المستخلص
توجد في التفاسير الشيعية قراءات منسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام)، وهي في مقام إثبات قراءة مستقلة لهم. ويكتسب تحليل هذه المسألة أهميته من كون معرفة القراءة الصحيحة شرطاً أساسياً وأصلاً من الأصول الموضوعة في تفسير القرآن الكريم. تسعى هذه المقالة، بالاعتماد على المنهج التوصيفي التحليلي، وبأسلوب عقلي ونقلي، ومن خلال رؤية تاريخية، إلى الإجابة عن هذا السؤال: كيف يمكن تحليل هذه القراءات بناءً على انعكاس القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) في التفاسير الشيعية حتى القرن السادس الهجري؟ لقد ساهم تفسير (مجمع البيان) في القرن السادس الهجري، بنقله ما يقارب ١٤٥ قراءة، في توسيع نطاق هذه القراءات مقارنة بالتفاسير التي سبقته. ومن العوامل المحتملة في تواتر هذه النقولات، أُشير إلى تأثر تفسير (مجمع البيان) بالمنهج الاستدلالي للشيخ الطوسي. كما أن الأجواء الأدبية السائدة في ذلك القرن، وما تلاها من توسع في التفاسير الأدبية مثل (الكشاف) للزمخشري و(المحرر الوجيز) لابن عطية الأندلسي، لم تكن من دون تأثير على الطبرسي في هذا المجال.
مقدمة
يُعَدُّ القرآن الكريم مصدرًا مهمًا ومؤثرًا بين المسلمين. وقد استعانت جميع المذاهب والاتجاهات المنسوبة إلى الإسلام في تعاليمها بهذا الكتاب لدعم معتقداتها. وكان للاختلاف في قراءة هذا الكتاب المقدس أثر وتأثر في المذاهب والمدارس الإسلامية، ولا سيما مدرسة المعتزلة (الزمخشري، الكشاف، ١٤٠٧: ٣/١). وتُعد قراءة كلمة «يَطْهُرْنَ» في الآية ٢٢٢ من سورة البقرة، وإعراب لفظ الجلالة «الله» في الآية ٢٤ من سورة فاطر من أمثلة هذا التأثير. ويمكن اعتبار تغيير المعتزلة لقراءة لفظ الجلالة في الآية ١٦٤ من سورة النساء من أمثلة تأثر قراءة القرآن (الذهبي، التفسير والمفسران، بيتا: ٢٦٨/١؛ الزمخشري، الكشاف، ١٤٠٧: ٣/١). لقد كانت مسألة قراءة القرآن الكريم في بعض القرون هي المسألة الأولى بين المسلمين، إلى درجة أن الاختلافات حولها أدت إلى نشوب نزاعات (راجع: ملايي عشق آباد، شاه پسند، بررسي قرائت مصاحف منسوب به ائمه، مطالعات قرائت قرآن، الدورة ٧، العدد ١٢، ربيع وصيف ١٣٩٨). وكان المسلمون في المدن الكبرى يتلون القرآن على نهج القراء البارزين والمشهورين (معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٦: ٣٣٦/١). وقد وردت عن المعصومين (عليهم السلام)، نظرًا لأهمية هذه المسألة والأسئلة التي طرحها بعض الشيعة عليهم، ثلاث فئات من الروايات: الفئة الأولى: التأكيد على توحيد القراءات (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٦٣٠/٢)؛ الفئة الثانية: إعطاء الحجية للقراء المشهورين (المصدر نفسه: ٦٣٣/٢)؛ والفئة الثالثة: تقديم قراءة مستقلة. إن قبول هذه الروايات أو رفضها يؤدي إلى تأسيس مبنى في علوم القرآن وتفسيره. تسعى هذه المقالة، بأسلوب توصيفي-تحليلي نقلي وعقلي وباستخدام الإحصاءات، للإجابة عن هذا السؤال: ما هي العوامل التي أثرت في انعكاس القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) في المصادر التفسيرية حتى القرن السادس الهجري؟ ليست هذه المقالة في مقام الحكم بين توحيد القراءات أو قبول اختلافها. ومن البديهي أن عدم قبول القراءات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام) لا يعني بالضرورة قبول أو رفض مبنى آخر. وفيما يتعلق بتحليل قراءات المعصومين (عليهم السلام)، فقد كُتبت كتب ومقالات. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى كتاب «معالم المدرستين» للعلامة العسكري (١٣٨٦ ش)، والمجلد الثاني من «التمهيد في علوم القرآن» لآية الله معرفت (١٣٨٥ ش)، ومقالة «قراءات منسوب به اهل بيت» (١٣٩٣ ش)؛ ولكن التحليل ذا الرؤية التاريخية والتقنية الإحصائية أقل وجودًا بين الباحثين. وهناك أعمال مثل «نگرش تاریخی به روایات قرائات اهل بیت» للحسيني و«قراءات منسوب به اهل بیت» للدياري، تطرقت بشكل أقل إلى عوامل انتشار قراءات المعصومين (عليهم السلام).
١. دراسة مفهوم القراءة
كلمة «قراءة» مصدر، من جذر «قرأ»، ومعناها اللغوي الجمع والاجتماع (أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، ١٣٩٩: مادة قرأ؛ المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ١٣٦٠: ٢١/٩). وقد عرّف ابن الجزري (ت ٧٤١هـ) القراءة بأنها: «علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها معزوًّا لناقله» (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، ١٤١٩: ٣). بناءً على هذا التعريف، تعد كلمات الرواية والنقل والإسناد من الأجزاء المعتبرة في تعريف القراءات. كما كتب الزركشي (ت ٧٩٤هـ) في تعريفها: «القراءات هي اختلاف يتعلق بألفاظ الوحي وعباراته. وهذا الاختلاف مرتبط بحروف وكلمات القرآن وكيفيتها، من قبيل التخفيف والتشديد ونحوهما من قِبل القراء» (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤٠٨: ٣١٩/١).
٢. تاريخ التفسير عند الشيعة
بناءً على واجب الأنبياء في تبيين معارف الدين، كان النبي (صلى الله عليه وآله) أول من تصدى لتفسير القرآن (النحل/ ٤٤). وبعده، كان الإمام علي (عليه السلام) والمعصومون (عليهم السلام) أعلم الناس بفهم القرآن. منذ زمن حضور المعصومين (عليهم السلام) حتى القرن الرابع الهجري، كان التفسير لدى مفسري الشيعة يعتمد على المنهج الروائي فقط (سلطاني، «تحليل وبررسي مباني كلامي تفسير قرآن كريم با محور آثار شيخ طوسي»، ١٣٩٠: ٥٠). في هذه الفترة، كان التركيز منصبًا على جمع الروايات التي تبين منزلة ورؤى الشيعة (الطوسي، التبيان، بيتا: ٧/١). ومن أهم تفاسير هذه الفترة يمكن الإشارة إلى تفاسير مثل: «تفسير فرات الكوفي» لفرات بن إبراهيم الكوفي، والتفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، و«تفسير العياشي» للعياشي (ت ٣٢٠هـ)، و«تفسير القمي» لعلي بن إبراهيم القمي (ت ٣٠٧هـ). واجه تفسير الشيعة من القرن الخامس إلى القرن العاشر الهجري منهجًا مختلفًا عن الفترة السابقة. سعى مفسرو الشيعة في هذه القرون الستة، بمنهج تحليلي وعقلي، إلى الاستفادة من التحليلات الأدبية والعقلية في فهم مراد الله عند تفسير القرآن الكريم. ومن ثمرات هذه الفترة، يمكن ذكر تفاسير مشهورة مثل: «التبيان» للشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ)، و«مجمع البيان» للطبرسي (ت ٥٤٨هـ). ومع ظهور التيار الإخباري من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر، عاد تفسير الشيعة إلى المنهج الروائي، وأدت سيطرة هذا التيار في المراكز العلمية الشيعية إلى توقف المسار التحليلي العقلي الشيعي. لقد تبنى هذا التيار مبادئ مثل عدم حجية ظواهر القرآن وحصر المخاطبين به في المعصومين (عليهم السلام)، مما حال دون استمرار المنهج التفسيري العقلي وأوقف التفسير. كما يعتقد بعض علماء هذا المنهج بتحريف القرآن (معرفت، صيانة القرآن من التحريف، ١٤١٠هـ: ١٥٨). ومن أهم تفاسير هذا المنهج يمكن الإشارة إلى تفسير «البرهان» للبحراني (رحمه الله) و«نور الثقلين» للحويزي (رحمه الله). من البديهي أن المنهج التفسيري العقلي والتحليلي لم يحرم نفسه قط من الروايات التفسيرية؛ ولكنه ليس في مقام نفي الاستفادة من العلوم الأخرى لفهم القرآن. في القرن الثالث عشر، استطاع البهبهاني باستدلالاته العلمية وتلامذته مثل الشيخ الأنصاري أن يضع حدًا لهيمنة الإخباريين التي دامت أكثر من قرنين في علوم مثل الأصول، ومن ثمرات مباني أصول الفقه، لم يكن علم التفسير بمنأى، واستطاع أن يواصل حركته بالمنهج العقلي، فكُتبت تفاسير مثل «البيان» للخوئي (١٤١٣هـ)، و«آلاء الرحمن» للبلاغي (١٣٥٢هـ)، و«الميزان» للطباطبائي (١٤٠٢هـ).
٣. قراءات المعصومين (عليهم السلام)
في المصادر الإسلامية، وردت قراءات قرآنية عن المعصومين (عليهم السلام) تختلف في بعض المواضع عن قراءة حفص عن عاصم. هذه الروايات لا تقتصر على المصادر التفسيرية الشيعية، بل توجد أيضًا في بعض تفاسير العامة. على سبيل المثال، في كتاب «معجم القراءات القرآنية»، ذكر الدكتور أحمد سالم (١٤٠٨هـ) ٣٥٥ قراءة عن المعصومين (عليهم السلام). كما نُقل في كتاب «مجمع البيان» للطبرسي (٥٤٨هـ) ١٤٥ قراءة (راجع: يعقوبخاني، اكرادلو، خوشفر، گونه شناسي قرائات منسوب به معصومين، مطالعات قرائت قرآن، الدورة ٧، العدد ١٣، خريف وشتاء ١٣٩٨؛ بيگدلي، قرائات منسوب به اهل بيت، ١٣٩٣: ٨٣). تعد القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) من المسائل المتعددة الجذور؛ فهي من علم الحديث باعتبارها نقلًا لكلام المعصومين (عليهم السلام). كما أنها تُحسب من علم التفسير باعتبارها من مباني علم التفسير (راجع: اسكندرلو، رضوي اصيل، مباني قرائي تفسير، مطالعات قرائت قرآن، الدورة ٧، العدد ١٢، ربيع وصيف ١٣٩٨؛ بابائي، روش شناسي تفسير قرآن، ١٣٨٨: ٦٤)؛ وكذلك تُحسب من علم القراءة لارتباطها المباشر بمباحثه (راجع: معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٦: ٦/٢). إن قبول أو رفض القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) لا يرتبط بالمباني الإخبارية أو الأصولية؛ فالشيخ الحر العاملي (١١٠٤هـ)، مع أنه من العلماء ذوي الفكر الإخباري، لا يقبل قراءة القرآن في الصلاة على أساس القراءة المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام)، بل يقول: «يجب في الصلاة وفي غيرها القراءة بإحدى القراءات السبع التي وصلتنا بالتواتر، ولا يجوز القراءة بالقراءة الشاذة أو القراءات المروية عن المعصومين (عليهم السلام)» (الحر العاملي، وسائل الشيعة، ١٤٠٩: ١٦٢/٦).
٤. انعكاس قراءات المعصومين (عليهم السلام) في التفاسير الشيعية
إن عدد روايات قراءات المعصومين (عليهم السلام) في هذه التفاسير يسير بوتيرة معينة. هذا العدد لم يتجاوز حوالي ٢٦ حالة في تفسير العياشي؛ ولكنه في القرن السادس الهجري، في تفسير «مجمع البيان»، ارتفع إلى حوالي ١٤٥ حالة (راجع: گراوند، اکبرنژاد، حسینی نیا، دیدگاه شیخ امین الاسلام طبرسی در مورد قرائات، مطالعات قرائت قرآن، الدورة ٧، العدد ١٢، ربيع وصيف ١٣٩٨).
المسار التقريبي والمحتمل لانتشار نقل القراءات المنسوبة إلى المعصومين (ع) في التفاسير المشهورة والعربية اللغة عند الشيعة حتى القرن السادس.
[تم حذف الرسم البياني الوارد في المستند الأصلي لوصفه نصيًا]
| الرقم | اسم الكتاب | المؤلف | الآيات | العدد التقريبي |
|---|---|---|---|---|
| ١ | تفسير فرات الكوفي | فرات الكوفي | آل عمران: ٣٤؛ الزخرف: ٥٧؛ الشعراء: ٢١٤؛ الإسراء: ٢٦؛ الحجر: ٤١؛ الفرقان: ٨؛ الليل: ١٢ | ٧ |
| ٢ | تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) | الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) | البقرة: ٢٦، ٨٨ | ٢ |
| ٣ | كتاب التفسير | العياشي | الحمد: ٧؛ البقرة: ٢٣٨؛ آل عمران: ٩٢، ١٠٢، ١٣٣؛ الأنعام: ٣٣؛ الأعراف: ١٧٢؛ التوبة: ١١٢؛ هود: ٤٦، ٨١، ١٠٠؛ الرعد: ١١؛ إبراهيم: ٤١؛ النحل: ٢٦ | ١٥ |
| ٤ | تفسير القمي | القمي | الحمد: ٧؛ البقرة: ٢١١، ٢٣٨، ٢٥٥؛ آل عمران: ٣٣، ٩٢، ١١٠، ١٢٣؛ النساء: ٤٨، ٩٥، ١٦٦؛ المائدة: ١١٥؛ الأنعام: ٣٣؛ التوبة: ٧٣، ١٢٨؛ الرعد: ١١؛ يوسف: ٤٩؛ سبأ: ١٤؛ الإسراء: ٦٠؛ الأنبياء: ٤٧؛ الفرقان: ٨، ٧٤؛ الانشراح: ٧ | ٢٠ |
| ٥ | التبيان في تفسير القرآن | الشيخ الطوسي | الحمد: ٧؛ البقرة: ١١٩، ١٤٨؛ النساء: ٩٤؛ الأنعام: ٣٣؛ الأنفال: ١؛ التوبة: ١١٨؛ هود: ٤٢؛ الرعد: ١١، ٤٦؛ إبراهيم: ٤٦؛ الإسراء: ١٠٢؛ الكهف: ١٠٢؛ طه: ٩٧، ٩٨؛ النور: ٥٨؛ الفرقان: ٧٤؛ سبأ: ١٤؛ الزمر: ٥٣؛ الواقعة: ٢٩؛ النازعات: ١١ | ٢١ |
| ٦ | مجمع البيان في تفسير القرآن | الطبرسي | الحمد: ٦، ٧؛ البقرة: ١١٩، ٢٣٤، ٢٣٨؛ آل عمران: ٢، ٣٦؛ المائدة: ٨٩، ٩٥؛ الأنعام: ٣٣، ٩٩، ١٥٩؛ الأعراف: ١٢٧؛ الأنفال: ١، ٢٥؛ هود: ٥، ٤٢؛ يوسف: ٢٣، ٣٠، ١١٠؛ التوبة: ١٢، ١٩، ٢٨، ٣٧، ١١٠، ١١٨؛ يونس: ٥٨؛ الرعد: ١١، ٣١، ٤٣؛ إبراهيم: ٣٤، ٣٧، ٤١، ٤٦؛ الحجر: ٤١؛ النحل: ٢٦، ٤١، ٦٢؛ الإسراء: ٥، ١٦، ١٠٦؛ الكهف: ٧٧، ٨٢، ١٠٢؛ مريم: ٥، ٦؛ طه: ٩٧؛ الأنبياء: ٩٥، ٩٨؛ الحج: ٢٧، ٣٦، ٤٠؛ المؤمنون: ٦٠؛ النور: ٢٢، ٣٠، ٣٣، ٥١؛ الفرقان: ١٨، ٢٠، ٣٦، ٧٤؛ النمل: ١٣؛ سبأ: ١٤، ١٩؛ يس: ٣٠، ٣٨، ٥٢؛ الصافات: ١٠٣، ١٤٧؛ الزخرف: ٧٧؛ الأحقاف: ٤، ١٥؛ محمد: ١٥، ٢٢، ٣١؛ الحجرات: ٦؛ ق: ١٩؛ النجم: ١٥؛ الرحمن: ٤٣؛ الواقعة: ٨٢، ٨٩؛ الطلاق: ١؛ النبأ: ٢٨؛ عبس: ٦، ١٠؛ المطففين: ٢٦؛ الشمس: ١٥؛ الليل: ٣؛ الزلزال: ٦، ٧؛ العاديات: ٥؛ التكاثر: ٦؛ الإخلاص: ١ | ١٤٥ |
لا يمكن أن يكون هذا الانعكاس في التفسير الشيعي طبيعيًا. يمكن تحديد جذور وعوامل هذا الانتشار في تفسير «مجمع البيان» في عاملين على الأقل. تأثير شخصية الشيخ الطوسي العلمية ودور العلوم الأدبية في انتشار القراءات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام) في تفسير «مجمع البيان» هما من عوامل هذا الانتشار.
٥. دور الشيخ الطوسي في انتشار القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام)
يتطلب تحليل دور الشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ) في انتشار القراءات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام) دراسة الزمان والأساتذة والشخصية والتفاسير التي سبقته، بحيث إن عدم المعرفة الصحيحة أو الناقصة بهذه المكونات سيؤثر على تحليل هذه القراءات القرآنية. دخل الشيخ الطوسي بغداد عام ٤٠٨هـ وعمره ٢٣ عامًا. كانت بغداد في القرن الخامس الهجري مقارنة لحكم آل بويه، الذي كان قريبًا من الفكر الشيعي. وبفضل الظروف التي أتاحها حكم آل بويه (٣٣٤-٤٤٧هـ) لكبار علماء الشيعة مثل الشيخ المفيد (٤١٣هـ) والسيد المرتضى (٤٣٦هـ) والشيخ الطوسي، أصبحت بغداد محط اهتمام علماء الشيعة ومدينة تلاقي مدرستي الكوفة وقم. استفاد هؤلاء العلماء من هذه الفرصة لتقديم منهج استدلالي للدفاع عن منطق التشيع في مواجهة المذاهب العامة (راجع: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، بيتا: ٤٥٤/٨؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ١٣٨٥: ٧٠٤/٨). إن المنهج الذي نشره الشيخ في القرن الخامس يختلف كثيرًا عن المنهج الذي سبقه. فمنذ الغيبة الصغرى (٢٦٠-٣٢٩هـ) حتى القرن الخامس، قدم علماء الشيعة القراءة الروائية للشيعة. والمؤلفات التي قدمها الشيخ الكليني (٣٢٩هـ) أو الصدوق (٣٨١هـ) شاهدة على هذا المنهج؛ ولكن المؤلفات التي ظهرت منذ أواخر القرن الرابع على يد الشيخ المفيد والسيد المرتضى، يظهر فيها الفكر العقلي إلى جانب النقل، وقد وسّع الشيخ الطوسي هذا الفكر بمؤلفاته المتنوعة. إن معرفة العوامل المؤثرة في المنهج الاستدلالي عند الشيعة لها دور مهم وحاسم في تحليل القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام). ويمكن الإشارة إلى هذه المعرفة في ثلاثة محاور: الفضاء السياسي والاجتماعي السائد في القرن الخامس، وأساتذة الشيخ الطوسي، وشخصية الشيخ الطوسي. أتاح الفضاء السائد في بغداد في أواخر القرن الرابع والقرن الخامس، بفضل حكم آل بويه الذي دام ١١٣ عامًا (٣٣٤-٤٤٧هـ) وقربهم الفكري من الشيعة وتكريمهم لكبار الشخصيات مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى من قبل عضد الدولة (٣٧٢هـ)، الفرصة للشيعة للدفاع عن منطقهم الكلامي والفقهي والقرآني وإقامة الأدلة عليه إلى جانب المذاهب الأخرى لأهل السنة. إن ترويج الثقافة الشيعية في المجتمع، ومناظرات الشيخ المفيد مع القاضي عبد الجبار (٤١٥هـ) رئيس المعتزلة والقاضي أبو بكر الباقلاني (٤٠٣هـ) رئيس الأشاعرة، وتأليف ٢٠٠ كتاب من قبل الشيخ المفيد (النجاشي، رجال النجاشي، بيتا: ٣٩٩/١)، وإنشاء مكتبة من قبل بهاء الدولة للسيد المرتضى (٣٨١هـ) تضم مئة وأربعة آلاف مجلد، وتأسيس دار العلم، ليست سوى جزء صغير من النشاط العلمي لعلماء الشيعة خلال ١١٣ عامًا من حكم آل بويه والديلميين (راجع: الشافي، ردية السيد المرتضى بر نظريه ضد شيعه قاضي عبدالجبار، ١٤١٠: ٦٢/١؛ نحوي، آل بويه حاميان فرهنگ تشيع، بيتا: ١٠٤؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، ١٣٩٩: ذيل واژه كرخ بغداد؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ١٣٨٥: ٥٠٤/٨). كان الشيخ الطوسي طوال إقامته البالغة ٤١ عامًا في بغداد ومنطقة الكرخ، تلميذًا للشيخ المفيد والسيد المرتضى. وكان لأساتذة الشيخ الطوسي البارزين منهج عقلي واستدلالي (السيد المرتضى، ذخيرة السيد المرتضى، بيتا: ١٧١). كان الشيخ المفيد مؤسس التيار العقلي في الشيعة والسيد المرتضى استمرارًا لهذا التيار، وقد أثرا في تكوين شخصيته الاستدلالية والعقلانية. لدرجة أن كتاب «التهذيب» من الكتب الأربعة هو شرح لكتاب «المقنعة» للشيخ المفيد. وقد تناول في ذلك الكتاب تحليل الروايات المتعارضة. قبل تيار العقلانية، كان علماء الشيعة يستفيدون من الفقه الروائي للأحكام الشرعية؛ ولكن الشيخ المفيد انتقل من الفقه الروائي إلى الفقه الفتوائي، وطوره الشيخ الطوسي إلى الفقه الاستدلالي. في هذه المقالة، يتم فقط تناول ابتكار الشيخ الطوسي في الفقه وعلاقته بالقراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام). إن ابتكارات الشيخ الطوسي في علم الفقه لم يسبق لها مثيل في التشيع. لقد سعى في آثاره الفقهية بأسلوب جديد إلى إخراج فقه الشيعة من مجرد الرواية عن المعصومين (عليهم السلام) وتقديمه في مواجهة المذاهب الأخرى لأهل البيت (عليهم السلام) ودفع الشبهات. وقد واجه الفقه العام بتحدٍ من خلال كتابه «الخلاف» بمقارنة آراء مذاهب أهل السنة والشيعة وذكر أدلة كل منها. كما أدخل فقه الشيعة مرحلة جديدة بتأليف كتاب «المبسوط». وبتقديم الفقه الاستدلالي الشيعي، تمكن من جعل فقه الشيعة قادرًا على الرد في مواجهة المذاهب الأخرى من قبل علماء الشيعة. قام الشيخ في السنوات الأخيرة من إقامته في بغداد وقبل هجرته القسرية إلى النجف، في جو علمي واستدلالي، بتأليف تفسير «التبيان» لأول مرة، وهو أول تفسير شيعي كامل واستدلالي. كان للعلماء قبل الشيخ مؤلفات في تفسير القرآن؛ ولكنها إما لم تكن كاملة أو كانت روائية بحتة. وقد أنجز ابتكارًا جديدًا بكتابة هذا التفسير (الطوسي، تبيان، بيتا: ٣/١). إن دراسة الأبعاد المذكورة في حياة الشيخ الطوسي تؤدي إلى هذه النقطة، وهي أن الشيخ بفضل شخصيته الاستدلالية في تفسير القرآن، تناول أيضًا مبحث القراءات. وعلى الرغم من أن مبحث القراءات قد ورد في التفاسير المشهورة قبل الشيخ، إلا أن الشيخ في تفسيره اقتصر على الروايات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام)، ولم يعتنِ ببحث القراءات المنقولة عن غيرهم، بل استفاد منها ووظفها في تفسيره. ورغم أنه أشار في النحو إلى لطائف هذه القراءات، مثل ذكرها في معظم الحالات بعد القراءات المشهورة وبشكل منفصل (الطوسي، التبيان، بيتا: ٣١٦/٥؛ ٢٢٨/٦). استطاع الشيخ الطوسي، بفضل البيئة العلمية المواتية وأساتذة مثل الشيخ المفيد والسيد المرتضى، وكلاهما من مؤسسي المنهج الاستدلالي، أن يقدم في تفسير القرآن، من خلال بحث قراءات قرآنية منقولة عن المعصومين (عليهم السلام)، في المرحلة الأولى، تأليفًا مبتكرًا مثل الفقه، وأن يكون في المرحلة التالية مؤثرًا في التفاسير التي تلته مثل «مجمع البيان». بالإضافة إلى ذلك، من خلال هذا التأليف، قدم قراءة أهل البيت (عليهم السلام) في مقابل القراءات الشائعة بين العامة، وجعلها محط اهتمام. ومن البديهي أن هذا لا يعني قبول هذه القراءات، بل هي مجرد قراءات تلفت الانتباه إلى مصدرها. للشيخ الطوسي مبدأ صريح في نقل القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام)، وهو صيانة القرآن ورفض أي تحريف فيه. يكتب في مقدمة تفسيره: «القول بالزيادة والنقصان في القرآن مما لا يليق بالقرآن؛ لأن الجميع متفقون على أنه لم يُزد على القرآن شيء ولم يُنقص منه شيء. ولا خلاف في مذهب العامة والشيعة في عدم وجود زيادة أو نقصان في القرآن. وعلى الرغم من أن روايات كثيرة وردت من أهل العامة والشيعة (روايات التحريف) تفيد بأن شيئًا قد نُقص أو زِيد على القرآن أو أن مكان الآيات قد تغير، فمن الأفضل الإعراض عن هذه الروايات» (الطوسي، التبيان، بيتا: ٣/١). يكتب الشيخ الطوسي حول اختلاف القراءة في القرآن: «اعلموا أن العرف في مذهبنا (الشيعة) وما شاع من الأخبار والروايات يدل على أن القرآن نزل بحرف واحد (قراءة واحدة) على نبي واحد (نبي الإسلام)، إلا أن يتفق المعصومون (عليهم السلام) على جواز قراءة القرآن بكيفية تكون متداولة بين القراء؛ والإنسان مخير في قراءة القرآن بأي قراءة شاء» (الطوسي، التبيان، بيتا: ٧/١). من وجهة نظره، هناك فرق بين القرآن وقراءته. فالشيخ في مواجهة الفئات الثلاث من الأحاديث التي تدل على توحيد القراءات، وحجية القراءات السبع، والروايات المستقلة للقراءات لأهل البيت (عليهم السلام)، يعتقد بتوحيد القرآن وحجية القراءات السبع على أساس القراءة فقط، ولم يُعثر له على رأي واضح بشأن القراءات المستقلة. لم يبدِ رأيًا بشأن قبول أو رفض هذه القراءات (سلطاني، تحليل وبررسي مباني كلامي تفسير قرآن كريم با محور آثار شيخ طوسي، ١٣٩٠: ٥٥). لقد أعطت هذه المباني للتفاسير التي تلت، مثل «مجمع البيان»، الجرأة لمفسري الشيعة حتى القرن الخامس للخروج من مجرد رواية الروايات، وأن يكون لهم نظرة واسعة للقراءات، خاصة القراءات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام).
٦. دور المنهج التفسيري الأدبي في انتشار قراءات المعصومين (عليهم السلام) في القرنين الخامس والسادس
كان تفسير «التبيان» مؤثرًا جدًا في تفسير «مجمع البيان». وقد ذكر الطبرسي الشيخ في «مجمع البيان» باحترام خاص، فقال: «التبيان كتاب يشرق منه نور الحق، وتتضح فيه جادة الصدق، وتلوح عليه أسرار جديدة، هو الكتاب الذي استنرت بأنواره واهتديت بمناره» (الطبرسي، مجمع البيان، ١٤٢٥: ٣٢/١). وهو في مقدمة تفسيره، يصف الشيخ بأنه الشخص الوحيد الذي لم يكتفِ في تفسير القرآن بالروايات، بل تجاوزها في شرح معاني القرآن وكشف أسراره (الطبرسي، مجمع البيان، ١٤٢٥: ٣٣/١). ويرى الطبرسي، في معرض تقييمه، أن عدم الانتظام في ترتيب المطالب هو أحد عيوب التفسير (المصدر نفسه). كما أنه في مقدمة كتابه، ولأول مرة في التفسير الشيعي، يذكر القراءات كفن وفصل مستقل في التفسير. وهذا المنهج دليل واضح على تأثر الشيخ به. يبلغ التفسير الأدبي ذروته مع القراءات، والشيخ بتأليفه «التبيان» أدخل مفسري الشيعة إلى ساحة التفسير الأدبي. ومن المحتمل أن المفسر الشيعي بنقله قراءات المعصومين (عليهم السلام) كان بصدد تعريف أهل البيت (عليهم السلام) بأنهم أعلم الناس بعلم القراءة. وكذلك، في ضوء هذه المباحث، يقدم تفسيرًا متقنًا وموجهًا بين المذاهب الأخرى. شخصية الشيخ التفسيرية لم تؤثر فقط على علماء مثل الطبرسي وأبو الفتوح الرازي، الذين لا يعدون منتقدين، بل أثرت أيضًا على علماء مثل ابن إدريس الحلي (٥٩٧هـ)، الذي كان من منتقدي آرائه. لقد لخص ابن إدريس كتاب تفسير الشيخ باسم «المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان» دون أن يوجه أي نقد للشيخ. بينما في آثار ابن إدريس، ذُكرت انتقادات كثيرة لآراء الشيخ الطوسي الفقهية والأصولية (ابن إدريس، السرائر، ١٤١٠: ٦٦/١). القرآن الكريم نص أدبي. التأكيدات الكثيرة في قراءة القرآن على الترتيل والتلاوة والاستماع إليه عند قراءة الآخرين تدل على أدبية النص القرآني؛ لأن تكرار نص غير أدبي يصحبه الملل وتكدر الخاطر (راجع: آسیب شناسی جریانهای تفسیری، اسعدي وهمكاران، ١٣٩٢: ٢٢٨/٢). كان الخط العربي في زمن نزول القرآن، بسبب عدم وجود أي شكل من أشكال الإعراب والنقاط والألف، يمتلك استعدادًا وقابلية لاختلاف القراءة (الأندلسي، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ١٤٢٢: ٥٠/١؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٦: ١٥/٢). وفي كثير من اختلافات القراءة، كان للجانب اللفظي دور مؤثر في انتشار القراءة (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، ١٤٠٩: ٥٠/١). المعربون عند تحليل العبارات التي تفتقر إلى النقاط أو الإعراب أو الألف، كانوا يذكرون لكل احتمال وجهًا إعرابيًا. وقد انتشر هذا النهج إلى درجة أن العلماء كانوا يتباهون ببيان احتمال جديد في آية قرآنية ويعتبرونه علامة على تبحرهم في العلوم العربية (معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٦: ٣٥/٢). طُرحت القراءات المنقولة عن الصحابة والتابعين بناءً على دوافع مختلفة. أحيانًا تدفع رؤية في مدرسة أدبية القراء إلى قبول قراءة معينة، مثل قراءة حمزة (١٥٦هـ)، أحد القراء السبعة، في آية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء/١)؛ حيث قرأ كلمة «الأرحام» بالجر؛ لأنه حسب مدرسة الكوفة، يمكن عدم تكرار حرف الجر «الباء» (البلاغي، آلاء الرحمن، بيتا: ٣٠/١؛ معرفت، التمهيد في علوم القرآن، ١٣٨٦: ٣٠/٢؛ ابن جني، الخصائص، ١٩٩٩: ٢٩٣/١؛ ابن عصفور، شرح جمل الزجاجي، بيتا: ٤٩؛ غفاري، نشوء القراءات، ١٣٨٨: ١٤٤)؛ أو مبنى كلامي، يدفع القراء إلى قبول قراءة معينة، مثل قراءة نصب كلمة «الله» في آية ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (النساء/١٦٤)؛ أو مبنى فقهي، يدفع القراء إلى قراءة كلمة «أرجلكم» بالنصب في آية الوضوء (المائدة/٦).
أ. العلوم الأدبية
الأدب في المصادر اللغوية مفهوم معقد ومثير للجدل. يُعرّف الأدب في بعض المعاجم بأنه النظم والنثر أو الكلام المنظوم والمنثور (ابن خلدون، مقدمة، ١٤٢٥: ٥٠٧؛ دهخدا، لغتنامه دهخدا، ١٣٧٣: ١٣١٥). ذكر ابن حجة الحموي (٨٣٧هـ) ستة علوم أدبية، وهي: اللغة، التصريف، النحو، المعاني، البيان، والبديع. ويعتقد البعض أن القراءات أيضًا أحد العلوم الأدبية (راجع: حكيمي، ادبيات وتعهد در اسلام، ١٣٥٨: ٤٢). ليس هذا البحث في مقام دراسة تاريخ هذه العلوم؛ ولكن الإشارة إلى تطورات هذه العلوم في القرون من الرابع إلى السادس يمكن أن تساعد بشكل كبير في تحليل انتشار القراءات المنسوبة إلى المعصومين (عليهم السلام). إن ارتباط قراءة القرآن الكريم بالعلوم الأدبية، مثل اللغة والصرف والنحو والبلاغة، لا يمكن إنكاره. بُنيت التفاسير الأدبية للقرآن على أصول نظرية كثيرة، وأحد هذه الأصول هو الاهتمام بطرح ودراسة القراءات المخالفة للقرآن (اسعدي وهمكاران، «آسيب شناسي جريانهاي تفسيري»، ١٣٩٢: ٢٦٤/٢). نظر علماء التفسير والقراءة إلى جميع كلمات القرآن الكريم بتحليل أدبي. كُتبت كتب إعراب القرآن ومعاني القرآن في المصادر الإسلامية بتنوعات مختلفة من قبل علماء مثل: قطرب (٢٠٦هـ)، أبو عبيدة (٢١٠هـ)، أبو البركات الأنباري (٣٢٨هـ)، ابن خالويه (٣١٠هـ)، مكي بن أبي طالب (٤٣٧هـ)، السمين الحلبي (٧٥٦هـ)، العكبري (٦١٦هـ). تفاسير مثل «الكشاف» للزمخشري (٥٣٨هـ) و«المحرر الوجيز» لابن عطية الأندلسي (٥٤٢هـ) في القرن السادس والمعاصر للطبرسي يمكن اعتبارها من روائع العلوم الأدبية. الزمخشري، وهو من علماء المعتزلة، في كتابه التفسيري المسمى «الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، بنظريته العميقة ودقائقه الكثيرة، أثار إعجاب المفسرين والعلماء المسلمين (معرفت، التفسير والمفسرون في ثوبه القشيب: ٣٠٩/٢؛ ابن خلدون، مقدمة، ١٤٢٥: ٤٠٧؛ الذهبي، التفسير والمفسرون، ١٣٩٨: ٤٣٣/١). كذلك كتاب «المحرر الوجيز»، على الرغم من أن نظرته البلاغية أقل من «الكشاف»؛ إلا أن مباحثه الصرفية والنحوية أوسع من «الكشاف» (اسعدي وهمكاران، آسيب شناسي جريانهاي تفسيري، ١٣٩٢: ٢٥٠/٢).
ب. تاريخ المباحث الأدبية في التفاسير الشيعية حتى القرن السادس
في التفاسير الشيعية قبل القرن الرابع الهجري، ذُكرت النقاط الأدبية بشكل أقل؛ ولكن منذ زمن السيد المرتضى وتلميذه الشيخ الطوسي، انتشرت هذه العلوم في التفاسير الشيعية؛ لدرجة أن الشيخ الطوسي في تفسير «التبيان» استعان بالقواعد الأدبية لتحليل اجتهادي في هذه العلوم. تناول السيد المرتضى في كتاب «درر الفوائد وغرر القلائد» بأسلوب أدبي التفسير والرد على الشبهات. تأثر الشيخ الطوسي لمدة ٢٣ عامًا (٤١٣-٤٣٦هـ) بأستاذه السيد المرتضى في مجال العلوم الأدبية، ومثله في تفسير «التبيان»، اهتم بالتحليل الأدبي العميق لآيات القرآن، وكان لهذا المنهج تأثير كبير على المفسرين بعد الشيخ الطوسي. صرح الطبرسي بذلك في مقدمة تفسير «مجمع البيان»، وفي مقام تنظيم هذا المنهج، وسعه. كان السيد المرتضى أيضًا مشهورًا من الناحية الأدبية بين علماء الشيعة والعامة (الخوانساري، روضات الجنان، ١٣٩٠: ٣٠٣/٤). في بعض آثاره، ذكر أبو بكر بن الأنباري (٣٢٧هـ)، العالم النحوي، وحلل رأيه في الآية ١٢٨ من سورة آل عمران. بينما الفاصل الزمني بينه وبين الأنباري ٢٨ عامًا (السيد المرتضى، أمالي، ١٩٩٨: ٦٢٩/١). وقد قدم تحليلًا أدبيًا مفصلًا في الآية السادسة من سورة المائدة فيما يتعلق بجر كلمة «أرجلكم» (السيد المرتضى، الانتصار في انفرادات الإمامية، بيتا: ١٠٦/١). عرض الشيخ الطوسي في تفسير «التبيان» آراء العلماء النحويين المشهورين بشكل واسع. ذكر علماء مثل سيبويه (١٨٠هـ)، الكسائي (١٨٩هـ)، الفراء (٢٠٧هـ)، الأخفش (٢١٠هـ)، المبرد (٢٨٥هـ)، الزجاج (٣١١هـ)، ابن سراج (٣١٦هـ)، أبو بكر بن الأنباري (٣٢٧هـ). على سبيل المثال، ذُكرت آراء الفراء النحوية وغير النحوية في التبيان أكثر من ٦٠٠ مرة، وكذلك الكسائي أكثر من ٣٥٠ مرة، وسيبويه أكثر من ٨٠ مرة (الطوسي، تبيان،: ١١٣/١؛ ٣٦/١؛ ٩٩/١). لم يكتفِ بعرض هذه الأقوال بشكل واسع، بل تناول أيضًا نقدها ودراستها. أحد التفاسير الكاملة والمنظمة في التشيع هو تفسير «مجمع البيان» لأمين الإسلام الطبرسي. وقد عرض الطبرسي في هذا التفسير، ضمن قسم الحجة، العلوم الأدبية بشكل منظم ومحدد وحللها. يكتب الذهبي في وصفه الأدبي لتفسير «مجمع البيان»: «الحق أن تفسير الطبرسي، بغض النظر عن ميوله الشيعية المعتدلة وبعض آرائه الاعتزالية، كتاب عظيم يدل على خبرة مؤلفه وبراعته في مختلف فنون العلم والمعرفة. وهو في كل مجال يخوض فيه، يبرع. إذا تحدث عن القراءات ووجوهها، وإذا بحث في المعنى اللغوي والمفردات، أو تناول الإعراب ووجوهه، فقد أجاد القول» (الذهبي، التفسير والمفسرون، ١٣٩٦: ١٤٠/٢). كانت القرون الرابع والخامس، التي ازدهرت فيها كتابة التفاسير الجامعة الاجتهادية، من أهم أقسام هذه التفاسير اعتمادها على العلوم الأدبية في تفسير الآيات. وعلى هذا الأساس، يجب اعتبار جميع التفاسير الجامعة الاجتهادية من ضمن التفاسير الأدبية أيضًا (اسعدي وهمكاران، آسیب شناسی جریانهای تفسیری، ١٣٩٢: ٢٤٦/٢). النقطة المهمة في القرن السادس هي أن الطبرسي وأبو الفتوح الرازي والزمخشري في فترة زمنية محددة يتصدون لتفسير القرآن بمنهج أدبي، ولم يكن أي من هؤلاء المفسرين على علم بعمل الآخر ولم يذكر أحدهم الآخر في تفسيره. لا يمكن أن تكون هذه المسألة صدفة، بل هي دليل على الجو العلمي للقرن السادس الذي كان متوافقًا مع العلوم الأدبية، وقد قاموا بالتأليف وفقًا لهذا الجو العلمي (راجع: الزمخشري، كشاف، ١٤٠٧: ٣/١)؛ على الرغم من أن الطبرسي بعد الانتهاء من كتابة تفسير «مجمع البيان» اطلع على تفسير كشاف الزمخشري، وأضاف إليه نقاطًا تفسيرية أخرى باسم «جوامع الجامع» (الطبرسي، جوامع الجامع، ١٣٧٧: ٢/١؛ گازار، جوامع الجامع وكشاف در نگاه تطبيقي، ١٣٨١)؛ ولكن الواضح هو الجو الأدبي السائد في القرن السادس. وجود خصائص مشتركة في المنهج التفسيري بين «مجمع البيان» و«الكشاف» يؤيد الفرضية المذكورة. مثل الاستفادة من اختلاف القراءات لإثراء التفسير، وشرح الفروق اللغوية للقراءات، وتقييم القراءات، واستخدام القراءة في ترجيح وجوه تفسير الآيات، ومقدار تواتر نقل القراءة (راجع: مرتضوي، ديدگاه زمخشري در مورد قرائات، ١٣٩٨: ٢٧). كما يمكن إضافة التشابه في امتلاك آثار نحوية إلى هذه الحالات (التهراني، آقا بزرگ، الذريعة، ١٤٠٨: ٢٥٧/٥).
الخاتمة
نتائج هذه المقالة في التحليل النقدي للقراءة المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام) هي كما يلي: ١. في تاريخ التفسير الشيعي، يوجد منهجان بين علماء التفسير؛ المنهج الروائي والمنهج الاستدلالي، وكلاهما كان له دور في انتشار القراءات المنقولة عن المعصومين (عليهم السلام)؛ ولكن دور المنهج الاستدلالي الذي أسسه الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي كان أكبر من دور المنهج الروائي في انتشار هذه القراءات. ٢. من بين التفاسير الشيعية، قام تفسير «مجمع البيان»، بنقله حوالي ١٤٥ قراءة، بتوسيع نطاق هذه الروايات مقارنة بالتفاسير التي سبقته، ويمكن أن يكون هناك عاملان من عوامل هذا الانتشار. العامل الأول: في انتشار هذه القراءات، كانت شخصية الشيخ الطوسي التحليلية والاستدلالية وتأثيرها على المفسرين الذين جاءوا بعده، مثل الطبرسي، مؤثرة؛ العامل الثاني: في انتشار هذه القراءات، كان الجو الأدبي السائد في القرن السادس مؤثرًا. وتفاسير مثل «الكشاف» للزمخشري و«مجمع البيان» للطبرسي من أمثلة ذلك.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: ١٣٩٨/٠٧/١٨ هـ.ش، وتاريخ القبول: ١٣٩٩/٠٩/٢٢ هـ.ش.2
2. طالب في مرحلة السطوح الرابعة في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم (الكاتب المسؤول): mortezaqy@gmail.com.3
3. ماجستير في تدريس المعارف من جامعة المعارف في قم: lilaekradlo63@gmail.com.