييرات انگاره سنت نبوى در طول دو قرن نخست هجرى”. پژوهشنامه تاريخ إسلام، ع. 20 (1394ش): صص. 109-132.
گرامي، سيد محمد هادي. نخستين انديشه هاى حديثى شيعه: رويكردها، گفتمانها، انگاره ها وجريان ها. طهران: دانشگاه امام صادق (ع)، 1396ش.
گرامي، سيد محمد هادي. “انگاره علم غيب در فرهنگ وانديشه متقدم شيعه”. قرآن پژوهى وتاريخ انگاره ها: مقالات برگزيده نخستين همايش ملى كاربرد رويكرد تاريخ انگاره در مطالعات قرآنى. باهتمام حامد خانى. گرگان: دانشگاه آزاد اسلامى، 1398ش.
المروزي، محمد بن نصر (المتوفى 294هـ). السنة. تحقيق: سالم أحمد السلفي. بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية، 1408ق.
معارف، مجيد. تاريخ عمومى حديث با رويكرد تحليلى. طهران: كوير، الطبعة الثامنة عشرة، 1398ش.
نوروزي، مجتبى؛ حسن نقى زاده؛ وسيد محمد مرتضوى. “بررسى ديدگاه مخالفان احاديث عرض در اهل سنت”. علوم قرآن وحديث، ع. 92 (1393): صص. 131-159.