تبيين رواية “التقية من دين الله” بمنهجية نقض أصول التعاون عند غرايس

الملخص

إن إحدى روايات التقية التي وردت بأسانيد ومتون مختلفة في المجامع الحديثية الشيعية، هي الرواية التي يستشهد فيها الإمام الصادق (ع) بجزء من قصة النبي يوسف (ع) لإثبات مشروعية التقية. إن فهم كيفية دلالة هذه الرواية على جواز ومشروعية التقية في كتب فقه الحديث يكتنفه الغموض. ويبدو أن الإمام الصادق (ع) في هذه الرواية يقدم استدلالاً مقتضباً للغاية، لاقى قبولاً لدى المخاطبين. ولفهم المعنى الضمني لهذه الرواية، ومع الأخذ بعين الاعتبار إيجاز وبلاغة جواب الإمام الصادق (ع) وتعاطف المخاطبين معه، تم استخدام منهجية دراسة أصل التعاون عند غرايس، وذلك بهدف الكشف عن معانٍ أوسع لهذه الرواية. يركز هذا البحث في فهم المعنى الضمني على مبدأ التعاطف بين الإمام الصادق (ع) وأصحاب الحديث. وتُظهر الدراسة المقارنة بين ظروف الإمام الصادق (ع) وأصحاب الحديث من جهة، وقصة النبي يوسف (ع) من جهة أخرى، أن الإمام الصادق (ع) سعى إلى بيان ثلاث قضايا مهمة: أولاً، مشروعية التقية؛ ثانياً، رفع اتهام سرقة الحديث عن أصحاب الحديث؛ وثالثاً، البشارة بانتصار تيار أصحاب الحديث في مسيرة إحياء السنة النبوية.

1. طرح المسألة

يعد فقه الحديث وفهم الروايات فهماً منهجياً وعلمياً من أهم وظائف الباحثين في الدراسات الإسلامية. إن البعد الزماني والمكاني عن سياقات صدور الروايات والابتعاد عن القرائن الخارجية لفهمها، يشكلان عوائق مهمة أمام الفهم الصحيح للروايات. لذا، فإن السعي لفهم الروايات فهماً صحيحاً هو من ضرورات البحث التي أكد عليها الأئمة المعصومون (ع)، حيث قالوا: “رواية تُفهم فهماً صحيحاً خير من ألف رواية تُنقل دون فهم صحيح” (الحلي، 1410هـ، 3: 640).

إن فهم بعض الروايات، بسبب غموض الظروف التاريخية والبيئية والتعمد في الإيجاز البليغ، يُعد أمراً عسيراً ويتطلب بحثاً معمقاً. تستفيد الدراسات الحديثية المعاصرة من مناهج فعالة لتوثيق وفهم النصوص الحديثية، مثل التأريخ السندي والمتني، والعلاقات بين النصوص، والتداولية، وعلم الدلالة التاريخي. يسعى هذا البحث، من خلال استخدام منهج أصل التعاون عند غرايس، وهو أحد فروع التداولية، إلى فهم رواية لم يكن مفهومها واضحاً للشراح، وتقييم فاعلية هذا المنهج في دراسات فقه الحديث. تتعلق هذه الرواية بالتقية، حيث يستند الإمام الصادق (ع) لإثبات مشروعيتها إلى القرآن الكريم ونسبة السرقة إلى إخوة يوسف. يقول أبو بصير: “إن الإمام الصادق (ع)، في جوابه عن سؤال حول التقية، قال: التقية من دين الله. فسألته: حقاً هي من دين الله؟ فقال: نعم! والله إنها من دين الله، حينما قال يوسف (ع): أيتها العير إنكم لسارقون، ولكن والله لم يكونوا قد سرقوا شيئاً” (الكليني، 1407هـ، 2: 217). يسعى هذا البحث للإجابة على التساؤلات التالية:

أولاً: في أي سياق خطابي ذكر الإمام الصادق (ع) هذه الرواية؟

ثانياً: ما العلاقة بين قصة النبي يوسف (ع) وموضوع التقية؟

ثالثاً: ما المعاني الخفية أو الضمنية الموجودة في هذه الرواية؟

تُحلل هذه الرواية بمنهجية نقض أصول التعاون عند غرايس أو ما يعرف بـ “الإيجاز البليغ”، وهو أحد أساليب التداولية. يعتقد غرايس أن “ما يُقال هو جانب من معنى كلي يمنحنا إياه علم اللغة، وبالتأمل يستطيع الفرد أن يصل إلى نقاط حول ما قاله المتكلم” (تشابمان، 1398ش، 130). مصطلح “الإيجاز البليغ” أو “نقض أصول التعاون” هو مصطلح استخدمه غرايس لأول مرة. ويتمحور جزء كبير من عمله حول الأساليب والطرق المتنوعة التي يمكن من خلالها استخلاص المعنى مما يُقال (سعيدي، 1391ش، 173-191؛ تشابمان، 1398ش، 135). المبدأ الأساسي والمهيمن في التفاعل الإنساني هو رغبة قوية في السلوك التعاوني، والذي لا يقتصر على الحوار، بل ربما يكون أبرز تجلياته في الحوار (مهرابي وكندمكار، 1401ش، 158-184). أطلق غرايس على هذه السمة اللغوية باختصار “أصل التعاون” (غرايس، 1975م، 26).

نقض أصول التعاون يعني أن أصول التعاون التي يقصدها المتكلم لا تؤخذ بعين الاعتبار. عندما ننقض الأصول بشكل واضح، فإننا في الواقع نريد أن نوجه انتباه المخاطب إلى معنى ضمني أو خفي (توماس، 1995م، 65). لا يُستنبط المعنى الضمني من ظاهر الرسالة، بل يستنتجه المخاطب بجهد ذهني. يفترض المخاطب أن المتكلم قد راعى أصول التعاون، وبالتالي يسعى المخاطب بجهد ذهني إلى ملء الفجوة الدلالية (هورفورد، 1996م، 279-280).

يُستخدم هذا المنهج في دراسة هذا الحديث لوجود مؤشرين بارزين في هذه الرواية: أولاً، جواب الإمام (ع) جاء مقتضباً ومجملاً، ولم تُقدم في كتب الشروح توضيحات حول كيفية دلالة هذا الجواب على دعوى الإمام (ع) بجواز التقية. ثانياً، يبدو أن مخاطبي الإمام (ع) قد فهموا الجواب، إذ لم يطرحوا أي سؤال حول كيفية دلالة كلام الإمام (ع) على جواز التقية، والقرائن تشير إلى وجود أصل التعاون والتعاطف بين الإمام (ع) والسائلين.

لم يسبق أن أُجري بحث حول هذه الرواية، وبسبب غموض مفهومها، لم يُقدم سوى بعض التوضيحات المختصرة في بعض شروح الحديث. إن استخدام منهج نقض أصول التعاون عند غرايس له سوابق في مقالات أخرى، مثل: “تحليل تصنيف وترجمة متون فقهي حقوقي بر اساس اصل همکاری گرایس، مطالعه موردی: متاجر لمعه دمشقیه” لعباس مؤمن برمي، ومقالة “بررسی زبان شناختی تناسب آیات بر پایه اصل همکاری گرایس” لغلام عباس سعيدي. ولكن فيما يتعلق بارتباط روايات التقية بظروف حياة الإمام الصادق (ع) والتيار التاريخي للتدليس السندي في القرن الثاني الهجري، فقد كُتبت مقالات بعنوان “جريان شناسی تدليس سندی” للحسيني، ومقالة “تاريخ گذاری روايات نهى از اذاعه سر”، ومقالة أخرى بعنوان “کاربردشناسی روایات تقیه” لشم آبادي وآخرين (شم آبادي، 1400ش، 93-116؛ همو، 1401ش، 37-258). أما الاستناد إلى عبارة “إنكم لسارقون” في قصة النبي يوسف (ع)، فقد ورد في بعض النصوص الحديثية لدى أهل السنة أيضاً كدليل على جواز التقية (البخاري، 1410هـ، 10: 339)، بينما اعتبرها آخرون غير مرتبطة بالتقية، لعدم تمكنهم من إيجاد صلة بين هذه المسألة والتقية، واتهموا الإمام الصادق (ع) بالازدواجية والنفاق، وأنه حتى في الأحكام الجزئية يكذب ويدعو الأمة إلى الكذب (الدهلوي، 1373ش، 290؛ ظهير باكستاني، 1979م، 171). إن اهتمام أهل السنة بهذه الرواية وعدم تقديم تبيين صحيح من قبل شراح الحديث، وسوء الفهم الذي نشأ لدى بعض أهل السنة تجاه هذه الرواية، يجعل التبيين العلمي لها ضرورياً. تكمن إبداعية هذا البحث في تبيين وتقديم فهم جديد لهذه الرواية باستخدام منهج أصل التعاون عند غرايس، بمعنى أنه لأول مرة، يُقدم فهم يتوافق مع التيارات الدينية والثقافية المعاصرة لحياة الإمام الصادق (ع) من هذه الرواية، مما يُظهر رفع تهمة سرقة الحديث عن محدثي أهل السنة من قبل الإمام الصادق (ع).

2. تخريج الرواية متناً وسنداً

في عملية فقه الحديث، الخطوة الأولى هي تخريج الرواية سنداً ومتناً لتحديد النص الذي يجب أن تستند إليه عملية فقه الحديث. التخريج السندي والمتني يعني استخراج جميع أسانيد ومتون الرواية غير المكررة من مصادر مختلفة، حتى يتم من خلال مقارنة المتون الحديثية، تحديد الجزء الأصلي والمعتبر (سيد بن حمودة، 2010م، 16).

الرواية الأولى: قال أبو بصير: “قال الإمام الصادق (ع): التقية من دين الله”. فسألته: “أهي حقاً من دين الله؟” فقال الإمام: “نعم! قسماً بالله، هي من دين الله، وقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون، في حين أنهم قسماً بالله لم يسرقوا شيئاً، وقال إبراهيم (ع): إني سقيم، في حين أنه قسماً بالله لم يكن سقيماً” (الكليني، 1407هـ، 2: 218).[2]

الرواية الثانية: رُوي عن أبي بصير أنه قال: سمعت الإمام الباقر (ع) يقول: “لا خير فيمن لا تقية له”.[3] وقال يوسف (ع): “أيتها العير إنكم لسارقون”، والحال أنهم ما سرقوا. (صدوق، 1385ش، 1: 58).

الرواية الثالثة: رُوي عن أبي بصير أن الإمام الصادق (ع) قال: “التقية من دين الله عز وجل”. فسألته: “أهي من دين الله؟” فقال: “نعم، من دين الله، ويوسف (ع) قال: أيتها العير إنكم لسارقون، في حين أنهم قسماً بالله لم يسرقوا شيئاً” (العياشي، 1380ش، 2: 184).[4]

الرواية الرابعة: رُوي عن أبي بصير أنه قال: كنت عند الإمام الباقر (ع)، فقيل له: إن سالم بن حفصة يروي عنك أنك تتكلم على سبعين وجهاً ولك في كل منها مخرج. فقال الإمام الصادق (ع): “ماذا يريد سالم مني؟ أيريدني أن آتي بالملائكة ليشهدوا على صحة عملي؟ قسماً بالله إن الأنبياء لم يفعلوا ذلك. فقد قال إبراهيم (ع): إني سقيم، وهو قسماً بالله لم يكن سقيماً ولم يكذب. وقال إبراهيم (ع): بل فعله كبيرهم هذا، في حين أن كبيرهم لم يفعل ذلك. وقال يوسف (ع): أيتها العير إنكم لسارقون، في حين أنهم قسماً بالله لم يسرقوا شيئاً، ولم يكذب يوسف (ع) أيضاً” (الكليني، 1407هـ، 8: 10).[5]

الرواية الخامسة: روى عطاء عن الإمام الصادق (ع) أن الإمام (ع) قال: “لا إثم على من كذب لإصلاح ذات البين بين المسلمين”. ثم تلا هذه الآية: “أيتها العير إنكم لسارقون”، ثم قال: “قسماً بالله لم يسرقوا شيئاً ولم يكذب”. ثم تلا: “بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون”، ثم قال: “قسماً بالله إن الأصنام لم تكسرها الصنم الأكبر، ولم يكذب”.[6] (الكليني، 1407هـ، 2: 343).

لتوضيح الرواية بشكل أدق، من الضروري إجراء مقارنة بين محتوى الروايات في شكل جدول.

جدول تحليل متن وسند الرواية

  تقييم السند (بناءً على برنامج دراية النور) باب الرواية زيادة في قسم قصة إبراهيم (ع) زيادة في كلمة “ما كذب” المصدر
الرواية 1 صحيحة تقية موجودة غير موجودة الكليني، المحاسن
الرواية 2 ضعيفة ومهملة لوجود إبراهيم بن إسحاق الموصلي تقية غير موجودة غير موجودة وسائل الشيعة
الرواية 3 صحيحة تقية غير موجودة غير موجودة العياشي، علل الشرائع، الكافي
الرواية 4 مرسلة، ضعيفة ومصرحة تقية وتورية موجودة موجودة العياشي
الرواية 5 صحيحة كذب مصلحي موجودة موجودة الكليني

في تحليل المتن والسند، يجب الانتباه إلى هذه النقاط:

أغلب الكتب الروائية ذكرت هذه الرواية في باب التقية.

أغلب الروايات لها أسانيد صحيحة، ويبدو أن أصل الرواية قد صدر عن المعصوم (ع) لنقلها من طرق متعددة وعبر رواة ثقات.

الروايات المتعددة لا تشتمل على قسم قصة النبي إبراهيم (ع). بناءً على قاعدة عدم الزيادة، يكون النص الأقصر هو الأكثر اعتباراً، ويجب أن يرتكز فقه الحديث على القسم المشترك في جميع الروايات (الشهيد الأول، 1414هـ، 1: 341)، وهو القسم المتعلق بارتباط صحة عمل التقية بجزء من قصة النبي يوسف (ع). لأن عملية فقه الحديث يجب أن تتم على النص القطعي، فمن المحتمل في هذه الرواية أن الجزء المتعلق بالاستشهاد بقصة النبي إبراهيم (ع) ليس جزءاً من متن الرواية. إذ في المصادر المتقدمة مثل “علل الشرائع” للصدوق و”تفسير العياشي”، لم تُذكر قصة النبي إبراهيم (ع) (العياشي، 1380ش، 2: 84؛ الصدوق، 1385ش، 1: 58). على أي حال، بما أنه لا يمكن اعتبار قسم قصة النبي إبراهيم (ع) جزءاً قطعياً من الرواية، فإن عملية فقه الحديث تتم على القسم القطعي، أي ارتباط التقية بقصة النبي يوسف (ع).

3. دراسة آراء المحدثين

لقد حاول معظم شراح الحديث تبيين التورية التي استخدمها النبي يوسف (ع) في كلامه، فقالوا إن كلام يوسف (ع) كان كذباً مصلحياً أو تورية قيلت لحفظ بنيامين أو لمصالح أخرى (المجلسي، 1403هـ، 2: 7؛ الشيبي، 1982م، 551؛ مكارم الشيرازي، 1411هـ، 1: 402؛ المازندراني، 1382ق، 9: 111؛ ابن قاريغدي، 1429هـ، 2: 62؛ القزويني، 1429، 2: 322؛ مركز الرسالة، 1419هـ، 73)، واعتبروها دليلاً على مكارم الأخلاق وسعة صدر يوسف (ع) (ملا صدرا، 1383ش، 1: 510). وقد نسب الإمام الرضا (ع) هذا القول من يوسف (ع)، أي نسبة السرقة إلى إخوته، إلى فعل سرقة يوسف (ع) من أبيه في السنوات الماضية (الطبرسي، 1372ش، 3: 331؛ المجلسي، 1403هـ، 5: 243). واعتبر آخرون كلام يوسف (ع) استناداً إلى قراءة غير مشهورة، نوعاً من الاستفهام: “أَإِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ؟” أي هل أنتم سارقون؟ (المازندراني، 1382ق، 9: 383).

ويرى البعض أن سبب عدم تعريف يوسف (ع) بنفسه لإخوته هو الخوف من مؤامرتهم، وقالوا إن يوسف (ع) لم يعرف بنفسه لإخوته لأنه سبق أن قال له يعقوب (ع): لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً. فهذا الخوف كان موجوداً دائماً (الحنفي، 1418هـ، 251).

والنقطة المهمة التي صرح بها غالبية شراح الحديث هي أن الإمام الصادق (ع) استند إلى هذا الجزء من قصة النبي يوسف (ع) من القرآن الكريم لإثبات مشروعية “التقية” (المازندراني، 1382ق، 9: 383؛ المجلسي، 1403هـ، 5: 243؛ ابن قاريغدي، 1429هـ، 2: 62).

4. تطبيق نقض أصول التعاون عند غرايس وكشف المعنى

كما ذُكر، يجب أن يتركز فهم الحديث على المتن المشترك في الروايات. وبناءً على ما تم بيانه، فإن القسمين الرئيسيين اللذين تم فيهما نقض أصل التعاون هما:

أولاً: القسم الذي يستند فيه الإمام الصادق (ع) إلى كتاب الله لإثبات حجية وصحة التقية.

ثانياً: إشارة الإمام الصادق (ع) إلى جزء من قصة النبي يوسف (ع) حيث نُسبت السرقة إلى إخوته بينما لم يكونوا سارقين.

في هذه المرحلة، ونظراً للإيجاز في جواب الإمام الصادق (ع) وعدم وضوح كيفية دلالة قصة النبي يوسف (ع) على مشروعية التقية وارتباط هذين الموضوعين، يجب نقض أصول التعاون التي كانت قائمة في هذا الحوار القصير بين الإمام الصادق (ع) والمخاطب، للكشف التدريجي عن المعاني الضمنية في هذه العبارة.

1-4. نقض مبدأ الكيفية (Manner)

المبدأ الأول في أصول التعاون عند غرايس هو مبدأ الكيفية. ويعني أن على المتكلم أن يستخدم مفردات واضحة وصريحة لبيان مقصده، وأن يتجنب الكلام ذا الأوجه المتعددة، وفي الوقت نفسه، أن يكون كلامه منظماً ويتجنب الإطالة (زابلي زاده، 1389ش، 129-148). ولكن بالنسبة للمخاطب الذي لا يشاركه هذا التعاون مع المتكلم، من الضروري تبيين المفهوم الدقيق والتاريخي لهذه المفردات في الرواية. إن تبيين معاني المفردات والمصطلحات الحديثية في علم فقه الحديث يُعد من الخطوات المهمة والأساسية في فهم الحديث (رباني، 1395ش، 271). لذا، من الضروري هنا تبيين معاني ثلاث كلمات في هذه الرواية.

1-1-4. التقية

من جذر “وقي”، بمعنى الحفظ والصون (ابن منظور، 1408هـ، 55: 401؛ الفراهيدي، 1409هـ، 5: 238؛ ابن فارس، 1404هـ، 1: 1). هذا المصطلح هو أصل كلامي في أصول عقائد الشيعة وموضوع في علم أصول الفقه (المفيد، 1371ش، 241؛ الطبرسي، 1372ش، 2: 729). وقد عُرّفت التقية بأنها: “إخفاء الحق عن الآخرين، أو إظهار خلافه لمصلحة أهم من مصلحة إظهاره” (صفري فروشاني، 1394ش، 51؛ مكارم، 1411هـ، 1: 411). وقد عرّف الإمام الصادق (ع) في مواضع متعددة، التقية بأنها ضرورية لحفظ دين الله (البرقي، 1371ش، 1: 258)، ونهى الناس عن إفشاء أمرهم (الكليني، 1407هـ، 2: 224).[7] إن ما كان يقصده الإمام الصادق (ع) من ضرورة التقية في عصره، أي إخفاء أي أمر، هو موضوع يمكن فهمه بالنظر إلى الظروف الخاصة بحياته والرسالة التي كان يسعى لإنجازها.

2-1-4. السارقون

“سرق” بمعنى أخذ مال أو شيء آخر خفية دون إذن أو رضا مالكه (مهنا، 1413هـ، 1: 595). السرقة عمل قبيح وغير أخلاقي. في مجال العلوم، يُطلق على ذكر معلومة دون إرجاعها إلى كاتبها اسم “السرقة العلمية” (سوري، 1389ش، 46-68). إن تأكيد الإمام الصادق (ع) مع القسم بأن إخوة يوسف (ع) لم يسرقوا شيئاً، يوجهنا إلى ارتباط الرواية بظروف حياته. لذا، يجب البحث: هل طُرح هذا الموضوع في زمن حياته؟ وهل يمكن أن يكون لاستخدام كلمة “سرقة” دور فعال في كشف المعنى الضمني للحديث؟ يُظهر البحث في هذه الكلمة في المصادر التاريخية أنها استُخدمت في القرنين الثاني والثالث الهجريين على نطاق واسع لوصف المحدثين الذين كانوا يمارسون التدليس في أسانيد الروايات. وكانت هذه النسبة تأتي في الغالب من قبل أصحاب الرأي وأهل البصرة، وأفراد مثل يحيى بن معين، وتُنسب إلى أصحاب الحديث كاعتراض وكلمة مهينة (ابن عدي، 1409هـ، 6: 171؛ الذهبي، 1409هـ، 22: 142).[8]

سرقة الحديث هي أحد أنواع التدليس السندي (رشيد، 2011م، 108-122)، بمعنى أن الراوي ينسب رواية شيخ تفرد بها إلى شيخ آخر (زيان، 2003م، 42-83). اتُهم أكثر من 200 من كبار محدثي أهل السنة في القرنين الثاني والثالث الهجريين من قبل أصحاب الرأي في البصرة والعراق بسرقة الحديث (نفسه). هذا في حين أن غالبية هؤلاء المحدثين كانوا رواة ثقات وعدول، واليوم تُنقل أهم المصادر الحديثية والفقهية لأهل السنة عن طريقهم (رشيد، 2011م، 108-122). وتبعاً لوصف “يسرق الحديث”، جاءت عبارة “لا يروي إلا عن ثقات” أيضاً (الذهبي، 1409هـ، 15، 365).

3-1-4. الشيء (صواع الملك)

كأس العدل أو السقاية كانت تستخدم للمكيال، حيث كان يوجد فيها جزء يمكن من خلاله ملء وعاءين من السائل بالتساوي. ويبدو أن شكلها في النصوص القديمة كان على هذا النحو.

الشكل 1: الهيكل الأساسي لكأس العدل

الشكل 2: كأس العدل كما ورد في إحدى المخطوطات لكتاب حيل بني موسى

كأس العدل كان مرتبطاً بعلم الحيل. وبحسب الفارابي، كانت وظيفة علم الحيل هي تطبيق المعرفة الرياضية في حياة البشر (فايز، 1410هـ، 243). كان عمل هذا الكأس يتمثل في أنه يملأ إلى حد معين بالماء أو الشراب، وإذا أضيفت إليه قطرة أخرى، وبسبب الفراغ النسبي فوق الأنبوب المغلق، يخرج كل السائل من الأنبوب الأوسط (الخوارزمي، 1428هـ، 320؛ معصومي، 1381ش، 18-30).

في القرآن الكريم، ذُكرت بكلمتي “السقاية” و”الصواع” (يوسف: 72 و 79). الصواع كان أداة للشرب ووزن الكيل (ابن منظور، 1414هـ، 8: 215). السقاية كانت أيضاً وعاءً يُشرب منه الماء أو الشراب، وفي القرآن الكريم والروايات، استخدمت بمعناها المصدري أي الري، وبمعنى مكان شرب الماء أيضاً (الطريحي، 1375ش، 1: 220).

2-4. مبدأ الكم (Quantity)

مبدأ الكم يعني أن المتكلم، في تفاعله وتعاونه اللغوي، يقدم المعلومات بالقدر المطلوب، لا أكثر من اللازم، لأن المعلومات الزائدة في سياق الإيجاز الذي يهدف إليه المتكلم لسبب ما، تتضرر بالمعلومات الإضافية، ولا أقل من اللازم، لأن المتكلم قد يواجه صعوبة في فهم مقصده (زابلي زاده، 1389ش، 129-148).

إن النظر في متن روايات التقية يظهر أن التقية كانت موضوعاً مهماً مرتبطاً بالظروف الزمنية في عهد الإمام الصادق (ع) (العاملي، 1416هـ، 45). فباستثناء روايتين، صدرت حوالي 50 رواية عن الإمام الصادق (ع) في موضوع التقية. إن وصف الإمام الصادق (ع) للتقية بأنها أفضل الأعمال وربطه حفظ الدين بالتقية، يظهر أن التقية كانت حلاً لتحدٍ كان يواجهه الإمام الصادق (ع) وأصحابه (العميدي، 1416هـ، 147؛ حسن زاده، 1388ش، 83).

هنا، ولتوضيح ما كان لازماً من التقية، نطرح بعض مكونات السياق الموقفي.

1-2-4. تبيين مكونات السياق الموقفي

أ – المخاطبون

راوي هذه الرواية في معظم متون الروايات هو أبو بصير. وأبو بصير هو ناقل حديث الإمام الصادق (ع) مع بعض كبار أصحاب الحديث، وقد ورد في الروايات أنه سُئل عن كلام سالم بن أبي حفصة (الكليني، 1407هـ، 8: 100). وهذا يدل على أن الموضوع كان مرتبطاً بأشخاص كانوا ينقلون عن الإمام الصادق (ع). هذه المجموعة هم محدثو أهل السنة أو ما يعرف بأصحاب الحديث.

إن طلب السائلين من الإمام الصادق (ع) دليلاً قرآنياً، يمكن أن يُحتمل أن المخاطبين والسائلين لم يكونوا من الشيعة اعتقادياً. وهنا يجب اعتبار أبي بصير ناقلاً لهذا الحوار، لا الشخص الذي طُرح عليه السؤال. كما صرح أبو بصير في بعض الروايات: “سُئل عن الصادق (ع) …” لأنه بالنسبة للشيعة، لم تكن هناك حاجة لإثبات مشروعية عمل الإمام الصادق (ع) (الحلي، 1409هـ، 194). الشيعة يعتبرون قول وفعل وتقرير الإمام المعصوم (ع) حجة (الشفتی، 1411ق، 67). بالنسبة لأبي بصير، الذي كان من كبار أصحاب الإجماع وأفقه فقهاء الشيعة، لم تكن هناك حاجة لذكر دليل من القرآن لإثبات مشروعية التقية.

لذلك، كان مخاطبو هذه الروايات من أهل السنة الذين كانوا بحاجة إلى دليل من القرآن لإثبات مشروعية عمل الإمام الصادق (ع) (ضويحي، 2004م، 109). هؤلاء من أهل السنة لم يعتبروا عمل الإمام حجة، ولم يكونوا من أصحابه المقربين والخاصين. كانوا محدثين يأتون إلى بيته لتعلم الفقه، ويتعلمون منه الفقه والسنة النبوية. ومنهم مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن جريج، … (ابن عدي، 1988م، 2: 132). وبالطبع، يجب الانتباه إلى أن رواة الشيعة كانوا ينقلون الروايات لأهل السنة في العراق، وقد عُبّر عنهم بالرواة المشتركين (عزيزي، 1388ش، 14). ولكن غالبية رواة الإمام الصادق (ع) كانوا من محدثي أهل السنة (الغروي، 1386ش، 218؛ صالحي نجف آبادي، 1384ش، 164).[9]

وقد ذكرت بعض النصوص التاريخية أنه كان يحضر في مجالس درس الإمام الصادق (ع) 4000 تلميذ (المفيد، 1414ق، 2: 179؛ ابن شهر آشوب، 1956م، 3: 372؛ المحقق الحلي، 1364ش، 1: 65؛ الشهيد الأول، 1419ق، 1: 58؛ الإربلي، 1405ق، 246؛ الأمين، 1403ق، 2: 171). فقط 400 من هؤلاء الرواة كانوا من الشيعة (الطوسي، 1415ق، 153-328). وكان أكثر من 3600 راوٍ من هؤلاء من أهل السنة (حب الله، 2006م، 286).

ب – المتكلم

لذا كان من الطبيعي أن يكون الاستناد إلى كتاب الله وأفعال الأنبياء لإثبات مشروعية التقية ضرورياً لدى هذه الفئة من المخاطبين. يستند الإمام الصادق (ع) لإثبات مشروعية التقية إلى فعل النبي يوسف (ع)، ومن الواضح أن سياق الخطاب في هذه الرواية كان سياقاً خاصاً، والمخاطبون كانوا من المقربين والمطلعين على أحوال الإمام الصادق (ع). فسياق الخطاب يصف ما يحدث، ويشير إلى موضوع يشارك فيه المتحاورون (هاليداي، 1393ش، 52). إن الدقة في بيان الإمام الصادق (ع) تظهر أن سياق الكلام لم يكن عاماً ومفتوحاً. وإلا لكان أصل التقية عملاً لغواً وباطلاً. لأن الإنسان الحكيم إذا أخفى أمراً لسبب ما في سياق عام، فلن يعترف بأنه أخفى ذلك الأمر، لأن التصريح بالتقية في سياق عام ينقض الغرض منها ويزيل فائدتها. لذلك، فإن الإمام الصادق (ع) أخفى موضوعاً أثار تساؤلاً لدى أصحابه حول ما إذا كان هذا العمل مشروعاً، وقد استند الإمام الصادق (ع) لإثبات مشروعية عمله إلى القرآن وفعل النبي يوسف (ع).

ج – البيئة

كان الإمام الصادق (ع)، في علاقته بالمجتمع الإسلامي وأهل السنة، يمر بضيق شديد، مما دفعه إلى الإشارة إلى وضعه من خلال وضع يوسف (ع) مع إخوته. يجب الانتباه إلى أن الإمام الصادق (ع) لم يكن يستطيع أن يوضح جميع القضايا المتعلقة بالتقية بشكل صريح. فالموضوع كان سرياً ومحاطاً بالكتمان، وكان بحاجة إلى التقية، وإثبات مشروعيته تم بشكل موجز جداً من قبل الإمام الصادق (ع). كان الإمام الصادق (ع) في ضيق ومشقة، وقد عبر عن ذلك بقوله: “أمر الناس بنا صعب وثقيل، إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا” (الصدوق، 1413هـ، 4: 405).[10] هذه الرواية تظهر بوضوح وضع المرجعية الدينية للإمام الصادق (ع) في المجتمع الإسلامي. كان عليه، كمرسل من الله وحجة الله على الأرض، أن يبذل كل جهده لإحياء سنة النبي الأكرم (ص) المتروكة (الخوئي، 1413هـ، 5: 293). لذا، اعتبر التقية أفضل وسيلة للخروج من هذا التحدي. وقد طلب من أصحاب الحديث من أهل السنة أن يرووا رواياته بالطريقة المقبولة لدى المجتمع، وقال: “حدثوهم بما يعرفون” (الكليني، 1407هـ، 2: 223)، و”لا تذيعوا أمرنا” (نفسه، 2: 222).

عندما مارس أصحاب الحديث في العراق والشام التقية في ذكر مصدر الحديث، ولم يذكروا اسم الإمام الصادق (ع)، ونسبوا الروايات إلى الصحابة والشيوخ المعروفين والمقبولين لدى أهل السنة (الحسيني، 1400ش، 289-320)، واجهوا اعتراضات من نخب أصحاب الرأي، مثل ابن شبرمة، وأبي حنيفة، وابن أبي المقدام… كانوا يقولون لهم أحياناً: الحكم الشرعي لا يثبت بخبر الواحد (الكاشاني، 1409هـ، 1: 14).[11] وأحياناً كانوا يقولون: نحن نعلم أن هذه الأحاديث ليست منكم، وكانوا ينسبون إليهم سرقة الحديث (ابن عدي، 1409هـ، 6: 281)، وكانوا يطلقون على بيت الإمام الصادق (ع) اسم “دار السرقة” (الأمين، 1403هـ، 6: 313).[12] وكما قيل، فإن سرقة الحديث تعني نسبة رواية لشيخ تفرد بها إلى شيخ آخر. وكان الإمام الصادق (ع) في ذلك الوقت هو الوحيد الذي يدعي التفرد في الروايات ويدعو الناس لسؤاله، لأنه سيخبرهم بروايات لم ينقلها لهم أحد من العالمين (ابن عدي، 1988م، 2: 132؛ الذهبي، 1413هـ، 6: 257؛ المجلسي، 1403هـ، 47: 33). ولهذا السبب، من الأفضل ربط نسبة “دار السرقة” إلى بيت الإمام الصادق (ع) بمسألة نسبة سرقة الحديث إلى أصحاب الحديث.

3-4. مبدأ الصلة (Relation)

يجب على المتكلم أن يتحدث بما له صلة بموضوع الحديث. في الحالات التي يكون فيها غرض المتكلم الإيجاز، فإن الحديث غير المرتبط بالموضوع يمكن أن يسبب للمخاطب إشكالاً في الفهم (زابلي زاده، 1389ش، 129-148). ولكن الارتباط والمعنى الذي كان واضحاً في التفاعل والتعاون بين المتكلم والمخاطب، يحتاج اليوم إلى تبيين للمخاطب المعاصر. لذلك، سنتناول هنا ارتباط مسألة قصة يوسف (ع) بظروف حياة الإمام الصادق (ع) وكيفية دلالتها على مشروعية التقية.

أعطى الإمام الصادق (ع)، في رده على سؤال الذين سألوا عن مشروعية التقية في دين الله، جواباً ذكياً كان متشابهاً من عدة جوانب مع قصة النبي يوسف (ع) وإخوته. استخدم الإمام الصادق (ع)، لبيان موجز وتوضيح المعنى للمخاطب دون استخدام ألفاظ كثيرة، مثالاً كان له أكبر ارتباط بمقصده. لقد استند الإمام الصادق (ع) لمشروعية التقية إلى جزء من سورة يوسف (ع) حيث قيل لإخوة يوسف: “إنكم لسارقون”، بينما لم يكونوا قد سرقوا شيئاً. هذا المثال القصير يحمل في طياته، بالنظر إلى المكونات السابقة، معاني ضمنية متعددة كانت واضحة للمخاطب بفضل أصل التعاون. ولكن بالنسبة للمخاطب البعيد عن تلك القرائن، لا بد من تبيين هذا الارتباط بالتفصيل.

في قصة يوسف (ع) في القرآن، ورد أن النبي يعقوب (ع) كان له 12 ابناً، وكان بينهم تنافس على النبوة وسيادة بني إسرائيل (الزمخشري، 1407هـ، 2: 444)، بينما كانت الإرادة الإلهية لنبوة يوسف (ع). في الواقع، وهب الله الحكمة والعلم ليوسف (ع) (يوسف: 22). ولكن إخوة يوسف (ع) حسدوه، وألقوه في الجب، ولم يذعنوا لاتباع وولاء يوسف (ع) (يوسف: 10). ولكن الله قدر له مصيراً جعل إخوة يوسف (ع) في النهاية يقرون بنبوته (يوسف: 91).

في هذه الأثناء، وضع يوسف (ع) خطة لإصلاح إخوته ودعوتهم إلى اتباعه والتوبة (يوسف: 76). عندما جاء إخوة يوسف (ع) من كنعان إلى مصر للحصول على المؤن في سنوات القحط، وضع يوسف (ع) صواع الملك في رحل أخيه بنيامين، ليحتجزه عنده ويهيئ الظروف لتوبة وإذعان إخوته الحساد (الحويزي، 1409هـ، 5: 2687). لقد مارس يوسف (ع)، في المرحلة الأولى، التقية لمصالح معينة، وأخفى حقيقة أخوته ولم يعرفهم بنفسه (يوسف: 58). قال البعض إن السبب ربما كان خوف يوسف من أن يهرب إخوته إلى كنعان خوفاً من عقابه وهو عزيز مصر وصاحب السلطة، فلا يعودون (الطبرسي، 1372ش، 5: 375)، وتضيع المصلحة الرئيسية وهي اتباع إخوة يوسف (ع) لنبوته عن إيمان وعلم. لذلك، فإن وضع صواع الملك في رحل بنيامين أدى إلى تكرار زياراتهم، مما جعل الإخوة يدركون تفوق يوسف (ع) في العلم والحكمة والقدرة على التدبير وإدارة الأمور، فيؤمنون بأهليته للنبوة وتفوقه (نفسه، 5: 400). لأنه استطاع أن يدبر أزمة القحط في حضارة عظيمة مثل مصر بعلم وهداية من الله، وينقذ أناساً كثيرين من الجوع والموت المحتم. كما أن لطفه وكرمه (ع) أدى إلى جلب الرحمة والمحبة تجاهه (ع).

هذه القصة، من جوانب متعددة، تتشابه مع وضع الإمام الصادق (ع) في علاقته بأهل السنة. فالمجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول الأكرم (ص) لم يفِ بعهده في اتباع الإمام علي (ع) والأئمة من بعده (جعفري، 1380ش، 41). كانوا يحسدونهم ويعتقدون أن أهل البيت (ع) لا يملكون فهماً وقدرة أكبر منهم (محرمي، 1387ش، 71). يقول الإمام الصادق (ع) في تفسير آية “أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ”: “نحن المحسودون” (الصفار، 1404هـ، 1: 202). ولكن أئمة الشيعة (ع) كانوا وحدهم الذين يعلمون المصلحة الحقيقية للأحكام الشرعية، وكانوا يعلمون أن هداية وسعادة الأمة الإسلامية تكمن في اتباعهم والعمل بسنة النبي. ومن وجهة نظرهم، كانت إعادة المجتمع الإسلامي إلى طريق اتباع أهل البيت (ع) هي المصلحة الأهم (الغريفي، 1421هـ، 501).

ورد في التاريخ أنه إذا روى المحدثون لأهل العراق رواية عن الإمام الصادق (ع)، كان الناس يرشقونهم بالنعال (الذهبي، 1413هـ، 6: 257).[15] وهذا يدل على عدم شعبية الإمام الصادق (ع) في بيئة العراق (شم آبادي وآخرون، 1400ش، 93-116). لذلك، فإن الإمام الصادق (ع)، الذي كان علم الفقه دليلاً على أهليته للإمامة والحكم (الفيض الكاشاني، 1415هـ، 1: 460)،[16] وضعه في رحال أصحاب الحديث الذين كانوا أقرب إلى الإمام الصادق، وطلب منهم عدم نسبة الروايات إليه وعدم ذكر اسمه في محافل الناس (النوبختي، 1404هـ، 110).[17] ولكن أصحاب الحديث اتُهموا من قبل أصحاب الرأي بسرقة الحديث. يمكن اعتبار قسم الإمام الصادق (ع) هذا رداً على هذه التهمة من أصحاب الرأي لأصحاب الحديث. لأن المحدثين أنفسهم كانوا يقرون بأنهم لا ينقلون الروايات كما سمعوها، وكانوا يعتبرون الخوف من ضياع السنة النبوية من أهم أسباب التدليس السندي (الغوري، 2009م، 35). بالنظر إلى هذه القرينة التاريخية المهمة، يمكن ربط هذه العبارة بهذا الموضوع. قال الإمام (ع): “قسماً بالله لم يسرقوا شيئاً”. هذا القسم المؤكد الذي ذكره الإمام (ع) يحتمل أن يكون في شأن أصحاب الحديث، لأنه لا يوجد سبب يدفع الإمام (ع) إلى القسم مرتين بـ”والله” في جملة واحدة لنفي السرقة عن إخوة يوسف فقط. هذا القسم، على الأرجح، هو رد على تهمة أصحاب الحديث من أهل السنة الذين كانوا يروون روايات الإمام الصادق (ع) وينسبونها إلى الصحابة. إن وجود هذا القسم يدل على شدة البيان وسعي الإمام (ع) للخروج من تحدٍ كان يواجهه محيو السنة النبوية في القرن الثاني الهجري، ويظهر أهمية وحساسية الموضوع.

جدول التشابهات بين وضعية قصة يوسف (ع) وظروف الإمام الصادق (ع)

إخوة يوسف (ع) لم يحبوه وألقوه في البئر. فئة من أهل السنة لم تكن في قلوبهم محبة وولاء لأهل البيت (ع) وأبعدوهم.
يوسف (ع) لم يعرف نفسه لإخوته العشرة الذين كانوا أعداء له. الإمام الصادق (ع) نهى عن كشف اسمه لدى أصحاب الرأي والذين كانوا يعادونه.
يوسف (ع) عرف نفسه لبنيامين الذي كان يحبه. الإمام الصادق (ع) قدم علمه لفئة من أهل السنة (أصحاب الحديث) وهم تعلموا منه السنة النبوية.
يوسف (ع) كان موضع حسد. أئمة الشيعة (ع) كانوا أيضاً، حسب الروايات، موضع حسد.
يوسف (ع) وجد فرصة ليظهر أهليته للنبوة والحكم. الإمام الصادق (ع) وجد فرصة ليظهر أهليته العلمية للحكم.
المكيال وصواع الملك كانا رمزاً للملكية. في الروايات أيضاً، عُرّفت الأحكام الفقهية بأنها الملك العظيم.
بنيامين كان متعاطفاً ومرافقاً ليوسف (ع). أصحاب الحديث من أهل السنة، خاصة مالك بن أنس، كانوا مرافقين للإمام الصادق (ع).
إخوة يوسف (ع) لم يكونوا متعاطفين ومتحدين في الهدف مع بنيامين ويوسف (ع). أصحاب الرأي لم يكونوا متعاطفين ومتحدين في الهدف مع أصحاب الحديث والإمام الصادق (ع).
يوسف (ع) تواصل مع بنيامين بعيداً عن أعين إخوته العشرة. الإمام الصادق (ع) تواصل مع أصحاب الحديث في المدينة بعيداً عن أعين أصحاب الرأي.
صواع الملك كان دليلاً على عدالة وأهلية يوسف (ع) لإدارة مصر. علم الفقه كان دليلاً على أهلية الإمام الصادق (ع) للمرجعية الدينية والسياسية.
يوسف (ع) وضع صواع الملك في رحل أخيه بنيامين. الإمام الصادق (ع) وضع علم الفقه في أيدي أصحاب الحديث.
الجزاء والعقاب كان أن من يوجد في رحله صواع الملك يجب أن يكون في خدمة الملك. الجزاء والعقاب كان أن من يعلم الفقه يجب أن يكون في خدمة الإسلام وإحياء السنة النبوية.
بنيامين اتُهم بالسرقة، بينما لم يسرق شيئاً. أصحاب الحديث اتُهموا بالسرقة، بينما لم يسرقوا شيئاً.
يوسف (ع) لم يعرف نفسه لمصلحة أهم، وهي عودة إخوته إلى طريق الله. الإمام الصادق (ع) أيضاً لمصلحة أهم، وهي عودة الأمة الإسلامية إلى السنة النبوية، لم يشأ أن يُذكر اسمه.
فترة القحط الطويلة وطلب الرزق كانت سبباً في عودة الإخوة إلى يوسف. فترة حكم الحكام الفاسدين الأمويين الطويلة والبعد عن السنة النبوية، كانت سبباً في عودة الأمة الإسلامية إلى السنة النبوية وأئمة الشيعة (ع).
يوسف (ع) بتدبيره، أصلح إخوته تقريبياً. الإمام الصادق (ع) أيضاً بتدبيره، أصلح المجتمع الإسلامي تقريبياً.

كل هذه التشابهات كانت موجودة بين قصة يوسف (ع) وظروف الإمام الصادق (ع)، وربما يمكن تصور تشابهات أخرى. ولكن الإمام الصادق (ع) بعبارة قصيرة وموجزة، أشار إلى الموضوع. ولكن مقصده يختلف عن اللفظ الذي استخدمه. مقصد الإمام (ع) أوسع بكثير من اللفظ الذي استخدمه، ولكنه تكلم بكلام موجز ومقتضب اقتضاءً للموضوع، أي التقية.

4-4. مبدأ الكيف (Quality)

مبدأ الكيف يعني أن المتكلم يقول بصدق ما يعلم أنه صحيح فقط. يذكر أمراً لديه أدلة على صحته. هذا يجعل المخاطب، بثقته في المتكلم، يفهم المعنى الضمني لكلامه بشكل أفضل (زابلي زاده، 1389ش، 129-148). ولكن بالنسبة للمخاطب الذي تفصله مسافة زمنية عن هذا النص، لا بد من تبيين هدف المتكلم من هذه الجمل، حتى يتم فهم التعاطف والصدق بين المتكلم والمخاطب ومقصده من هذا الحوار الحميم والموجز، ويفهم قارئ هذا النص، ببيان هذه الجمل من قبل الإمام الصادق (ع)، ما المعنى الذي أُنشئ في ذهن السامع وما المفهوم الذي كان الإمام (ع) يسعى لبيانه. إن الإمام الصادق (ع)، ببيانه الصادق، وبناءً على علمه بالقرآن الكريم (الفيض الكاشاني، 1415هـ، 1: 22)، يذكر مستنداً لمشروعية عمل التقية، والذي يدل على جوازها. لذلك، فإن الإمام الصادق (ع) في هذا البيان أوصل ثلاثة معانٍ إلى المخاطب.

1-4-4. التعاطف

أظهر الإمام الصادق (ع) بهذا البيان محبته للمسلمين وحرصه عليهم، لأن الإمام (ع) كان يسعى للحفاظ على مصلحة الأمة الإسلامية (النقوي، 1404هـ، 8: 380؛ الحكيم، 1425هـ، 1: 289). هذا البيان، أكثر من أي شيء آخر، يظهر وظيفة زيادة المحبة والعاطفة الحقيقية للإمام الصادق (ع) تجاه المسلمين. من ناحية أخرى، سمح يوسف (ع) بأن يُنسب إلى إخوته وصف السارقين لتأديبهم، ولكن الإمام الصادق (ع)، على الرغم من السلوك المماثل في إنكار إمامته، كان مستاءً من هذه النسبة لأهل السنة، ونفاها بشدة، وهذا يدل على رأفة الإمام الصادق (ع) الأسمى بأهل السنة.

2-4-4. رفع التهمة

أعطى الإمام الصادق (ع) بهذا البيان، لأصحاب الحديث، الطمأنينة بأن عملهم هو تقية، ومن وجهة نظر دين الإسلام، هو عمل مشروع، ولا ينبغي أن توجه إليهم تهمة. قسم الإمام (ع) بـ”وَاللهِ مَا سَرَقُوا” أراح قلوب وعقول أصحاب الحديث من صحة ومشروعية عملهم.

3-4-4. البشارة

إن إعطاء الطمأنينة بنجاح خطوة أصحاب الحديث في إعادة المجتمع الإسلامي إلى السنة النبوية، مجتمع كان لا يعرف من الصلاة سوى الأذان (ابن عبد البر، 1387هـ، 7: 221)، مجتمع اعتاد على الفسق والفساد لمئة عام تحت سيطرة الحكام الأمويين الفاسدين، وكان بعيداً جداً عن الإسلام والسنة النبوية (الشريف القرشي، 1394ش، 1: 13). كان هذا البيان من الإمام (ع) بشارة لأصحاب الحديث، بأن إخوة يوسف (ع) في النهاية سجدوا ليوسف (ع) وقبلوا بنبوته، وهذا يعني أن المجتمع الإسلامي سيعود إلى السنة النبوية، وأن الحركة الثقافية والدينية لأصحاب الحديث ستؤتي ثمارها. وهو موضوع تحقق في تاريخ الإسلام إلى حد أنقذ الإسلام من الدمار الكامل (فوزي، 1981م، 370)، وبلا شك، فإن تحققه الكامل يعتمد على العودة الواعية والكاملة إلى أهل البيت (ع) (بحر العلوم، 2006م، 2: 353).

5. الاستنتاج

  1. رواية “التَّقِيَّةُ مِنْ دِينِ اللهِ…” نُقلت بأسانيد ومتون مختلفة في المصادر الحديثية، وكثير منها له أسانيد صحيحة، مما يقوي الظن بصدور الرواية عن المعصوم (ع).
  2. هذه الرواية تتعلق بالتقية. سواء كانت دلالة الرواية على إباحة التورية أو الكذب المصلحي، في كلتا الحالتين، وبسبب الخوف من فوات مصلحة أهم، يجب ممارسة التقية. أي إخفاء أمر ما، أو استخدام التورية، أو قول كذب مصلحي.
  3. من الأفضل اعتبار هذا العمل، بالنظر إلى عصمة الأنبياء وقبح الكذب، من قبيل التقية والتورية، ولا يوجد دليل على إطلاق كلمة الكذب على هذا العمل.
  4. أكد شراح الحديث أن الإمام الصادق (ع) استند إلى قصة النبي يوسف (ع) لبيان مشروعية التقية.
  5. بالنظر إلى متون الحديث المختلفة، من المحتمل أن الرواية لم تكن تشتمل على قسم قصة النبي إبراهيم (ع)، أو على الأقل يمكن القول إن القسم القطعي من الرواية هو ارتباط التقية بقصة النبي يوسف (ع).
  6. بيان الإمام الصادق (ع) في هذه الرواية، بسبب المصالح وظروف المتكلم والمخاطب، كان بياناً موجزاً ومقتضباً.
  7. لفهم هذا المتن الروائي، من الأفضل استخدام منهج التداولية الذي صُمم لهذا الغرض، واستخدام منهج نقض أصول التعاون عند غرايس هو منهج مناسب.
  8. استخدام منهج أصول التعاون عند غرايس والنظر في مبادئ الكم والكيف والصلة والكيفية يظهر وجود ظروف وقرائن بين المخاطب والمتكلم، والانتباه إلى هذه الظروف يمكن أن يوضح سبب استناد الإمام الصادق (ع) إلى قصة النبي يوسف (ع) في مشروعية التقية.
  9. الإمام الصادق (ع)، بالنظر إلى تيار التدليس السندي وتهمة سرقة الحديث التي كانت موجهة من قبل أصحاب الرأي إلى أصحاب الحديث، استند إلى هذا الجزء من قصة النبي يوسف (ع).
  10. أثبت الإمام الصادق (ع) ببيان هذه العبارة نقطتين مهمتين: أولاً، مشروعية التقية، وثانياً، عدم صحة نسبة السرقة إلى العمل الذي كان يجري.
  11. الإمام الصادق (ع)، باستخدامه الذكي لهذا المثال، بالإضافة إلى ما سبق، عبر عن رأفته ومحبته وتعاطفه مع العالم الإسلامي في معنى ضمني، وبشر بإحياء السنة النبوية.

الهوامش

[1] عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد. اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم سنين كسني يوسف.

[2] عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): التقية من دين الله. قلت: من دين الله؟ قال: إي والله من دين الله، ولقد قال يوسف (ع): أيتها العير إنكم لسارقون، والله ما كانوا سرقوا شيئاً، ولقد قال إبراهيم (ع): إني سقيم، والله ما كان سقيماً.

[3] عن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لا خير فيمن لا تقية له، ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون وما سرقوا.

[4] حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي رضي الله عنه قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود عن أبيه قال: حدثنا محمد بن أبي نصر قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن عثمان بن عيسى عن سماعة عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (ع): التقية دين الله عز وجل. قلت: من دين الله؟ قال: فقال: إي والله من دين الله، لقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون والله ما كانوا سرقوا شيئاً.

[5] عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع)، قال: قيل له وأنا عنده: إن سالم بن حفصة يروي عنك، أنك تكلم على سبعين وجهاً لك منها المخرج. فقال: ما يريد سالم مني؟ أيريد أن أجيء بالملائكة، فوالله ما جاء بهم النبيون. ولقد قال إبراهيم: إني سقيم، والله ما كان سقيماً وما كذب. ولقد قال إبراهيم: بل فعله كبيرهم، وما فعل كبيرهم وما كذب. ولقد قال يوسف: أيتها العير إنكم لسارقون، والله ما كانوا سرقوا شيئاً وما كذب.

[6] أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن الحجال عن ثعلبة عن معمر بن عمرو عن عطاء عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): لا كذب على مصلح. ثم تلا: أيتها العير إنكم لسارقون. ثم قال: والله ما سرقوا وما كذب. ثم تلا: بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. ثم قال: والله ما فعلوه وما كذب.

[7] من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا.

[8] كان أهل البصرة يقولون إنه يسرق الحديث.

[9] بعض الروايات نُسبت إلى الإمام الباقر (ع)، وهذا على الأرجح يعود إلى أبي بصير. أولاً، لأن المتون الأخرى لهذه الرواية نُسبت إلى الإمام الصادق (ع) (الكليني، 1407هـ، 2: 218). ثانياً، في رواية يسأل فيها أبو بصير، راوي هذه الرواية، الإمام الصادق (ع): أسمع منك ومن أبيك أحاديث، فإلى أيهما أنسبها؟ فيقول الإمام (ع): لا يهم إلى أيهما تنسبها، إلا أني أفضل أن تنسبها إلى أبي. “عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع): الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه من أبيك أرويه عنك؟ قال: سواء، إلا أنك ترويه عن أبي أحب إلي. وقال أبو عبد الله (ع) لجميل: ما سمعت مني فاروه عن أبي” (نفسه، 1: 51). لذلك، يبدو أن أبا بصير، بإذن من الإمام الصادق (ع)، نسب هذه الرواية إلى الإمام الباقر (ع).

[10] قال المفضل: وسمعت الصادق (ع) يقول: بلية الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يجيبونا وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا.

[11] حديث علي رضي الله عنه من أخبار الآحاد فلا تثبت الفريضة به.

[12] ورد في بعض الكتب الروائية والتاريخية أن بيت الإمام الصادق (ع) اشتهر في القرن الثاني الهجري بدار السرقة: “هذه دار تسمى دار السرقة” (الكليني، 1407هـ، 1: 358)؛ ولكن ما سبب هذه الشهرة ولماذا كانوا يطلقون على هذا المكان دار السرقة؟ حول هذا الاسم، طرح المحدثون المتأخرون احتمالات مختلفة. الاحتمال الأول: دار السرقة اسم أُطلق على هذا البيت بسبب البيعة التي أخذها والد محمد بن الحسن بن عبد الله من شيعة الإمام الصادق (ع) على إمامة ابنه؛ إذ عرّف ابنه بأنه المهدي (عج)، وعمله هذا، أي أخذ البيعة لشخص لا يستحق هذا المقام. الاحتمال الثاني: اشتهر بيت الإمام الصادق (ع) بهذا الاسم لكثرة السرقات وسرقة الأموال منه (المازندراني، 1421هـ، 6: 319؛ المجلسي، 1403هـ، 4: 123). هذان الاحتمالان طرحهما الملا صالح المازندراني ومحمد تقي المجلسي، ولكن الميرزا أبو الحسن الشعراني رفض هذين الاحتمالين وأقر بأن هذا الاسم أُطلق على البيت لسبب آخر، وربما يتعلق بالسنوات حول 150 هـ، ولا توجد معلومات عنه (المازندراني، 1421هـ، 319). كما صرح الميرزا أبو الحسن الشعراني، فإن هذين الاحتمالين لا دليل عليهما ومستبعدان، إذ من غير المرجح أن يُسمى بيت دار السرقة لمجرد تعرضه للسرقة عدة مرات، خاصة بالنظر إلى موقع منزل الإمام الصادق (ع) بجوار المسجد النبوي (ص)، فإن احتمال السرقة منه يكاد يكون معدوماً. كما لم يرد وصف لسرقة من هذا البيت في كتب الحديث والتاريخ؛ بل على العكس، بسبب الاحترام الذي كان لهذا البيت، بعد الحريق الذي شب فيه في حياة الإمام الصادق (ع)، ظل باب هذا البيت مغلقاً حتى القرن الخامس الهجري، وكانت أمواله محفوظة (ابن الأثير، 1997م، 7: 568؛ ابن الجوزي، 1992م، 15: 71؛ الذهبي، 1407هـ، 27: 244). معظم الرواة المتهمين بسرقة الحديث اتُهموا بذلك من قبل يحيى بن معين، وهو نقل هذه النسبة عن أستاذه عبد الله بن المبارك المروزي، تلميذ أبي حنيفة في البصرة. أهل البصرة الذين كانوا من أهل الرأي ولم يقبلوا أخبار الآحاد المنقولة بواسطة أصحاب الحديث، كانوا ينسبون إليهم سرقة الحديث (ابن حبان، 1396ش، 1: 237؛ ابن عدي، 1418هـ، 3: 482).

[13] محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد الله (ع): أسمع الحديث منك فأزيد وأنقص؟ قال: إن كنت تريد معانيه فلا بأس (الكليني، 1407هـ، 1: 51). هذا الجواز يتعلق بسند الحديث أيضاً ولا يشمل متن الرواية فقط.

[14] عن عروة، قالت لي عائشة رضي الله عنها: يا بني، يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه؟ فقلت لها: أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره. فقالت: هل تسمع في المعنى خلافاً؟ قلت: لا. قالت: لا بأس بذلك.

[15] فقال: لم لا تسألني عن حديث جعفر؟ قلت: لا أريده… وأما جعفر فلو كنتم بالكوفة لأخذتكم النعال المطرفة.

[16] عن الصادق عليه السلام: الكتاب النبوة والحكمة الفهم والقضاء والملك العظيم الطاعة المفروضة.

[17] ملعون ملعون من سماني في محفل من محافل الناس.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن شهر آشوب، محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، النجف، مطبعة الحيدرية، 1956م.

ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387ق.

ابن عدي، عبد الله، الكامل في الضعفاء، بيروت، دار الفكر، 1409ق.

إربلي، علي بن أبي الفتح، كشف الغمة، بيروت، دار الأضواء، 1405ق.

أمين، محسن، أعيان الشيعة، بيروت، دار التعارف، 1403ق.

بحر العلوم، محمد سند، الإمامة الإلهية، قم، منشورات الاجتهاد، 2006م.

بخاري، محمد بن مسلم، الجامع الصحيح للبخاري، القاهرة، وزارة الأوقاف، 1410ق.

جعفري، سيد حسين، تشيع در مسير تاريخ، طهران، دفتر نشر فرهنگ إسلامي، 1380ش.

چپمن، شيوان، معني كاربردشناسي، ترجمة: محمدرضا بياتي، طهران، علمي، 1398ش.

حب الله، حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، بيروت، مؤسسة انتشار العربي، 2006م.

حسن زاده دلگشا، سعيد، تقيه معصومين (ع)، قم، بوستان كتاب، 1388ش.

حسني، يحيى نذير، دفاع عن التشيع، قم، لسان الصدق، 1427ق.

حسيني، بي بي زينب، عليه رضا داد وسيد سجاد غلامي، “نقل به معناي احاديث فقهي مشترك با استفاده از داستان كوتاه”. مطالعات فهم حديث 9، 17 (1401ش): 259-281.

حكيم، سيد محمد باقر، دور أهل البيت (ع) في بناء الجماعة الصالحة، قم، مركز جهاني أهل بيت (ع)، 1425ق.

حلي، ابن إدريس، السرائر الحاوي، قم، جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1410ق.

حلي، حسن بن يوسف، ألفين، قم، هجرت، 1409ق.

خوارزمي، محمد بن أحمد، مفاتيح العلوم، بيروت، دار المناهل، 1428ق.

خوئي، سيد أبو القاسم، صراط النجاة، قم، برگزيده، 1413ق.

ذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام، بيروت، دار الكتاب العربي، 1409ق.

، سير أعلام النبلاء، القاهرة، دار الحديث، 1413ق.

رباني بيرجندي، محمد حسن، دانش فقه الحديث، قم، مؤسسه بين المللي ترجمه ونشر المصطفى (ص)، 1395ش.

زابلي زاده، أردشير، “إمكان سنجي به كارگيري اصول تعاون گرايس در تحليل گفتمان”. رسانه 21، 1(1389ش): 129-148.

زمخشري، جار الله، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي، 1407ق.

سخاوي، محمد بن عبد الرحمن، فتح المغيث شرح ألفية الحديث، بيروت، دار الكتب العلمية، 2004م.

سعيدي، غلام عباس، “بررسي زبان شناختي تناسب آيات بر پايه اصل همكاري گرايس”. آموزه هاي قرآني، 15(1391ش): 173-191.

سوري، حميد، “سرقت علمي”. مطالعات بين المللي پليس. 3(1389ش): 46-68.

سيد بن حمودة، أبي عبد الله، التمهيد في علم التخريج ودراسة الأسانيد، القاهرة، دار ابن حزم، 2010م.

شريف قرشي، محمد باقر، حياة الإمام الحسين (ع)، نجف، مطبعة الآداب، 1394ش.

شفتي، أسد الله، الإمامة، أصفهان، مكتبة الإمام الشفتي، 1411ق.

شم آبادي، مرضية، بي بي زينب حسيني وعليه رضا داد، “تاريخ گذاري روايات إخفاء سر ونقش غلات در آن”. مطالعات فهم حديث 7، 14(1400ش): 93-116.

شهرستاني، سيد علي، وضوء النبي (ص)، مشهد، مؤسسة جواد الأئمة (ع)، 1420ق.

شهيد أول، محمد بن مكي، ذكرى الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، 1419ق.

، غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، قم، مكتب العالم الإسلامي، 1414ق.

صالحي نجف آبادي، نعمت الله، غلو درآمدي بر أفكار وعقائد غاليان در دين، طهران، كوير، 1384ش.

صدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، قم، كتابفروشي داوري، 1385ش.

، من لا يحضره الفقيه، قم، انتشارات وابسته به جامعة مدرسين، 1413ق.

ضويحي، أحمد بن عبد الله، علم أصول الفقه، عربستان، سلسلة الرسائل الجامعية، وزارة التعليم العالي، 2006م.

طبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، طهران، ناصر خسرو، 1372ش.

طوسي، محمد بن حسن، رجال، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1415ق.

طهراني، آغا بزرگ، توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد، قم، مطبعة الخيام، 1401ق.

عاملي، مصطفى قصير، التقية عند أهل البيت (ع) على ضوء النصوص والواقع التاريخي، قم، مطبعة نگين، 1416ق.

عزيزي، حسين، الرواة المشتركون بين الشيعة وأهل السنة، طهران، الدراسات الإسلامية، 1388ش.

عميدي، ثامر هاشم، واقع التقية عند المذاهب والفرق الإسلامية، قم، مركز الغدير، 1416ق.

عويضة، محمد، الإمام أبو حنيفة، بيروت، دار الكتاب العلمية، بيتا.

غروي نائيني، نهله، تاريخ حديث شيعة، قم، شيعة شناسي، 1386ش.

غريفي، عبد الله، التشيع، بيروت، مؤسسة العارف للمطبوعات، 1421ق.

غوري، سيد عبد الماجد، التدليس والمدلسون، دمشق، دار ابن كثير، 2009م.

فايز، دايه، معجم المصطلحات العلمية للكندي والفارابي، بيروت، دار الفكر، 1410ق.

فوزي، رفعت، توثيق السنة، القاهرة، مكتبة الخانجي، 1981م.

مجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403ق.

محرمي، غلام حسن، تاريخ تشيع، قم، مؤسسة إمام خميني (ره)، 1387ش.

محقق حلي، جعفر بن حسن، المعتبر، قم، مؤسسة سيد الشهداء، 1364ش.

معصومي همداني، حسين، “جام عدل”. نشر دانش، 103(1381ش): 18-30.

مهرابي، مريم، وراحله گندمكار، “نقش اصول گرايس در تعبير فيلم فروشنده”. زبان شناخت 13، 2(1401ش): 157-184.

مهنا، عبد الله علي، لسان اللسان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1413ق.

نقوي، سيد حامد، عبقات الأنوار، قم، سيد الشهداء، 1404ق.

نوبختي، حسن بن موسى، فرق الشيعة، بيروت، دار الأضواء، 1404ق.

هليدي، مايكل، زبان، بافت ومتن، ترجمة: مجتبى منشي زاده، طهران، علمي، 1393ش.

يعقوب، أحمد حسين، أين سنة رسول الله (ص)، بيروت، الدار الإسلامية، 1421ق.

Scroll to Top