الملخص
لقد كُتبت في علم الوقف والابتداء كتب كثيرة منذ القرون الأولى، وتناولت بالبحث آراء العلماء في مباني ومواضع الوقف والابتداء؛ إلا أن الدراسة المقارنة بين آراء العلماء في هذا الموضوع لم تحظَ باهتمام كبير، خاصة المقارنة بين آراء علماء الشيعة والسنة التي كادت أن تكون مهملة. وهذه المقارنة من شأنها أن تكشف عن المعاني الدقيقة للقرآن الكريم وتوضحها، وأن تدرس وضع العلامات، وتقدم إرشادًا لقارئ القرآن الكريم في القراءة الصحيحة. في هذا البحث، تمّت دراسة رأي الشيخ محمد علي خلف الحسيني، وهو من أبرز علماء الأزهر في مجال الوقف والابتداء، دراسةً مقارنةً مع رأي مجموعة المحققين في مركز طبع ونشر القرآن الكريم في موضوع «وقف وابتداء الحروف المقطعة في القرآن الكريم». إن منهج البحث في هذا المقال هو المنهج المكتبي، حيث تُعرض الآراء بصورة وصفية ثم تُحلل. خلصت هذه الدراسة إلى أن المصحفين الأميري ومركز الطبع والنشر يختلفان في جميع المواضع العشرة التي تكون فيها الحروف المقطعة جزءًا من الآية ولها علامة وقف، حيث يستخدم كل منهما علامة مشتركة في هذه المواضع؛ فعلامة المصحف الأميري في هذه المواضع هي «ج»، وعلامة مصحف مركز الطبع والنشر هي «قلي». وهذه المسألة تضاعف أهمية البحث في هذا المجال. وبعد دراسة الآراء ومقارنتها وتحليلها، اتضح أن وجهة نظر المصحف الأميري في وضع علامة الوقف «الجائز» بواسطة علامة «ج» هي الأصح، وعلى حد التعبير التفسيري، هي الأقرب إلى «الأرجح».
المقدمة
القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة للنبي الأكرم محمد ﷺ، آخر رسل الله تعالى، الذي أنزل هذا الكتاب المقدس على قلبه الطاهر ليهدي به العالمين. ولا يخفى أن العمل بمفاهيم القرآن الكريم البناءة للإنسان يحتاج إلى «إتقان تلاوته»، ومن أهم علوم قراءة القرآن «علم الوقف والابتداء». الوقف والابتداء يعني أن نعلم في أي جزء من آيات القرآن يجب الوقف، وما هو سبب هذا الوقف؟ ثم نعلم من أين يجب أن نبدأ التلاوة. وبما أن الاختلافات المذهبية المتنوعة، وما يتبعها من اختلافات فقهية وتفسيرية وأدبية وغيرها، قد أدت على مر التاريخ إلى تأليف كتب مختلفة في هذا العلم وطرح آراء متباينة، فقد ارتأينا أن نجري دراسة مقارنة لآراء الشيعة وأهل السنة في أحد المواضع المهمة في القرآن الكريم في هذا المجال، وهو «الحروف المقطعة». فمن بين علماء أهل السنة المتأخرين، ينبغي اعتبار رأي الشيخ محمد علي خلف الحسيني (ت ١٣٥٧ ق) بوصفه عالمًا بارزًا من الأزهر في القرن الرابع عشر الهجري، أساسًا لوضع العلامات في كثير من المصاحف؛ خاصة أن مكانته المرموقة قد أدت إلى شيوع آرائه في عموم البلدان الإسلامية السنية وحتى الشيعية. ومن جهة أخرى، فإن أهم رأي مطروح بين علماء الشيعة في خصوص مواضع وعلامات الوقف والابتداء، هو التحقيق الذي أنجزه الفريق المختص في مركز طبع ونشر القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وعليه، فإننا في هذا البحث نتناول سبب اختلاف الرأي بين مصحف «خلف الحسيني» الأميري، الذي يعد من المصاحف المشهورة لدى أهل السنة، ومصحف مركز الطبع، الذي أنجزه جمع من المحققين الشيعة في الجمهورية الإسلامية، حيث تم فيه عمل تحقيقي حول الوقف والابتداء، وذلك في موضوع «موضع الوقف في الحروف المقطعة» في القرآن الكريم؛ إذ يوجد ١٠ مواضع في القرآن الكريم تكون فيها «الحروف المقطعة» جزءًا من الآية الأولى للسورة، وقد اختار المصحف الأميري علامة «ج» لهذا الموضع، بينما اعتمد مصحف مركز الطبع علامة «قلي»، ونأمل أن نصل إلى نتيجة مرضية في هذا المجال من خلال بحث شامل.
في هذا البحث، تم أولاً التعريف بمحمد علي خلف الحسيني وبيان آرائه في الوقف والابتداء، ثم التعريف بمركز طبع ونشر القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وذكر آراء المركز حول الوقف والابتداء. بعد ذلك، تم بيان المواضع المقارنة للوقوف الخلافية بين خلف الحسيني ومصحف مركز الطبع والنشر في الحروف المقطعة من القرآن الكريم. ثم تمّت دراسة الرأيين من منظور كتب الوقف والابتداء المعتبرة، وكتب إعراب القرآن، وكتب التفاسير. وفي الختام، عُرضت نتيجة البحث.
أهمية علم الوقف والابتداء
إن علم الوقف والابتداء، أي معرفة الموضع الذي يمكن فيه السكوت في الآية ومن أين يمكن البدء بالقراءة، له الأثر الأكبر في تحسين تلاوة القرآن الكريم. فمن خلال هذا العلم، يتعرف قارئ القرآن على المواضع التي يجب عليه الوقف فيها، والمواضع التي يستحسن الوقف عليها، كما يعلم من أي المواضع يبدأ التلاوة من جديد، وأي كلمة يكون الابتداء بها حسنًا وأيها قبيحًا. ولهذا السبب، أولى علماء الأمة، قديمًا وحديثًا، اهتمامًا ببيان مواضع الوقف في القرآن، وشجعوا الناس وحثوهم على تعلمها. (الخليل الحصري، معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، ١٣٧٠: ٢٠). من آداب تلاوة القرآن الكريم «الترتيل» في القراءة. وقد نُقل عن أمير المؤمنين علي (ع) في معنى الترتيل أنه: «هو حفظ الوقوف وبيان الحروف»؛ أي أن الترتيل هو مراعاة مواضع الوقف والنطق الصحيح والواضح للحروف (الكاشاني، تفسير الصافي، بيتا: ١/ ١٦١؛ المجلسي، بحار الأنوار، بيتا: ٨٤/ ١٨٨)، وهذا بحد ذاته يدل على أهمية الوقف والابتداء في القرآن الكريم. ومن ناحية أخرى، تدل أقوال علماء القراءة حول الوقف والابتداء على اهتمامهم بهذا المجال؛ فعلى سبيل المثال، نُقل عن نافع وعاصم والكسائي أن أساس وقوفهم كان مراعاة حسن الوقف والابتداء. يقول ابن الجزري: «فنافع كان يراعي محاسن الوقف والابتداء بحسب المعنى وذكر خزاعي: أن عاصمًا والكسائي كانا يطلبان الوقف من حيث يتم الكلام»؛ أي أن نافعًا كان يراعي حسن الوقف والابتداء بالنظر إلى المعنى، ونقل الخزاعي أن عاصمًا والكسائي كانا يبحثان عن الوقف حيث يكتمل معنى الكلام (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ١٤١٨: ٢٣٩).
كان أكثر القراء يبحثون في اختيار موضع الوقف عن تمام المعنى. وفي هذا الصدد، يكتب بدر الدين الزركشي: «واعلم أن أكثر القراء يبتغون في الوقف المعنى وإن لم يكن رأس آية»؛ أي أن معظم القراء يبحثون عن اكتمال المعنى في الوقف وإن لم يكن في نهاية الآية (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ١٤٠٨: ١/ ٤٢٦). بناءً على هذا، فإن أول أساس في تقسيم الوقف، والذي أُخذ عن قراء السلف، هو تقسيمه إلى قسمين: «تام» و«غير تام». وقد أشار علم الدين السخاوي في كتابه إلى عنوانين هما «يتم الوقف عليه» و«لا يتم الوقف عليه»، أي الوقف التام والوقف غير التام (السخاوي، جمال القراء وكمال الإقراء، بيتا: ٢/ ٥٦٣)، وهذا بحد ذاته يؤيد أن علماء القراءة قد أولوا اهتمامًا جادًا بـ«الوقف والابتداء» منذ البداية.
دراسة المفهوم
1. الوقف
ذُكرت معانٍ مختلفة في التعريف اللغوي للوقف؛ ومن أشهر هذه المعاني: «الوقف بمعنى المنع والحبس والكف عن الفعل أو القول»؛ أي الامتناع والكف عن فعل أو قول (ناصر خسرو، التعريفات، ١٣٧٠: ٢٢٩). وفي مقاييس اللغة، يكتب الخليل بن أحمد في تعريف الوقف: «الوقف مصدر قولك: وقفت الدابة ووقفت الكلمة وقفًا» (الفراهيدي، كتاب العين، ١٤١٠: ٣/ ١٩٩٧). أما الوقف في اصطلاح قراءة القرآن فهو: «قطع الصوت في آخر الكلمة لتجديد النفس، بنية مواصلة القراءة». وبتعبير آخر، الوقف هو فصل الكلمة أو العبارة عما بعدها، بحيث ينقطع الصوت عندها ويتجدد النفس. وقال الجرجاني في معنى الوقف في اصطلاح القراءة: «الوقف في القراءة قطع الكلمة عما بعدها» (ناصر خسرو، علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، ١٣٧٠: ٢٦٥). كما عرفه ابن الجزري بقوله: «الوقف عبارة عن قطع الصوت زمنًا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة» (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ١٤١٨: ١/ ٢٤٠).
تشترك كل هذه التعاريف في نقطة واحدة، وهي منع الصوت وقطعه عند تلاوة القرآن، مما يفصل بشكل طبيعي الكلمة التالية عن الكلمة السابقة، وله آداب بالطبع، منها: تجديد النفس، ونية مواصلة التلاوة، وإسكان الحركات القصيرة، وغير ذلك.
2. الابتداء
«الابتداء» يعني الشروع وبدء القراءة، وهو هنا بمعنى مواصلة القراءة بعد الوقف، ويطلق عليه أيضًا «الاستئناف». لذلك، سيكون لكل وقفة يقوم بها القارئ ابتداءٌ أيضًا. ولهذا السبب، يطلق على علم «معرفة الوقوف» علم الوقف والابتداء (شهيدي بور، مباني وقف وابتداء، ١٣٩٣: ٤٤). «الابتداء» ضد «الوقف»، وفي بيان معناه قيل: البدء والشروع (الداني، ترجمة المكتفى في الوقف والابتداء، ١٣٨٢: ٣). من منظور القراءة، ينقسم الابتداء إلى قسمين: أ) الابتداء بمعنى الشروع في قراءة القرآن؛ ب) الابتداء بمعنى الشروع من جديد أو مواصلة القراءة بعد الوقف. ويعد الشروع في كلام الله المجيد بالاستعاذة والبسملة من آداب القسم الأول (شاكر، قواعد وقف وابتداء در قرآن كريم، ١٣٨١: ٣١).
استعراض لحياة وآراء محمد علي خلف الحسيني
أ) حياته
ولد محمد بن علي بن خلف الحسيني، المشهور بالحداد، في مدينة «بني حسين» في «صعيد» مصر عام ١٢٨٢ هـ. وفي عام ١٢٩٤ هـ، انتقل إلى القاهرة وسكن في منزل عمه العلامة الشيخ حسن بن خلف الحسيني، ودرس في فرع العلوم المنقولة والمعقولة بجامعة الأزهر. تلقى الحداد العلم على يد كبار علماء عصره، منهم شيخ الإسلام سليم البشري، والعلامة أبو الفضل الجيزاوي، والعلامة يوسف الحواتكي، والعلامة هارون بن عبد الرازق، والعلامة إبراهيم الظواهري، والعلامة محمد النجدي، والعلامة عبد الفتاح بن أبي النجا، والعلامة محمد البحيري، والعلامة سالم بن عطاء الله البولاقي، والعلامة محمد البجيرمي، والعلامة جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده؛ ولكنه في علوم القرآن اعتمد بشكل خاص على عمه، وتلقى منه قراءة حفص وعلم التجويد وأنواعًا أخرى من العلوم المرتبطة به. تولى خلال حياته مناصب مختلفة، من أهمها شيخ المقارئ في مصر ورئيس لجنة الإشراف على القرآن الكريم. وقد أهداه فؤاد الأول، ملك مصر آنذاك، تقديرًا له، ذهبًا بوزن المصحف، لكنه رفض هذه الهدية وأجاب مستلهمًا من آيات القرآن الكريم: «نحن لا نشتري بآيات الله ثمنًا قليلًا». وقد وصفه الأستاذ علي محمد ضباع، مؤلف كتاب «الإضاءة في بيان أصول القراءة» وشيخ عموم المقارئ في مصر، قائلًا: «إمام محقق، وعالم موثوق به مدقق… خير من انتهت إليه في هذا العصر رياسة الإقراء بمصر…».
ب) آثاره
أُشير في قاعدة بيانات جامعة الأزهر إلى أن له «٣٧» مجلدًا من الكتب، أهمها: الكواكب الدرية فيما ورد في إنزال القرآن على سبعة أحرف من الأحاديث النبوية؛ إرشاد الإخوان شرح هداية الصبيان في التجويد؛ القول السديد في بيان حكم التجويد؛ سعادة الدارين في بيان وعد آي معجز الثقلين؛ الآيات البينات في جمع القراءات. توفي عام ١٣٥٧ هـ.
ج) مباني خلف الحسيني في الوقف والابتداء
أجرى «خلف الحسيني» تحقيقات وبحوثًا واسعة في مجال أقسام الوقف في القرآن، وكانت أسس عمله في هذا البحث تتمثل في عدة أمور: جعل المعنى والمفهوم للآيات أساسًا في تقسيم الوقوف؛ الدراسة الدقيقة لآراء الباحثين في القراءة قديمًا في مجال أقسام الوقف؛ الاستعانة بآراء كبار مفسري القرآن في استنباط معنى ومفهوم الآيات؛ تقديم أقسام جديدة لمواضع الوقف في القرآن. وقد أثمر هذا العمل في العاشر من ربيع الثاني عام ١٣٣٧ هـ، حيث تم تقديم أقسام جديدة للوقف، وتبعتها علامات محددة لها، مما شكل نقطة تحول في علم الوقف والابتداء في العصر الحاضر. وقد لقي عمل شيخ المقارئ العظيم هذا استقبالًا حافلًا من قبل علماء القراءة الآخرين في مصر ومعظم بلاد العالم الإسلامي، وأُدرجت علامات وقفه المبتكرة في المصاحف؛ واليوم، تُستخدم هذه العلامات في معظم المصاحف المطبوعة في الدول الإسلامية.
أولاً: أقسام الوقف عند محمد علي خلف الحسيني
من وجهة نظره، ينقسم الوقف والابتداء إلى خمسة أقسام، وهي كالتالي: 1. وقف لازم: {م} «وهو ما قد يوهم خلاف المراد إذا وصل بما بعده». وهو الوقف في موضع إذا وُصل بما بعده، أوهم معنىً خلاف المراد. 2. جائز مع كون الوقف أولى: {قلي} الوقف في هذا الموضع أفضل من الوصل. «هو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى». وهو وقف لا يتعلق بما بعده لفظًا ومعنى. ومن علامات هذا الوقف: وجود استفهام ملفوظ أو مقدر بعده؛ نهاية قصة وبداية موضوع آخر؛ غالبًا ياء النداء؛ فعل الأمر؛ لام القسم؛ الشرط؛ وغيرها. 3. جائز مستوى الطرفين: {ج} وقف يجوز فيه الوقف والوصل على حد سواء. «هو الذي يتعلق بما بعده تعلقًا لا يمنع من الوقف عليه ولا من الابتداء بما بعده». وهو الوقف في موضع يتعلق بما بعده، ولكن هذا التعلق لا يمنع من الوقف ولا من الابتداء بما بعده. ومن علامات هذا الوقف: أن يأتي بعده مبتدأ؛ فعل مستأنف؛ جملة تشتمل على ضمير يعود على ما قبله؛ مفعول مطلق لفعل محذوف، مثل: وعد الله، سنة الله؛ نفي؛ إن المكسورة أو استفهام؛ «بل»؛ «إلا» بمعنى «لكن»؛ «ألا» المخففة؛ السين وسوف، لأنهما تفيدان الوعيد. 4. جائز مع كون الوصل أولى: {صلي} وقف يجوز فيه الوصل ويكون أفضل. «هو الذي يتعلق بما بعده تعلقًا لا يمنع من الوقف عليه ولكن يمنع من حسن الابتداء بما بعده». وهو الوقف في موضع يتعلق بما بعده، وهذا التعلق لا يمنع من الوقف، ولكنه يمنع من حسن الابتداء بما بعده. ومن علامات هذا الوقف: أن يأتي بعده استثناء، نعت، بدل، توكيد، حال، نعم، بئس، كيلا، إذا سبقها قول أو قسم. ويمكن بيان الفروق بين الوقوف الجائزة الثلاثة الأخيرة على النحو التالي: حيث يكون الوقف أولى، لا يكون لموضع الوقف تعلق بما بعده. وفي الوقف الجائز مستوى الطرفين، يكون التعلق بما بعده من جهة المعنى فقط. وحيث يكون الوصل أولى، يكون تعلق ما بعده بموضع الوقف كبيرًا لدرجة تمنع من «حسن الابتداء» بما بعده. 5. وقف ممنوع: {لا} «هو الذي يتعلق بما بعده تعلقًا يمنع من الوقف عليه ومن الابتداء بما بعده بأن لا يفهم منه المراد أو يوهم خلاف المراد»؛ وهو الوقف في موضع يكون تعلقه بما بعده شديدًا لدرجة تمنع من الوقف والابتداء بما بعده، لأنه في حال الوقف، لا يُفهم المعنى المراد من الكلام أو يُتوهم معنى خلاف الواقع.
ثانياً: علامات الوقف الممنوع من منظور خلف الحسيني
المواضع التي يُعد الوقف فيها قبيحًا، ونشير إلى بعض الأمثلة منها: الوقف على المضاف دون المضاف إليه، على المنعوت دون النعت، على الشرط دون جواب الشرط، على الرافع دون المرفوع، أو على الناصب دون المنصوب، على المؤكَّد دون التوكيد، على المعطوف دون المعطوف عليه، على البدل دون المبدل منه، وغير ذلك (الضباع، الإضاءة في بيان أصول القراءة، بيتا: ٥٥-٥٧).
ثالثاً: أنواع الوقف والابتداء
الوقف في علم القراءة يأتي على صورتين (المصدر نفسه، ٥١): أ) الكلمات التي يقف عليها القارئ وإن لم يكن الوقف صحيحًا. ب) المواضع الصالحة للوقف، وإن لم يقف عليها القارئ. قسم معظم العلماء وأهل الرأي الوقف إلى قسمين: «اختياري» و«اضطراري»، ثم إلى أربعة أقسام: «تام»، «كافٍ»، «حسن»، و«قبيح». ويعد التام والكافي من مصاديق الوقف «الاختياري»، بينما يندرج الحسن والقبيح تحت الوقف «الاضطراري».
رابعاً: الوقف التام
هو الوقف على نهاية جملة مستقلة لا تتعلق بالجملة التي تليها بأي شكل. مثل الوقف على ﴿ذَٰلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (الشورى/٢٣)، حيث لا يوجد رابط لفظي أو معنوي مع الجملة التالية ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾. المقصود بالتعلق اللفظي هو ارتباط عبارتين من حيث الإعراب والنحو، كأن يكون عامل الإعراب في كلمة أو عبارة موجودًا في كلمة أو عبارة أخرى، مثل: الفعل والفاعل والمفعول، أو المبتدأ والخبر، والشرط والجزاء. أما الرابط المعنوي فهو ارتباط جملتين من حيث الموضوع والسياق، كأن تكون الجملة الثانية توضيحًا وتفسيرًا للجملة الأولى، أو بيانًا لحكمتها.
التعريف بمركز طبع ونشر القرآن الكريم
تأسس مركز طبع ونشر القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أوائل السبعينيات (التسعينيات الميلادية) بأمر من قائد الثورة المعظم (مد ظله العالي) بهدف إعداد «مصحف الجمهورية الإسلامية الإيرانية». إن المكانة المرموقة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في العالم بوصفها أم القرى للدول الإسلامية، كانت تقتضي دخولها مجال إعداد المصحف بصورة علمية وتخصصية كاملة. ولهذا السبب، أُنشئت وحدات تخصصية في المركز لتلبية الاحتياجات المختلفة مثل «البحث والدراسة في علوم الكتابة، الشؤون الفنية والتقنية، إعداد الحواسيب، الإشراف والمراجعة على المصاحف، الطباعة والنشر، والتواصل مع المنظمات والمؤسسات الثقافية في البلاد والعالم» بوجود كوادر متخصصة وكفؤة. وكل وحدة تستفيد من دعم مجالس تخصصية مرتبطة بحضور أبرز الأساتذة وأصحاب الرأي في الشؤون القرآنية في البلاد. والآن، يفخر المركز، بصفته صانع سياسات في مجال كتابة وطباعة ونشر القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بخدمة الساحة المقدسة للقرآن الكريم (موقع مركز طبع ونشر القرآن الكريم www.moshaf.Org). وفي بيان رسالة ومأمورية المركز، ورد ما يلي: إعداد مصحف الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونشر رسم الخط المعتمد في المركز، والذي يستند إلى دراسات ميدانية ومكتبية واسعة. كما حُددت ثلاثة أهداف لهذا المركز: 1. تنظيم وضع كتابة القرآن الكريم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ 2. توحيد رسوم الخطوط القرآنية؛ 3. إعداد مصحف الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي بيان مهام وحدة البحث والدراسة في المركز، ورد ما يلي: دراسة الخطط المطروحة في المجالس واللجان المتعلقة بـ«المفاهيم، التعليم، الوقف والابتداء، مجلس التحقيق» للموافقة عليها وتأييدها، وكذلك تشكيل جلسات ولجان تخصصية لـ«مجلس التحقيق، مجلس التعليم، مجلس الترجمة والمفاهيم، مجلس الوقف والابتداء»، وتحديد مجالات عمل اللجان وتعيين المتخصصين في تلك المجالات. وبناءً على هذه الرؤية والمهام المحددة، قام مركز طبع ونشر القرآن الكريم بطباعة المصحف بخصائص وقف وابتدائية شيعية.
تقسيم «الوقف» من وجهة نظر مركز الطبع والنشر
1. وقف لازم: وهو الوقف الضروري الذي إذا وُصل بالعبارة التالية، أوهم معنىً خلاف المراد، ولا يزول هذا التوهم إلا بالوقف. علامة هذا الوقف «م». مثال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ (البقرة / ٢٦). 2. وقف جائز: وهو الوقف الذي يمكن وصله بالعبارة التالية. وهذا النوع من الوقف ينقسم إلى عدة أقسام: أ) الوقف أولى: وقف جائز يكون الوقف فيه أولى من الوصل. علامته «قلي». ب) الوصل أولى: وقف جائز يكون الوصل فيه أولى من الوقف. علامته «صلي». ج) جائز الوقف والوصل: وقف جائز يجوز فيه الوصل (مع أن جهة الوقف أقوى من الوصل). علامته «ج». 3. المرخص لضرورة: وقف حَسَني، وهو وقف حسن يفيد معنىً مقصودًا، لكن الابتداء بما بعده غير صحيح بسبب تعلقه اللفظي والمعنوي بالعبارة السابقة. ويتم الوقف عليه بسبب طول الكلام وعدم وجود موضع مناسب للابتداء قبله، ويُرخص للقارئ ضرورةً أن يبتدئ مما بعده. علامة هذا الوقف «ص». 4. وقف ممنوع: وهو الوقف الذي يُمنع في موضعه أو الابتداء بما بعده لقبح المعنى. علامة هذا الوقف «لا». خلاصة أقسام الوقف وعلاماته وتعاريفه (المصادق عليها من قبل لجنة الوقف والابتداء في مركز الطبع والنشر) هي كالتالي: وقف لازم (م)، وقف جائز بأولوية الوقف (قلي)، وقف جائز بجواز الوصل (ج)، وقف جائز بأولوية الوصل (صلي)، وقف جائز بابتداء اضطراري من مابعده (ص)، وقف أو ابتداء ممنوع (لا).
المواضع التطبيقية للوقوف الخلافية بين خلف الحسيني ومصحف مركز الطبع والنشر في الحروف المقطعة من القرآن الكريم
فيما يلي المواضع العشرة التي تختلف فيها علامة الوقف بين المصحفين: ١. يونس/١: موضع الوقف (الر)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٢. هود/١: موضع الوقف (الر)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٣. يوسف/١: موضع الوقف (الر)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٤. الرعد/١: موضع الوقف (المر)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٥. إبراهيم/١: موضع الوقف (الر)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٦. الحجر/١: موضع الوقف (الر)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٧. النمل/١: موضع الوقف (طس)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٨. ص/١: موضع الوقف (ص)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ٩. ق/١: موضع الوقف (ق)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط). ١٠. القلم/١: موضع الوقف (ن)، علامة الحسيني (ج)، علامة المركز (ط).
ملاحظة: علامة الوقف في مصحف «مركز الطبع» في المواضع العشرة المذكورة هي «ط» [وهي في مصاحف المركز القديمة ترمز للوقف المطلق الذي يقابل الوقف اللازم]، بينما في مصحف «الأميري» علامة الوقف هي «ج». والجدير بالذكر أن أيًا من هذه المواضع العشرة لا يمثل آية مستقلة، بل هي جزء من الآية الأولى للسورة. والاختلاف حول نوع الوقف في الحروف المقطعة في القرآن الكريم، وما إذا كانت هذه الحروف لها محل من الإعراب أم لا، يسري على جميع الحروف المقطعة في القرآن، وقد نوقش ذلك في هذا المقال. ولكن بما أن الاختلاف في وضع العلامات في هذين المصحفين يقع في هذه المواضع العشرة، فقد تمت الإشارة إليها في الجدول. وهذا الأمر يعود إلى أن الحروف المقطعة في هذه المواضع العشرة هي جزء من الآية وليست آية مستقلة.
1. دراسة الرأيين المذكورين من منظور كتب الوقف والابتداء المعتبرة
من أهم المصادر التي يمكن الاستعانة بها في موضوع «الوقف على الحروف المقطعة» هي آراء علماء الوقف والابتداء، حيث إن دراسة هذه الآراء وتدقيقها يمكن أن يكون مفيدًا لفهم المسألة بشكل صحيح. لذلك، نبدأ بعرض آرائهم، ثم ننتقل إلى آراء كتب «إعراب القرآن» و«التفاسير».
أولاً – رأي «المكتفى» في الحروف المقطعة: يقول أبو عمرو في «المكتفى» عند موضع «الر» في أول سورة يونس، وهو أول موضع خلافي: «وقف تام»، وينقل قولًا عن ابن عباس أن معنى «الر» هو «أنا الله أرى»، ومعنى «المر» في أول سورة الرعد هو «أنا الله أعلم وأرى». كما يذكر قولًا آخر يفيد بأن الوقف في هذه المواضع «كافٍ»، مع أن «أبو عمرو» نفسه يختار القول الأول، أي «الوقف التام» (الداني، المكتفى في الوقف والابتداء، ١٤٠٧: ٣٠١).
ثانياً – رأي «الوقف والابتداء» في الحروف المقطعة: يرى السجاوندي في «الوقف والابتداء» أن الوقف في هذا الموضع «جائز» (السجاوندي، علل الوقوف، بيتا: ٢٢٨).
ثالثاً – رأي «المقصد» في الحروف المقطعة: يقول الأنصاري عند الآية الأولى من سورة البقرة في شأن «الوقف على الحروف المقطعة»: الوقف على «الم» وأمثالها من الحروف المقطعة في أوائل السور هو «وقف تام»، بشرط: أ) أن تكون الحروف المقطعة خبرًا لمبتدأ محذوف، مثل: «هذه الم» أو «هذا الم». ب) أن تكون «الم» منصوبة بفعل محذوف، كأن يكون التقدير: «اقرأ الم» أو «خذ الم». ج) أن يكون كل حرف من الحروف المقطعة علامة لكلمة، مثل: «الم» مخفف جملة «أنا الله أعلم». ثم ينقل الأنصاري عن «أبي حاتم» أن الوقف في هذا الموضع «حسن»، وعن «أبي عمرو» أن «أبا حاتم» يقول إن الوقف في هذا الموضع «كافٍ». ويقول غير «أبي حاتم» إن الوقف في هذا الموضع ليس «تامًا» ولا «كافيًا» لأن معنى الحروف المقطعة هو «يا محمد». وينقل عن جماعة أخرى قولهم بأن معنى الحروف المقطعة هو «قسم»، وآخرون يقولون إنها للتنبيه والتحذير (الأنصاري، المقصد لتلخيص ما في المرشد، ١٣٠١: ١١).
رابعاً – رأي «منار الهدى» في الحروف المقطعة: يذكر الأشموني عند الآية الأولى من سورة البقرة في موضع (الم) أشكالًا مختلفة من الوقف بناءً على التراكيب النحوية المختلفة، على النحو التالي: أ) الوقف تام إذا كانت: ١. مرفوعة بـ«هدى» أو «هدى» مرفوع بها؛ ٢. مرفوعة بسبب «الهاء» في جملة «لا ريب فيه»؛ ٣. مرفوعة بسبب موضع «لا ريب فيه»، أي كأنه قيل: «ذلك الكتاب حق بهدى»؛ ٤. مرفوعة بـ«كتاب» أو «كتاب» بها؛ ٥. مرفوعة على الابتداء، و«كتاب» نعت أو بدل، و«لا ريب فيه» خبر المبتدأ. ب) الوقف كافٍ إذا كانت خبرًا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: «هذه الم» أو «هذا الم». ج) الوقف حسن إذا كانت منصوبة بفعل محذوف، مثل: «اقرأ الم». د) المواضع التي لا يجوز الوقف فيها: ١. إذا قُدّر حرف قسم، فتكون جملة ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (البقرة / ٢) جواب القسم، وكأن الكلام هكذا: أقسم بهذه الحروف، يا محمد، إن هذا الكتاب هو الكتاب الذي وُعد به الأنبياء من قبلك. فإذا قبلنا بوجود حرف قسم مقدر هنا، فإن الحروف المقطعة تتعلق بما بعدها ولا تنفصل عنه، لأن كل قسم له جواب قسم، وجواب القسم يأتي بعده مباشرة. وفي نهاية هذا الاحتمال، يقول الأشموني إن القسم يحتاج إلى «أدوات قسم» غير موجودة هنا، فيرد هذا الاحتمال نوعًا ما. ٢. إذا كانت مبتدأ و«ذلك» خبرها. ٣. إذا كانت «ذلك» مبتدأ ثانيًا و«الكتاب» خبره، والجملة بأكملها خبر لـ«الم»، واسم الإشارة رابط. ولكن يرد على هذا إشكال، وهو تعدد الخبر، وكون أحد الأخبار جملة، وهذا الإشكال ليس صحيحًا. ثم يستشهد الفخر الرازي بآية ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ (طه / ٢٠) ويرد الإشكال.
ثم يضيف أنه إذا كانت «تسعى» خبرًا، فلا يرد الإشكال، أما إذا كانت «تسعى» صفة، فيرد الإشكال. وإذا اعتبرنا «الم» مبتدأ و«ذلك» مبتدأ ثانيًا و«الكتاب» بدلًا أو عطف بيان، فإن الوقف على «الكتاب» يكون «حسنًا». د. إذا كانت «ذلك» مبتدأ وخبره «لا ريب». هـ. إذا كانت «ذلك» مبتدأ و«الكتاب» و«لا ريب فيه» خبرين أول وثاني له. و. إذا كانت «لا ريب فيه» خبرًا للمبتدأ الثاني، ثم المبتدأ الثاني وخبره خبرًا للمبتدأ الأول. ثم يقول الأشموني: يُقال هذا في جميع الحروف المقطعة في أوائل السور، بناءً على القول بأن هذه الحروف معربة (الأشموني، منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، ١٤٢٢: ٢٩).
2. دراسة الرأيين المذكورين من منظور كتب إعراب القرآن المعتبرة
أولاً – رأي «الجدول» في الحروف المقطعة: يقول الصافي في «الجدول» عند آية «الم» في سورة البقرة: الحروف المقطعة لا محل لها من الإعراب وهي مبنية، وهذا القول هو الأصح والأسلم والأبعد عن التأويل (محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن الكريم، بيتا: ١/ ٣٢).
ثانياً – رأي «إعراب القرآن» في الحروف المقطعة: أما الدرويش في «إعراب القرآن» فيقول: «الم» كلمة يُراد لفظها لا معناها، وهي في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: «هذه الم» (درويش، إعراب القرآن الكريم وبيانه، بيتا: ١/ ٢٣). وهذا القول يدل على تمامية الوقف في هذه المواضع ويؤيد رأي مركز الطبع القائم على أولوية الوقف.
ثالثاً – رأي «إعراب القرآن للنحاس» في الحروف المقطعة: يقول النحاس عند الآية الأولى من سورة البقرة: رأي الخليل وسيبويه في الحروف المقطعة هو أن هذه الحروف كحروف الهجاء وهي مبنية (النحاس، إعراب القرآن، ١٤٢١: ذيل آية أول سورة بقره).
3. دراسة الرأيين المذكورين من منظور التفاسير
أولاً – رأي «مفاتيح الغيب» في الحروف المقطعة: يقول الفخر الرازي في «التفسير الكبير» عند الآية الأولى من سورة البقرة: حكم الحروف المقطعة، ما لم يدخل عليها «عامل»، هو أن تكون ساكنة وبلا إعراب، مثل أسماء الأعداد، فنقول: «ألف»، «لام»، «ميم»، كما نقول: «واحد»، «اثنان»، «ثلاثة». ولكن عندما يدخل عليها عامل، تُعرب «الحروف المقطعة»، فيُقال مثلًا: «هذه ألفٌ»، و«كتبت ألفًا»، و«نظرت إلى ألفٍ». النقطة التالية حول الحروف المقطعة هي أنها «معربة»، وإنما سُكّنت لعدم وجود عامل عليها. والدليل على أن سكون هذه الحروف للوقف لا لـ«البناء» – أي أنها ليست مبنية – هو أنه لو كانت هذه الحروف مبنية، مثل «كيف» و«أين» و«هؤلاء»، لكانت لها حركة في آخرها، لا أن تكون ساكنة الآخر مثل الحروف المقطعة (فخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠: ٢/ ٢٤٩). هذه الإشارة من الفخر الرازي تدل على أنه على الرغم من أن هذه الحروف معربة في نظره، إلا أن الوقف في هذه المواضع هو وقف تام.
ثانياً – رأي «الميزان» في الحروف المقطعة: يقول العلامة الطباطبائي عند الآيتين الأولى والثانية من سورة الشورى، وهما «حم» و«عسق»: لقد اختلف المفسرون في تفسير الحروف المقطعة. وبعد نقل الأقوال المختلفة في معنى الحروف المقطعة، يقول: الحق في شأن «الحروف المقطعة» أن أيًا من الاحتمالات المطروحة لا تقنع الإنسان (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، بيتا: ١٨/ ٦). ثم يقول العلامة في شأن الحروف المقطعة: النقطة التي لا ينبغي الغفلة عنها هنا هي أن هذه الحروف تكررت في عدة سور، أي أنها وردت في تسع وعشرين سورة، بعضها يُفتتح بحرف واحد، مثل سور «ص»، «ق»، و«ن»، وبعضها الآخر بحرفين مثل «طه»، «طس»، «يس»، و«حم»، وبعضها بثلاثة أحرف مثل «الم»، «الر»، و«طسم»، وبعضها بأربعة أحرف مثل «المص»، و«المر»، وبعضها بخمسة أحرف مثل سورة «كهيعص» و«حمعسق».
ومن جهة أخرى، تختلف هذه الحروف فيما بينها، فبعضها لم يأتِ إلا في موضع واحد، مثل «ن»، وبعضها الآخر جاء في بداية عدة سور، مثل «الم»، «الر»، «طس»، و«حم». بالنظر إلى هاتين النقطتين، إذا دققنا قليلًا في السور التي تشترك في الحروف المقطعة في بدايتها، مثل «الم»، «المر»، «طس»، و«حم»، سنجد أنها متشابهة من حيث المضمون وسياقها واحد، وهو تشابه لا يُرى في السور الأخرى. ويؤكد هذا المعنى التشابهُ الموجود في الآيات الأولى لمعظم هذه السور، فمثلًا في سور «حم»، الآية الأولى منها هي عبارة ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾؛ أو عبارة أخرى تؤدي هذا المعنى. ونظير ذلك الآيات الأولى من السور التي افتُتحت بـ«الر» حيث قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾، أو عبارة في نفس المعنى. وكذلك في السور التي تبدأ بـ«طس» أو السور التي تبدأ بـ«الم»، حيث يُذكر في معظمها عدم وجود «ريب» و«شك» في الكتاب، أو عبارة تؤدي هذا المعنى (المصدر نفسه، ٧ و٨). بالنظر إلى هذه التشابهات، يمكن للمرء أن يخمن وجود صلة خاصة بين هذه الحروف ومضامين السورة التي تبدأ بها. ويؤيد هذا التخمين أننا نرى سورة الأعراف التي تبدأ بـ«المص»، تجمع في مضمونها ما هو موجود في سور «الم» وسورة «ص». وكذلك نرى سورة الرعد التي تبدأ بـ«المر»، تجمع مضامين كلا قسمي السور «الم» و«المر». من هنا يُستفاد أن هذه الحروف هي رموز بين الله تعالى ونبيه، وأن معناها خفي عنا، وفهمنا العادي لا سبيل له إلى إدراكها، إلا بمقدار أن نخمن وجود صلة خاصة بين هذه الحروف والمضامين التي وردت في كل سورة. ولعل أهل التحقيق إذا دققوا في المشتركات بين هذه الحروف، وقارنوا بين مضامين السور التي جاءت بعض هذه الحروف في بدايتها، اكتشفوا المزيد من الرموز. ولعل معنى ذلك هو ما نقله أهل السنة عن الإمام علي (ع)، وهو ما نقله الطبرسي في مجمع البيان أن جنابه قال: «لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي» (المصدر نفسه، ٩؛ الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيتا: ١/ ١١٢).
ثالثاً – رأي «تفسير نمونه» في الحروف المقطعة: يقول آية الله مكارم الشيرازي في تفسير نمونه عند أول آية من سورة البقرة: هذه الحروف إشارة إلى أن هذا الكتاب السماوي، بعظمته وأهميته التي حيّرت جميع فصحاء العرب وغيرهم وأعجزت العلماء عن معارضته، هو من جنس هذه الحروف المتاحة للجميع. ورغم أن القرآن مركب من نفس حروف «الألف، الباء» والكلمات العادية، إلا أن كلماته موزونة ومعانيه عظيمة لدرجة أنها تنفذ إلى أعماق قلب الإنسان وروحه، وتملأ الروح إعجابًا وثناءً، وتجبر الأفكار والعقول على تعظيمه. جمله مرتبة، وكلماته في أسمى الدرجات، ويصب المعاني السامية في أجمل الألفاظ، فلا مثيل له ولا نظير (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ١/ ٦٢). نقطة أخرى تؤيد هذه النظرية في معنى الحروف المقطعة هي أنه في (٢٤) موضعًا من السور التي تبدأ بهذه الحروف، يأتي الحديث مباشرة عن القرآن وعظمته، وهذا يدل على وجود ارتباط خاص بين الحروف المقطعة وعظمة القرآن. ونورد هنا بعض الأمثلة: ١. ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود/١). ٢. ﴿طس ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (النمل/١). ٣. ﴿الم ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ (لقمان/١). ٤. ﴿المص ۚ كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ (الأعراف/١-٢). في كل هذه المواضع وغيرها من أوائل سور القرآن، بعد ذكر الحروف المقطعة، يأتي الحديث عن القرآن وعظمته (المصدر نفسه، ٦٣-٦٥).
التحليل والنقد
أولاً: يوجد اختلاف في الرأي بين علماء الوقف والابتداء حول نوع الوقف في موضع «الحروف المقطعة». فبعضهم يعتبر الوقف في هذا الموضع «وقفًا تامًا»، وآخرون «وقفًا كافيًا»، وبعضهم مثل السجاوندي يعتبره «جائزًا». وبالطبع، في بعض الآراء، يعتمد نوع الوقف على التركيب النحوي للحروف المقطعة. يبدو أنه بالنظر إلى أن اسم هذه الحروف يدل على أنها منفصلة، وأنها تحمل معنىً مستقلًا بذاتها، وقد اختلف المفسرون تمامًا في تفسيرها ولم يُذكر لها معنى قطعي ومؤكد، فإن الوقف في هذا الموضع هو وقف تام.
ثانياً: بين علماء إعراب القرآن أيضًا اختلاف في الرأي حول «الحروف المقطعة». فالصافي، خلافًا للدرويش الذي يعتبر هذه الحروف «معربة»، لا يرى لها محلًا من الإعراب ويقول إنها مبنية. وبالطبع، الدرويش أيضًا في إعرابه للقرآن صحيح، فهو يعتبر هذه الحروف معربة بناءً على تقدير «هذه الم»، وبهذا يعتبر الوقف في هذه المواضع وقفًا تامًا، وهذا يتوافق مع رأي مركز الطبع.
ثالثاً: يعتبر الفخر الرازي الحروف المقطعة معربة، كما ذُكر في رأيه. ولا يتنافى كون هذه الحروف معربة مع كون الوقف عليها تامًا، لأنه من وجهة نظر الفخر الرازي، عندما يدخل عامل على هذه الحروف، فإنها تقبل الإعراب، ولكنها الآن في القرآن الكريم معربة وساكنة لعدم دخول عامل عليها. إذن، موضع الوقف على هذه الحروف هو وقف تام.
رابعاً: بالنظر إلى رأي العلامة الطباطبائي حول الحروف المقطعة و«سبب» احتمال وجود «ارتباط خاص» بين هذه الحروف ومضامين السور التي وردت فيها، وأن ارتباط هذه الحروف بما بعدها ناظر إلى السورة بأكملها، كما هو الحال في تفسير نمونه حيث يرى هذا الارتباط ناظرًا إلى السورة بأكملها والقرآن كله، يبدو أن رأي مصحف مركز الطبع، الذي يمنح أولوية الوقف بعلامة «قلي» في هذا الموضع، هو الأصح والأرجح تفسيريًا. وذلك لأنه، كما يقول العلامة الطباطبائي، يوجد «ارتباط خاص» بين هذه الحروف ومضامين السور التي افتتحت بها، لا أن يكون الارتباط بين هذه الحروف والآية التي هي جزء منها فقط، وفي هذه الحالة يكون رأي المصحف الأميري، الذي يعتبر الوقف جائزًا بعلامة «ج»، هو الصحيح.
خامساً: يرى العلامة الطباطبائي في الميزان وجود ارتباط خاص بين هذه الحروف ومضامين سورها، مما يدل على نوع من التعلق المعنوي بين هذه الحروف وسورها. كما يرى مكارم الشيرازي في تفسير نمونه نوعًا من التعلق اللفظي الخاص بين هذه الحروف وسورها والقرآن كله. وصحيح أنه في «٢٤» موضعًا من السور التي تبدأ بهذه الحروف، يأتي الحديث مباشرة عن القرآن وعظمته، ولكن يجب الانتباه إلى أنه فقط في «١٠» مواضع تكون هذه الحروف «جزءًا من آية»، ويُبحث في موضع الوقف عليها. أما في سائر المواضع، فكل حرف من هذه الحروف يمثل آية مستقلة بذاته. وفي هذه الحالة، يكون رأي مصحف مركز الطبع والنشر، الذي يرى أولوية الوقف، هو الصحيح، لأن الوقف على نهايات الآيات له أولوية قطعًا، إذ إن أولى المواضع المعروفة للوقف هي فواصل الآيات، والوقف على نهاية كل آية سُنة وطريقة حسنة ومستحبة للنبي الأكرم ﷺ، وقد تم التأكيد عليها. وتمام الآية بنفسه يدل على كونه موضع وقف.
نُقل عن ابن كثير وأبي عمرو أنهما كانا يتعمدان الوقف على رؤوس الآي. يقول ابن الجزري في هذا الصدد: «وابن كثير روى عنه الإمام الصالح أبو الفضل الرازي أنه كان يراعي الوقف على رؤوس الآي مطلقًا وأبو عمرو فروينا عنه أنه كان يتعمد الوقف على رؤوس الآي ويقول هو أحب إليّ» (الجزري، النشر في القراءات العشر، بيتا: ١/ ٢٣٨).
سادساً: بناءً على ما سبق، يبدو أن رأي مركز الطبع والنشر، الذي يرى أولوية الوقف بعلامة «قلي» في موضع الوقف على الحروف المقطعة، هو الأصح.
النتيجة
بناءً على ما سبق من مطالب وتحليلات ودراسات، يمكن استخلاص النتائج التالية من هذا المقال:
١. بناءً على الدراسات التي أُجريت في كتب الوقف والابتداء وكتب إعراب القرآن، فإن الوقف في موضع الحروف المقطعة هو «وقف تام».
٢. كون الحروف المقطعة معربة لا يتنافى مع كون الوقف في هذه المواضع تامًا.
٣. بناءً على أن ارتباط الحروف المقطعة بما بعدها ناظر إلى السورة بأكملها، وليس فقط إلى الآية التي هي جزء منها، فإن رأي مصحف مركز الطبع، الذي يرى أولوية الوقف بعلامة «قلي» في هذه المواضع، هو الأصح، وبتعبير تفسيري، هو الأقرب إلى «الأرجح».
الهوامش
1. القرآن الكريم، ترجمة: ناصر مكارم الشيرازي، قم: دار القرآن الكريم (مكتب دراسات التاريخ والمعارف الإسلامية)، الطبعة الثانية، ١٣٧٣ هـ ش.
2. موقع مركز طبع ونشر القرآن الكريم www.moshaf.org.
3. ابن الجزري، محمد، النشر في القراءات العشر، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١٨ هـ.
4. الأشموني، أحمد بن عبد الكريم، منار الهدى في بيان الوقف والابتداء، بيروت: ١٤٢٢ هـ.
5. الأنصاري، زكريا، المقصد لتلخيص ما في المرشد، القاهرة: ١٣٠١ هـ.
6. الخليل الحصري، محمود، معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء، منشورات أسوة، ١٣٧٠ هـ ش.
7. الداني، أبو عمرو، المكتفى في الوقف والابتداء، بيروت: ١٤٠٧ هـ.
8. الدرويش، محيي الدين، إعراب القرآن الكريم وبيانه، دمشق – بيروت: دار ابن كثير، بدون تاريخ.
9. الزركشي، برهان الدين، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة، ١٤٠٨ هـ.
10. السجاوندي، محمد بن طيفور، علل الوقوف، مكتبة الرشد، الناشرون، بدون تاريخ.
11. السخاوي، علم الدين، جمال القراء وكمال الإقراء، مكة المكرمة: مكتبة التراث، بدون تاريخ.
12. شهيدي بور، محمدرضا، مباني وقف وابتداء، مركز بين المللي ترجمه ونشر المصطفى، ١٣٩٣ هـ ش.
13. الضباع، علي محمد، الإضاءة في بيان أصول القراءة، مصر: بدون ناشر، بدون تاريخ.
14. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، عربي، قم: دفتر انتشارات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في حوزة قم العلمية، بدون تاريخ.
15. الطبرسي، فضل ابن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بدون تاريخ.
16. فخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٢٠ هـ.
17. الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم: انتشارات هجرت، الطبعة الثانية، ١٤١٠ هـ.
18. الكاشاني، الفيض، تفسير الصافي، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بدون تاريخ.
19. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، بدون تاريخ.
20. محمود بن عبد الرحيم، الجدول في إعراب القرآن الكريم، دار النشر، بدون تاريخ.
21. مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، ١٣٧٤ هـ ش.
22. ناصر خسرو، علي بن محمد الجرجاني، التعريفات، طهران، ١٣٧٠ هـ ش.
23. النحاس، أحمد بن محمد، إعراب القرآن، منشورات محمد علي بيضون، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤٢١ هـ.