التقييم السندي وفقه الحديث لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»

ملخص

من المقولات التي يكثر استخدامها في مجال الأخلاق والعرفان، مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي». ووفقًا لمفاد هذه العبارة، فإن الشخص، في مقابل طاعة الله، يحصل على قدرة «كُن فَيَكُونُ» على غرار الخالق. وقد تناول هذا البحث بالمنهج التحليلي وباستخدام جداول تحليل المحتوى، التقييم السندي وفقه الحديث لمضمون هذه المقولة. وتشير النتائج إلى عدم العثور على أي طريق معتبر يُرجع هذا التعبير إلى أحد المعصومين (ع). كما أن وجود بعض العبارات مثل «فِي بَعْضِ الصُّحُفِ»، و«فِي بَعْضِ الْكُتُبِ»، و«قَالَ ذُو النُّونِ» يعزز فرضية أن هذه العبارة قد دخلت إلى التراث الروائي الشيعي من مصادر إسلامية غير أصيلة ذات مسحة صوفية وغلوّ. ومنذ القرن الثامن فصاعدًا، أصبحت الشخصية المتهمة بالغلو، مثل الحافظ رجب البرسي، هي الأكثر استشهادًا بهذه العبارة في الفترات اللاحقة. إضافة إلى ذلك، تكشف الملاحظات الفقهية الحديثية عن اضطراب في المتن، وتعارض مع آية «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، وكذلك تعارض مع الأدبيات التوحيدية وأحاديث أئمة أهل البيت (ع)، لا سيما في نفي أي شكل من أشكال المثلية والسنخية والمشابهة بين الباري تعالى وما سواه.

١. طرح المسألة

توجد مقولات كثيرة في المصادر الروائية قُبلت كأحاديث، ولكن بعد دراستها من حيث السند وفقه الحديث، اختلفت حالة قبولها وتغيرت في بعض الحالات (انظر: روشن ضمير و همكاران، ١٤٠٣ش؛ شريفي و همكاران، ١٤٠٣ش).

من بين التعابير التي استخدمت على نطاق واسع في مختلف النصوص الدينية مثل كتب الأخلاق والعرفان، مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»، التي يفيد معناها أن العبد إذا أطاع ربه، صار نظير معبوده، بحيث إذا أراد شيئًا، يكفي أن يقول له «كن» فيكون «كائنًا». ويبدو أن هناك أحاديث مثل: «الْعُبُودِيَّةُ جَوْهَرَةٌ كُنْهُهَا الرُّبُوبِيَّةُ» (جعفر بن محمد الصادق (ع)، ١٤٠٠ق، ٧) التي تعتبر جوهر العبودية هو نفسه الربوبية والسيادة (من حيث الفاعلية)، لها قرابة مفهومية مع عبارة «عَبْدِي أَطِعْنِي…». ومن ناحية أخرى، فإن آيات قرآنية مثل «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (الشورى: ١١) وجزء كبير من الروايات مثل: «لَا يَلِيقُ بِالَّذِي هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِكُلِّ شَيْءٍ مُتَعَالِيًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى» (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٣: ١٤٨) تتحدث عن التمايز والبينونة بين الله وما سواه. يبدو أن هناك نقطة تقابل، على الأقل من الناحية المفهومية، بين مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» وبعض آيات وروايات أئمة أهل البيت (ع)، بحيث أن محتوى العبارة يوجه نحو تعاليم التصوف والغلو. لهذا السبب، نتناول في هذا المقال الموضوعات التالية:

١- التقييم السندي لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي».

٢- دراسة فقه الحديث لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي».

وتجدر الإشارة إلى أنه بالنظر إلى مصادر البحث (كتب، رسائل، مقالات)، لم يُعثر على أي عمل يتناول التقييم السندي وفقه الحديث للمقولة المعنية.[1]

منهج البحث من حيث التنفيذ تحليلي، ومن حيث أداة جمع المعلومات مكتبي. في قسم دراسة سند المقولة، استُخدم جدول تحليل المحتوى، الذي يرتب النصوص تاريخيًا، لاستخراج المقولة من النصوص الروائية. وبعد الدراسة السندية، خضعت المقولة لتقييم فقه الحديث، وفي بعض الحالات استُخدم جدول تحليل المحتوى لدراسة النصوص. إن الوصول إلى أسس وتفسير ما هو إلا نتاج دراسة موضوعية وكمية ومنظمة للمحتويات الاتصالية (محتوى الرسالة الظاهرة)، وهو تعريف قدمه لورنس باردن لتحليل المحتوى (باردن، ١٣٧٥ش، ٢٥). لذلك، استُخدم جدول تحليل المحتوى في أجزاء من المقال.

٢. دراسة مفاهيم ومصطلحات البحث

١-٢. المثلية

عرّف الفراهيدي «المِثل» بأنه شبيه الشيء في «النموذج» و«المقدار» وحتى في «المعنى» (١٤١٠ق، ٨: ٢٢٨). ذكر ابن دريد معنى «المماثل» (النظير) والأزهري معنى «الشبه» (١٩٨٧م، ١: ٤٣٢؛ الأزهري، ١٤٢١ق، ١٥: ٧٠). أما الراغب الأصفهاني، فقد ذكر أقسام «المثلية» ومنها الند: وهو مجرد الاشتراك في الجوهر، والشبه: مجرد الاشتراك في الكيفية، والتساوي: مجرد الاشتراك في الكمية، والشكل: مجرد الاشتراك في المقدار والمساحة، ويوضح أن «المِثل» من وجهة نظره لفظ عام يشمل جميع الأقسام المذكورة، ولهذا السبب نفى الله في آية «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (الشورى: ١١) جميع المشابهات والمثليات (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢ق، ٧٥٩). ويرى ابن منظور أنه إذا قيل «مثل» مطلقًا، فإنه يعني إمكانية استبدال شيء بآخر، أما إذا قُيّد بقيد، فإنه يعني أنهما متساويان في تلك السمة فقط (١٤١٤ق، ١١: ٦١٠). في الأدبيات العرفانية، مفهوم المثلية جدير بالتأمل. فالجامي، الشاعر والصوفي من القرن التاسع، اعتبر المثلية هي نفسها «العينية»: «المثلية تقتضي المغايرة والاثنينية ولا غير في الوجود؛ قال [الله] تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ولأن كل شيء عينه فأين المثلية سبحانه من خلق الأشياء وهو عينها» (جامي، ١٣٨٣ش، ٦٨). واختار علي سعادت برور، من العرفاء المعاصرين، «نموذج نفسه» لمعنى «المثل» (سعادت برور، ١٣٨٢ش، ٧: ١٩٥).

٢-٢. كن فيكون

لتوضيح ماهية «كُن فَيَكُونُ»، نبدأ بمفهوم «الخلق». يعرف الأزهري عن ابن الأنباري «الخلق» بقوله: «الْخَلْقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْإِنْشَاءُ عَلَى مِثَالٍ أَبْدَعَهُ، وَالْآخَرُ: التَّقْدِيرُ» (الأزهري، ١٤٢١ق، ٧: ١٦)؛ أي الإنشاء على نموذج مبتكر، والتقدير. في الاصطلاح، إذا كان إيجاد وخلق شيء يعتمد على مادة أخرى، يُطلق عليه مصطلح «الخلق»: «إيجاد شيء من شيء آخر بناءً على قانون العلة والمعلول ووفقًا لقانون الطبيعة، في زمان ومكان» (رضوي، ١٣٨٧ش، ٢٢). في القرآن نقرأ: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (الأنبياء: ٣٠). هذا النوع من الصنع يجري في مصنوعات الإنسان أيضًا؛ على سبيل المثال، يستخدم النجار الخشب كـ«مادة أولية» لصنع طاولة خشبية. بعبارة أخرى، الخشب تحت عنوان «مادة» يساعد النجار في صنع الطاولة، حيث إن هذه الفاعلية (الخلق) تتطلب «محلًا» يقبل فعله؛ وهنا، المحل الذي يساعد الفاعل ليخلق شيئًا «من» باطنه هو المادة الخشبية نفسها، التي بدونها لا يمكن إيجاد وخلق الطاولة.

أما في «كُن فَيَكُونُ» أو «صُنْعُ الشَّيْءِ لَا مِنْ شَيْءٍ»، فلا حاجة لـ«مادة أولية» لخلق الشيء، بحيث في الأمر الإلهي، لا يحتاج الله إلى مادة أولية (خميرة) لخلق الأشياء. بعبارة أخرى، «كن فيكون» لا يتطلب محلًا يساعد الفاعل (الله) ليخلق شيئًا «من» باطنه، لأن «من» ليست موجودة في الأساس، ولهذا السبب يمكن ويجب الإقرار بأن هذا الفاعل لا يحتاج في فاعليته إلى أي «مادة» تساعده (فرشادنيا، ١٤٠٢ش، ٥٧).

لهذا السبب، عندما يُطرح في القرآن كيفية خلق عيسى (ع)، نلاحظ أن أذهان السائلين تتجه نحو آلية «الخلق» أو إيجاد شيء من شيء، وهذه المسألة في الواقع هي مسألة «الولادة»، أو «الزواج»، أو بالتعبير الفلسفي «الصدور». حيث إن في «الولادة» و«الصدور» يتم التأكيد على مفهوم «خروج شيء من شيء» (انظر: شكر و همكاران، ١٤٠٠ش، ٢٥٨). بالطبع، الأمر والخلق الإلهي متوافقان ومتلازمان. ففيما يتعلق بخلق عيسى (ع)، يقول القرآن: «إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» (آل عمران: ٥٩). يُفهم من الآية أن الخلق والأمر الإلهي في خلق عيسى (ع) كانا متزامنين. عبارة «خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ» تدل على «صُنْعُ الشَّيْءِ مِنْ شَيْءٍ»، وعبارة «ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ» تدل على «صُنْعُ الشَّيْءِ لَا مِنْ شَيْءٍ» (ملكشاهي صفت و همكاران، ١٣٩٧ش، ١: ١٢٢).

يعتقد مؤلف تفسير الميزان، الذي يؤمن بأصالة الوجود ونظرية الصدور، فيما يتعلق بـ«الأمر» و«الخلق»، أن «الخلق» هو إيجاد شيء استُخدم في خلقه التقدير والتأليف، سواء كان ذلك بضم شيء إلى آخر كضم أجزاء النطفة إلى بعضها البعض أو ضم النطفة المادية إلى النطفة الذكرية ثم ضم المواد الغذائية إليها وآلاف الشروط التي تتدخل في نشأة وخلق إنسان أو حيوان، أو بطريقة أخرى لا تشبه ضم جزء إلى جزء، مثل تقدير ذات الموجود البسيط وتعيين حده الوجودي وآثاره وعلاقاته مع الموجودات الأخرى. وقد عرّف «الأمر» بأنه الإيجاد نفسه ولكن بشكل «غير تدريجي» (انظر: الطباطبائي، ١٣٧٢ش، ٨: ١٥١).

إن تفسير تعبير «الخلق» بخلق «من شيء» وتعبير «الأمر» بخلق «لا من شيء» هو أحد تفاسير هذه الآية، وهناك تفاسير أخرى لها. من الجدير بالذكر، كدفع للإشكال، أن «الخلق» في بعض الحالات يُطلق أيضًا على «صنع الشيء لا من شيء»: «وَاللَّهُ لَا مِنْ شَيْءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٣٥). ولكن بشكل عام، حيثما يُطرح مصطلح «الخلق»، يكون المراد هو «صنع الشيء من شيء». لذا، يمكن اعتبار «الخلق» مصطلحًا عامًا. وبناءً على ذلك، فإن الخلق (صنع الشيء من شيء) بالإضافة إلى الله، يمكن أن يقوم به البشر أيضًا، حيث إن الإنسان يخلق العديد من الظواهر من مواد أولية، مثل: الكعك، الطاولة، الكرسي، الشعر.[2]

٣. التقييم السندي لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»

في هذا القسم، سنبدأ باستخراج مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» من مصادر مختلفة، وفي القسم الثاني، سنتناول دراسة وتقييم بعض المصادر التي وردت فيها هذه المقولة.

١-٣. دراسة مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» في المصادر المتقدمة والمتأخرة

من خلال البحث في المصادر الروائية المختلفة، فإن أقدم مصدر وردت فيه مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» يعود إلى القرن الرابع الهجري. ولتوضيح هذه المقولة بدقة عبر الزمن وكذلك لدراسة العبارة بشكل دقيق، سنستفيد من جدول تحليل المحتوى التالي.

جدول ١: دراسة مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» في الآثار المتقدمة والمتأخرة

١. يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَبْدِي إِنِّي مَلِكٌ لَا أَزُولُ، فَأَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ بِهِ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ حَتَّى أَجْعَلَكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ، عَبْدِي أَنَا الَّذِي إِذَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: السمرقندي، ١٤٢١ق، ٣٧١

٢. وَقَالَ ذو النون رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ عبدى أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ وَلَا تَسْأَلْنِي حَاجَتِكَ.
المصدر: الخرگوشي، ١٤٢٧ق، ٤٨٧

٣. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا بْنَ آدَمَ اِعْمَلْ كَمَا أَمَرْتُكَ وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ أَجْعَلْكَ حَيّاً لاَ تَمُوتُ أَبَداً وَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَبَداً وَ إِذَا قُلْتَ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: الغزالي، ١٤١٦ق، ٥٦٩

٤. يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ لِلْبَقَاءِ وَ أَنَا حَيٌّ لا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ وَ انْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ اجْعَلْكَ مِثْلِي حَيّاً لَا يَمُوتُ.
المصدر: السهروردي، ١٣٧٥ش، ٣: ٣٩١

٥. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي: أنَا حَيٌّ لا أموتُ، أَجْعَلُكَ حياً لا تَموتُ. انَا مَهمَا أَشَأُ أَكُنْ اجْعَلْكَ، مَهْمَا تَشَأْ تَكُنْ.
المصدر: الطوسي، ١٣٧٧ش، ٦٦

٦. أَطِعْنِي أَجْعَلُكَ مِثْلِي وَ لَيْسَ كَمِثْلِي.
المصدر: الشبستري، ١٣٨٢ش، ٤٨

٧. يؤيد هذا ما وَرَدَ في الحديث القدسي عن الرب العلي أنه يقول: عبدى أطعنى أجْعَلْكَ مِثْلِي: أنَا حَيٌّ لا أَمَوتُ، أَجْعَلُكَ حَيّاً لا تموتُ. أَنَا غَنِيٌّ لا أفْتَقِرُ، أَجْعَلُكَ غَنيّاً لا تَفْتَقِرُ؛ أَنَا مَهمَا أَشَاءُ يَكُنُ، أَجْعَلُكَ مَهْمَا تَشَاءُ يَكُنُ.
المصدر: البرسي، بي تا، ١٠٤

٨. وَرُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: الديلمي، ١٤١٢ق، ١: ٧٥

٩. وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا غَنِيٌّ لَا أَفْتَقِرُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ غَنِيًّا لَا تَفْتَقِرُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ – أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِشَيْءٍ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: ابن فهد الحلي، ١٤٠٧ق، ٣١٠

١٠. وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ص إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً أَطَاعُوا اللَّهَ فَأَطَاعَهُمْ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ بِأَمْرِهِ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: النباطي، ١٣٨٤ق، ١: ١٦٩

١١. يَا عَبْدِي أَحْبِبْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي، وَ لَيْسَ كَمِثْلِي شَيْءٌ.
المصدر: الآملي، ١٤٢٦ق، ٢٠٤

١٢. يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا اللَّهُ حَيٌّ لَا يَمُوتُ أَنْ أَطَعْتَنِي وَ قَبِلْتَ وَصِيَّتِي جَعَلْتُكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا اللَّهُ أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: إخوان الصفا، ١٤١٢ق، ١: ١٥٨

١٣. وَرَدَ في بعض الصُّحُفِ المنزلة مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ سُبْحانَهُ يَا بْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ لِلْبَقَاءِ وَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ وَ انْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ أَجْعَلْكَ مِثْلِي حَيًّا لَا تَمُوتُ.
المصدر: صدر الدين الشيرازي، ١٩٨١م، ٦: ٩

١٤. (به نقل از برسي): عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي: أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ، أَجْعَلْكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ. أَنَا غَنِيٌّ لَا أَفْتَقِرُ، أَجْعَلْكَ غَنِيًّا لَا تَفْتَقِرُ؛ أَنَا مَهْمَا أَشَاءُ يَكُنُ، أَجْعَلْكَ مَهْمَا تَشَاءُ يَكُنُ.
المصدر: الحر العاملي، الجواهر السنية، ٢٨٤

١٥. وَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا غَنِيٌّ لَا أَفْتَقِرُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ غَنِيًّا لَا تَفْتَقِرُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ – أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِشَيْءٍ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: المجلسي، ١٤٠٣ق، ٩٣: ٣٧٦

١٦. قَالَ الشَّيْخُ رَجَبٌ الْحِلِّيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ: مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ الْقُدْسِيَّاتِ يَقُولُ الرَّبُّ: عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي وَلَا مِثْلَ لِي، أَيْ أُلْبِسُكَ صِفَاتِي وَأُنْطِقُكَ بِكَلِمَاتِي وَأُظْهِرُ فِيكَ آيَاتِي إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً أَطَاعُوهُ فِي مَا أَرَادَ فَأَطَاعَهُمْ فِي مَا أَرَادُوا يَقُولُونَ لِشَيْءٍ كُنْ فَيَكُونُ.
المصدر: التركماني القمي، بي تا، ٢٧٣

١٧. كَمَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مَنْ قَالَ: عَبْدِي أَطِعْنِي تَكُنْ مِثْلِي أَوْ مَثَلِي.
المصدر: النراقي، ١٤١٥ق، ٦

١٨. أَطِعْنِي أَجْعَلُكَ مِثْلِي وَ لَيْسَ كَمِثْلِي.
المصدر: حسيني الطهراني، ١٤٢٦ق، ١: ٢٧٩

بالنظر إلى المصادر المختلفة، فإن أقدم كتاب أشار إلى مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» هو تنبيه الغافلين للسمرقندي (ت ٣٧٣ هـ)، وهو فقيه ومفسر صوفي حنفي من أهل السنة. كذلك، بعد السمرقندي وفي جميع القرون التالية، وردت هذه المقولة في مصادر مختلفة، خاصة في الأعمال الأخلاقية والعرفانية، والقاسم المشترك بينها جميعًا هو عدم وجود سند محدد لهذه العبارة.

٢-٣. دراسة ناقلي عبارة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» وآثارهم

في هذا القسم، سنتناول بإيجاز دراسة آثار وأشخاص ناقلي مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي». كما لوحظ، في جميع المصادر التي وردت فيها عبارة «عبدي أطعني أجعلك مثلي»، لم يُذكر أي سند، وبدأت المقولات بكلمات مثل «يُقَالُ»، و«رُوِيَ»، و«كما ورد»، وعدم ذكر حتى راوٍ واحد يجعلها ضمن فئة الروايات المرسلة (رباني، ١٣٨٩ش، ٢٣). ووجود عبارة «بَعْضِ كُتُبِهِ» جدير بالتأمل أيضًا. على سبيل المثال، في كتاب إرشاد القلوب للديلمي، بعد دراسة أُجريت، بالإضافة إلى مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»، وردت ٨ أحاديث قدسية أخرى دون أي مصدر، وفقط بناءً على عبارة مثل «يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»، بحيث يكون فاعل فعل «يقول» ومرجع الضمير «هاء» في كلمة «كتبه» هو الله تعالى، والمقصود بها الكتب السماوية. لدراسة دقيقة للعبارات، يمكن الرجوع إلى جدول تحليل المحتوى التالي.

جدول ٢: دراسة متن مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» في إرشاد القلوب للديلمي

١. فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي لَا أَجْمَعُ لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ بَيْنَ خَوْفَيْنِ وَ أَمْنَيْنِ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الْآخِرَةِ وَ إِذَا أَمِنَنِي أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. (الديلمي، ١٤١٢ق، ١: ١١)
العبارة المرجعية: «أَنْزَلَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

٢. وَ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ. (نفسه، ٧٥)
العبارة المرجعية: «رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

٣. وَ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَهْلُ ذِكْرِي فِي ضِيَافَتِي وَ أَهْلُ طَاعَتِي فِي نِعْمَتِي وَ أَهْلُ شُكْرِي فِي زِيَارَتِي وَ أَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُويِسُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي إِنْ تَابُوا فَأَنَا أُحِبُّهُمْ وَ إِنْ مَرِضُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ أُدَاوِيهِمْ بِالْمِحَنِ وَ الْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَايِبِ. (نفسه، ٨٢)
العبارة المرجعية: «قَالَ سُبْحَانَهُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

٤. وَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي عِنْدَ غَضَبِكَ أَذْكُرْكَ عِنْدَ غَضَبِي فَلَا أَمْحَقْكَ مَعَ مَنْ أَمْحَقُهُ. (نفسه، ١١٧)
العبارة المرجعية: «وَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُنْزَلَةِ»

٥. وَ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ الْحَاسِدُ عَدُوٌّ نِعْمَتِي وَ الْحَسَدُ يَيْبَسُ فِي الْحَاسِدِ قَبْلَ الْمَحْسُودِ. (نفسه، ١٢٩)
العبارة المرجعية: «وَ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

٦. فَإِنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ إِذَا شَغَلَ عَبْدِي ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِيَ السَّائِلِينَ. (نفسه، ١٥١)
العبارة المرجعية: «يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

٧. وَ قَالَ تَعَالَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أُفٍّ لَكُمْ لَمْ أُغْنِ الْغَنِيَّ لِكَرَامَتِهِ عَلَيَّ وَ لَمْ أُفْقِرِ الْفَقِيرَ لِهَوَانِهِ عَلَيَّ وَ إِنَّمَا ابْتَلَيْتُ الْأَغْنِيَاءَ بِالْفُقَرَاءِ وَ لَوْ لَا الْفُقَرَاءُ لَمْ يَسْتَوْجِبِ الْأَغْنِيَاءُ الْجَنَّةَ. (نفسه، ١٥٨)
العبارة المرجعية: «قَالَ تَعَالَى فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

٨. وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ عَبْدِي أَمِنَ الْجَمِيلِ أَنْ تُنَاجِيَنِي وَ أَنْتَ تَلْتَفِتُ يَمِينًا وَ شِمَالًا وَ يُكَلِّمُكَ عَبْدٌ مِثْلُكَ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَ تَدَعُنِي وَ نَرَى مِنْ أَدَبِكَ إِذَا كُنْتَ تُحَدِّثُ أَخًا لَكَ لَا تَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ فَتُعْطِيهِ مِنَ الْأَدَبِ مَا لَا تُعْطِينِي فَبِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ كَذَلِكَ. (نفسه، ١٦٠-١٦١)
العبارة المرجعية: «قَدْ رُوِيَ أَنَّ اللَّهَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ»

كما هو ملاحظ، فإن الديلمي بالإضافة إلى مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» يذكر بعض الأحاديث القدسية دون سند، ومن هذا المنطلق، ووفقًا لبعض الأبحاث، فإن معياره هو الشهرة الروائية في جمع الأحاديث، ولذلك يُعتبر كتابه من كتب الدرجة الثالثة عند الشيعة (حسيني نيا ومحمودي، ١٤٠٢ش، ٤٤٥).

كما أن دراسة أحوال أصحاب المصادر الذين نقلوا هذه المقولة ستكون مفيدة، خاصة شخصية الحافظ رجب البرسي لدوره الهام في نشر هذا الخبر في القرون التالية، لدرجة أن الشيخ الحر العاملي في كتاب أمل الآمل أشار إلى أن رجب البرسي شخصية متطرفة وربما من الغلاة (الحر العاملي، أمل الآمل، ٢: ١١٧)، كما اعتبر العلامة المجلسي بعض الروايات والأحاديث الموجودة في آثار البرسي مثل مشارق الأنوار بأنها تحتوي على مواضيع توهم بالخطأ وتخلط بين الصحيح والسقيم وتحمل طابع الغلو (المجلسي، ١٤٠٣ق، ١: ١٠). كما أن آراء العلماء والمفكرين المتأخرين تجاه البرسي ليست خالية من الشبهات، لدرجة أن السيد محسن الأمين في أعيان الشيعة نسب إليه الغلو والتعاليم الضارة في آثاره (الأمين، ١٤٠٣ق، ٦: ٤٦٦)، وكذلك هاشم معروف الحسني صاحب كتاب الموضوعات في الآثار والأخبار أشار إلى زيف مئات الأحاديث في مشارق الأنوار (معروف الحسني، ١٩٧٣م، ٢٩٣). وبالطبع، لم يظهر رجب البرسي لمحة من الغلو في هذه المقولة فحسب، بل في بعض أشعاره حول أهل البيت (ع) أيضًا، يوجد طابع غلو، لدرجة أن بعض المصادر أشارت إلى أن رجب البرسي في شعره قلّد ابن الفارض، أحد أكبر شعراء العرب ومؤلف الشعر «الصوفي» في الأدب العربي (مركز دائرة المعارف بزرگ إسلامي، بي تا، ٤: ١٥٨١).[3]

لذلك، سواء في المقولات الحديثية أو في بعض أشعار الحافظ رجب البرسي، تظهر لمحات من تعاليم الغلو، ولهذا السبب، أشار علماء بارزون إلى هذه المسألة (الحر العاملي، أمل الآمل، ٢: ١١٧؛ المجلسي، ١٤٠٣ق، ١: ١٠؛ الأمين، ١٤٠٣ق، ٦: ٤٦٦). ومن هذا المنطلق، يبدو أن الحافظ رجب البرسي كان لديه اعتماد وتقليد لبعض الكتب العرفانية مثل ابن الفارض فيما يتعلق ببعض التعاليم الدينية، وبهذا يمكن اعتباره من الذين كان لهم دور كبير في إدخال بعض التعاليم الصوفية والعرفانية إلى التراث الروائي في القرون التالية (الطباطبائي، ١٣٨٨ش، ٢: ١٦٥). لدرجة أن بعض الروايات التي تفرد بها رجب البرسي نُقلت عن طريق شخصيات مثل السيد حيدر الآملي في جامع الأسرار، ومنها عبارة «أنا النقطة التي تحت الباء» (انظر: خدایاری، ١٣٨٢ش، ٧٧).

بناءً على ذلك، لا يوجد أي طريق معتبر (حتى لو كان سندًا ضعيفًا) لتأييد عبارة «عبدي أطعني أجعلك مثلي» ونسبتها إلى أحد المعصومين (ع)، على الرغم من أن النباطي نقل المقولة عن النبي (ص). ومن ناحية أخرى، وجود تعابير مثل: «في بعض كتبه»، و«في بعض الكتب»، و«قال ذو النون» (من كبار صوفية مصر) يعزز احتمال أن يكون أصل المقولة مأخوذًا من آثار إسلامية غير أصيلة. دليل آخر هو إشارة السيد محمد حسيني الطهراني في كتاب «الله شناسي» حيث، ضمن استخدامه للتعبير المدروس، أشار إلى نقل عن كعب الأحبار يختلف من حيث الألفاظ (انظر: حسيني الطهراني، ١٤٢٦ق، ٢: ٨٦)، وهناك أدلة قوية وشواهد كثيرة تشير إلى دور كعب في تلويث الثقافة الإسلامية من خلال الروايات الإسرائيلية وأكاذيبه بين المسلمين (الذهبي، ١٤٠٣ق، ٩٥). في ما يلي، سنقدم ملاحظات فقه الحديث حول عبارة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي».

٤. دراسة فقه الحديث لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»

فقه الحديث، كعلم، بالإضافة إلى شرح مفردات الحديث، يسعى إلى فهم المعنى الصحيح والعميق واستنباط معانٍ جديدة من الروايات، ويبحث في مسائل مثل المطلق، والمقيد، والعام، والخاص، ووجود المعارض للحديث (مدیر شانه چي، ١٣٧٧ش، ٢). في ما يلي، نقدم بإيجاز ملاحظات فقه الحديث.

١-٤. الاضطراب في متن مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»

في الاصطلاح، يُطلق على الحديث المضطرب ما نُقل بأشكال مختلفة، ولا يترجح أي منها على الآخر (مسعودي، ١٣٨٩ش، ٩٠). على سبيل المثال، في بعض المصادر، بدأت المقولة بتعبير «عبدي» (السمرقندي، ١٤٢١ق، ٣٧١؛ الخرگوشي، ١٤٢٧ق، ٤٨٧)، وفي بعضها بـ«يا ابن آدم» (الغزالي، ١٤١٦ق، ٥٦٩؛ السهروردي، ١٣٧٥ش، ٣: ٣٩١). مثال آخر هو تركيب «كُنْ فَيَكُونُ» الذي لم يُشر إليه في بعض الروايات. على سبيل المثال، وفي جدول تحليل المحتوى أدناه، قورنت روايتا الغزالي والسهروردي.

جدول ٣: مقارنة روايتي الغزالي والسهروردي بخصوص مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي»

مجموعة رسائل الإمام الغزالي: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا بْنَ آدَمَ اعْمَلْ كَمَا أَمَرْتُكَ وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ أَجْعَلْكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ أَبَدًا وَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَبَدًا وَ إِذَا قُلْتَ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ» (ص ٥٦٩).
الاشتراك: أجعلك حيًا لا تموت.
الاختلاف: كن فيكون.

رسائل شيخ الإشراق: «يَا ابْنَ آدَمَ خَلَقْتُكَ لِلْبَقَاءِ وَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ وَ انْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ اجْعَلْكَ مِثْلِي حَيًّا لَا يَمُوتُ» (٣: ٣٩١).
الاشتراك: أجعلك حيًا لا تموت.
الاختلاف: –

وجه امتياز الغزالي على السهروردي في رواية الحديث هو عبارة «وَ إِذَا قُلْتَ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ» التي تشير إلى «الأمر الإلهي» أي «صنع الشيء لا من شيء»، ولهذا السبب، نلاحظ أنه في النص المختار من رسائل شيخ الإشراق، كما في بعض المصادر الأخرى (انظر: الخرگوشي، ١٤٢٧ق، ٤٨٧؛ الآملي، ١٤٢٦ق، ٢٠٤؛ النراقي، ١٤١٥ق، ٦)، لا توجد إشارة إلى «كن فيكون». كذلك، في رواية السيد حيدر الآملي، على عكس كثير من الروايات التي استخدمت فعل الأمر «أطعني»، استُخدم فعل «أحببني» (الآملي، ١٤٢٦ق، ٢٠٤).

على الرغم من أن في بعض الروايات استُخدمت أفعال مثل «اعمل» و«انته» (انظر: الغزالي، ١٤١٦ق، ٥٦٩؛ السهروردي، ١٣٧٥ش، ٣: ٣٩١)، فإنه في رواية النباطي لا يوجد أي فعل مثل «أطعني» و«اعمل» في نص العبارة، وفقط أُشير إلى وجود مثل هذه العبارة: «إِنَّ لِلَّهِ عِبَاداً أَطَاعُوا اللَّهَ فَأَطَاعَهُمْ يَقُولُونَ لِلشَّيْءِ بِأَمْرِهِ كُنْ فَيَكُونُ» (النباطي، ١٣٨٤ق، ١: ١٦٩). تظهر الدراسات أن الروايات من تعبير «عَبْدِي أَطِعْنِي…» تتسم بالاضطراب لدرجة أنه يمكن اعتباره نصًا مضطربًا.

٢-٤. التعارض مع الآية القرآنية «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»

في القرآن، أُشير إلى تباين الباري تعالى مع ما سواه: «فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (الشورى: ١١). تجدر الإشارة إلى أن مدلول عبارة «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» مع توالي لفظي «الكاف» و«المثل» هو محل اختلاف المفسرين والأدباء. اعتبر ابن قتيبة الدينوري كلمة «مثل» على أساس استخدام العرب في مقام «النفس» (ابن قتيبة، ١٣٩٨ق، ٣٩١). ويرى مفسرون مثل الزمخشري أن «مثل» هو نفسه «الذات» (الزمخشري، ١٤٠٧ق، ٤: ٢١٢). ومع ذلك، اعتبر البعض استخدام «الكاف» و«المثل» في الآية للتأكيد (انظر: الطبري، ١٤١٢ق، ٢٥: ٨).

بناءً على نتائج البحث في الدراسة الأدبية والتفسيرية لآية «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، فإن «الكاف» و«المثل» في الآية ليستا زائدتين بأي حال، حيث إن لفظ «الكاف» يتولى نفي التشبيه من بعض الصفات، ولفظ «المثل» يتولى نفي التشبيه من ذات الحق تعالى (دهقان باغي، ١٣٩٩ش، ٤٩). بناءً على هذا البيان الموجز، يُلاحظ تعارض بين مضمون الآية ومقولة «… تَكُونُ مِثْلِي»، خاصة مع الأخذ في الاعتبار تحليل معنى «المثلية».

٣-٤. التعارض مع الأدبيات التوحيدية للمعصومين (ع)

مضمون عبارة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» يتعارض بشكل ما مع بعض روايات أهل البيت (ع) أيضًا. على سبيل المثال، في كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، في باب «التوحيد ونفي التشبيه»، الرواية الأولى هي خطبة لأمير المؤمنين علي (ع) جاء فيها: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ؛ لِأَنَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ مِنْ إِحْدَاثِ بَدِيعٍ لَمْ يَكُنِ. الَّذِي لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكًا، وَلَمْ يُولَدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثًا هَالِكًا، وَلَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ الْأَوْهَامُ فَتُقَدِّرَهُ شَبَحًا مَائِلًا [مُمَاثِلًا]… الَّذِي نَأَى مِنَ الْخَلْقِ فَلَا شَيْءَ كَمِثْلِهِ» (الصدوق، ١٣٩٨ق، ٣١). نفى الإمام في هذه الخطبة المثلية بين الخالق والمخلوق مرتين على الأقل. بحيث في الجزء الأول من الخطبة، فإن عدم المثلية هذا بين الباري تعالى وما سواه هو بسبب إبداع «كُنْ فَيَكُونُ» للأشياء بواسطة الله، مع هذا التوضيح أن في الخلق القائم على فاعلية أمرية (كن فيكون) لا حاجة لمادة أولية، والشيء المخلوق على أساس «كن فيكون» لا سنخية ولا مثلية له مع خالقه. كما قال الإمام في خطبة الغدير: «الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إِذْ كَانَ الشَّيْءُ مِنْ مَشِيَّتِهِ فَكَانَ لَا يُشْبِهُهُ مُكَوِّنُهُ» (الطوسي، ١٤١١ق، ٧٥٣).

لقد نفى الإمام في هذا الجزء من الخطبة «المثلية» بين الله والمخلوقات لهذا السبب، وهو أن ما سوى الله يُخلق بإرادة ومشيئة الباري تعالى، ولهذا السبب لا يمكن أن تكون هناك أي سنخية أو مثلية بينه وبين ما سواه. في رواية عن الإمام الصادق (ع) نقلها زرارة بن أعين، جاء فيها: «إِنَّ اللَّهَ خِلْوٌ مِنْ خَلْقِهِ وَ خَلْقُهُ خِلْوٌ مِنْهُ وَ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ فَهُوَ مَخْلُوقٌ وَ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ تَبَارَكَ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ – وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٨٣)، حيث أُشير إلى البينونة ونفي المثلية بين الخالق والمخلوق. وفي دعاء الافتتاح المنقول عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) نقرأ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا مُضَادَّ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا مُنَازِعَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي خَلْقِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا دَافِعَ لِقَضَائِهِ، لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ وَلَا نِدٌّ وَلَا عِدْلٌ وَلَا شَبِيهٌ وَلَا مِثْلٌ…» (ابن طاووس، ١٤١٥ق، ١٨٢).

كذلك في دعاء نسبه ابن طاووس إلى النبي الأكرم (ص)، جاء فيه: «وَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ – لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (ابن طاووس، ١٤١١ق، ٨٦)، حيث في هذا المقطع من الدعاء، جاء عدم وجود سنخية ومثلية لله مع أي شيء آخر، إلى جانب الفاعلية الخلقية والأمرية (كن فيكون) لله، بحيث بنفي المثلية والمشابهة، طرح فاعلية الله الأمرية أو بعبارة أخرى «كن فيكون». بناءً على ذلك، في الأدبيات التوحيدية لأئمة أهل البيت (ع)، في مسألة معرفة الله، يُستنبط تباين ثنائي الاتجاه بين الخالق والمخلوق، لدرجة أن الإمام الصادق (ع) صرح: «لَا يَلِيقُ بِالَّذِي هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَايِنًا لِكُلِّ شَيْءٍ مُتَعَالِيًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى» (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٣: ١٤٨)؛ لا يليق بخالق كل شيء إلا أن يكون مخالفًا لكل شيء ومتعاليًا عن وجود كل الأشياء.

ما يُلاحظ في أحاديث وأدبيات المعصومين (ع) هو نفي «المثلية» و«السنخية» و«المشابهة» عن الباري تعالى، حيث إن «المثل» و«المِثلية» في الأدبيات العرفانية هما بمعنى «نموذجه» (سعادت پرور، ١٣٨٢ش، ٧: ١٩٥)، وهو معنى يُنفى بشدة في الأدبيات التوحيدية لأئمة أهل البيت (ع).

٤-٤. التعارض مع مفاد أحاديث (كن فيكون خاصة بالباري تعالى)

يقول الإمام علي (ع) في رواية مستندة إلى بداهة العقل: «كُلُّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ، وَاللَّهُ لَا مِنْ شَيْءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٣٥)؛ أي بحكم العقل، يجب أن نقبل أن فاعلية الفاعل لا تخرج عن حالتين؛ إما أن الفاعل «يخلق شيئًا من شيء»، أو أن الفاعل والصانع يستطيع «إيجاد شيء دون أي شيء آخر سابق له»؛ النوع الأول هو «صنع الشيء من شيء» والنوع الثاني هو «صنع الشيء لا من شيء». من ناحية أخرى، فإن فاعلية النوع الثاني «صنع الشيء لا من شيء»، حصرية ومختصة بالله، وما سوى الله يمتلك فقط فاعلية وصانعية النوع الأول «صنع الشيء من شيء». تجدر الإشارة إلى أن الله يمتلك كلتا الفاعليتين، لكن النوع الثاني يختص به وحده.

في رواية عن الإمام الرضا (ع)، أُكد على اختصاص الفاعلية الأمرية (صنع الشيء لا من شيء) بالله: «إِنَّ كُلَّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ، وَاللَّهُ الْخَالِقُ اللَّطِيفُ الْجَلِيلُ خَلَقَ وَصَنَعَ لَا مِنْ شَيْءٍ» (الصدوق، ١٤٠٤ق، ٢: ١١٨)؛ استخدم الإمام في هذه الرواية أدوات الحصر وحصر الفاعلية والصانعية في حالتين: «صنع الشيء من شيء» و«صنع الشيء لا من شيء»، حيث اعتبر الحالة الثانية حصرية بالله. بناءً على ذلك، فإن الله بالإضافة إلى الخلق أو «صنع الشيء من شيء»، يمتلك اختصاصًا خاصًا باسم الأمر (كن فيكون). تجدر الإشارة إلى أنه في كنز روايات أهل البيت (ع)، بأساليب وقوالب مختلفة مثل الخطب، والأدعية، والمناظرات، والرسائل، وبمفردات وتعابير فنية خاصة، أُشير إلى الأمر الإلهي (كن فيكون). على سبيل المثال، أدعية أئمة أهل البيت (ع) لديها قدرة عالية على عرض المعارف الوجودية ومعرفة الله، وذكر مفردات مثل «إبداع» و«مبدئ» في أدعية المعصومين (ع) مثل دعاء الجوشن الكبير يشير إلى الأمر الإلهي (كن فيكون)، وبعض الأبحاث تحكي عن تقابل المعارف الوجودية ومعرفة الله المستخرجة من الأدعية بسبب التردد المفهومي العالي والتأكيد على الأمر الإلهي (كن فيكون) مع التعاليم الفلسفية (نظرية الصدور) (انظر: عسكري وفرشادنيا، ١٤٠١ش، ١٣٣).[3]

في إطار الخطب، مثل الخطبة الفدكية للسيدة الزهراء (س)، أُشير إلى الأمر الإلهي بشكل خاص: «ابْتَدَعَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنْشَأَهَا بِلَا احْتِذَاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَهَا» (ابن طيفور، بي تا، ١٥). تتحدث السيدة الزهراء عن خلق وفاعلية يكون فيها الإيجاد «بدون مادة ومادة أولية» وكذلك «بدون مثال ونموذج». فإذا لم يكن هذا النوع من الفاعلية حصريًا بالله، فإن هذا النوع من التبيين من المعصوم (ع) في تحميد وتسبيح الله في بداية خطبة استراتيجية وتاريخية وسياسية لن يكون له معنى ومبرر. مثال آخر هو خطبة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في حرب صفين: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الْمُتَفَرِّدِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَلَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ» (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٣٤)؛ بعد أن أثنى الإمام على الله الواحد الأحد، ذكر فورًا كلمة «الصمد» وأشار لاحقًا إلى أن الله الصمد لم يُخلق من شيء (الله) ولا من شيء كان موجودًا قبله. في بحث حول إمكانية معنى «كُنْ فَيَكُونُ» لكلمة «صمد»، جاء: «إن ملاحظة معنى الصنع الإلهي والفاعلية الأمرية (كن فيكون) لكلمة «صمد» في النصوص اللغوية والروائية والتفسيرية، ووجود أهداف وجودية-معرفية في مجالات معرفة الذات والصفات والأسماء والأفعال الإلهية في سورة التوحيد، وكذلك صفة الفعل لـ«صمد»، تجعل معنى كن فيكون (صنع لا من شيء) ممكنًا لـ«صمد»» (مولايي نيا وفرشادنيا، ١٤٠٢ش، ١١٥).

في سورة التوحيد، التي تُبين فيها صفات الله بشكل حصري، وبتعبير عامي هي هوية الله، فإن كلمة «صمد» بمعنى «كن فيكون» هي السمة الرئيسية للفاعلية الإلهية في مقولة الخلق وإيجاد الظواهر. بناءً على ما قيل، في روايات المعصومين (ع)، فإن «كن فيكون» يختص بالله ويُؤكد عليه.

٥. الاستنتاج

نتائج التقييم السندي وفقه الحديث لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» هي كما يلي:

١- من الناحية السندية، لم يُعثر على أي طريق معتبر يثبت نسبة مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» إلى أي من أئمة أهل البيت (ع) على الأقل. أقدم مصدر أشار إلى الحديث هو تنبيه الغافلين للسمرقندي. الحافظ رجب البرسي، العارف الشيعي من القرن الثامن والمتهم بالغلو، ضمن ذكره للحديث في كتاب مشارق أنوار اليقين، أصبح مرجعًا يُستشهد به بكثرة لهذه المقولة في الفترات اللاحقة. هذا في حين أن التقييم المختصر للأشخاص والآثار ناقلي المقولة، مثل البرسي الذي قلّد في شعره أشخاصًا مثل ابن الفارض، أحد أكبر شعراء العرب ومؤلف الشعر الصوفي، واستخدم في بعض تعاليمه الروائية بعض التعاليم العرفانية والصوفية.

٢- أظهرت ملاحظات فقه الحديث أن مقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» تعاني من اضطراب المتن، والتعارض مع آية «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، والتعارض مع الأدبيات التوحيدية للمعصومين (ع) مثل تباين الخالق والمخلوق ونفي أي نوع من «السنخية» و«المثلية» و«المشابهة»، وكذلك التعارض مع مفاد الأحاديث (كن فيكون خاصة بالباري تعالى).

٣- الرواية الشاذة والمنفردة للنباطي، بغض النظر عن كونها مرسلة، يمكن تأويلها بأن الله أراد أن يجعل عباده الصالحين بواسطة «الدعاء» و«الإجابة» و«كن فيكون»، بحيث يكون دور العباد في هذا السياق مقتصرًا على الطلب، لا أنهم يمتلكون جزءًا من قدرة «كن فيكون».

٤- يظهر التقييم السندي وفقه الحديث لمقولة «عَبْدِي أَطِعْنِي أَجْعَلْكَ مِثْلِي» أن العبارة المذكورة لا يمكن أن تكون قد صدرت عن أئمة معصومين (ع)، وهذه الفرضية تتعزز أكثر بأنها دخلت إلى المصادر الإسلامية والتراث الروائي من مصادر غير إسلامية ذات صبغة صوفية وغلو.

الوصول إلى البيانات

البيانات التي تم إنتاجها في هذا البحث متاحة في نص المقال.

تضارب المصالح

يعلن مؤلفو هذا المقال عدم وجود أي تضارب في المصالح فيما يتعلق بكتابة هذا المقال أو نشره.

الهوامش

[1] على سبيل المثال، ورد في كتاب «لسان الغيب» لعطار النيسابوري: «الإنسان باعتبار «العبودية جوهرة كنهها الربوبية» عبودية حقيقية باطنها الربوبية، وفي الحديث القدسي ورد أن الحق جل وعلا قال: «عبدي أطعني حتى أجعلك مثلي»؛ فكلما بلغ الشخص كمال العبودية لله، نال مقام الربوبية، وأصبحت إرادته إرادة الحق، وصار متصرفًا في العالم، والعبودية هي الجانب الإلهي والرسالة هي الجانب الخلقي» (عطار النيسابوري، ١٣٧٦ش، ٤٢٧).

[2] اعتبر البعض «صنع من شيء» في مقابل «صنع من لا شيء» ونسبوه إلى المتكلمين «صنع من لا شيء». الجدير بالذكر أن في كل من «صنع من شيء» و«صنع من لا شيء»، في كلتا الحالتين من الصانعية (إذا وجدت وأمكنت)، تكمن كلمة «من». التركيز في «صنع من شيء» هو «إيجاد شيء من شيء آخر»، وفي «صنع من لا شيء» هو «إيجاد شيء من لا شيء». في حين أنه في «صنع لا من شيء» الذي يؤكده المعصومون (ع)، لم تعد مسألة «من» وضرورة وجود «من» مطروحة، بل فقط وفقط مسألة «كن»: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (يس: ٨٢)؛ أمر الله ليس إلا أنه كلما أراد أن يقول لشيء كن فيكون، يصبح له موضوعية.

[3] في الدعاء، الله هو المبدأ البادئ، ولكن في نظرية الصدور، يُعرف بأنه المبدأ (البداية) والمصدر. في نظرية الفيض، تصدر الموجودات من ذات الحق وتفيض، والإرادة صفة ذاتية لله. أما بناءً على الفاعلية الأمرية والله المبدع في الأدعية، فالإرادة صفة فعلية لله، وكلما أراد، يوجد شيء، على عكس الصدور الدائم والحتمي للموجودات في نظرية الفيض. من ناحية أخرى، الله المبدع في الأدعية يخلق الموجودات بدون نموذج ومادة وبناءً على الإرادة والفاعلية الأمرية، أما في الصدور، فالله كمبدأ ومفيض، بناءً على الحتمية وليس بالإرادة، يفيض الفيض فقط (عسكري وفرشادنيا، ١٤٠١ش، ١٤٥).

Scroll to Top