تحليل أسس الممارسة السياسية للإمام علي (ع) في الرسالة 64 من نهج البلاغة على ضوء منهج فيركلوف (تحليل الخطاب النقدي)

الملخص

يعد تحليل الخطاب النقدي منهجًا تطبيقيًا في تحليل النصوص، وهو لا يكتفي ببيانات النص لتحليلها، بل يتجاوز ذلك ليكشف ويُظهر الإفرازات الفكرية للكاتب والمتحدث الكامنة وراء النص. تتمثل مسألة هذا البحث في استخراج أسس الممارسة السياسية للإمام علي (ع) في الرسالة 64 من نهج البلاغة، التي تناظر الرسالة الأولى لمعاوية، وذلك باستخدام منهج تحليل الخطاب النقدي لفيركلوف على المستويات الثلاثة: الوصف، والتفسير، والتبيين. يهدف هذا البحث إلى فهم أعمق للأفكار السياسية المطوية في متن الرسالة. وتشير النتائج المستخلصة إلى أن معاوية حاول في رسالته، بصفته خليفة، استغلال بعض الأحداث لنزع الشرعية عن حكومة الإمام علي (ع) وإضفاء الشرعية على حكومته. وفي المقابل، قام الإمام (ع) أولاً بإحباط مؤامرات الطرف الآخر، ثم اعتمد على المحاور الأصيلة والمحدودة للشرعية. وسبب تأكيد الإمام على المحاور الأصيلة والمحدودة هو أن رسالته كُتبت لتكون مناظرة ومتناسبة مع رسالة معاوية.

1. طرح المسألة

يُعتبر “تحليل الخطاب النقدي” اليوم منهجًا لفهم وتحليل النصوص، وقد لقي ترحيبًا من بعض الباحثين في مجال الدراسات الدينية، وهدفه الوصول إلى الأفكار الخفية للمؤلف وراء النص. وهذه الأفكار لا يمكن الحصول عليها بمجرد وصف البيانات اللغوية للنص، بل يجب الاهتمام بسياقات أخرى مثل الظروف الاجتماعية والثقافية والسياسية لفهم المقاصد الكامنة في النص بشكل أفضل (فيركلوف، 1379ش، 87).

أحد مفكري تحليل الخطاب النقدي هو نورمان فيركلوف. يرى أن تحليل الخطاب النقدي هو منهج يُستخدم إلى جانب المناهج الأخرى لدراسة التغيرات الاجتماعية والثقافية. ويعتقد أن استخدام اللغة، في الوقت الذي يبني فيه الهويات الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية وأنظمة المعرفة والمعتقدات، فإنه يتشكل بها أيضًا (نفس المصدر، 119). إن تحليل الخطاب النقدي لفيركلوف نظرية جديدة في دراسة النصوص وكشف المستور وراءها، وله ثلاثة مستويات: أ- الوصف: دراسة الخصائص الشكلية للنص وكيفية تأثيرها في التعبير عن الأفكار. ب- التفسير: دراسة الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة بتكوين النص، ومن تحدث، وفي أي زمان، وبأي هدف. ج- التبيين: وهي المرحلة الأخيرة التي تتناول دراسة العلاقة المتبادلة بين اللغة والمجتمع.

بناءً على ذلك، تسعى هذه المقالة إلى استخدام منهج تحليل الخطاب النقدي لنورمان فيركلوف، الذي يهدف إلى كيفية استخراج الأفكار السياسية والاجتماعية، في فهم وتحليل الرسالة 64 من نهج البلاغة التي كُتبت ردًا على رسالة معاوية. وبناءً على هذا الأساس، يهدف البحث الحالي إلى الإجابة على ثلاثة أسئلة: أولاً، ما هي النتائج التي تتوصل إليها دراسة نص رسالة معاوية ورسالة الإمام علي (ع) استنادًا إلى منهج فيركلوف في معرفة (وصف) أدق وأعمق لمستوى لغة هذه الرسالة؟ ثانيًا، ما هي النتائج التي يقدمها هذا المنهج في تفسير وفهم أفضل لنص الرسالة؟ وثالثًا، كيف يمكن تبيين مفاد ومحتوى هذه الرسالة؟

تُظهر الدراسات أن هذا المنهج قد استُخدم أيضًا في الدراسات المتعلقة بنهج البلاغة. أولاها مقالة “تحليل الخطاب في الرسالة العاشرة من نهج البلاغة بناءً على نموذج فيركلوف” (صيادي نجاد وزملاؤه، 1398). يسعى المؤلف في هذه المقالة، باستخدام تحليل الخطاب النقدي لفيركلوف، إلى تبيان كيفية الهيمنة وعدم المساواة من وجهة نظر الإمام علي (ع). وثمة مقالة أخرى بعنوان “تحليل الخطاب النقدي لرسالة الإمام علي عليه السلام إلى معاوية” (صفائي وزملاؤه، 1395ش)، والتي تدرس الرسالة 28 من نهج البلاغة باستخدام نحو هاليداي من حيث الوظائف الثلاث: الفكرية، والشخصية، والنصية، ثم تقوم بالتحليل النقدي بناءً على النتائج المستخلصة من نحو هاليداي. والمقالة الثالثة هي “دراسة الخطاب النقدي في نهج البلاغة بناءً على نظرية نورمان فيركلوف (دراسة حالة: وصف أهل الكوفة)” (محسني وزملاؤه، 1394ش)، والتي كُتبت بهدف فهم دقيق لأفكار الإمام (ع) السياسية والاجتماعية. وهناك أثر آخر بعنوان “تحليل الخطاب في رسائل حضرة علي عليه السلام إلى الولاة (دراسة حالة: الرسائل القصيرة)” (كريمي، 1392ش). يتناول الكاتب في هذا البحث تحليل وبيان وجهة نظر نورمان فيركلوف الذي يعتقد أن تحليل الخطاب لا يتعامل فقط مع السياق النحوي واللغوي المكون للجملة، بل يتجاوزه إلى العوامل الخارجية للنص، أي السياق الموقفي، والثقافي، والاجتماعي، والسياسي، وغيرها، وذلك في الرسائل القصيرة. وفي هذا السياق أيضًا، يمكن الإشارة إلى مقالة “التشكيل الخطابي للخطبة 216 من نهج البلاغة (إعادة إنتاج نظرية بقاء وزوال الحكم من منظور علي (ع))” (ولوي وزملاؤه، 1395ش)، حيث هدف الكاتب إلى تحديد نموذج الهرم الخطابي لنقد الحكم في هذه الخطبة، وسعى إلى إظهار علاقة الحكومة والشعب في فكر الإمام علي (ع) السياسي. كما أن مقالة “دراسة السلطة والأيديولوجيا في نهج البلاغة بمنهج الخطاب النقدي لفيركلوف” (نعمتي وزملاؤه، 1394ش)، يتناول فيها الكاتب دراسة علاقات السلطة والأيديولوجيا في الرسالة 53 من نهج البلاغة بناءً على تحليل فيركلوف على مستوى الوصف، ويستنتج أن سلطة الإمام مستمدة من العقيدة والإيمان الراسخ بالله. وهناك أثر آخر في هذا المجال وهو رسالة بعنوان “تحليل الخطاب النقدي للخطب السياسية بالاعتماد على منهج فيركلوف (دراسة حالة: العصر الإسلامي حتى نهاية العصر العباسي الأول)” (جعفري، 1395ش). يتناول المؤلف في هذا البحث دراسة وتحليل منهج فيركلوف في مجموعة من الخطب السياسية، خاصة الخطبة الشقشقية وخطبة الجهاد للإمام علي (ع)، حيث يسعى المؤلف إلى فهم جديد للمضامين الخفية في طيات الخطب، والتي سيتم تحليلها ودراستها في متن الرسائل بعد الإشارة إلى أسس البحث.

2. تحليل الخطاب النقدي عند نورمان فيركلوف

إن تحليل الخطاب، الذي يُترجم في اللغة الفارسية بـ “سخن كاوي” (تحليل الكلام) و”تحليل گفتار” (تحليل القول)، هو توجه دراسي متعدد التخصصات ظهر من منتصف الستينيات إلى منتصف السبعينيات من القرن الماضي في أعقاب تغيرات علمية ومعرفية واسعة في مختلف الفروع، وسرعان ما حظي بالاهتمام كمنهج بحثي نوعي. ولهذا المنهج أنواع مختلفة، من أهمها “تحليل الخطاب النقدي” الذي يركز بشكل خاص على أسباب وكيفية استخدام اللغة في سياقات مختلفة، ويدرس الظواهر اللغوية والأفعال الخطابية أو التأثيرات الاجتماعية (فيركلوف، 1379ش، 10-12).

طرح نورمان فيركلوف، الذي كان من الشخصيات الفاعلة في تحليل الخطاب النقدي منذ بداياته، أشهر وأشمل نظرية في هذا المجال. وهو يرى تحليل الخطاب النقدي مزيجًا من تحليل النص، وتحليل عمليات إنتاج النص واستهلاكه وتوزيعه، والتحليل الاجتماعي-الثقافي للحدث الخطابي ككل (سواء كان مقابلة، أو مقالة علمية، أو محادثة) (نفس المصدر، 19). بناءً على ذلك، يُدرس في تحليل الخطاب النقدي أمور تتجاوز ظاهر النص والكتابة، والهدف منه هو كشف أفكار وإفرازات المتحدث أو الكاتب الفكرية؛ وذلك لوجود علاقة متبادلة وجدلية بين اللغة وبنية المجتمع. لذلك، بعد عرض الأسس المفاهيمية والنظرية لمنهج فيركلوف، سننتقل أولاً إلى تحليل رسالة معاوية بناءً على منهج تحليل الخطاب النقدي لفيركلوف، ثم إلى الرسالة 64 من نهج البلاغة التي جاءت ردًا على رسالة معاوية.

3. تحليل رسالة معاوية

نُقل في كتاب ابن قتيبة أن الرسالة المذكورة كُتبت بعد معركة الجمل والمراسلات بين معاوية وشرحبيل؛ لأن شرحبيل وأشراف حمص بايعوا معاوية بالخلافة، وبعد ذلك كتب معاوية هذه الرسالة إلى الإمام علي (ع) بصفته خليفة الشام، متوهمًا أن الأمر قد حُسم له. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرسالة هي أول رد أرسله معاوية إلى الإمام بعد انتخابه ومبايعة المهاجرين والأنصار له في عام 36 هـ، وقد طرح فيها ادعاءات تحت عنوان “خليفة الله”، وكان هدفه الوحيد هو نزع الشرعية عن حكومة الإمام علي (ع).[1] وفيما يلي، سيتم تحليلها بناءً على منهج تحليل الخطاب النقدي لفيركلوف.

1-3. تحليل الرسالة على مستوى الوصف

هذه المرحلة ترتبط بخصائص النص ومحتواه الظاهري. وفي هذه المرحلة، يطرح فيركلوف في كتابه عشرة أسئلة في مجالات استخدام المفردات، والنحو، ومصادر النص، مع أمثلة توضيحية؛ لأن هدفه هو دراسة العلاقة بين اللغة والسلطة، ويسعى إلى إظهار كيف يعبر المتحدثون عن أهدافهم السياسية والاجتماعية، سواء عن قصد أو غير قصد، باستخدام المفردات (فيركلوف، 1379ش، 168-169؛ يورغنسن، 1389ش، 66).

ألف- المفردات والعبارات

استُخدمت في الرسالة مفردات مثل: “الله، اتبع، الهدى، يداً جامعة، عاداك، قتلت، أطلعك، شردت، بين المصرين، تمنيت، الدنيا، بخيلها، رجلها، زرتك، المهاجرين، بقية الإسلام، فيحيطون” (الله، الاهتداء، الهدى، اليد الجامعة، المعاداة، القتل، الإطلاع، التشريد، بين المصرين، التمني، الدنيا، الخيل، الرجل، الزيارة، المهاجرون، بقية الإسلام، الإحاطة)، مما يمكن من خلاله تحديد موضوع الرسالة بأنه سياسي وعقائدي. ومن ناحية أخرى، فإن وجود بعض المفردات ذات الدلالة المتضادة مثل “بخيلها ورجلها” (فيركلوف، 1379ش، 177) يشير إلى بدء حرب نفسية من قبل معاوية ضد الإمام (ع)؛ لأن كلمة “خيل” في الأصل تعني الظن وتطلق على قطيع الخيل، وتُستخدم مجازًا للإشارة إلى الفرسان (ابن منظور، 1414هـ، 11: 226)، ولها معنى الكثرة التي تثير الوهم. وهي في الواقع لا تصل إلى ذلك العدد المقصود، وبالتالي فإن مجيء “خيل” يعني أن أفرادك، وإن كانوا كثرًا، إلا أنهم في الواقع لا يملكون القدرة على إنجاز الأمور العظيمة ولن يصلوا إلى الأهداف الكبرى. وهذا المعنى يتحقق بشكل أكمل عندما يقترن بكلمة “رجل”، لأن “رجل” في هذا النص جاءت قرينة لـ “خيل” بمعنى عامة الناس، وبهذا يحتقر أنصار الإمام (ع) ويعظم أتباعه، لأن هدفه كان إظهار حكومة الإمام على غير وجه حق.

كذلك عبارة “سلام الله على من اتبع الهدى” في بداية الرسالة، تظهر أن معاوية، بصفته خليفة الله ومقتديًا بأسلوب النبي، حاول أن يسيطر على نفسه ويظهر التزامه بالعقائد الإسلامية وألا يقول شيئًا مخالفًا للواقع. لكنه في تتمة الرسالة يفقد السيطرة على نفسه ويستخدم عبارة: “بطغام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق، وحمقى الفسطاط، وغوغاء السواد”، وهذه العبارات تشير إلى بداية الحرب النفسية ضد الإمام (ع)، حيث قصد معاوية من خلالها إضعاف حكومة الإمام علي (ع) وموقعه في الخلافة، وتقويض سلطة وشرعية الطرف المقابل، وفي المقابل تثبيت وتوطيد خلافته.

ويواصل معاوية باستخدام التشبيه في عبارة: “وأيم الله، لينجلين عنك حمقاها، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء”، قاصدًا إظهار قوته للإمام. فهو في هذه العبارة يصور نفسه كريح عاصفة يمكنها أن تفرق السحب (أهل العراق والحجاز). هدف معاوية من هذه العبارة هو إظهار قوته في قلب الأوضاع، وقدرته على تفريق أنصار الإمام وتحريضهم. ومن ناحية أخرى، فإن لفظ “انقشاع” وتكراره، الذي يعني في الأصل الانكشاف من مكان والتفرق، يمكن أن يكون تأكيدًا على المفهوم المنشود (بستاني، د.ت، 113). كما أن استخدام حروف النداء والنون المشددة في العبارات يدل على حتمية وقوع الفعل وصعوبته وجديته.

وفي نهاية الرسالة، يستخدم معاوية بعض الأحداث بشكل أداتي مثل “قتلت عثمان بن عفان، ورقيت سلماً” و”نزلت بين المصرين”، قاصدًا تحريف العقائد، وإضعاف المعنويات، وتجريد الدوافع من المصداقية، وتقويض سلطة الطرف المقابل. فمعاوية، إذ يتهم الإمام بقتل عثمان، يريد أن يفهم المخاطبين أن الإمام في أول حرب له مع الناكثين وأم المؤمنين ارتكب فعلاً لم يعد له معه وجه للعودة إلى المدينة أو القدرة على مواجهة الناس، فاتخذ الكوفة مركزًا لخلافته. كما أنه باستخدام عبارة “فمنيت وتمنيت، وخيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها ورجلها” يتهم الإمام (ع) بأن الوصول إلى الخلافة كان من أمانيه القديمة، والآن يظن أنه قد نال هذا المقام، بينما هو يخدع نفسه فقط.

ومن ناحية أخرى، فإن النظر في أنواع الجمل في الرسالة يظهر أن جميع الجمل، باستثناء الجملة الأولى: “فإنا كنا نحن وإياكم يداً جامعة، وألفة أليفة حتى طمعت يا ابن أبي طالب فتغيرت”، تبدأ بجملة فعلية. وهدف الكاتب في الجملة الاسمية التي تحمل دلالة إقناعية وتأكيدية (وجود عدة حروف تأكيد ومفعول مطلق) هو التأكيد على وحدة وتآلف هذين القومين، وأن شخصًا معينًا (الإمام علي (ع)) كان سببًا في الفرقة بينهما. وفي المقابل، فإن الاستخدام المفرط للأفعال الماضية مقابل الأفعال المضارعة يدل على أنه لم يكن أمام معاوية خيار سوى التأكيد على الزمن الماضي وذكر بعض الأحداث؛ لأنه لو أشار إلى الزمن الحاضر، فمن الواضح أن الخليفة قد تغير وأصدر أمر عزله، لذا كان عليه أن يشير إلى الزمن الماضي.

وفيما يتعلق بإيجابية وسلبية العبارات، يمكن القول إن جميع الجمل والعبارات استخدمت بصيغة إيجابية، وإيجابية الجمل يمكن أن تكون دليلاً على قوة شخصية الكاتب أو المتحدث واستعراضها. ومن الجمل المنفية، استخدمت فقط عبارة: “أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك”، حيث يقصد معاوية أن يفهم الإمام أن جميع الأعمال التي قام بها حتى الآن لن تعود عليه بالنفع، بل ستكون سببًا في ضرره وهلاكه، مثل: 1- أولاً تسببت في الفرقة بين المجموعتين. 2- طمعك في الحصول على السلطة والحكم وحصولك عليه بواسطة أهل الحجاز والعراق. 3- قتلك لعثمان. 4- قتلك لطلحة والزبير في معركة الجمل. 5- تشريدك لعائشة أم المؤمنين. 6- نقلك لمركز حكومة نبي الله من المدينة إلى الكوفة.

ب- الانسجام

في تحليل الخطاب النقدي، يُقصد بالانسجام استخدام أنواع مختلفة من الضمائر في النص (فيركلوف، 1379ش، 199). قبل تحليل أنواع الضمائر، يجب التذكير بأن معاوية في بداية الرسالة باستخدام ضمير (نحن، أنتم) 1- يسعى أولاً إلى إظهار هويتهما، حيث إن بني هاشم وبني أمية من قبيلة واحدة. 2- أو ربما يكون بصدد بناء رؤية تتمحور حول عدم وجود عداوة بين هذين القومين. 3- أو يقصد التعبير عن التقارب والاتحاد السياسي بين المجموعتين. يواصل معاوية باستخدام ضمير (أنت) لتعزيز خطابه وإضعاف موقف الإمام. ومن ناحية أخرى، فإن معاوية بتكرار هذا الضمير يقصد تطبيع الأحداث والوقائع. وهناك احتمال آخر وهو أن معاوية يقصد التظلم، بأنه لم يتدخل في أي من هذه الأمور، أو يمكن أن يكون دليلاً على عدم مسؤولية الكاتب الذي، قبل التحقيق والبحث، ومن أجل راحته، يوجه أصابع الاتهام إلى شخص ما.

وفي العبارات الختامية، يقصد معاوية باستخدام ضمير (أنا) أن يقدم نفسه كوالٍ وخليفة له جيش عظيم: “لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام، فيحيطون بك من ورائك”، وأن يحذر الإمام ويهدده بألا يفكر أبدًا في المجيء إلى الشام أو مهاجمتها. ومن عوامل الانسجام المعنوي الأخرى بين العبارات، استخدام التكرار والاشتقاق في عبارات: “ألفة أليفة، لينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء، أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك، فمنيت وتمنيت”، والتي بالإضافة إلى كونها منظمة إيقاعيًا، فإنها تدل على أهمية الموضوع في نظر الكاتب، الذي يؤكد عليها.

2-3. تحليل الرسالة على مستوى التفسير

على مستوى التفسير، تُدرس العمليات المؤثرة في إنتاج الرسالة واستخدامها كفعل خطابي، وعلاقتها بالخطابات الأخرى. ومن أهم أدوات التحليل على مستوى التفسير: السياق الموقفي للخطاب، ونوع الخطاب، والتناص (فيركلوف، 1379ش، 215). وفي هذا السياق، يتم إعادة بناء السياق الموقفي والقضايا الأخرى. كما ذُكر سابقًا، فإن هذه الرسالة هي أول رسالة من معاوية بعد معركة الجمل ومقتل طلحة والزبير وإرسال عائشة إلى المدينة واستقرار الإمام علي (ع) في الكوفة (زكي صفوت، د.ت، 1: 364؛ أميني، د.ت، 1: 399؛ أحمدي ميانجي، 1426هـ، 1: 299؛ دينوري، 1410هـ، 1: 99). وحتى ذلك اليوم الذي أرسل فيه الإمام ما يقرب من ثلاث رسائل إليه لأخذ البيعة، لم يرد معاوية على أي منها، لأنه بالإضافة إلى تجاهله للإمام والاستخفاف به، كان ينتظر نتيجة معركة الجمل، ليرى هل سينتصر منافسوه أم لا؟ ومن ناحية أخرى، كان يقصد كسب الوقت لأخذ البيعة من أهل الشام وتحريض أنصار الخليفة الثالث، والاستعداد للحرب ضد الإمام (ع). وبعد أن أعد معاوية كل هذه الأمور، أرسل رسالته الأولى إلى الإمام بهذه المضامين.

وفيما يتعلق بتأثير الأنواع والخطابات الأخرى في نص الرسالة، يجب القول بوجود نوعين من التناص في النص. الأول هو التناص الصريح الذي يشير إلى استخدام نصوص أخرى في نص ما بشكل مباشر، مثل استخدام علامات الاقتباس وما شابهها. عبارة: “ثم يقضي الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله”، هي جواب لعبارة قالها الإمام (ع) سابقًا بشأن مقتل عثمان: “فإن القضاء السابق، والقدر النافذ ينزل من السماء كقطر المطر، فتمضي أحكامه عز وجل…” (هاشمي خوئي، د.ت، 17: 196؛ زكي صفوت، د.ت، 1: 340؛ أحمدي ميانجي، 1426هـ، 1: 218).

النوع الآخر هو التناص البنيوي الذي له مفهوم أوسع ويشير إلى التأثير المحتوائي للخطابات الأخرى في نص ما. يحدث هذا المفهوم عندما تتداخل خطابات وأنواع مختلفة في حدث تواصلي واحد (فيركلوف، 1379ش، 122-123؛ يورغنسن، 1389ش، 128). عبارة: “سلام الله على من اتبع الهدى” و”ثم يقضي الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله” في الرسالة، تشير إلى حضور خطابات مثل خطاب النبي (ص) وأنواع أخرى في النص، وقصد الكاتب من ذكر هذه العبارات هو نوع من إضفاء الشرعية على نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن معاوية لم يشر في الرسالة إلى النبي (ص) على الإطلاق، لأنه بذل كل جهده لئلا يشير إلى شيء يقوي الطرف المقابل ويضعف نفسه. من ناحية أخرى، تحمل هاتان العبارتان دلالة تهديدية أيضًا، حيث يقصد معاوية في الجملة الأولى نزع سلاح الإمام، ويسبق في طرح القضايا العقدية. وفي العبارة الثانية، يقصد أن يفهم المخاطبين أنه إذا قُتل الإمام علي (ع) يومًا ما على يدي والمهاجرين، فسيكون ذلك بقضاء إلهي. وفي العبارة الأخيرة “والسلام…”، لا يعتبر معاوية الإمام من أولياء الله ويقول: إذا تحقق بيننا صلح وسلام، فأنت منهم، وإلا فلست منهم.

3-3. تحليل الرسالة على مستوى التبيين

هدف مرحلة التبيين هو وصف الخطاب كعملية اجتماعية؛ وهدفها هو إظهار العلاقة المتبادلة بينها، وكيف تحدد البنى الاجتماعية الخطاب، وفي المقابل ما هو تأثير الخطاب على البنى الاجتماعية، وهو تأثير يؤدي إلى تغيير الوضع القائم أو الحفاظ عليه. بناءً على ذلك، فإن التبيين هو رؤية الخطاب كجزء من عملية الصراع الاجتماعي في سياق علاقات القوة (فيركلوف، 1379ش، 245). في هذه المرحلة، يجب على الباحث، بناءً على المراحل السابقة ونتائجه، أن يقدم استنتاجًا نهائيًا لخطابه، حول ما إذا كان الخطاب قيد الدراسة يتوافق مع الخطاب السائد أم يعارضه. ومن هذا المنطلق، فإن هدفنا هو كشف الأفكار التي تتجاوز ظاهر النص.

وفي هذا الصدد، يجب القول إن معاوية، كشخص يعارض الحكومة والنظام الحاكم، يمتلك خطابًا معارضًا للخطاب السائد، لأن خطابه كان قد ابتعد لمدة 25 عامًا عن الخطاب الذي كان سائدًا في زمن النبي (ص)، وظهر في صورة خطاب جاهلي كان سائدًا في زمن الخليفة الثالث. لذلك، سعى معاوية في رسالته باستخدام أدوات دعائية (مثل الكذب والافتراء) إلى الحفاظ على وضع ساد لمدة 25 عامًا. ولإظهار أنه يملك القدرة على فعل ذلك، استخدم عبارة: “… لينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء”. وبالطبع، يجب القول إن الروح الحاكمة لرسالة معاوية تُظهر نظرته الكاملة للخلافة على أنها عمل دنيوي، لأنه يدخل في هيئة النبي (ص) لإضفاء الشرعية على نفسه، ولا يذكر اسمه خشية أن يقوي الإمام ويضعف نفسه.

4. الرسالة 64 من نهج البلاغة (جواب الإمام علي عليه السلام على رسالة معاوية)

بناءً على ذلك، بعد التعرف على رسالة معاوية، ننتقل الآن إلى دراسة الرسالة 64 من نهج البلاغة، التي كُتبت ردًا على رسالة معاوية (وتجدر الإشارة إلى أن النص الكامل للرسالة قد تم دراسته وتحليله). (راجع: زكي صفوت، د.ت، 1: 369؛ هاشمي خوئي، د.ت، 20: 369؛ ابن أبي الحديد، 1404هـ، 17: 251؛ الدينوري، 1410هـ، 1: 100؛ أحمدي ميانجي، 1426هـ، 1: 299؛ موسوي، 1376ش، 842؛ شوشتري، 1376ش، 4: 248-252).

1-4. تحليل الرسالة على مستوى الوصف

يهدف تحليل النصوص على مستوى الوصف، كما قيل، إلى تبيان كيفية ارتباط الخصائص الشكلية للنص بمفاهيم السلطة والأيديولوجيا، ويمكن ملاحظة بعض جوانبها في النص:

ألف- المفردات والمصطلحات

يمكن اعتبار أول وأهم خاصية شكلية مطروحة في هذا النص هي استخدام الأسلوب المباشر في التعريف بالأشخاص ومواقعهم السياسية في المجتمع الإسلامي، حيث كان هدف الإمام (ع) بيان أداء السابقين وإعلان عدم رضاه عن سيرتهم ونقد أعمالهم.

نقد أداء طلحة والزبير وعائشة: لأنهم كانوا من الذين ساروا في الطريق الخطأ، ومن يشعل نار الحرب ظلمًا، فإن كل سوء يصيبه يكون من جانبه، لأن هؤلاء الثلاثة غادروا المدينة بقصد الحج ثم ذهبوا إلى البصرة.

نقد أداء معاوية: يذم الإمام علي (ع) معاوية وينتقده من بداية الرسالة إلى نهايتها، وينقد سلوكه ويشير إلى أن كل ما يقوله هو من قبيل الهراء والثرثرة.

نقد أداء أقوام وأقارب معاوية: ينتقد الإمام (ع) في رسالته أخلاق بني أمية وسلوكهم، بدءًا من إسلامهم القسري يوم فتح مكة، وصولًا إلى أدائهم في الحروب، خاصة حرب بدر، حيث يقصد أن يفهم معاوية أنك مثلهم، وأن كل كلامك وادعاءاتك فارغة وجوفاء.

من الخصائص الأخرى الملحوظة في النص، استخدام أدوات التوكيد، خاصة “إنَّ” في أجزاء مختلفة من النص، ولا سيما عبارة: “فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَ الْجَمَاعَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ كَفَرْتُمْ وَ الْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ …”، جاءت ردًا على معاوية، وتدل على أهمية الموضوع وكلام الإمام علي (ع) في المجتمع الإسلامي. وهدف الإمام هو التأكيد على الخلافات التي كانت بين بني أمية وبني هاشم منذ البداية، ولم يكن هناك من يفاقمها، وقد ظهر هذا الخلاف بشكل أكبر في عام 36 هـ بسبب الظروف السابقة، والبحث عن المذنب هو عمل عبثي ومضيعة للوقت.

الأمر الآخر هو استخدام الأفعال المتنوعة في النص، حيث ورد كل منها لغاية وهدف خاص. معظم الأفعال جاءت بصيغة الماضي، لبيان الوقائع السياسية والعقائدية التي حدثت منذ زمن حكومة النبي الأكرم (ص) حتى الآن، وكان هدف الإمام (ع) فضح مؤامرات معاوية ونزع الشرعية عنه. لهذا السبب، فإن عدد الأفعال الماضية أكبر من الأفعال المضارعة. وفي المقابل، فإن استخدام الأفعال المضارعة، التي ترتبط جميعها بزمن كتابة الرسالة، يعبر عن الاستمرارية والديمومة في مواجهة الفهم الأعوج والأفكار المنحرفة مع معاوية. ووضوح الجمل، بالإضافة إلى إظهاره لقوة شخصية الكاتب، يمكن أن يكون دليلاً على السيطرة الكاملة للكاتب على النص وعقيدته وإيمانه الراسخ في هذا المجال.

كما أن تعدد وتنوع الجمل في الرسالة يظهر أن الاستخدام المفرط للجمل الفعلية التي تتميز بالحركة والاستمرارية في الفعل، يعبر عن فعل استمر من الماضي حتى الآن، مثل نزع الشرعية عن حكومة الإمام، والذي كان يحدث من قبل عائلة معاوية في زمن النبي (ص). ولكن في المقابل، فإن استخدام الجمل الاسمية، التي يحمل معظمها حرف توكيد وذات طابع إقناعي، يدل على ثبوت واستمرارية الموضوع قيد البحث. وفيما يتعلق بالجمل الخبرية، يجب القول إنه بسبب الطبيعة التاريخية والروائية للنص، فإن معظم جمله جاءت بصيغة خبرية.

ب- عوامل الانسجام

من عوامل الانسجام في النص، الانسجام الكلي الموجود في جميع عبارات الرسالة، وقد أدى استخدام العبارات والجمل بشكل منظم إلى تقسيم الرسالة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: ردود الإمام علي (ع) القاطعة على ادعاءات معاوية

1-1- وصف القوة ودعوة العدو إلى المبارزة: عبارة: “فَقَدِّرِ الأُمورَ تَقديرَ مَن يَنظُرُ لِنَفسِهِ دونَ جُندِهِ”. يستخدم الإمام علي (ع) هذه العبارة لإظهار قوته الشخصية والرد على ادعاء معاوية الذي أشار إلى أنصاره في الشام للحرب، فيقول: يا معاوية، استعد لمبارزتي، ولا شأن لك بجندك، لأنك لست قائدًا شرعيًا وقانونيًا، وليس لديك جند وقوة كما تدعي، بل أنت مجرد مواطن عادي دعاني إلى الحرب، فتعال إلي وحدك. ثم يواصل الإمام باستخدام عبارة: “ولا يَشتَغِلُ بِالهَزلِ مِن قَولِهِ”، واستخدام ضمير “هو” المستتر الغائب، ليبين أنه لا أحد يكترث لكلامك هذا (أي رسالة معاوية)، ولا يعيره أي اهتمام، فما بالك بي أنا علي بن أبي طالب، الذي بالتأكيد وبشكل جدي لا أهتم به.

2-1- وصف الاعتقاد بالله في جميع المجالات: يرد الإمام على ادعاء آخر لمعاوية فيقول: “فَلَعَمري لَئِن كانَت قُوَّتي بِأهلِ العِراقِ، أوثَقَ عِندي مِن قُوَّتي بِاللَّهِ ومَعرِفَتي بِهِ، فَلَيسَ عِندَهُ بِاللَّهِ تَعالى يَقينُ مَن كانَ عَلى هذا”. أنا أؤمن تمامًا بأقوالي وأفعالي، ولا حاجة لي للاعتماد على أهل العراق وغيرهم من أجل السلطة والشرعية. قوتي من عند الله، وهي تكفيني. وفي المقابل، أنت الذي تعتمد دائمًا على جندك وتفتخر بوجودهم، وتقدمهم في كل عمل تقوم به، فهذا يدل على أنك لا تؤمن بالله وتعتمد على الآخرين في كل شيء.

3-1- وصف وتوصية ذات بعد معرفي للعدو (السعي في نصح معاوية): يواصل الإمام، للاستخفاف بكلام وادعاءات معاوية، فيقول: “فَناجِ نَفسَكَ مُناجاةَ مَن يَستَغني بِالجِدِّ دونَ الهَزلِ، فَإِنَّ فِي القَولِ سِعَةً، ولَن يُعذَرَ مِثلُكَ فيما طَمَحَ إِلَيهِ الرِّجالُ”. أي لا تشغل نفسك بأمور تافهة لا قيمة لها لأحد. يا معاوية، ناجِ نفسك، انشغل بحديث النفس الذي له قيمة ولا يكن كلامًا فارغًا. من ناحية أخرى، يقصد الإمام أن يقول: بينما أنت تتفوه بكلام فارغ، أنا في المقابل، وبما أمتلك من حرية فكر، أقول كلمة الحق، وأنت بسبب الذنوب التي ارتكبتها حتى الآن، لا تملك القدرة على تمييز الحق من الباطل. لذلك، ينظر الإمام في هذه العبارة إلى الذنب كمفهوم معرفي يمنع أشخاصًا مثل معاوية من إدراك الأمور المعنوية.

4-1- وصف وفضح مؤامرات معاوية: يواصل الإمام فضح مؤامرات معاوية ضده، فيقول: “أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَأَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَكَفَرْتُمْ وَالْيَوْمَ أَنَّا اسْتَقَمْنَا وَفُتِنْتُمْ وَمَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلَّا كَرْهاً وَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ الْإِسْلَامِ كُلُّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص [حَرْباً] حِزْباً”. أنت تموه في مسألة الخلاف بيننا وبينكم، وهذه الخلافات تعود إلى زمن النبي (ص)، وقد اشتدت بعد وفاته، واليوم، نظرًا للظروف الراهنة، أصبح تحقيقها عمليًا أكثر، ونحن نشاهد ذلك بكثرة، فلا دخل لي في هذه الأمور. من ناحية أخرى، يقصد الإمام تحقير معاوية وتذكيره بأن إسلامكم لم يكن إسلامًا محمديًا خالصًا، بل كان عن كره، وفي ذلك الوقت لم يكن لديكم خيار سوى التسليم (حادثة فتح مكة). والآن أنت، بهذه السابقة، تعلن الإسلام كأداة لنفسك، وتقصد مواجهتي بهذه الوسيلة. ثم يواصل الإمام الرد على ادعاءات معاوية بشأن قتل طلحة والزبير وغيرهما، فيقول: “وَذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَشَرَّدْتُ بِعَائِشَةَ وَنَزَلْتُ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ وَذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلَا عَلَيْكَ وَلَا الْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ”. هذه الأمور لا علاقة لك بها، ولا يلزم أن أعتذر لك عنها. هذه الأمور التي ذكرتها هي تحت إشراف الوالي الشرعي، والنظر فيها من اختصاص الحاكم الشرعي، ولا علاقة لك بها، ولن أوضح لك شيئًا في هذا الشأن. بالطبع، لك الحق في السؤال في هذا الأمر، لكن لا تتجاوز حدودك، لأنك لست ولي الدم، بل أنت مواطن عادي. وأما ادعاؤك بأنك من المهاجرين: “وَذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي [جَمْعِ] الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدِ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ”، فلا تحرف قصة المهاجرين والأنصار، فأنت لست من أي من هاتين المجموعتين.

5-1- وصف القوة باستخدام التشبيه: يقول الإمام علي (ع) في نهاية الرسالة، في مواجهة التهديد العسكري لمعاوية: “فَإِنْ كَانَ [فِيكَ] فِيهِ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ وَإِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي أَسَدٍ: مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ الصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَجُلْمُودِ”. في هذه العبارة، يعتمد الإمام أولاً على الله لتهديد معاوية وإظهار قوته، ويقول إن الله في هذا الأمر، أي مجيئي لملاقاتك، هو سندي، وهذا يكفيني. ثم يواصل، للتأثير أكثر على عواطف ومشاعر الطرف المقابل وإثارتها، باستخدام التشبيه والتمثيل، ويقول: أنا كريح عاصفة في الصيف، جاد جدًا في أمور الحرب، وأسبب الدمار والهلاك، فاحذر إلى من تتحرك. وسبب تأكيد الإمام على رياح الصيف هو أن هذه العواصف، بسبب حرارتها، لها قدرة أكبر على التدمير وتسبب الهلاك. وهذه العبارة، بالإضافة إلى أنها تدل على جدية الإمام في هذا الأمر، فإنها تظهر أيضًا قوته، ومن ناحية أخرى، يقصد تذكيره بمعركة بدر التي قتل فيها الإمام عتبة، جد معاوية، والوليد بن عتبة، خال معاوية، وحنظلة بن أبي سفيان، أخا معاوية، ليفهم معاوية أن من كان كذلك، ومعه سيف كالذوالفقار، يجب أن يُخشى منه، ولم يهدده بالحرب والقتال. ويواصل الإمام، لمزيد من التحريض، باستخدام عبارة: “وَعِنْدِي السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ – [فَإِنَّكَ] وَإِنَّكَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ الْأَغْلَفَ الْقَلْبِ الْمُقَارِبَ الْعَقْلِ”. ليفهم معاوية: عندما كنا ضعفاء وكنتم في أوج قوتكم، ماذا فعلنا بكم؟ فهذه التهديدات الفارغة منك تدل على أن قلبك لا يسع الحقيقة، وعقلك لا يساعدك في هذه الأمور.

6-1- وصف سبب ظهور ادعاء الحكم والسلطة لدى معاوية: يرى الإمام، بعبارة “لِأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَرَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ”، أن سبب ظهور ادعاء الحكم والسلطة لدى معاوية هو اغترابه عن ذاته، فيقول: يا معاوية، لم تستطع أبدًا إقامة علاقة مع واقعك، وهذا ما جعلك تدعي الخلافة بينما أنت لست أهلاً لها أبدًا، والخلافة والولاية ليست في مستواك، لأنك لم تُنتخب بأي طريقة (تأكيد على طريقة انتخاب الخلفاء الثلاثة قبله)، “وَطَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا فِي مَعْدِنِهِ”. كما أن الإمام، ليظهر أن ساحة القول والاعتقاد لدى معاوية ليستا واحدة، يقول: “فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ”. يا معاوية، إذا كنت تقصد تحريكي للقيام بعمل ما، أو منعي من القيام به، فيجب أن تكون صادقًا، بحيث يتطابق فعلك مع قولك، وقولك مع رغباتك وعواطفك وأحاسيسك، بينما الأمر ليس كذلك فيك. (راجع: درس گفتار اخلاق کاربردی از مصطفی ملکیان).

القسم الثاني: نقد الإمام (ع) لخُلق معاوية وسلوكه

في القسم الثاني من النص، ينتقد الإمام خُلق معاوية وسلوكه، ويؤكد أنه هو أيضًا مثل آبائه وأجداده. يستخدم الإمام في هذا القسم المثل القائل “الولد سر أبيه”، إلى جانب كلمة “الشَّقَاوَة”، ليُفهم معاوية: “وَقَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَأَخْوَالٍ حَمَلَتْهُمُ الشَّقَاوَةُ وَتَمَنِّي الْبَاطِلِ عَلَى الْجُحُودِ بِمُحَمَّدٍ ص فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَلَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلَا مِنْهَا الْوَغَى وَلَمْ تُمَاشِهَا الْهُوَيْنَى”. إن شخصيتك اليوم تشبه شخصية أعمامك وأخوالك في زمن حكومة النبي (ص)، لأنهم في ذلك الوقت شعروا بالخطر ووجدوا أنفسهم في ظروف صعبة، فاستنتجوا أن ينكروا النبي الأكرم (ص) ويدخلوا في حرب ضده، فقُتلوا في النهاية على يدي وبسيفي، ذي الفقار، وأنت اليوم الذي حللت محلهم، لن يكون مصيرك مختلفًا.

القسم الثالث: إتمام الحجة من الإمام (ع) على معاوية

يشمل القسم الثالث مواعظ ونصائح الإمام، أو بعبارة أخرى، إتمام الحجة على معاوية: “وَقَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا تِلْكَ الَّتِي تُرِيدُ فَإِنَّهَا خُدْعَةُ الصَّبِيِّ عَنِ اللَّبَنِ فِي أَوَّلِ الْفِصَالِ وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ”. قبل أن تتحدث عن مقتل عثمان، من واجبك كمواطن أن تناقشني في هذا الأمر حتى نصل إلى نتيجة، فلا تبحث عن ذرائع واهية. بناءً على ذلك، يمكن اعتبار هذا النوع من الخطاب، من حيث الفصاحة والبلاغة، أسمى أسلوب في المكاتبات السياسية لمواجهة الأشخاص المدعين، وفي حال غياب أحد الأقسام، يبقى الخطاب ناقصًا وغير مكتمل. ومن الأساليب الأخرى لخلق الانسجام في النص، يمكن الإشارة إلى التكرار والاشتقاق. لأنها بالإضافة إلى أنها تمنح القوة، فإنها تؤدي إلى ثبات واستقرار المعنى في ذهن المخاطب، ولها دور مؤثر في أهمية الموضوع. ومن أمثلة ذلك في النص: تكرار كلمة “هَزْلِ”، والاشتقاق في عبارات: “فَقَدِّرِ الأُمورَ تَقديرَ، فَناجِ نَفسَكَ مُناجاةً، فَادخُل فيما دَخَلَ فيهِ، فَصُرِعوا مَصارِعَهُم”. كل هذه العبارات، بالإضافة إلى أنها تُظهر أحقية وشرعية الإمام علي (ع) في الحكم، فإنها من ناحية أخرى، تسعى لنزع الشرعية عن معاوية. ومن ناحية أخرى، فإن استخدام الكلمات المتضادة: “الجِدِّ والهَزْلِ، قَوْلَ وفِعْلِكَ”، يُظهر أن الإمام علي (ع)، باستخدام هذه الكلمات بأجمل صورة وأكثرها شيوعًا في ذلك الزمان، يقصد أن يفهم المخاطبين أن كل ما يقوله معاوية هو كلام فارغ لا معنى له، لأن فعله وقوله ليسا واحدًا. إذا كان يقصد منعي من عمل ما، أو تشجيعي على عمل ما، فيجب أن يكون صادقًا، وهذا هو الشيء الوحيد الذي لا يملك منه شيئًا. ومن ناحية أخرى، فإن وجود كلمات: “أَمْسِ واليَوْمَ، آمَنَّا وكَفَرْتُمْ، اسْتَقَمْنَا وفُتِنْتُمْ”، يُبين الخلافات بين قوم بني هاشم وبني أمية التي كانت سائدة منذ زمن بعيد، وقد اشتدت في عام 36هـ بسبب بعض الأحداث (راجع: البحراني، 1362ش، 5: 348). ومن الخصائص البيانية الأخرى المطروحة في الرسالة استخدام الاستعارات والتشبيهات والكنايات المتعددة، التي تم تناولها بالتفصيل في شروح نهج البلاغة، وكل منها يحمل دلالة مهمة، وبعضها يشير إلى حوادث تاريخية. عبارة: “أَنْفُ الْإِسْلَامِ”، هي استعارة عن كبار قبيلة بني أمية الذين أسلموا مكرهين يوم فتح مكة، مثل أبي سفيان (البحراني، 1362ش، 5: 349؛ علي دخيل، 1364ش، ح 31-32: 35). وبناءً على العبارة، يتضح أن الإمام علي (ع) في هذا الموضع يقدم نفسه كملتزم بالأخلاق الإسلامية، ويمتنع عن ذكر أسماء أشخاص معينين في عبارته، ويذكرهم بالاستعارة. كلمة “الْأَغْلَفُ” هي أيضًا استعارة عن قلب معاوية (البحراني، 1362ش، 5: 352)، وسبب الاستعارة هو أن قلب معاوية، بسبب الذنوب التي ارتكبها حتى الآن، لا يملك القدرة على قبول الحق. عبارة: “الْمُقَارِبُ الْعَقْلِ”، المقارب هو الحد الوسط بين الجيد والسيء، وهنا إشارة إلى قلة عقل معاوية، وأن كل ما يدعيه بعيد عن المنطق والعقل (عبده، د.ت، 3: 135؛ مكارم شيرازي، 1390ش، 274؛ علي دخيل، 1364ش، ح 31-32: 37). أي أن معاوية يملك عقلاً، وإذا رجع إلى عقله، يمكنه إدراك الحقائق، لكن الذنوب التي ارتكبها تمنعه من معرفة الحقيقة. عبارة: “وَالسَّلَامُ لِأَهْلِهِ” في نهاية الرسالة هي كناية عن أنك بهذه الأفعال والأقوال والسلوك لست أهلاً لأن يشملك السلام الإلهي، وهذا السلام خاص بأهله فقط (مكارم شيرازي، 1390ش، 283).

ج- الإرجاع

من المسائل الأخرى التي يجب الانتباه إليها في النص السياسي، استخدام الضمائر المختلفة: كما هو واضح، استُخدم في الرسالة ضمير المفرد المذكر المخاطب مقابل المتكلم وحده بشكل مفرط، وهذا بالإضافة إلى أنه يدل على علاقة مباشرة مع المخاطب، يمكن أن يكون له معانٍ أخرى. 1- أبسط ما يتبادر إلى ذهن الباحث في هذا الصدد هو أن الكاتب يقصد وضع هذين الشخصين في مواجهة بعضهما البعض من جوانب مختلفة، وهو ما يمكن تسميته بـ”الثنائية”. 2- المعنى الآخر يمكن أن يدل على قوة الشخص الذي يقدم نفسه كقائد وحاكم حالي مقابل مواطن عادي. 3- أو يمكن أن يكون المراد منه تحمل المسؤولية عن الأحداث. إن استخدام ضمير (نحن)، بالإضافة إلى الإشارة والإرجاع إلى مجموعة ووحدة وتكامل، يمكن أن يدل على أن: 1- الإمام علي (ع) أراد إخراج الرسالة من طابعها الشخصي. 2- أو قد يكون علامة على تواضع الإمام وتذلله تجاه النبي (ص). 3- من المحتمل أيضًا أن الإمام كان يسعى إلى نوع من الشرعية لنفسه، وباستخدام ضمير “نحن” في ارتباطه بالنبي (ص)، كان يبحث عن حل لتبرئة نفسه من الاتهامات الموجهة إليه. 4- وقد يكون الإمام قد استخدم هذا الضمير في علاقته بالمجتمع، ليُظهر أنه ممثلهم ومسؤول عنهم. 5- وربما يكون مراد الإمام من هذا الضمير هو “ناء التكليف”، أي الواجبات والتكاليف التي كانت علينا في حياة النبي (ص) واستمرت حتى الآن. 6- أو قد يكون لتعظيم النفس، أي نحن لسنا مثلكم، بل أفضل منكم. وفي المقابل، فإن استخدام ضمير (أنتم) في النصوص السياسية يمكن أن يكون له معنى خاص به، أي بالإضافة إلى أنه يدل على نوع من الاحترام والتكريم، يمكن أن يكون دالاً على جماعة من مجموعة خاصة ذات معتقدات خاصة. ولكن ما يمكن ملاحظته في هذا النص هو معنى التغريب الذي استخدمه الإمام لبيان الفروق بين قوم بني هاشم وبني أمية. كما أن استخدام ضمير (هم) لتعريف عائلة معاوية، بالإضافة إلى المعنى المقارن الذي يقارن به الإمام معاوية بهم، يمكن أن يكون نوعًا من نزع الشرعية عن شخصية معاوية بناءً على سوابقه.

2-4. تحليل الرسالة على مستوى التفسير

بناءً على ما ذُكر، يمكن القول: إن الرسالة كُتبت بعد معركة الجمل واستقرار الإمام علي (ع) في مدينة الكوفة، ونص الرسالة هو إعادة قراءة للتاريخ السياسي الذي حدث منذ زمن حكومة النبي (ص) حتى زمن خلافة الإمام علي (ع). كما أنه بدراسة وتحليل رسالة معاوية والنص الحالي، يمكن اعتبار الرسالة ردًا كتبه الإمام علي (ع) في عام 36 هـ وأرسله إلى معاوية (هاشمي خوئي، د.ت، 20: 369؛ زكي صفوت، د.ت، 1: 369؛ ابن أبي الحديد، 1404هـ، 17: 251؛ شوشتري، 1376ش، 4: 248-252). وفيما يتعلق بالتناص، يجب القول: إن رسالة الإمام علي (ع) كُتبت بالكامل ردًا على رسالة معاوية، وقد رد الإمام على كل ادعاءاته (لفهم أفضل، راجع قسم الانسجام). وأما عن التناص البنيوي، فيجب القول: إن إعادة النظر في التاريخ السياسي وحكومة النبي (ص) في المدينة وتذكير بيوم فتح مكة وكيفية إيمان الطلقاء في ذلك اليوم، يُظهر حضور الخطابات والأنواع الأخرى في النص، لأن الاستفادة من هذه الأمور تُظهر القاسم المشترك بين حكومة الإمام (ع) والنبي (ص)، ومن ناحية أخرى، فإن التأكيد على فترة النبي (ص)، بالإضافة إلى إضفاء الشرعية وخلق القوة، هو وسيلة لمنع إضفاء الشرعية الزائفة من قبل معاوية.

3-4. تحليل الرسالة على مستوى التبيين

بعد تحليل الرسالة بناءً على مرحلتي الوصف والتفسير، يمكن القول: إن خطاب الإمام علي (ع) في الرسالة مستمد من كتاب وسنة النبي (ص)، ويسعى إلى تغيير الوضع القائم بناءً على نفس الكتاب والسنة، ولتحقيق ذلك، أخرج الرسالة من طابعها الشخصي وربطها بفترة حكومة النبي (ص). لأن الإمام علي (ع) يريد أن يُظهر للعوام والخواص أنه يسير على نفس الطريق الذي يتطابق فيه القول والفعل، وأن شرعيته هي نفسها المستمدة من الكتاب والسنة. من ناحية أخرى، لإظهار أحقيته وشرعيته السياسية تجاه هذا المقام، يقول: “فَلَعَمري لَئِنْ كانَت قُوَّتي بِأَهلِ العِراقِ، أَوثَقَ عِندي مِن قُوَّتي بِاللَّهِ ومَعرِفَتي بِهِ …”؛ هذا مقام لم أحصل عليه من الناس، ولم يخترني شخص النبي (ص)، بل هذا المقام هو أمر إلهي أعطاني إياه الله، والنبي (ص) كان مأمورًا بإبلاغه للآخرين، وهذا شيء كان لنا على مر التاريخ، وليس لكم فيه أي نصيب.

5. نتيجة البحث

إن تحليل الخطاب النقدي بناءً على المنهج الاجتماعي والسياسي يتيح للكتاب والمتحدثين، من خلال دراسة وتحليل نص ما على مستويات مختلفة ومنفصلة ولكن متكاملة، الوصول إلى فهم ورؤية أعمق للنص الكامن في طياته. لذا، فإن قراءة رسالة الإمام علي (ع) ورسالة معاوية بناءً على هذا المنهج تقودنا إلى النتائج التالية:

1. رسالة معاوية

في قسمي الوصف والتفسير، هدف معاوية هو اختلاق شرعية لنفسه باستخدام نزع الشرعية عن حكومة الإمام علي (ع). يبدأ معاوية الحرب النفسية ضد الإمام منذ بداية الرسالة، وبتقزيم حكومة الإمام ونشر الشائعات مثل وصف أنصار الإمام بالقلة والضعف، وقتل عثمان وطلحة والزبير وتشريد عائشة، والطمع في الحكم، يقصد تحريف العقائد تجاه حكومة الإمام وتقويض سلطته وشرعيته ليتمكن من تثبيت حكومته. بالطبع، هو لا يكتفي في تحقيق هذا العمل بالأدوات الدعائية مثل الكذب والافتراء، ولا يشير إلى الأدوات التي تقوي الإمام وتضعفه هو، مثل عدم الإشارة إلى اسم النبي (ص)، على الرغم من أن خطابه في الرسالة هو خطاب نبوي. لا يشير إلى اسم النبي (ص). ولكن في قسم التبيين، يرى معاوية أن السبيل للوصول إلى أهدافه هو من خلال الفوضى السياسية وإثارة الشغب، لأنه بعد أن يقدم نفسه كخليفة الله في هيئة النبي، يرى أن قوته هي قوة اكتسبها من الله تمكنه من قلب جميع الظروف والأمور.

2. رسالة الإمام علي (ع)

في قسم الوصف، تُظهر الأفكار السياسية والاجتماعية للإمام علي (ع) في الرسالة 64 من نهج البلاغة، التي تناظر رسالة معاوية، أن الإمام كان يدافع عن الحكومة الشرعية المستقرة، ويعارض جماعات طلاب السلطة الذين يستخدمون أدوات غير مشروعة للوصول إلى الحكم. ومن ناحية أخرى، يفضح الإمام في هذه الرسالة الأساليب غير المشروعة التي تظهر بمظهر الشرعية للآخرين. الموضوع الآخر هو حرية التعبير وحرية الفكر في الحكم. حرية التعبير بشكل عام تعني حرية الفكر والعقيدة؛ ويمكن اعتبارها أداة دعائية لإيصال الفكر والعقيدة للآخرين، ولكن إلى الحد الذي لا ينتهك المبادئ القيمية للمجتمع وحقوق الآخرين. والآن، يسعى معاوية في هذه الظروف إلى التضخيم، ولأنه لا يملك شرعية، فقد لجأ إلى أداة التضخيم، ويتحدث بكلام له أهمية كبيرة بالنسبة له، ويظن أن هذا الكلام مهم أيضًا للآخرين، بينما هو لا يحمل أي أهمية أو قيمة للآخرين. وأما في قسم التفسير، فإن الإمام علي (ع)، ضمن المقارنة بين حكومتيهما وحكومة النبي (ص)، يبين الشروط والضوابط مثل التمحور حول الله، ووجود القانون، والعمل بالقانون، ويقصد أن يبين أن حكومته تتمتع بهذه الشروط. وفي قسم الوصف، فإن الإمام، ضمن اعتباره الحكم إلهيًا، يعتبر قوته أيضًا إلهية.

المصادر والمراجع

ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.

ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، تحقيق: جمال الدين ميردامادي، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1414هـ.

أحمدي ميانجي، علي، مكاتيب الأئمة عليهم السلام، قم، دار الحديث، 1426هـ.

بحراني، ميثم بن علي، شرح نهج البلاغة، بدون مكان، الكتاب، 1362ش.

بستاني، فؤاد افرام، فرهنگ ابجدي، ترجمة رضا مهيار، طهران، انتشارات إسلامي، بدون تاريخ.

جعفري، روح الله، تحليل گفتمان انتقادي خطبه‌هاي سياسي با تكيه بر رويكرد فركلاف مورد پژوهي دوره‌ي اسلامي تا پايان عصر عباسي اول، رسالة دكتوراه، دانشگاه بين المللي امام خميني (ره)، 1395ش.

دينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة، لبنان، دار الأضواء، 1410هـ.

ذكايي، عبد الحسين؛ صيادي نژاد، روح الله؛ إقبالي، عباس، “تحليل گفتمان نامه دهم نهج البلاغه بر اساس الگوي فركلاف”، أدب عربي، 1398ش، السنة 12، العدد 2، صص 63-83.

زكي صفوت، أحمد، جمهرة رسائل العرب، بيروت، المكتبة العلمية، بدون تاريخ.

سيد رضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تصحيح: صبحي صالح، ترجمة: محمد دشتي، قم، مؤسسة دار الهجرة، بدون تاريخ.

شوشتري، محمد تقي، بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، طهران، أمير كبير، 1376ش.

صفايي، علي؛ سلطاني، بهروز، “تحليل گفتمان انتقادي نامه امام علي (ع) به معاويه”، دوماهنامه جستارهاي زباني، 1395ش، الدورة 7، العدد 7، صص 23-49.

عبده، محمد، شرح نهج البلاغة، القاهرة، مطبعة الاستقامة، بدون تاريخ.

علي دخيل، علي محمد، شرح نهج البلاغة دخيل، بيروت، دار المرتضى، 1364ش.

فركلاف، نورمن، تحليل انتقادي گفتمان، ترجمة فاطمة شايسته بيران و همكاران، طهران، مركز مطالعه و تحقيقات رسانه‌ها، 1379ش.

كريمي، زهرة، تحليل گفتمان نامه‌هاي حضرت علي عليه السلام به فرمانداران (مطالعه موردي نامه‌هاي كوتاه)، طهران، پايان‌نامه دانشگاه الزهراء، 1392ش.

محسني، علي أكبر؛ پروين، نور الدين، “بررسي گفتمان انتقادي در نهج البلاغه بر اساس نظريه نورمن فركلاف (مطالعه موردي توصيف كوفيان)”، پژوهش‌نامه علوي، 1394ش، السنة 6، العدد 2، صص 133-155.

مكارم شيرازي، ناصر، پيام امام اميرالمؤمنين، قم، انتشارات امام علي بن ابي طالب (ع)، 1390ش.

موسوي، صادق، تمام نهج البلاغة، طهران، مؤسسه امام صاحب الزمان، 1376ش.

نعمتي، مسيح الله؛ كاميابي گل، عطية؛ أميني، حيدر علي، “بررسي قدرت و ايدئولوژي در نهج البلاغه با رويكرد گفتمان انتقادي فركلاف”، دومين كنگره بين المللي فرهنگ و انديشه ديني، 1394ش.

ولوي، علي محمد؛ بيك، هانية، “صورت‌بندي گفتماني خطبه 216 نهج البلاغه (بازتوليد نظريه بقا و زوال حاكميت از منظر امام علي (ع))”، پژوهشنامه علوم سياسي، 1395ش، السنة 11، العدد 4، بيايي 44، صص 205-234.

هاشمي خويي، ميرزا حبيب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ترجمة: حسن حسن زاده آملي و محمد باقر كمره‌اي، طهران، مكتبه الإسلاميه، بدون تاريخ.

يورگنسن، ماريان؛ فليپس، لوييز، نظريه و روش در تحليل گفتمان، ترجمة: هادي جليلي، طهران، نشر ني، 1389ش.

الهوامش

1. رسالة معاوية: “سلام الله على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنا كنا نحن وإياكم يداً جامعة، وألفة أليفة، حتى طمعت يا ابن أبي طالب فتغيرت، وأصبحت تعد نفسك قوياً على من عاداك، بطغام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق، وحمقى الفسطاط، وغوغاء السواد، وأيم الله، لينجلين عنك حمقاها، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء. قتلت عثمان بن عفان، ورقيت سلماً، أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك. وقتلت الزبير وطلحة، وشردت بأمك عائشة، ونزلت بين المصرين، فمنيت وتمنيت، وخيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها ورجلها، وإنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضي الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله” (الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 97-98؛ زكي صفوت، د.ت، ج1، ص 364؛ الأميني، د.ت، ج10، ص 399؛ الأحمدي الميانجي، 1426هـ، ج1، ص 299).

Scroll to Top