تحليل رؤية ابن الغضائري حول أبي بصير المرادي

ملخص

أبو بصير ليث بن البختري من رواة الإمامين الباقر والصادق (ع). وقد سكت معظم الرجاليين المتقدمين عن توثيقه الصريح. وفي هذا السياق، تبرز رؤية ابن الغضائري المختلفة عن الآخرين؛ فهو مع نقله لاستياء الإمام الصادق (ع) وتكدّر خاطره من أبي بصير المرادي، وإقراره بوجود طعن في دينه، لم يعتبر ذلك مانعاً من توثيقه. في هذا المقال، الذي كُتب بالمنهج الوصفي التحليلي، سعينا إلى تحليل رأي ابن الغضائري حول أبي بصير المرادي، واستنتجنا تأثّر كلامه بالروايات التي تذمّه؛ فسبب استياء الإمام الصادق (ع) وتكدّر خاطره من أبي بصير المرادي يعود إلى صدور سلوكيات وأقوال غير لائقة منه، وفهمه الضعيف لمقام الإمامة. وفي هذا السياق، فإن المقصود من الطعن في الدين في كلام ابن الغضائري هو الطعن في منهجه وسيرته.

۱. طرح المسألة

لم يوثّق الرجاليون المتقدمون أبا بصير المرادي تصريحاً، وفضّلوا السكوت عن حاله الرجالي (البرقي، ١٣٨٣ق، ١٣، ١٨؛ النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢١؛ الطوسي، الفهرست، ٣٨٢). وفي هذا السياق، تبرز رؤية ابن الغضائري حول أبي بصير المرادي بشكل لافت. فقد أقرّ ابن الغضائري بوجود طعن في دينه، لكنه لم يعتبر ذلك مانعاً من توثيقه (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ١١١). ولهذا، نلاحظ أن ابن الغضائري يعتبر أحاديث أبي بصير المرادي معتبرة، ولا يرى الطعن الموجه لدينه مانعاً من توثيق واعتبار أحاديثه.

إن اشتراك كنية “أبي بصير” بين عدة رواة واستخدامها بشكل مطلق في كثير من أسانيد الروايات الإمامية قد أدى دائماً إلى وجود دافع لطرح البحث حول أبي بصير. وقد بُحث في مسألة كنية أبي بصير وتفكيكها وتمييزها عادةً في كتب الرجال وضمن الفوائد الرجالية. كما قام بعض العلماء بتأليف رسائل مستقلة في هذا الموضوع. وبما أن أبا بصير يُعدّ من أصحاب الإجماع، فقد تطرق بعض المحققين إلى البحث عنه في سياق مبحث أصحاب الإجماع. من أهم المصادر حول أبي بصير: «الدر النضير في المكنين بأبي بصير» للعلامة الشوشتري، الذي جاء في الجلد الثاني عشر من «قاموس الرجال» كملحق للكتاب (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ١٢: ٣٧٧-٤٩٤). كما ألّف السيد محمد باقر الشفتي (ت ١٢٦٠ق) رسالة «إرشاد المنير البصير إلى تحقيق الحال في أبي بصير». وكتب أبو الهدى الكلباسي (ت ١٣٥٦ق) في «سماء المقال في علم الرجال» عن كنية أبي بصير وبتفصيل عن أبي بصير المرادي (الكلباسي، ١٤١٩ق، ٢٩٨، ٣٥٩-٣٧٦). وألّف مهدي الموسوي الخوانساري (ت ١٢٤٦ق) رسالة بعنوان «عديمة النظير في أحوال أبي بصير» طُبعت ضمن المجلد الثالث عشر من ميراث حديث الشيعة (١٣٨٠ش، ٢٧٥-٤٤٦). من المصادر الأخرى حول أبي بصير المرادي: ما ذكره السبحاني في الفائدة العاشرة من كليات علم الرجال (١٤١٠ق، ٤٦١-٤٧٢)، وما كتبه پاكتچي في مدخل «أبوبصير» في دائرة المعارف بزرگ اسلامی (١٣٧٨ش، ٥: ٢١٤-٢١٥).

المجموعات والمقالات المذكورة تتناول تمييز أبي بصير في أسانيد الروايات، وأحياناً تحليل روايات رجال الكشي حول أبي بصير. ولكن في هذه المصادر، باستثناء رسالة العلامة الشوشتري، لم يتم التركيز أو الاهتمام برأي ابن الغضائري حول أبي بصير المرادي. يُضاف إلى ذلك وجود بعض الأخطاء في نسبة بعض الروايات إلى أبي بصير المرادي. وقد سعى المقال الحالي، مع الاهتمام بالتفكيك الصحيح للروايات المرتبطة بأبي بصير المرادي، إلى استجلاء أسباب وخلفيات صدور رأي ابن الغضائري؛ لماذا كان الإمام الصادق (ع) مستاءً من أبي بصير المرادي في نظر ابن الغضائري؟ وهل لهذا السبب طعن ابن الغضائري في دين أبي بصير المرادي أم أن هناك سبباً آخر؟ وما هو مفهوم «الدين» في كلام ابن الغضائري؟ هل يعني الجانب العقائدي، أي كونه إمامياً أو غير إمامي، أم أن له مفهوماً أعم يشمل منهجه وسلوكه وتصرفاته؟

۲. أبو بصير المرادي

في سلسلة أسانيد الروايات الإمامية، تظهر كنية «أبي بصير» بشكل مطلق وغير مقيّد بكثرة. وتُعد «أبو بصير» كنية مشهورة للرواة الذين كانوا فاقدي البصر. في علم الرجال الإمامي، تُعتبر كنية «أبي بصير» مشتركة بين عدة رواة. ومن بينهم، يوجد راويان من أصحاب الإمام الصادق (ع) هما يحيى بن أبي القاسم؛ أبو بصير الأسدي، وليث بن البختري؛ أبو بصير المرادي (پاكتچي، ١٣٧٨ش، ٥: ٢١٣).

أبو بصير ليث بن البختري من رواة الإمامين الباقر والصادق (ع) (الطوسي، رجال، ١٣٨١ق، ١٤٤، ٢٧٥؛ النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢١). وقد ذكره النجاشي بلقب أبي بصير الأصغر (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢١)، ربما للإشارة إلى تأخره في الطبقة عن أبي بصير الأسدي (ت ١٥٠هـ). ورغم إمكانية روايته عن الإمام الكاظم (ع)، فإن الشيخ الطوسي وحده من بين المصادر الرجالية قد أدرجه ضمن أصحاب الإمام الكاظم (ع) (الطوسي، الفهرست، ١٣٨١ق، ٣٨٢؛ الطوسي، رجال، ١٣٨١ق، ٣٤٢). وفي المصادر الروائية، لم تُنقل عنه رواية عن الإمام الكاظم (ع). وقد اعتبر آية الله الخوئي أن كل رواية نُقلت عن الإمام الكاظم (ع) بواسطة «أبي بصير» (دون تقييد) فهي من أبي بصير الأسدي (الخوئي، ١٤١٠ق، ١٤: ١٥٠). كان لأبي بصير المرادي كتاب يرويه ابن فضال الفطحي عن أبي جميلة؛ المفضل بن صالح. ومن أبرز رواة وتلاميذ ليث بن البختري: عبد الله بن مسكان، أبو جميلة؛ المفضل بن صالح الذي وُصف بأنه كذاب وواضع للحديث (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ٨٨)، عاصم بن حميد، حميد بن مثنى، أبان بن عثمان، وعبد الله بن بكير (محمدي المازندراني، ١٤٢٥ق، ١: ٢٤-٢٩).

۳. رؤية علماء الرجال حول أبي بصير المرادي

في المصادر الرجالية المتقدمة، عادة ما تُذكر معلومات مثل الاسم والكنية ورواة عنه وامتلاكه لكتاب، بينما يُسكت عن حاله من حيث النقد الرجالي، ولا تُستخدم ألفاظ الجرح والتعديل (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢١؛ الطوسي، الفهرست، ٣٨٢؛ همو، رجال، ١٤٤، ٢٧٥، ٣٤٢؛ البرقي، ١٣٧١ق، ١٣). فقط في موضع واحد، أورد الشيخ الطوسي اسم أبي بصير المرادي ضمن أصحاب الإمام الكاظم (ع) ونقل عنه عبارة «أسند عنه» (الطوسي، رجال، ٣٤٢). وكما نعلم، هناك اختلاف في دلالة هذه العبارة ولفظها، والكثير من الوجوه المذكورة في بيان دلالتها قابلة للنقض (الكلباسي، ١٤٢٢ق، ٣: ٣٦٩-٣٧٥). من بين الآثار الرجالية المتقدمة، نواجه كتابي رجال الكشي ورجال ابن الغضائري، اللذين يحتويان على مادة جديرة بالاهتمام حول الوضع النقدي لأبي بصير المرادي. وقبل عرض وتحليل رؤية هذين الكتابين، من الجيد أن نعلم أن الرجاليين المتأخرين غالباً ما يوثقون أبا بصير المرادي باعتباره أحد أصحاب الإجماع (ابن داوود الحلي، ١٣٨٣ق، ٢٨٢، ٣٨٤؛ الحلي، ١٤١١ق، ١٣٧؛ الخوئي، ١٤١٠ق، ١٤: ١٥٠؛ الشوشتري، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٣٠؛ ١٢: ٤٣٩-٤٤٠؛ المامقاني، بي تا، ٢: قسم ٢، ٤٦).

۱-۳. رأي رجال الكشي

في رجال الكشي، الذي يتميز ببنيته الروائية، نُقلت عدة روايات تحت اسم أبي بصير ليث بن البختري (ش ٢٨٥-٢٩٩)، والتي يرى المحققون أن معظمها يتعلق بأبي بصير الأسدي (مثل الروايات ٢٨٦، ٢٨٩، ٢٩١، ٢٩٢، ٢٩٣، ٢٩٦، ٢٩٨. الشوشتري، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٢٨). روايات مدح أبي بصير المرادي كلها تندرج ضمن روايات المدح الجماعي. والمقصود بروايات المدح الجماعي تلك التي يُمدح فيها عدة رواة معاً. في رجال الكشي، ورد اسم أبي بصير في ثماني روايات للمدح الجماعي مع زرارة بن أعين، وبريد بن معاوية، ومحمد بن مسلم.(۱) (ش ٢٠، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠، ٢٨٦، ٢٨٧، تكرار في ٣٤٣،(۲) ٤٣٢). في هذه الروايات فقط في حالتين ورد اسم أبي بصير بشكل مطلق (ش ٢١٨، ٢٢٠)، وفي بقية الروايات صُرّح باسم ليث بن البختري المرادي.(۳)

هذه الأحاديث، باستثناء الرواية ش ٢٠ المنقولة عن الإمام الكاظم (ع)، كلها مروية عن الإمام الصادق (ع). وبناءً على هذه الأحاديث، يُعرّف أبو بصير المرادي بأنه من حواريي الصادق (ع) (ش ٢٠) ومن مصاديق «السابقون»، «المقربون» و«القوامون بالقسط» (٢٠، ٢١٨، ٢٨٧). وقد افتخر الإمام الصادق (ع) بأبي بصير وأقرانه بوصفهم «أصحاب أبي»، ووصفهم بألقاب مثل «نُجَبَاء»، «أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ»، «سابقون إلينا في الدنيا والآخرة»، «أوتاد الأرض» و«أعلام الدين» (ش ٢١٩، ٢٢٠، ٢٨٦، ٤٣٢)، وقال: لولا هؤلاء الأفراد لضاعت آثار النبوة وأُهملت (ش ٢٨٦).

من الناحية السندية، هناك روايتان صحيحتان فقط هما ٢١٩ و٢٨٦. أما بقية الروايات فتحتوي على راويين مجهولين هما علي بن سليمان بن داود الرازي (ش ٢٠، ٢١٨) ومحمد بن عبد الله المسمعي(۴) (ش ٢٢٠، ٢٨٧، تكرار في ٤٣٢، ٤٣٢). كما يوجد راويان فطحيان هما علي بن أسباط وعلي بن حديد في سند أربع من الأحاديث السبعة المذكورة أعلاه (ش ٢٠، ٢٢٠، ٢٨٧، ٤٣٢).

من بين الروايات الواردة تحت اسم ليث بن البختري في رجال الكشي، تم تحديد ست روايات تذمّه، وإن كان هناك اختلاف في الرأي حول بعضها. الموضوع الرئيسي لهذه الروايات هو سوء الأدب والتصرف غير اللائق من أبي بصير المرادي تجاه الإمام الصادق (ع) (ش ٢٨٥، ٢٨٨، ٢٩٠، ٢٩٤، ٢٩٥، ٢٩٧). من الناحية السندية، سند الرواية ٢٩٠ صحيح، والرواية ٢٩٥ موثقة،(۵) والبقية ضعيفة بسبب الإرسال أو التعليق أو وجود راوٍ مهمل ومجهول.

بناءً على رواية منقولة عن عبد الله بن بكير، حضر أبو بصير عند الإمام الصادق (ع) دون مراعاة طهارة جسده، فواجهه الإمام بتنبيه (ش ٢٨٨).(۶) وبناءً على رواية أخرى، في مجلس بحضرة الإمام الصادق (ع) حيث كان هشام بن سالم وأبو العباس (ربما البقباق) حاضرين، عندما دخل أبو بصير، شكر الإمام الله على أنه لم يشكُ أحد من الأصحاب من أبي بصير في تلك السنة. ويقول هشام في تتمة الرواية: أظن أن كلام الإمام كان تعريضاً بأبي بصير (ش ٢٩٠). كذلك في رواية أخرى يرويها أبو بصير نفسه، وُبّخ ونُبّه الإمام الباقر (ع) أبا بصير بسبب سلوك اجتماعي غير لائق – المزاح مع غير المحارم (ش ٢٩٥).(۷)

ثلاث روايات، ٢٨٥ و٢٩٤ و٢٩٧، تنقل سلوكاً وقولاً غير لائق من أبي بصير المرادي تجاه الإمام الصادق (ع). الروايتان ٢٨٥ و٢٩٤ تدوران حول موضوع واحد؛ ففي كلتيهما، يحضر ابن أبي يعفور والحديث يدور حول المال وحرص أبي بصير؛ فبناءً على رواية مرسلة يرويها ابن أبي يعفور، قرر هو وعدد من الأصحاب، منهم أبو بصير، أن يطلبوا بعض المال من شخص ثري لأداء الحج. فقال ابن أبي يعفور لأبي بصير: أنت تملك أموالاً كثيرة، فلماذا تطلب المال للحج؟ فقال أبو بصير: اسكت، فلو كانت الدنيا كلها وقفاً لصديقك لوضعها تحت ردائه (ش ٢٨٥). والمقصود بصديقه هو الإمام (ع). وفي رواية أخرى، نُقل مضمون مشابه عن حماد بن عثمان. وفي هذه الرواية، صُرّح باسم المرادي (ش ٢٩٤).

في الرواية ٢٩٧، نُقلت رواية أخرى بموضوع مختلف ودون تقييد لأبي بصير، حيث يشابه راويها وجزءها الأخير الرواية ٢٩٤؛ في هذه الرواية، التي يعود ضعف سندها إلى جبرئيل بن أحمد، عن حماد ناب – وهو نفسه حماد بن عثمان- نُقل أن أبا بصير كان ينتظر الإذن بالدخول عند باب الإمام الصادق (ع)، فلم يُؤذن له. فقال أبو بصير: لو كان معي طبق أهديه، لكان قد أُذن لي بالدخول. في تلك اللحظة، كان هناك حيوان لوّث وجه أبي بصير. وبعد أن أبدى الأعمى اشمئزازه وكراهيته، سأل: ما هذا؟ فأخبروه بما كان (ش ٢٩٧).

كما لوحظ، نُقلت في رجال الكشي فئتان من الروايات، مادحة وذامة، حول أبي بصير المرادي، ولم يُبدَ أي رأي صريح بشأن الراوي.

۲-۳. رأي ابن الغضائري

بعد أن يقدم ابن الغضائري بعض المعلومات الشخصية عن أبي بصير، يكتب: «كان أبوعبدالله (ع) يَتَضَجَرُ به ويَتَبَرَّمُ وأصحابه مُختَلِفون في شأنه وعندي أنَّ الطعن إنَّما وقع على دينه لا على حديثه و هو عندى ثِقَةٌ» (ابن الغضائري، ١٤٢٢ق، ١١١). ضمن هذا الكلام، ينقل ابن الغضائري استياء وتكدّر خاطر الإمام الصادق (ع) من أبي بصير المرادي، ويشير إلى اختلاف آراء الأصحاب في حاله الرجالي، ثم يبين رأيه بأن الطعن الموجه لأبي بصير يتعلق بدينه لا بحديثه؛ وعليه، فهو ثقة ومعتمد عنده.

۱-۲-۳. دراسة رأي العلامة الشوشتري حول كلام ابن الغضائري

يعتقد العلامة الشوشتري، بالاعتماد على تقارير رجال الكشي حول أبي بصير المرادي، أن رأي ابن الغضائري يستند إلى روايات الذم؛ فقد قسّم كلام ابن الغضائري إلى قسمين، وذكر لكل قسم روايات الذم المتعلقة به؛ فالقسم الذي يتحدث عن استياء الإمام الصادق (ع) من أبي بصير(۸) يرى أن ابن الغضائري كان ناظراً إلى روايتين؛ في إحداهما، حمد الإمام (ع) الله على عدم شكوى أحد من أبي بصير (الطوسي، ١٤٠٩ق، ٢٩٠)، وفي الأخرى، لم يأذن الإمام (ع) لأبي بصير بالدخول (نفس المصدر، ش ٢٩٧). كما اعتبر أن كلام ابن الغضائري حول وقوع الطعن في دين أبي بصير «عندي أنَّ الطعن إنّما وقع على دينه» مأخوذ من روايتي شعيب العقرقوفي حول عدم اكتمال علم الإمام الكاظم (ع) (ش ٢٩٢، ٢٩٣) (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٣٠؛ ١٢: ٤٣٨-٤٣٩). ويضيف العلامة الشوشتري أن ابن الغضائري، من جهة، يطعن في دين أبي بصير، ومن جهة أخرى، يعتمد على حديثه، وهذا في الواقع جمع بين روايات ذمه وكلام الكشي الذي يضعه في زمرة الأفراد الذين يوجد اتفاق على صحة أحاديثهم (نفس المصدر)، والمقصود بهم أصحاب الإجماع.

لقد أقام العلامة الشوشتري صلة مباشرة بين كلام ابن الغضائري وروايات الذم لأبي بصير في رجال الكشي؛ لذا، لإثبات وجود هذه الصلة وفهم كلام ابن الغضائري فهماً دقيقاً، لا بد من دراسة روايات رجال الكشي حول أبي بصير المرادي.

۱-۱-۲-۳. تحليل رأي العلامة الشوشتري

يبدو أن أصل كلام العلامة الشوشتري في أن كلام ابن الغضائري عن أبي بصير المرادي متأثر بوجود نوع من الروايات الذامة التي وردت في رجال الكشي، هو رأي قابل للتأييد ولا شك فيه. لكن تقسيم كلام ابن الغضائري إلى قسمين منفصلين وتخصيص مستندات روائية خاصة بكل قسم، وكذلك نوع الاستناد إلى روايات الذم، فيه نظر؛ وللتنبيه على المطلوب، ننقل كلام ابن الغضائري مجدداً: «كان أبو عبد الله (ع) يَتَضَجَرُ به ويَتَبَرَّمُ وأصحابه مختلفون في شأنه وعندي أنَّ الطعنَ إنَّما وقع على دينه لا على حديثه و هو عندى ثقة». نلاحظ أن القسم الثاني من الكلام مرتبط تماماً بالقسم الأول ويسير في نفس اتجاهه. ففي الواقع، إن تكدّر خاطر الإمام الصادق (ع) واستياءه من أبي بصير هو ما دفع ابن الغضائري إلى استنباط وقوع الطعن في دينه. وعليه، فإن المقصود من الطعن هنا واضح، ويجب أن يتضح المقصود من «الدين» في كلام ابن الغضائري.

۲-۲-۳. المقصود من «الدين» في رأي ابن الغضائري الرجالي

سبق أن ذكرنا أن العلامة الشوشتري اعتبر أن كلام ابن الغضائري القائم على وقوع الطعن في دين أبي بصير مأخوذ من روايتي شعيب العقرقوفي في مسألة عدم اكتمال علم الإمام الكاظم (ع) (ش ٢٩٢، ٢٩٣) (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٣٠؛ ١٢: ٤٣٨-٤٣٩). وفي السياق ذاته، اعتبر پاكتچي أن المقصود من «الدين» في كلام ابن الغضائري هو مذهب الراوي واعتقاده، وأشار ببعض القرائن والشواهد إلى أن أبا بصير المرادي لم يكن يعتقد اعتقاداً صحيحاً بإمامة الإمام الكاظم (ع) وكان يميل إلى الفكر الفطحي. وعليه، فإن كلام ابن الغضائري يشير إلى هذا الموضوع (پاكتچي، ١٣٧٨ش، ٥: ٢١٥-٢١٦). وقد اعتبر الروايتين ٢٩٢ و٢٩٣ متعلقتين بأبي بصير المرادي (نفس المصدر، ٢١٤).

في نقد الرأيين السابقين، يجب القول إن الشواهد والقرائن تدل على أن روايتي شعيب العقرقوفي في مسألة عدم اكتمال علم الإمام الكاظم (ع) (ش ٢٩٢، ٢٩٣) تتعلقان بأبي بصير الأسدي لا المرادي. كما أن أبا عمرو الكشي، بناءً على الشواهد، نقل نسخة محرفة من الرواية بسندين مختلفين. وعامل التحريف هو خطأ الرواة في فهم الرواية فهماً صحيحاً. وقد أشار العلامة الشوشتري نفسه في موضع آخر إلى وقوع التحريف في متن الرواية المذكورة (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٣٠-٦٣١). من وجهة نظرنا، وبناءً على إثبات أن روايتي شعيب العقرقوفي تتعلقان بأبي بصير الأسدي، وأنهما من حيث المضمون لا علاقة لهما بمسألة نفي إمامة الإمام الكاظم (ع) أو التقصير في أداء حقه، فلا يمكن نسبة كلام ابن الغضائري القائم على وقوع الطعن في دين أبي بصير المرادي إلى اعتقاده بشأن إمامة الإمام الكاظم (ع). وبناءً على المضامين الذامة في بعض الروايات المعتبرة في رجال الكشي، يمكن اعتبار أن المقصود بالدين هو منهج وسلوك وتصرفات أبي بصير المرادي.

فيما يلي، لتوضيح المسألة، ننتقل إلى نقل وتحليل روايتي شعيب العقرقوفي:

۱-۲-۲-۳. رواية شعيب العَقَرْقُوفي ووقوع التحريف فيها

في رجال الكشي، نُقلت روايتان متتاليتان بمضمون متشابه واختلاف جزئي في بعض التعابير بطريقين عن شعيب العقرقوفي، وهما في الواقع تقرير لواقعة واحدة. ورغم أن الرواية ٢٩٣ صرّحت باسم أبي بصير المرادي، إلا أن هناك اختلافاً في الرأي بين أهل العلم حول أي أبي بصير هو المقصود في الروايتين. فبناءً على تشخيص العلامة المامقاني، فإن أبا بصير المذكور في هاتين الروايتين، بقرينة كونه أعمى وكون الراوي هو شعيب العقرقوفي ابن أخت أبي بصير الأسدي (النجاشي، ١٤٠٧ق، ١٩٥)، هو أبو بصير الأسدي الضعيف؛ ومن وجهة نظر المامقاني، فإن من غير اللائق بمكانة أبي بصير المرادي الرفيعة أن تكون الرواية عنه. ويرى المامقاني أن ذكر اسم المرادي في الرواية ٢٩٢ إضافة من النساخ، وأن إدراج هذه الرواية تحت اسم أبي بصير المرادي هو سهو قلم من الكشي.(۹) (المامقاني، بي تا، ٢: ٤٥). ولم يقبل العلامة الشوشتري كلام المامقاني، لكنه لم يتحدث بصراحة في هذا الموضوع، وفي النهاية يوضح الرواية بطريقة لا تدل على قدح وجرح الراوي، ولا يهم من أي أبي بصير نُقلت الرواية.(۱۰) (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ١٢: ٤٣٣).

وقد أورد أحمد بن طاووس هاتين الروايتين تحت اسم ليث بن البختري، أبي بصير المرادي (صاحب معالم، ١٤١١ق، ٤٩٠). ونقل آية الله الخوئي الروايتين تحت اسم كلا من أبي بصير، وفي موضع نسبها إلى أبي بصير الأسدي لعدم ثبوت كون أبي بصير المرادي من أصحاب الإمام الكاظم (ع) (١٤١٠ق، ١٤: ١٥٠)، وفي موضع آخر، نسبها إلى أبي بصير المرادي لتصريح الرواية ٢٩٣ باسمه (نفس المصدر، ٢٠: ١٧٩). وقد أورد بحثاً تفصيلياً حول الرواية تحت اسم أبي بصير المرادي.

الدليل المعتبر الوحيد في نظرنا على نسبة الروايتين ٢٩٢ و٢٩٣، اللتين تشيران في الواقع إلى موضوع واحد، إلى أبي بصير الأسدي، هو راويها. فشعيب بن يعقوب العقرقوفي لم يروِ قط حديثاً عن ليث بن البختري؛ أبي بصير المرادي، في نطاق روايات الجوامع الحديثية المتقدمة ووسائل الشيعة. هذا في حين أن المذكور هو راوي ٦٨.٥٪ من روايات خاله؛ أبي بصير الأسدي. الدليل الآخر الذي يدعم هذا الادعاء هو أنه في الروايات الرجالية لأبي بصير المرادي وغيره، لا يوجد أي دليل على ارتباطه بالإمام الكاظم (ع). وفي هذا السياق، اعتبر بعض أهل العلم أن أبا بصير في هذه الرواية هو أبو بصير الأسدي (الموسوي الخوانساري، ١٣٨٠ش، ٣٠٤).

بناءً على فرض أن المقصود بأبي بصير في الروايتين ٢٩٢ و٢٩٣ هو أبو بصير الأسدي، ننتقل إلى عرض محتوى الرواية وتحليلها:

بناءً على الرواية ٢٩٢، في زمن إمامة الإمام الكاظم (ع)، نقل أبو بصير يوماً لشعيب العقرقوفي أنه سأل الإمام الصادق (ع) عن حكم زواج رجل بامرأة متزوجة. قال الإمام: تُرجم المرأة، ويُجلد الرجل مائة جلدة لأنه لم يتحقق من الأمر. وفي مرة أخرى، سأل شعيب نفس السؤال من الإمام الكاظم (ع)، فأجاب الإمام: حكم المرأة الرجم، ولكن لا حد على الرجل. ذهب شعيب إلى أبي بصير ونقل له حواره مع الإمام الكاظم (ع). فوضع أبو بصير يده على صدره وقال: «مَا أَظُنُّ صَاحِبَنَا تَنَاهَى حِلْمُهُ بَعْدُ».

تبدأ الرواية ٢٩٣ بسؤال شعيب للإمام الكاظم (ع)، ويجيب الإمام بنفس الإجابة المذكورة في الرواية السابقة. ولكن هنا، في سؤال شعيب، قُيّد بأن الرجل لم يكن يعلم أن المرأة متزوجة، وفي إجابة الإمام بعدم وجود حد على الرجل، ورد هذا القيد أيضاً. ثم نقل شعيب هذا السؤال والجواب لأبي بصير، فقال أبو بصير: «وَ اللَّهِ جَعْفَرٌ تُرْجَمُ الْمَرْأَةُ وَيُجْلَدُ الرَّجُلُ الْحَدَّ، وَقَالَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِهِ يَحُكَّهَا: أَظُنُّ صَاحِبَنَا مَا تَكَامَلَ عِلْمُهُ».(۱۱) أي: والله كان جعفر بن محمد (ع) يرجم المرأة ويجلد الرجل الحد. ثم وضع يده على صدره وفركها وقال: أظن أن علم صاحبنا لم يكتمل.

يبدو أن كلمة «حِلْمُهُ» في الجزء الأخير من الرواية ٢٩٢ هي تحريف لكلمة «عِلْمُهُ» في الرواية ٢٩٣. ولتأييد هذا القول، يجب أن نذكر أن الشيخ الطوسي نقل بسنده رواية ٢٩٣ من رجال الكشي التي رواها صفوان عن شعيب في كتابيه التهذيب. نلاحظ أنه بناءً على ظاهر هذه الروايات، فإن الموضوع الرئيسي للرواية هو وجود اختلاف في الأحكام في كلام الإمام الصادق (ع) والإمام الكاظم (ع) في فترتين زمنيتين، وهو ما لاحظه أبو بصير وشكك بناءً عليه في اكتمال علم الإمام الكاظم (ع).

وقد أوضح الشيخ الطوسي في شرح الرواية وحل التعارض الذي نشأ لدى أبي بصير، أنه لا يوجد تنافٍ بين رواية شعيب عن الإمام الكاظم (ع) ورواية أبي بصير عن الإمام الصادق (ع)؛ لأن فتوى الإمام الكاظم (ع) كانت في حالة عدم علم الرجل بأن المرأة متزوجة، أما فتوى الإمام الصادق (ع) بإجراء الحد على الرجل، فكانت في حالة علمه بالمسألة وارتكابه للزنا. وعليه، فقد اشتبه الأمر على أبي بصير ولم يتمكن من التمييز بين المسألتين، وبالتالي تصور وجود تناقض في فتوى الإمامين، مما أدى إلى اعتقاده بعدم اكتمال علم الإمام الكاظم (ع) (الطوسي، ١٤٠٧ق، ٧: ٤٨٧؛ همو؛ ١٣٩٠ق، ٣: ١٩٠). وقد اعتبر العلامة المجلسي هذه الرواية مشتملة على قدح كبير في أبي بصير الأسدي، وجعلها شاهداً على وقفيته التي طرحها العلامة الحلي. والجدير بالذكر أن العلامة الحلي اعتبر يحيى بن قاسم أبا بصير الأسدي هو نفسه يحيى بن القاسم الحذاء، ولهذا نقل كلام الكشي (ش ٩٠١) ورجال الشيخ (ص ٣٤٦) حول وقفية يحيى بن القاسم الحذاء. ويضيف أنه بناءً على توثيق النجاشي تحت عنوان يحيى بن قاسم أبي بصير الأسدي، يجب العمل برواياته رغم فساد مذهبه (الحلي، ١٤١١ق، ٢٦٤). ويوضح العلامة المجلسي مباشرة بعد ذلك أنه نظراً لوفاة أبي بصير قبل الإمام الكاظم (ع) وظهور الواقفية، فإن الوقفية هنا بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي؛ أي أنه كان ناووسياً؛(۱۲) أي توقف على إمامة الإمام الصادق (ع).(۱۳) (المجلسي، محمد باقر، ١٤٠٦ق، ١٢: ٥١٠).

وقد اعتبر المجلسي الأول، بسبب وجود «صَاحِبَنَا» في كلام أبي بصير وعمل الأصحاب برواياته، أن اعتقاد أبي بصير بإمامة الإمام الكاظم (ع) صحيح، وطرح وهمه بتعارض فتاوى الإمامين. كما احتمل افتراء خصوم أبي بصير عليه في هذه الرواية (المجلسي، محمد تقي، ١٤٠٦ق، ١٠: ١٤). أما الشعراني، فاستناداً إلى الرواية المذكورة وبسبب وضوح حكم المسألة، استنتج تخليط أبي بصير الأسدي وضعف عقله (الشعراني، ١٤٠٦ق، ١٥: ٣١٤). ويبدو أن كلام الشعراني يتماشى مع رأي الحسن بن علي بن فضال الذي وصف أبا بصير الأسدي بأنه «مخلط» (ش ٢٩٦).

أما الوحيد البهبهاني، فبالإضافة إلى التشكيك في صحة الحديث، لم يعتبر نسبة مثل هذه الآراء إلى الأصحاب في ذلك الزمان موجبة للقدح (البهبهاني، بي تا، ٢٨٩). وقام المامقاني، بقبول مدلول روايتي الكشي واعتبار هذا المدلول غير متوافق مع روايات مدح وتمجيد أبي بصير الأسدي من قبل الإمام الصادق (ع) (المامقاني، بي تا، ٢: ٤٦)، بتوجيه الروايات والدفاع عن شخصية أبي بصير الأسدي (نفس المصدر، ٣: ٣١١، ذيل رواية ٢٩٢).

في سياق تتبعنا للفهم الصحيح للرواية، نواجه رواية أخرى في التهذيبين نقلها الشيخ عن ابن أبي عمير عن شعيب العقرقوفي. ورغم أن موضوع الرواية هو نفس موضوع الروايات السابقة، إلا أن محتواها يختلف اختلافاً جوهرياً، ويبدو أن هذه الرواية هي الأصل (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ١٢: ٤٤٣)، وأن بقية الروايات هي نقل بالمعنى أو تحريف لها. فبناءً على هذه الرواية، سأل شعيب الإمام الكاظم (ع) عن حكم رجل تزوج بامرأة متزوجة. نلاحظ أنه في هذا السؤال لم يرد قيد علم الرجل أو عدم علمه بكون المرأة متزوجة. فأجاب الإمام: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قُلْتُ: فَعَلَيْهِ ضَرْبٌ؟ قَالَ: لَا مَا لَهُ يُضْرَبُ». بعد سماع هذا الجواب، خرج شعيب من عند الإمام والتقى في طريقه بأبي بصير ونقل له حواره مع الإمام. فقال أبو بصير الأعمى: أين أنا؟ فأخبره شعيب بالمكان. فرفع أبو بصير يده وقال: برب هذا البيت، سمعت جعفراً (ع) يقول إن علياً (ع) قضى في رجل تزوج بامرأة متزوجة فرجم المرأة وجلد الرجل الحد. ثم قال علي (ع): لو علمت أنك تعلم [بأنها متزوجة] لرضخت رأسك بالحجارة. وما أخشاه هو أنك لم تكن تعلم بالموضوع.(۱۴) هذه الرواية اعتبرت صحيحة سنداً (المجلسي، محمد باقر، ١٤٠٦ق، ١٦: ٤٩).

بناءً على هذه الرواية، لا يزال وهم أبي بصير بتعارض فتاوى الإمامين قائماً، وهو ما سعى الشيخ إلى نفيه (الطوسي، ١٤٠٧ق، ١٠: ٢٥-٢٦؛ همو، ١٣٩٠ق، ٤: ٢٠٩-٢١٠). النقطة الجديرة بالاهتمام هنا هي أن قائل الجملة الأخيرة في الرواية، التي وردت في الروايات السابقة بشكل محرف ومهين منسوب لأبي بصير، هو في هذه الرواية الإمام علي (ع) وبمعنى مختلف وحول الرجل الذي ارتكب الخطأ. ومما يؤيد أن الجمل الأخيرة هي من كلام أمير المؤمنين (ع) لا أبي بصير، فهم الشيخ الصدوق في نقله المختصر لهذه الرواية.(۱۵)

وقد انتبه العلامة المحقق محمد تقي الشوشتري بذكاء لهذه النقطة. فقد اعتبر الجملة الأخيرة من الرواية معطوفة على الجملة السابقة، التي أجمعوا على أن فاعلها هو الإمام علي (ع)، وبناءً عليه استخلص معنى صحيحاً للرواية. واعتبر الشوشتري أن نسبة الجملة الأخيرة لأبي بصير ونقلها بالمعنى غير الصحيح ناتج عن وهم الرواة وخطئهم في فهم الرواية الصحيح (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ٨: ٦٣٠-٦٣١؛ ١٢: ٤٤١-٤٤٣). وقد اعتبر آية الله الخوئي روايتي التهذيب معتبرتين بعد أن ضعّف روايتي رجال الكشي؛ ولكنه في النهاية وكّل علم هاتين الروايتين إلى أهله (الخوئي، ١٤١٠ق، ١٤: ١٤٩-١٥٠).

۱-۱-۲-۲-۳. خلاصة واستنتاج

النتيجة هي أن هاتين الروايتين هما تحريف ونقل بالمعنى الخاطئ لرواية تتعلق بأبي بصير الأسدي لا المرادي، ومضمونها لا علاقة له باعتقاد الراوي بأصل إمامة الإمام الكاظم (ع). في الروايات التي حددناها وحللناها في ذم أبي بصير المرادي، لم يرد ذكر الإمام الكاظم (ع) قط، ورواية عدم نقل أبي بصير المرادي عن الإمام الكاظم (ع) – التي أُشير إليها في بداية البحث – ليست بالضرورة دليلاً على عدم اعتقاده بإمامته، بل يُحتمل أن أبا بصير المرادي، بناءً على تقرير النجاشي والبرقي (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٣٢١؛ البرقي، ١٣٨٣ق، ١٣، ١٨) اللذين أدرجاه فقط ضمن أصحاب الإمامين الباقر والصادق (ع)، قد توفي على أعتاب إمامة الإمام الكاظم (ع) أو بعدها بقليل، رغم تأخره في الطبقة عن أبي بصير الأسدي. ومع كل هذا، ورغم أنه لا يمكن إنكار ميل أبي بصير المرادي إلى الفطحية بناءً على شواهد أخرى،(۱۶) إلا أننا لا نقبل أهم مستند لميل أبي بصير المرادي إلى الفطحية، وهو روايتا شعيب العقرقوفي في موضوع عدم اكتمال علم الإمام الكاظم (ع) (ش ٢٩٢، ٢٩٣)، ونعتبر هاتين الروايتين متعلقتين بأبي بصير الأسدي لا المرادي، مع العلم بأنه من خلال التحليل المقدم، اتضح أن موضوع الرواية أمر آخر ولا علاقة له أساساً بعقيدة الراوي حول إمامة الإمام الكاظم (ع).

۴. الخاتمة

۱. سبب استياء وتكدّر خاطر الإمام الصادق (ع) من أبي بصير المرادي هو صدور سلوكيات وأقوال غير لائقة منه وفهمه الضعيف لمقام الإمامة، لدرجة أنه كان يظن مثلاً أن الإمام الصادق (ع) يفرح بتلقي هدية كأي شخص عادي ويمكن التأثير عليه بذلك.
۲. بناءً على إثبات أن روايتي شعيب العقرقوفي تتعلقان بأبي بصير الأسدي، وأنهما من حيث المضمون لا علاقة لهما بمسألة نفي إمامة الإمام الكاظم (ع) أو التقصير في أداء حقه، فلا يمكن نسبة كلام ابن الغضائري القائم على وقوع الطعن في دين أبي بصير المرادي إلى اعتقاده بشأن إمامة الإمام الكاظم (ع).
۳. بناءً على المضامين الذامة في بعض الروايات المعتبرة في رجال الكشي، يمكن اعتبار أن المقصود بالدين هو منهج وسلوك وتصرفات أبي بصير المرادي.
۴. أداء بعض الرجاليين في النقد السندي أو توجيه مضمون روايات ذم الأصحاب، وبالتالي الحكم بعدم اعتبار هذه المجموعة من الروايات، هو أداء غير صحيح.
۵. الروايات المختلفة في مدح وذم أبي بصير المرادي تظهر تفاوت مستوى معرفة وفهم أصحاب الإمام الصادق (ع) لمكانة وموقع وشخصية الأئمة (ع).
۶. الروايات المختلفة في مدح وذم أبي بصير المرادي تتنافى مع فكرة التقديس التام لأصحاب الأئمة، وتتعارض مع عدالة ووثاقة الراوي التي منشؤها صدق وضبط الراوي.

المصادر

ابن داوود الحلي، حسن بن علي، رجال ابن داود، طهران: انتشارات دانشگاه تهران، ١٣٨٣ق.

ابن الغضائري، أحمد بن حسين، الرجال، تحقيق: محمدرضا حسيني جلالي، قم: دار الحديث، ١٤٢٢ق.

البرقي، أحمد بن محمد، المحاسن، قم: دار الكتب الإسلامية، چاپ دوم، ١٣٧١ق.

________، رجال البرقى، طهران: انتشارات دانشگاه تهران، ١٣٨٣ق.

البهبهاني، محمد باقر، تعليقة على منهج المقال، قم: موسسه تحقيقات و نشر معارف اهل البيت (ع)، بي تا.

پاكتچي، أحمد، «ابوبصير»، دائرة المعارف بزرگ اسلامي، زير نظر سيد كاظم موسوي بجنوردي، طهران: مركز دائرة المعارف بزرگ اسلامي، ١٣٧٨ش.

الحلي، حسن بن يوسف، رجال العلامة الحلي، قم: دار الذخائر، ١٤١١ق.

الحميري، عبد الله بن جعفر، قرب الاسناد، قم: مؤسسه آل البيت (ع)، ١٤١٣ق.

الخوئي، ابو القاسم، معجم رجال الحديث، مركز نشر آثار شيعه، قم، ١٤١٠ق.

السبحاني التبريزي، جعفر، كليات في علم الرجال، قم: حوزه علميه قم، ١٤١٠ق.

الشعراني، ابو الحسن، تحقيق بر الوافي فيض كاشاني، اصفهان: كتابخانه امام اميرالمؤمنين علي (ع)، ١٤٠٦ق.

الشوشتري، محمد تقي، قاموس الرجال، قم: مؤسسه نشر اسلامي، ١٤٢٢ق.

صاحب معالم، حسن بن زين الدين، التحرير الطاووسى، المستخرج من كتاب حل الاشكال احمد بن طاووس، قم: مكتب آية الله مرعشي نجفي، ١٤١١ق.

الصدوق، محمد بن علي، علل الشرايع، قم: كتاب فروشی داوري، ١٣٨٥ش.

________، عيون اخبار الرضا (ع)، تحقيق: مهدي لاجوردي، طهران: نشر جهان، ١٣٧٨ش.

الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (ص)، قم: مكتب آية الله مرعشى نجفي، چاپ دوم، ١٤٠٤ق.

الطوسي، محمد بن حسن، اختيار معرفة الرجال معروف برجال الكشي، مشهد: مؤسسه نشر دانشگاه مشهد، ١٤٠٩ق.

________، الاستبصار فيما اختلف من الأخبار، طهران: دار الكتب اسلاميه، ١٣٩٠ق.

________، الرجال، انتشارات حيدريه، نجف، ١٣٨١ق.

________، تهذيب الاحكام، تحقيق خرسان، طهران: دار الكتب الإسلاميه، چاپ چهارم، ١٤٠٧ق.

________، فهرست، نجف: مطبعه حيدريه، ١٣٨١ق.

فيض الكاشاني، محمد محسن، الوافي، اصفهان: كتابخانه امام أمير المؤمنين علي (ع)، ١٤٠٦ق.

الكلباسي، ابوالهدى، سماء المقال في علم الرجال، تحقيق: محمد حسيني قزويني، قم: مؤسسه ولي عصر (ع) للدراسات، ١٤١٩ق.

الكلباسي، محمد بن محمد ابراهيم، الرسائل الرجالية، تصحيح: محمد حسين درايتي، قم: دار الحديث، ١٤٢٢ق.

محمدي مازندراني، بشير، مسند ابي بصير، قم: دار الحديث، ١٤٢٥ق.

المامقاني، عبدالله، تنقيح المقال في علم الرجال، نجف: مطبعه مرتضويه، بي تا.

المجلسي، محمد باقر، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار، قم: كتابخانه آيه الله مرعشي نجفي، ١٤٠٦ق.

المجلسي، محمد تقى، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، قم: مؤسسه فرهنگي اسلامي كوشانبور، چاپ دوم، ١٤٠٦ق.

موسوي خوانساري، مهدي، رسالة عديمة النظير في أحوال أبي بصير، تحقيق: مهدي هوشمند، در مجموعه: ميراث حديث شيعه، دفتر سيزدهم، قم: دار الحديث، ١٣٨٠ش. ص ٢٧٥-٤٤٦.

النجاشي، احمد بن علي، رجال النجاشي، قم: انتشارات جامعه مدرسين، ١٤٠٧ق.

النوبختي، احمد بن موسي، فرق الشيعه، بيروت: دار الاضواء، بي تا.

الهوامش

۱. بحذف حالة مكررة، ينخفض العدد إلى سبع روايات.

۲. في رجال الكشي، يوجد إجمالاً أربع عشرة رواية في مدح عدد من أصحاب الصادقين (ع) (ش ٢٠، ٢١٥، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠، ٢٨٦، ٢٨٧، ٣٢٥، ٣٢٦، ٤٣١، ٤٣٢، ٤٣٣، ٤٣٤، ٤٣٨). وهذه الروايات الأربع عشرة وردت من طريقين: قمي وكوفي. روايات المدح الجماعي تنقسم إلى فئتين؛ اسم زرارة بن أعين، وبريد بن معاوية، ومحمد بن مسلم موجود في كلتا الفئتين. لكن اسم أبي بصير وأبي جعفر الأحول {محمد بن علي بن نعمان} متغير في هذه الروايات.

۳. عموماً، وجه تكرار الرواية في رجال الكشي هو اختلاف صدر السند في طبقة المشايخ ومشايخ مشايخ الكشي.

۴. محمد بن عبد الله المسمعي مجهول، ولم يرد اسمه في مصادر الرجال المتقدمة. فقط ابن بابويه ذكره بسلبية من وجهة نظر محمد بن الحسن بن الوليد: «سيّئ الرأي في محمد بن عبد الله المسمعي» (صدوق، ١٣٧٨ش، ٢: ٢٠-٢١). ومع ذلك، استنتج المامقاني، نقلاً عن الوحيد البهبهاني، حسن حال الراوي لعدم استثناء ابن الوليد لروايات محمد بن عبد الله المسمعي من روايات نوادر الحكمة، ولكثرة رواية سعد بن عبد الله الأشعري عنه (مامقاني، بي تا، ٣: ١٤٦).

۵. الرواية ٢٩٠ في رجال الكشي تبدأ بشكل معلق باسم حسين بن أشكيب. وقد نقلها الكشي بواسطة محمد بن مسعود العياشي عن حسين بن أشكيب، وبهذا يخرج السند من حالة التعليق ويُعرف بأنه صحيح. كذلك في الرواية ٢٩٥ يوجد حسين بن مختار، الذي ذكر الشيخ الطوسي أنه واقفي (طوسي، الرجال، ١٣٨١ق، ٣٣٤)، لكن النجاشي سكت عن ذكر مذهبه (النجاشي، ١٤٠٧ق، ٥٤). على أي حال، سند الرواية معتبر، سواء كان صحيحاً أم موثقاً.

۶. نقل الصفار والحميري هذا المضمون بسند مختلف (الصفار، ١٤٠٤ق، ١: ٢٤١؛ الحميري، ١٤١٣ق، ٤٣).

۷. في دفاعه عن أبي بصير، يطرح المامقاني عدم علمه بحرمة الدخول إلى بيت الإمام دون طهارة، ويعتبرها غفلة وخطأ لا يخل بعدالة الراوي (المامقاني، بي تا، ٢: قسم ٢، ٤٥). كما نفى الرجاليون دلالة الذم في الروايتين ٢٩٥ و٢٩٠ وقاموا بتوجيهها؛ ففي الرواية ٢٩٠ لم يعتبروا ظن هشام حجة، واعتبروا دلالة هذه الرواية أقرب إلى المدح منها إلى الذم (الخوئي، ١٤١٠ق، ١٤: ١٤٧؛ المامقاني، بي تا، ٢: قسم ٢، ٤٥). أما الرواية ٢٩٥، فلأن ناقلها هو أبو بصير نفسه، فهذا يدل على أنه لم يكن له دافع من نقل الرواية سوى إيصال علم الإمام الباقر (ع) بالغيب، ومضمون الرواية ليس ذماً لأبي بصير (المامقاني، بي تا، ٢: قسم ٢، ٤٦).

۸. يقول العلامة المامقاني في توجيه الروايتين ٢٨٥ و٢٩٤: ليس من الواضح تماماً من المقصود بـ«صاحب» في الروايتين المذكورتين. ويحتمل أن يكون المقصود بـ«صاحبك» و«صاحبكم» في كلام أبي بصير هو أبو بصير نفسه. وكأن أبا بصير يتحدث عن نفسه بهذه الطريقة (نفس المصدر، ٤٥-٤٦). وفي رده على الرواية ٢٩٧، يكتب: لم يكن غرض أبي بصير إهانة الإمام (ع)، بل إما أنه كان في الواقع يعبر عن أسفه لعدم إحضار هدية للإمام ليعمل بالآية الشريفة «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ» (المجادلة: ١٢)، أو أن كلامه كان موجهاً إلى بواب بيت الإمام وكان يقصد المزاح معه (نفس المصدر، ج ٢، قسم ٢، ٤٦). وبصرف النظر عن احتمال وجود بعض الروايات المصطنعة عن الرواة، وخاصة أصحاب الإمام الصادق (ع)، فإن التوجيهات غير المبررة والمتكلفة أحياناً من العلامة المامقاني أدت إلى استياء العلامة الشوشتري ودفعته إلى نقد أداء العلامة المامقاني في هذا الخصوص (الشوشتري، ١٤٢٢ق، ١٢: ٤٤١).

۹. انتقد العلامة الشوشتري هذا الرأي ويعتقد أن «أبا بصير» كنية لجميع المكفوفين {فاقدي البصر} (١٤٢٢ق، ٨: ٦٢٩).

۱۰. بالطبع، يظهر تحليل العلامة الشوشتري في بيان مستندات رأي ابن الغضائري حول أبي بصير المرادي أنه يعتبر الروايتين ٢٩٢ و٢٩٣ صحيحتين فيما يتعلق بأبي بصير المرادي.

۱۱. نقل الشيخ الطوسي يختلف قليلاً عن الكشي في الجملة الختامية للرواية: «قَالَ بِيَدَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَحَكَّهُ مَا أَظُنُّ صَاحِبَنَا تَكَامَلَ عِلْمُهُ» (الطوسي، ١٤٠٧ق، ٧: ٤٨٧؛ همو، ١٣٩٠ق، ٣: ١٨٩-١٩٠).

۱۲. تُسمى فئة من الشيعة بالناووسية؛ نسبة إلى شيخ ورجل من أهل البصرة اسمه ابن ناووس. كان يعتقد أن جعفر بن محمد لا يزال حياً وهو المهدي القائم الذي لا يموت حتى يظهر ويستولي على الحكم (النوبختي، بي تا، ٦٧).

۱۳. المجلسي الثاني لم يبدِ رأياً في تحديد أي أبي بصير هو المقصود.

۱۴. «لَسَمِعْتُ جَعْفَراً يَقُولُ إِنَّ عَلِيّاً ع قَضَى فِي الرَّجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَهَا زَوْجٌ فَرَجَمَ الْمَرْأَةَ وَ ضَرَبَ الرَّجُلَ الْحَدَّ ثُمَّ قَالَ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ عَلِمْتَ لَفَضَخْتُ رَأْسَكَ بِالْحِجَارَةِ ثُمَّ قَالَ مَا أَخْوَفَنِي أَنْ لَا يَكُونَ أُوتِيَ عِلْمَهُ» (الطوسي، ١٤٠٧ق، ١٠: ٢٥-٢٦؛ همو، ١٣٩٠ق، ٤: ٢٠٩-٢١٠).

۱۵. «وَ رَوَى شُعَيْبٌ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) قَضَى عَلِيٌّ (ع) فِي رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ رَجُلٍ أَنَّهُ رَجَمَ الْمَرْأَةَ وَ ضَرَبَ الرَّجُلَ الْحَدَّ وَقَالَ (ع) لَوْ عَلَّمْتُ أَنَّكَ عَلِمْتَ لَفَضَخْتُ رَأْسَكَ بِالْحِجَارَة». هناك احتمال أن تكون علامة (ع) بعد كل (قال) من المعصوم من عمل محقق الأثر علي أكبر غفاري – وهذا الأمر مهم لنا؛ لأنه يمثل فهم محدث وباحث خبير. ورغم ذلك، اعتبر البعض أن فاعل فعل «قال» في الجملة الختامية للرواية هو أبو بصير (فيض الكاشاني، ١٤٠٦ق، ١٥: ٣١٥؛ المجلسي، محمد باقر، ١٤٠٦ق، ١٦: ٤٩-٥٠).

۱۶. من بين هذه الشواهد، الحضور الكثيف للرواة الفطحية في نقل روايات المدح الجماعي.

Scroll to Top