التطور التاريخي لمفهوم الأذان والإقامة في روايات كتاب الصلاة في الكتب الأربعة الحديثية لمتقدمي الإمامية

الملخص

نظراً للاختلافات الملحوظة في عدد الروايات المتعلقة بالأذان والإقامة في الكتب الأربعة وفي متونها، وكذلك في عناوين أبوابها، فقد بدا من الضروري دراسة هذه الروايات لتحديد كيفية التغيرات التي طرأت عليها عبر الزمن. ومن أهم الموضوعات التي تناولتها هذه الروايات: كيفية تعليم النبي (ص) الأذان والإقامة، وبداية تشريعهما، وفصولهما، والشهادات فيهما، والتقصير، والقراءة، والوضوء، والتثويب، والفاصلة بينهما، والدعاء. ومن خلال إحصاء الروايات، تبين أنه بعد 52 عاماً من الكليني، زاد عدد الروايات المتعلقة بالأذان والإقامة من 35 رواية في الكافي إلى 50 رواية في الفقيه؛ ثم بعد 79 عاماً من الفقيه، ارتفع العدد إلى 72 رواية في التهذيب. كما نلاحظ زيادة في متون الروايات والموضوعات المتعلقة بالأذان والإقامة في الكتب الأربعة، الواحدة تلو الأخرى. أما في الاستبصار، فبسبب تركيزه على الروايات المتعارضة، نجد زيادة في عناوين الأبواب فقط، على الرغم من أن عدد الروايات في هذا الباب قد قل. يهدف هذا البحث، بالمنهج الوصفي التحليلي، إلى الكشف عن نوع التطورات في روايات الأذان والإقامة في الكتب الأربعة، وقد توصل إلى أن الروايات المذكورة كانت في تطور مستمر على مر الزمن من الكليني إلى الطوسي، خلال فترة مئة وواحد وثلاثين عاماً. كما وجد أن الشهادة الثالثة لم تُذكر كجزء من الأذان والإقامة في الكتب الأربعة؛ ولكن عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» عُدَّت من فصول الأذان والإقامة. وقد رُفض التثويب في روايات الكليني والصدوق، بينما حمل الطوسي قبوله في الروايات على التقية.

1. طرح المسألة

الأذان والإقامة هما مجموعة من العبارات التي تتضمن الشهادة بالتوحيد والنبوة والحث على الصلاة. وبسبب التغييرات التي طرأت في أزمنة مختلفة على بعض عبارات الأذان والإقامة والروايات المتعلقة بهما، أصبح من الضروري دراسة النصوص الحديثية في هذا الشأن. إن ضرورة دراسة أسانيد الروايات ومحتواها من الأمور التي يؤدي الغفلة عنها في تقييم الروايات وتحليلها إلى عدم الفهم الصحيح لأحاديث المعصومين (الشريفي وزملاؤه، 1403هـ.ش، 90).

نتيجةً للفتن الكثيرة التي وقعت في أواخر القرنين الثاني والثالث في جسد الأمة الإسلامية، تعرض مجال نقل الروايات للضرر أيضاً. ولهذا السبب، ومن أجل تمييز الروايات الصحيحة عن غيرها، نشأ علم الحديث تدريجياً. كما أدى اختلاف التوجهات الفكرية والكلامية إلى ظهور وجهات نظر متباينة في الحكم على أسانيد الأحاديث ومتونها (تو تازهي وحسومي، 1403هـ.ش، 10).

في العصر الحاضر، تعد الدراسات التاريخية، ومنها دراسات تاريخ المفهوم، أحد مجالات نقد الحديث التي تُظهر للباحثين التغييرات أو عدمها في كتب الرواية. والروايات المتعلقة بالصلاة ومقدماتها وتعقيباتها هي أيضاً من المدونات التي نجدها في كتب الحديث الإمامية. يتناول هذا البحث التغيرات في مفهوم الأذان والإقامة في الكتب الأربعة الحديثية لمتقدمي الإمامية بأسلوب وصفي تحليلي ومن منظور تاريخي. وهذه الكتب هي: الكافي، والفقيه، والتهذيب، والاستبصار. لقد سعى الكليني إلى جمع ما يعده صحيحاً ومعتبراً في مجموعة علمية (البهبودي، 1363هـ.ش، 1: 8)، وقرر الصدوق بناءً على طلب صديق متعهد وتقي أن يصنف كتاباً في الفقه والحلال والحرام وقوانين الشرع، بحيث يشمل جميع موضوعات الفقه من الطهارة إلى الديات (الصدوق، 1367هـ.ش، 1: 13 و14). أما الشيخ الطوسي، فقد تصدى للكتابة بهدف رفع التناقضات التي كانت سبباً في طعن المخالفين وشبهة بعض قليلي البصيرة. وقد سعى من خلال تأويل الروايات إلى رفع التضاد والتنافي بينها (الطوسي، 1409هـ.ق، 1: 2-4).

لقد أُدرجت روايات الأذان والإقامة في الكتب الأربعة الإمامية في قسم كتاب الصلاة، في أبواب متعددة وبعناوين مختلفة. ومن خلال دراسة الكتب الأربعة، نجد أن مفهوم الأذان والإقامة في هذه الكتب قد شهد عبر الزمن تغييرات في عدد الروايات، وعدد الأبواب، وعناوينها، وكذلك تغييراً في المتون. في كتابات الشيخ الطوسي، التي جاءت متأخرة عن كتب الكليني والصدوق، يُلاحظ التأويل والتفصيل والشرح والتوضيح وزيادة عدد الروايات في المسائل المتعلقة بمفهوم الأذان والإقامة. هذه التأويلات والشروح هي أمور لم تكن موجودة في الكتابين الأولين، وتدل على تغيير وتحول نحو التوسع في مفهوم الأذان والإقامة. في هذا البحث، ومن خلال إحصاء عدد الروايات ودراسة عناوين الأبواب المتعلقة بها ومتونها، سنتتبع التغيرات التي طرأت على مفهوم الأذان والإقامة، وربما عدم التغير في بعض الحالات. السؤال الرئيس للمقالة هو: بين عامي 329 و460 هـ، وهي فترة وفاة الكليني والطوسي، أي على مدى 131 عاماً، ما هي التغييرات التي حدثت في محتويات كتب الحديث الأولية للإمامية، في الفصول والعبارات والمسائل والآداب المتعلقة بمفهوم الأذان والإقامة، وما هو مدى واتجاه هذه التحولات؟

لقد أُجريت دراسات حول المسائل المتعلقة بالأذان والإقامة، ولكن لم يتناول أي منها دراسة ومقارنة روايات الأذان والإقامة وتطوراتها عبر الزمن في الكتب الأربعة الإمامية. ومن بين هذه الدراسات مقالة «دراسة فقهية للأذان والإقامة» التي استندت إلى الإجماع واتفاق الفقهاء والروايات الكثيرة لتأكيد فضل الأذان والإقامة، وخلصت إلى أنه لا شك في أصل مشروعية الأذان والإقامة للصلوات المفروضة، وفيما يتعلق بحكمها التكليفي، هناك رأيان، المشهور منهما هو استحباب الأذان والإقامة مطلقاً (زارعي وفخر آبادي، 1398هـ.ش، 1).

وفي مقالة أخرى، تم تناول المضامين العرفانية السامية، والقيمة والاعتبار الوحياني والتعبدي للأذان، وفقرات الأذان والإقامة من وجهة نظر المذاهب المختلفة وسبب اختلافهم في تعابير الأذان والإقامة، واللطائف الذوقية والعرفانية لفقرات الأذان والإقامة، وتركيب وترتيب الأذكار التي تحتوي على سير من الله إلى الله وسلوك معنوي من أفق القلب إلى أعلى عليين، وفي النهاية تم بيان بعض الآثار المعنوية لأذكار الأذان والإقامة (سليماني ورجب زاده، 1396هـ.ش، 217).

وتناولت مقالة أخرى دراسة سبب إضافة وإعلان الشهادة الثالثة وذكر «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» في العصر الصفوي، وخلصت إلى أن الصفويين، من أجل بناء هوية مذهبية للإيرانيين في مواجهة الإمبراطورية العثمانية، واكتساب شرعية أكبر، والمنافسة المذهبية مع الإمبراطورية العثمانية، وتسهيل عملية التشييع الرسمي، أبدوا جدية كبيرة في ذكر الشهادة الثالثة في الأذان (عابدي شهري وكجباف، 1400هـ.ش، 147).

وفي مقالة أخرى، تم تناول الأذان كأحد أهم شعائر هوية الدين الإسلامي وأحد الأعمال العبادية، وتمحورت حول سؤال: ما هو رأي فقه الشيعة في الشهادة الثالثة في الأذان، وما هي المسائل التي مرت بها من الناحية التاريخية؟ وضمن استعراض الأحكام المختلفة للشهادة الثالثة، تم التطرق إلى بعض المباحث التاريخية والروائية التي تعزز وجوب الشهادة الثالثة من خلال تأكيد استحبابها (حكيم إلهي، 1395هـ.ش، 135). وفي مقالة أخرى، تم دحض رأي أهل السنة القائم على أن أصل الأذان والإقامة غير وحياني ويعود إلى رؤيا شخص يدعى عبد الله بن زيد، وذلك بأدلة عقلية ونقلية (هدائي وزملاؤه، 1396هـ.ش، 465).

وفي مقالة أخرى، يقول الكاتب عن أصل الأذان والإقامة إن فقهاء الإمامية يعتقدون بالتشريع الإلهي للأذان والإقامة بنزول الوحي على رسول الله؛ وحول جزئية وعدم جزئية الشهادة الثالثة، يقول إن البعض يعتبر عبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّ الله» جزءاً مستحباً بقصد الجزئية، والبعض الآخر يعتبرها مستحبة دون قصد الجزئية. والروايات التي تقول مطلقاً إنه كلما شهدتم بالتوحيد والنبوة فاشهدوا بولاية علي بن أبي طالب، اعتبرت علة جواز الشهادة الثالثة دون قصد الجزئية (الله إلهي، 1395هـ.ش، 59).

مقالة أخرى تناولت كيفية نشوء واستمرار سنة الأذان وحضوره بين المسلمين كمهنة، وأظهرت بمنهج تاريخي أن هذه المجموعة، على الرغم من ادعاءات المستشرقين باقتباس سنة الأذان من عادات وطقوس يهودية أو مسيحية، تختلف كلياً عن الخلفيات المماثلة في التقاليد الدينية الأخرى (موسى بور، 1389هـ.ش، 126).

وفي مقالة عن حكم الأذان قبل طلوع الفجر، ورد أن الأذان قبل طلوع الفجر في شهر رمضان كان لإيقاظ الناس والاستعداد لصلاة الصبح والصيام، واستنتج الكاتب من بعض الروايات أن بلالاً وابن أم مكتوم كانا يقرآن بعض فصول الأذان فقط قبل طلوع الفجر في شهر رمضان (سبحاني تبريزي، 1386هـ.ش، 79).

مقالة كتبت في باب وقت المغرب إلى عدد فصول الأذان والإقامة، تناولت دراسة مواجهة الشيخ الطوسي مع الأحاديث المتعارضة. ويقر الكاتبان بأن الطوسي سعى لتجنب إهمال الروايات، وإيجاد طريقة للجمع بين الروايات المتعارضة قدر الإمكان (دهقاني ودستجاني فراهاني، 1399هـ.ش، 55). أما وجه تميز المقالة الحالية عن الدراسات السابقة، فيكمن في نظرتها من منظور تاريخ المفهوم إلى مسار التطورات في الروايات المتعلقة بالأذان والإقامة، خاصة في الكتب الأربعة الحديثية لمتقدمي الإمامية، حيث تقدم البحث بأسلوب وصفي تحليلي. تاريخ المفهوم هو منهج جديد يتناول بالمنهج التاريخي دراسة تغييرات عنصر في مفهوم أو تصور ما، لتحديد الاتساع والضيق والتطورات التي حدثت في المفهوم عبر التاريخ (عباسي وزملاؤه، 1400هـ.ش، 261). على سبيل المثال، في إحدى المقالات، تم دراسة تغير معنى كلمة «شهيد» من شاهد في محكمة إلى قتيل في سبيل الله بأسلوب تاريخ المفهوم (منتظري ومهروش، 1398هـ.ش، 123).

وفي مقالة أخرى، تم تناول إعادة قراءة مفهوم النذر في السياق الثقافي للعرب الجاهليين والتعاليم العهدينية باستخدام البيانات اللغوية التاريخية والتقارير المستمدة من هذا السياق (باكتجي وزملاؤه، 1398هـ.ش، 9).

2. مقارنة عناوين وعدد أبواب الأذان والإقامة في الكتب الأربعة الحديثية لمتقدمي الإمامية

أورد الكليني في الكافي في كتاب الصلاة باباً واحداً للأذان والإقامة بعنوان «باب ابتداء الأذان والإقامة وفضيلته وثوابهما» (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 302-308)، ويشتمل على 35 رواية.

أما الصدوق في الفقيه، فقد أورد باباً واحداً بعنوان «باب الأذان والإقامة وثواب المؤذنين» (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 281-300). والاختلاف الآخر هو أن عدد الروايات يصل إلى 50 رواية. وأما الطوسي في التهذيب، فقد أورد بابين للأذان والإقامة بـ72 رواية. وعناوين هذين البابين هي: «باب الأذان والإقامة» (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 49-59) و«باب تعداد فصول الأذان والإقامة وصفاتهما» (المصدر نفسه، 2: 59-65). ولكن في الاستبصار، طرح روايات الأذان والإقامة في أبواب أكثر، ومع ذلك فإن عدد الروايات في هذه الأبواب هو 47 رواية، وهو أقل من روايات التهذيب. والسبب في ذلك هو أن الطوسي في الاستبصار اقتصر على الروايات المتعارضة. وعناوين هذه الأبواب في الاستبصار هي: 1- الأذان والإقامة في صلاة المغرب والصلوات الأخرى، 2- الكلام أثناء الإقامة، 3- الأذان جالساً أو راكباً، 4- من نسي الأذان والإقامة ودخل في الصلاة، 5- عدد فصول الأذان والإقامة، 6- الجلوس بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب.

بهذه الطريقة نجد أن روايات الأذان والإقامة منذ زمن الكليني إلى الصدوق، خلال 52 عاماً، ومن زمن الصدوق إلى الطوسي، خلال 79 عاماً، أي على مدى 131 عاماً، شهدت مساراً تصاعدياً وزيادة، سواء من حيث العدد أو من حيث نوع البيان والتصنيف. بالإضافة إلى ذلك، فإن محتوى الروايات قد تطور أيضاً بمرور الوقت. وفي هذه المقالة، سيتم تناول هذه التطورات.

3. موضوعات أبواب الأذان والإقامة في الكتب الأربعة الحديثية لمتقدمي الإمامية

في روايات الأذان والإقامة في الكتب الأربعة، تم التطرق إلى موضوعات، منها: بداية وموضع تعليم الأذان والإقامة للنبي، فصول الأذان والإقامة، وآداب الأذان والإقامة، ومنها: الوقف والوضوح في الحروف الأخيرة من عبارات الأذان والإقامة، الأذان والإقامة في صلاة المغرب وصلاة الصبح، الأذان والإقامة والوضوء، الأذان والإقامة والتثويب، الأذان والإقامة والجلوس بينهما، الأذان والإقامة والحركة أو التمكن في قراءتهما، الأذان والإقامة والنساء، الأذان والإقامة والكلام فيهما، الأذان والإقامة والترتيل والتحذير فيهما، الأذان والإقامة ونسيانهما والدخول في الصلاة، وثواب الأذان والإقامة. في هذه المقالة، تم تناول بعض الموضوعات المذكورة.

3-1. زمان وموضع بدء تعليم الأذان والإقامة لرسول الله

كتب أهل السنة تدل على أن الأذان وحياني وغير وحياني؛ لكن الإمامية يعتبرون طريقة تشريع الأذان وحيانية تماماً. يعتقد فقهاء الإمامية، اقتداءً بأهل البيت (ع)، أن الأذان شُرع بأمر من الله ونزول الوحي على رسول الله (ص) (آشناور، 1388هـ.ش، 86). يروي المجلسي نقلاً عن النسوي أن زمان تشريع الأذان كان بعد اثني عشر شهراً من الهجرة، في وقت عقد المؤاخاة بين المؤمنين على يد النبي (ص) (المجلسي، 1403هـ.ق، 19: 122). يقول ابن حجر العسقلاني: «وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ» (المائدة: 58) تشير إلى بداية الأذان في المدينة، وآية «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» (الجمعة: 9) تشير أيضاً إلى بداية الأذان؛ لأن بداية الجمعة كانت في المدينة، وقد اختلف في أي سنة كانت، ولكن الراجح أنها كانت في السنة الأولى للهجرة، وقيل في السنة الثانية (العسقلاني، 1379هـ.ق، 2: 393).

في الكتب الأربعة، طُرحت كيفية تعليم الأذان والإقامة للنبي بشكل مزدوج. بعض الروايات تعتبر أن بداية تعليم الأذان والإقامة لرسول الله كانت في وقت المعراج وفي البيت المعمور، وبعضها الآخر يربطها بهبوط جبريل إلى الأرض وتعليمها لرسول الله. تظهر هذه الروايات مع اختلافات في الكتب الأربعة.

3-1-1. بدء تعليم الأذان والإقامة في المعراج

يروي الكليني في الكافي عن أبي جعفر (ع) أنه لما أُسري برسول الله إلى السماء وبلغ البيت المعمور، حان وقت الصلاة. فأذن جبريل وأقام، وتقدم رسول الله فصلى، واصطفت الملائكة والأنبياء خلفه (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 302).

نقل الصدوق في الفقيه (الصدوق، 1367هـ.ش، 1: 281 و282) الرواية عن أبي عبد الله (ع). في هذه الرواية لم يرد ذكر للبيت المعمور، وذكرت فقط عبارات الأذان وكلمات الملائكة مقابل عبارات الأذان. بدأ الأذان في الروايات المذكورة في الفقيه بتكبيرتين، ولكن الطوسي في التهذيب يقول إن الأصل في الأذان بإجماع الطائفة هو أن يبدأ بأربع تكبيرات، وأن هذه الرواية جاءت في مقام تعليم وتفهيم ألفاظ الأذان للمخاطب (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 61).

الاختلاف في متن الروايات المتعلقة بالأذان والإقامة في الكتب الأربعة واضح تماماً. في الكافي، ذُكر أذان جبريل فقط. وفي الفقيه، وردت عبارات الأذان فقط. وفي التهذيب (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 60) والاستبصار (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 305)، وردت عبارات الأذان والإقامة كلتاهما بشكل كامل ومتساوٍ، وعن أبي جعفر. أي أنها في الكافي وردت بشكل مجمل، وفي الكتب اللاحقة بشكل أكثر تفصيلاً.

3-1-2. بدء تعليم الأذان والإقامة على الأرض

مضمون الروايات المتعلقة بهبوط جبريل وتعليم الأذان والإقامة للنبي، بينما كان رأسه في حجر علي (ع) وهو نائم، ذُكر بشكل متماثل في الكتب الأربعة، إلا أن هذا الحديث لم يُرَ في الاستبصار. ورد في هذا الحديث أنه عندما كان رسول الله (ص) ورأسه في حجر علي، نزل جبريل بالأذان والإقامة. فلما استيقظ رسول الله (ص)، رفع رأسه وقال: يا علي، هل سمعت؟ قال: نعم. قال: هل حفظت؟ قال: نعم. قال: ادع بلالاً وعلمه. يذكر المجلسي نقلاً عن النسوي أن زمان تشريع الأذان كان بعد اثني عشر شهراً من الهجرة، في وقت عقد المؤاخاة بين المؤمنين على يد النبي (المجلسي، 1403هـ.ق، 19: 122).

في جميع روايات بدء تعليم الأذان والإقامة، أثناء هبوط جبريل، كان رأس النبي (ص) في حجر علي (ع)، ولكن هذه الروايات في الكتب الثلاثة فيها اختلافات (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 302؛ الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 282؛ الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 277).

من حيث الرواة والسند، روى الفقهاء الثلاثة عن منصور عن أبي عبد الله، إلا أن الطوسي قال منصور، بينما قال الكليني والصدوق منصور بن حازم.

بالنظر إلى متن الروايات في الحاشية، في الكافي والتهذيب وردت «لما» و«علي»؛ ولكن في الفقيه لم تُذكر هاتان الكلمتان، ومن جهة أخرى في الفقيه وردت «وَ» قبل «كَانَ»، و«يَا رَسُولَ اللَّهِ» بعد «نعم»؛ ولكنها لم ترد في الكتابين السابقين. هذا الاختلاف في الألفاظ يأتي في حين أن الكليني والصدوق يرويان عن منصور بن حازم عن أبي عبد الله، ورواية الصدوق في الفقيه كُتبت بفارق 52 عاماً فقط عن الكليني في كتاب الكافي. ومع ذلك، روى الطوسي هذه الرواية بعد 79 عاماً، مطابقة تماماً لرواية الكليني. هذه الرواية، في الفترات الزمنية 329، 381، و460 هـ، أُدرجت أولاً في زمن الصدوق مع تغييرات في الألفاظ، ثم كُتبت مطابقة تماماً لرواية الكليني دون زيادة أو نقصان.

3-2. عبارات الأذان والإقامة

روايات الكتب الأربعة حول ألفاظ الأذان والإقامة تختلف فيما بينها. هذه الاختلافات تتعلق بعدد التكبيرات في أول الأذان، وكون العبارات مثنى مثنى أو فرادى فرادى. ذكر بعض مؤلفي الكتب الأربعة روايات أرجعوا فيها سبب هذه الاختلافات إلى ظروف الشخص الذي يؤذن ويقيم. على سبيل المثال، روى الطوسي عن أبي جعفر (ع) أنه إذا كنت في عجلة من أمرك، يمكنك أن تقول عبارات الأذان فرادى (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 62).

من جهة أخرى، الشهادة الثالثة هي فصل يُبحث ويُناقش في الأذان والإقامة. المقصود بالشهادة الثالثة هو عبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّ اللهِ»، التي لم تُذكر في كتب الإمامية الأربعة كجزء من الأذان والإقامة. في المذهب الإمامي، يعتبر البعض الشهادة الثالثة، مثل القنوت في الصلاة، جزءاً مستحباً في الأذان، بينما يعتبرها آخرون مستحبة ولكن دون قصد الجزئية، أي أنها مستحبة وليست من أجزاء الأذان. وسبب تجويز فقهاء الشيعة للشهادة الثالثة دون قصد الجزئية هو أنه ورد في بعض الروايات أنه كلما شهدتم بالتوحيد والرسالة، فاشهدوا بولاية علي بن أبي طالب (ع) أيضاً، ولأن هذه الروايات مطلقة، فهي تشمل الأذان والإقامة أيضاً (آشناور، 1388هـ.ش، 86).

روى الكليني عن أبي جعفر (ع) أن الأذان والإقامة يتكونان من 35 حرفاً، الأذان 18 والإقامة 17، وقد عدها بيده واحدة واحدة (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 302). ويقول الكليني إنه روي عن أبي جعفر (ع) أن الأذان يبدأ بأربع تكبيرات وينتهي بتكبيرتين وتهليلين (المصدر نفسه، 303). وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) يروي أن الأذان والإقامة مثنى مثنى (المصدر نفسه). وقد شرح الكليني الأذان بالكلمات؛ ولكنه لم يورده كاملاً في مكان واحد.

ينقل الصدوق في الفقيه عن أبي عبد الله (ع) فصول الأذان التي تشتمل على «اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وحَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 281 و282). في هذه الرواية، لا تظهر عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ»؛ ولكن في رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) أورد الأذان الكامل مع عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» (المصدر نفسه، 1: 289). ويروي عن أحد الأئمة أن بلالاً كان عبداً صالحاً. وعندما قال بعد رسول الله إنه لن يؤذن لأحد، تُرِكت من ذلك اليوم عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» (المصدر نفسه، 1: 284).

يروي الصدوق عن أبي عبد الله (ع) أن الأذان يبدأ بأربع تكبيرات (المصدر نفسه، 1: 290). بعد ذكر هذه الرواية، يقول إن الأذان الصحيح هو هذا ولا يضاف إليه شيء ولا ينقص منه شيء. ثم يقول إن المفوضة، لعنهم الله، تركوا الأخبار وأضافوا إلى الأذان عبارة «مُحَمَّدٌ خَيْرُ البَرِيَّةِ»، وفي بعض رواياتهم بعد «أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ»، أضافوا مرتين عبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّ الله»، وبعضهم أضاف مرتين بدلاً من هذه العبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ». ويقول الصدوق إنه لا شك في أن علياً هو ولي الله حقاً وأمير المؤمنين، وأن محمداً وآله هم خير البرية؛ ولكن هذا هو أصل وأساس الإيمان والإسلام وليس في الأذان (المصدر نفسه).

أورد الطوسي الأذان في التهذيب في رواية مع «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 61)، وفي الرواية التي تليها (المصدر نفسه) ذكرها بدون «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ». يروي الشيخ الطوسي عن أبي جعفر (ع) أن جبريل في بداية الأذان في المعراج كبر مرتين (المصدر نفسه، 2: 60)، وينقل عن أبي عبد الله (ع) أيضاً أنه بدأ الأذان بتكبيرتين (المصدر نفسه، 59). وهو يعلل فعل الإمام هذا بتفهيم كيفية عبارات الأذان للمخاطب، ويقول إنه من المعلوم أنه مع وجود الاختيار لا يجوز أن يُؤتى بالأذان بتكبيرتين (المصدر نفسه، 61). ثم يروي الطوسي رواية عن أبي جعفر (ع) أنه قال لزرارة: ابدأ الأذان بأربع تكبيرات واختمه بتكبيرتين وتهليلين (المصدر نفسه)، وينقل أيضاً عن أبي جعفر (ع) أنه في حال العجلة لا بأس أن تقول في الأذان واحدة واحدة،[1] وتكبر (المصدر نفسه، 62). وكذلك يروي عن أبي جعفر (ع) أنه كما تقصر في الصلاة، تقصر أيضاً في الأذان والإقامة وتقرأ العبارات واحدة واحدة (المصدر نفسه). ويروي عن أبي عبد الله (ع) أن قول الإقامة مثنى مثنى أحب إليّ من أن أقول الأذان والإقامة واحدة واحدة (المصدر نفسه)، وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) أورد أنه في السفر يكفي قول الإقامة واحدة واحدة (المصدر نفسه). وروايات الاستبصار في هذا الشأن كالتهذيب.

كما قيل، في باب فصول وعدد عبارات الأذان والإقامة في الكتب الأربعة، أورد الكليني في الكافي عبارات الأذان والإقامة بشكل توضيحي فقط. وعلى الرغم من أنه لم يورد عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» في عبارات الأذان، ولكن بما أنه ذكر عدد فصول الأذان 18 فصلاً، فإننا نستنتج أن هذه العبارة كانت في الأذان. وإذا قيل لماذا لم تعتبروا عبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّ اللَّهِ»، نقول إن دليلنا هو الروايات الواردة في الفقيه والتهذيب، وهي أيضاً لم تورد عبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّ اللَّهِ» ولكنها أوردت «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ».

أورد الصدوق في الفقيه عبارات الأذان والإقامة تباعاً، وذكر «حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» و«حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» أيضاً. والطوسي أيضاً في التهذيب أورد عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» في آخر الأذان. في هذه الكتب، روايات فصول وعدد عبارات الأذان والإقامة صادرة عن الإمامين أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع). في تاريخ مفهوم الأذان والإقامة في باب فصول الأذان والإقامة، اتخذت الكتب الأربعة مساراً تصاعدياً، وكل منها يقدم توضيحات أكثر في هذا الشأن. ولأن هدف الطوسي من كتابة الاستبصار هو جمع الروايات المتناقضة، فإنه يذكر أدلة على القصر في فصول الأذان والإقامة، في حين أن هذه الروايات والتوضيحات حول اختلاف فصول الأذان والإقامة لم تُرَ في الكتب السابقة.

3-3. الأذان والإقامة والقصر فيهما

كما تُقصر الصلاة، يُقصر كذلك في الأذان والإقامة. القصر في الصلاة هو رحمة من الله للمسافر بسبب المشقة والعناء الذي يتحمله، فيُخفف من عدد ركعات صلاته (الصدوق، 1372هـ.ش، 2: 236). المقصود بالقصر في الأذان والإقامة هو قول العبارات واحدة واحدة (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 308)، أو القصر بالإقامة دون أذان (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 51)، وأحياناً يُكتفى بالعبارات الثلاث الأخيرة من الإقامة (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 306).

ينقل الكليني في الكافي عن أحد الإمامين بشأن كفاية الإقامة دون أذان للصلوات، أنه قال: إذا كنت تصلي جماعة، فقل الأذان والإقامة، وإذا كنت تصلي وحدك وعرض لك أمر تخشى فواته، فإن الإقامة وحدها تكفيك، إلا في صلاة الفجر والمغرب، فإنه لا قصر فيهما، وينبغي ألا تقصر في الأذان والإقامة في هاتين الصلاتين (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 303).

ويروي عن أبي عبد الله (ع) أنه إذا دخل شخص المسجد وخشي أن يركع الإمام إذا قال الأذان والإقامة، فإنه يقول «قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ويبدأ الصلاة (المصدر نفسه، 3: 306). في هذه الرواية لم يرد ذكر للقصر في الأذان والإقامة؛ ولكن في الحقيقة قد قُصر فيهما بطريقة مختلفة، حيث لم تُقرأ الأذان والإقامة كاملتين، وقُرئت فقط العبارات الثلاث الأخيرة من الإقامة.

أورد الصدوق روايتين في الفقيه في باب الأذان والإقامة عن الاكتفاء بالإقامة. في رواية عن أبي جعفر (ع) يقول: يكون ابتداء الليل والنهار بالأذان والإقامة، وفي سائر الصلوات تكفي الإقامة دون أذان (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 286). وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (ع) أورد أنه في السفر تكفي الإقامة دون أذان (المصدر نفسه، 291).

أما الطوسي، فبعد ذكر الروايات التي يذكر فيها عبارات الأذان والإقامة بشكل مزدوج، يتناول الروايات التي يجوز فيها قولها واحدة واحدة. ويبدو أن القصر في الأذان والإقامة في تلك السنوات كان موضع ابتلاء للناس، وسُئل عنه من قبل الشيعة، فأجاب الطوسي في التهذيب في قالب الروايات على هذه الأسئلة. بعض الروايات التي أوردها الطوسي في كتابه لم تُدرج في الكتب الجامعة السابقة. وهو بذكر عدة روايات يذكر عللاً لجواز القصر في الأذان والإقامة. بعض هذه العلل هي: التقية، الاضطرار، العجلة، عدم الاختيار، والسفر (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 61 و62). وأورد الطوسي في الاستبصار (1390هـ.ق، 1: 307 و308) أيضاً روايات عن القصر في الأذان والإقامة.

الروايات التي أوردها الكليني والصدوق والطوسي عن القصر في الأذان والإقامة في كتبهم تختلف في السند ونوع البيان والألفاظ. على سبيل المثال، يروي الكليني عن أحد الإمامين عدم قصر الأذان والإقامة في صلاة الفجر والمغرب؛ ولكن الصدوق يروي عن أبي جعفر (ع)، والاختلاف في نوع بيان الحكم هو أن الكليني يقول أولاً إذا كنت تصلي جماعة فقل الأذان والإقامة، ثم يقول إذا كنت تصلي وحدك، وتقرأ بقية النص. أما الطوسي، فبدون مقدمة وبشكل كنائي، يتحدث عن صلاة المغرب والفجر، وعن كونك تصلي جماعة أو فرادى، وعما إذا كان قد عرض لك أمر أم لا، وعن علة عدم جواز القصر في الأذان والإقامة في صلاة المغرب والفجر، لا يقول شيئاً. والمورد الآخر هو أنه في روايات الكليني لا يُرى جواز القصر في الأذان والإقامة بسبب السفر. هذه الأمور هي نفسها التغييرات التي حدثت في مفهوم الأذان والإقامة على مدى 131 عاماً بعد الكليني و79 عاماً بعد الصدوق. من بين 8 روايات أوردها الطوسي في هذا الشأن، 3 منها عن أبي جعفر و5 عن أبي عبد الله. وقد ذكر الطوسي في الاستبصار (1390هـ.ق، 1: 307 و308) أيضاً القصر في الأذان والإقامة. هذا الأمر من الموارد التي تظهر التغيير والتطور في اتجاه التوسع في مفهوم الأذان والإقامة في كتب الإمامية الأربعة. هذا التوسع يُرى في زيادة عدد الروايات وزيادة الشروط وتنوعها للمصلي، من أجل القصر في الأذان والإقامة. بعض الشروط المذكورة هي: كون الصلاة جماعة أو فرادى، الخوف من فوات عمل، السفر، وأن تكون الصلاة مغرباً أو فجراً أو غيرها من الصلوات.

3-4. القراءة الصحيحة للأذان والإقامة

أورد الكليني في الكافي روايات عن القراءة الصحيحة لعبارات الأذان والإقامة، في إحداها ينقل عن أبي جعفر (ع) أنه كلما أذنت، فأوضح الألف والهاء، وصلِّ على النبي، وكلما ذكرت النبي أو ذكر أحد النبي في الأذان أو غيره، فصلِّ على النبي (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 303). وأورد الصدوق أيضاً رواية بهذا المضمون عن أبي جعفر (ع) في الفقيه؛ ولكن هناك اختلافات في ألفاظها (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 284).

ويروي الطوسي أيضاً في التهذيب نقلاً عن أبي جعفر (ع) أن الأذان مجزوم، تُؤدى فيه الألف والهاء بوضوح، والإقامة بحدر (سرعة) (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 58). وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق يقول إن التكبير في الأذان مجزوم، وتُؤدى الألف والهاء بوضوح (المصدر نفسه).

مضمون الروايات عن جزم عبارات الأذان والإقامة ووضوح الألف والهاء متماثل؛ ولكن هذه الروايات تختلف في السند والمتن.

3-5. الأذان والإقامة في صلاة المغرب وصلاة الصبح

قراءة الأذان والإقامة في بداية جميع الصلوات كمقدمة لهذه العبادة تحظى باهتمام في الكتب الأربعة. ولكن للأذان والإقامة في صلاة المغرب وصلاة الصبح مكانة خاصة عند الإمامية.

ينقل الكليني في الكافي عن أحد الإمامين بشأن كفاية الإقامة دون أذان للصلوات، أنه قال: إذا كنت تصلي جماعة، فقل الأذان والإقامة، وإذا كنت تصلي وحدك وعرض لك أمر تخشى فواته، فإن الإقامة وحدها تكفيك، إلا في صلاة الفجر والمغرب، فإنه لا قصر فيهما، وينبغي ألا تقصر في الأذان والإقامة في هاتين الصلاتين (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 303).

أورد الصدوق في الفقيه رواية واحدة عن الأذان والإقامة في صلاة المغرب والصبح. ويروي عن أبي جعفر (ع) أن أقل ما يكفي للصلوات هو أن يبدأ الشخص الليل والنهار بالأذان والإقامة، وفي بقية الصلوات تكفي الإقامة وحدها (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 286). في هذه الرواية، ورد ذكر صلاة الصبح والمغرب بشكل كنائي.

يروي الطوسي في التهذيب رواية في هذا الشأن عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: لا تترك الأذان لأي صلاة، وإن تركته فلا تتركه في صلاة المغرب والفجر؛ لأنه لا قصر فيهما (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 49). وأورد هذه الرواية أيضاً في الاستبصار (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 299).

ولكن في الاستبصار، أورد روايات أكثر حول هذا الموضوع. وهو يورد عدة روايات عن أبي عبد الله ورواية مضمرة، يؤكد فيها على قراءة الأذان والإقامة في الصلوات، خاصة صلاة المغرب والصبح، ويضيف أن المراد من هذه التأكيدات ليس الوجوب؛ بل بسبب الاستحباب الشديد للأذان والإقامة والتشجيع على كسب الثواب العظيم (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 299 و300).

الروايات المذكورة في الكتب الأربعة حول أهمية الأذان والإقامة في صلاة الفجر والمغرب تختلف تماماً من حيث السند؛ سواء من حيث سلسلة الرواة أو الإمام الذي نُقلت عنه الرواية. فالكليني يروي عن أحد الإمامين، والصدوق عن أبي جعفر (ع)، والطوسي عن أبي عبد الله (ع). ومن حيث المتن أيضاً، على الرغم من أن مضمون الروايات القائم على الحث على قراءة الأذان والإقامة في صلاة المغرب والفجر متماثل؛ إلا أن هناك اختلافات في طريقة بيانها. أحد الاختلافات هو أن الكليني يقول: في الجماعة قل الأذان والإقامة، وإذا كنت تصلي فرادى وعرض لك أمر، فإن الإقامة وحدها تكفي، واقرأ باقي النص. وفي الفترة الزمنية بين الكليني والصدوق، ذكر الصدوق الأذان والإقامة لصلاة المغرب والفجر بكناية ودون ذكر اسم الصلاة، وبالنسبة لباقي الصلوات اعتبر الإقامة وحدها كافية؛ ولكن الطوسي يصرح قائلاً: لا تترك الأذان والإقامة لأي صلاة. في المسار الزمني من الكليني إلى الصدوق ومنه إلى الطوسي، يُلاحظ مسار نزولي ثم صعودي لبيان أهمية الأذان والإقامة في صلاة المغرب والفجر. ثم يضيف الطوسي في الاستبصار، بالإضافة إلى زيادة عدد الروايات في هذا الشأن، على قراءة الأذان والإقامة في الصلوات، ويقول إن هذه التأكيدات لا تعني الوجوب؛ بل بسبب الاستحباب الشديد والثواب العظيم؛ ولكن هذه التأكيدات لم تُرَ في الكتب السابقة.

3-6. الأذان والإقامة مع الوضوء

الماء وسيلة لمناجاة الله والقرب منه، ومقدمة للعبودية والعبادة له تعالى. الماء، كرحمة من الرب المتعال، يمحو ذنوب العباد ويطهر النجاسات الظاهرية (جعفر بن محمد، 1360هـ.ش، 42). لُوحظ اشتراط الوضوء في بعض العبادات، ومنها الأذان والإقامة، وقد تم التطرق إلى هذا الموضوع في الكتب الأربعة الإمامية.

نقل الكليني عن الحلبي أنه لا بأس أن يؤذن الشخص بدون وضوء؛ ولكن للإقامة يجب أن يكون على وضوء (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 304). ويروي الصدوق عن أبي عبد الله أنه يمكنك أن تؤذن بدون وضوء، بثوب واحد، واقفاً أو جالساً، ومتوجهاً إلى أي جهة؛ ولكن عندما تقيم، يجب أن تكون على وضوء ومستعداً للصلاة (1407هـ.ق، 1: 282). وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق (ع) أورد أنه لا بأس أن تؤذن راكباً أو ماشياً أو بدون وضوء؛ ولكن لا تقم راكباً أو جالساً إلا إذا كان لك عذر أو كنت في أرض يكثر فيها اللصوص (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 283).

يروي الطوسي في التهذيب عن أبي عبد الله أنه لا بأس أن تؤذن بدون طهور؛ ولكن لا تقم إلا وأنت على وضوء (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 53)، وفي رواية أخرى يورد نفس المضمون؛ ولكن بعض الألفاظ في هذه الرواية تختلف عن الرواية السابقة، وهناك عبارات زائدة وناقصة (المصدر نفسه، 2: 53). وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله عن أبيه علي (ع)، يتحدث عن الشخص الجنب، ويقول لا بأس أن يؤذن الصبي قبل البلوغ، والمؤذن وهو جنب يمكنه أن يؤذن؛ ولكن للإقامة يجب أن يغتسل (المصدر نفسه). ولم يورد الطوسي في الاستبصار رواية في هذا الشأن. بالنظر إلى الروايات أعلاه، يتضح أن تاريخ مفهوم الأذان والإقامة في عنصر الأذان والإقامة مع الوضوء، له مسار صعودي. فالكليني أورد رواية واحدة قصيرة بدون توضيحات؛ ولكن الصدوق والطوسي على التوالي قدما هذا الموضوع بتوضيحات أكثر، حتى أن الطوسي ذكر مسألة الغسل أيضاً. بمرور الزمن، في الفترة بين عامي 329 و460 هـ، في كتب الإمامية الأربعة، على التوالي، نجد روايات أكثر حول هذا الموضوع، مع توضيحات أكمل.

3-7. التثويب في الأذان والإقامة

من منظور الدكتور البهبودي، «التثويب يعني تكرار فصول الأذان لتطول أكثر ويحضر عدد أكبر من الناس لصلاة الجماعة. التثويب من اختراعات أهل السنة، وفي أحاديث الشيعة يُطرح فقط من باب التقية» (البهبودي، 1363هـ.ش، 2: 214). ومن منظور مصحح كتاب الكافي، جملة «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» التي تُقال لجمع المصلين في الإقامة تسمى تثويباً (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 303، الحاشية)؛ أما الشيخ الحر العاملي فقد فتح في أبواب الأذان والإقامة باباً بعنوان عدم جواز التثويب في الأذان والإقامة (الحر العاملي، 1409هـ.ق، 5: 425).

من التعاريف المذكورة، يتضح أن التثويب يُستخدم في الأذان وحده، وفي الإقامة وحدها، وفي كليهما. من وجهة نظر أهل السنة، يدعو المؤذن في صلاة الصبح الناس إلى الصلاة بقوله «حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ»، وعندما يقول «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، فإنه في الواقع يعود إلى المضمون السابق؛ ولذلك يسمونه تثويباً (رزاقي هريكنده ئي وصادقي آهنگري، 1399هـ.ش، 159). ينقل ابن حجر العسقلاني عن الخطابي قوله إن العامة تعرف التثويب فقط في قول المؤذن «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» في الأذان، ويقول ولكن مراد الخطابي في هذا الكلام هو الإقامة، ثم يقول: والله أعلم (العسقلاني، 1379هـ.ق، 2: 85-86).

أورد الكليني في الكافي أنه سُئل أبو عبد الله (ع) عن التثويب في الأذان والإقامة، فقال: نحن لا نعرف التثويب (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 303). وفي رواية أخرى ينقل عنه أنه إذا كرر المؤذن الشهادتين و«حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» أو «حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر، من أجل استعداد المصلين وجمع الناس لصلاة الجماعة، فلا إشكال (المصدر نفسه، 308). وهذا يعني أن الإمام ينكر التثويب وعبارة «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» ولا يجيز قولها.

نقل الصدوق أيضاً في الفقيه رواية عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: نحن لا نعرف التثويب (1413هـ.ق، 1: 289). وفي حاشية الفقيه ورد أن هذا الكلام من الإمام كناية عن أن التثويب ليس سنة وهو بدعة؛ لأن كل ما هو سنة يعرفه أهل البيت، فكل ما لا يعرفونه ليس سنة وتشريعه حرام (المصدر نفسه، الحاشية). أورد الصدوق عن التثويب هذه الرواية فقط في باب الأذان والإقامة ولم ينقل عن الأئمة الآخرين رواية في هذا الشأن.[2]

أورد الطوسي في التهذيب روايتين عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع). ينقل عن أبي جعفر (ع) أن أبي كان ينادي في البيت «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، وأنت إذا كررتها فلا إشكال (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 63). ويروي عن أبي عبد الله (ع) أن النداء والتثويب في الإقامة سنة (المصدر نفسه، 2: 62).

يقول الطوسي بعد نقل هاتين الروايتين إنهما تُحملان على التقية بسبب إجماع الطائفة على ترك هذا العمل. هذا الكلام من الطوسي يدل على التغيير ودخول مطالب أكثر وإضافة متون الروايات على مر الزمن. ثم يورد روايتين عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع)، في إحداهما يقول أبو جعفر (ع): إذا أردت أن تقول بدلاً من «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، «حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» فقل (المصدر نفسه، 63)، ويروي عن أبي عبد الله (ع) أننا لا نعرف التثويب (المصدر نفسه)، وعن أبي عبد الله (ع) نفس الرواية الواردة في الفقيه القائلة بأنه يمكنك أن تقول الشهادتين و«حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ» أو «حَيَّ عَلَى الفَلَاحِ» مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر لجمع المصلين، قد أوردها (المصدر نفسه). وفي الاستبصار أيضاً، الذي هو لجمع الأخبار المختلفة، وردت نفس الروايات (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 308 و309).

الروايات التي أوردها الكليني والصدوق ترفض التثويب عن قول الأئمة؛ ولكن الطوسي، بذكر روايات يعتبر فيها التثويب سنة أو يجيز تكرار التثويب، يتصدى لتوجيهها ويحملها على التقية. هذه الروايات والتوجيهات المتعلقة بها لا تُرى في الكافي والفقيه، في حين أن الفاصل الزمني بين الصدوق والطوسي هو 79 عاماً، والتغييرات المذكورة حدثت في هذه الفترة القصيرة. هذا المورد أيضاً من التحولات التي توجد في تاريخ مفهوم الأذان والإقامة، في باب التثويب، في الكتب الأربعة.

3-8. الفصل بين الأذان والإقامة

الفصل بين الأذان والإقامة من الموضوعات التي تم التطرق إليها في الروايات الإسلامية. لم يتم تحديد مدة الفصل بين الأذان والإقامة. المهم هو أن يكون لدى المصلين وقت كافٍ للوصول إلى المسجد. ولهذا ورد في الرواية أن تفصل بين الأذان والإقامة حتى يفرغ من يأكل أو يشرب من طعامه وشرابه، ولا يكون من يحتاج إلى قضاء الحاجة في ضيق (الترمذي، 1395هـ.ش، 1: 373).

في بعض الروايات، يُطرح دليل وحكمة للفصل بين الأذان والإقامة، وأحياناً يُذكر له ثواب. من ذلك أن الجلوس بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب كالتشحط في دم الشهيد في سبيل الله (البرقي، 1371هـ.ق، 1: 150). في الكتب الأربعة، حُدد الفصل بين الأذان والإقامة بالجلوس أو قول ذكر كالتسبيح أو التحميد، وحتى بمقدار التنفس.

يروي الكليني عن أبي الحسن الرضا (ع) أن الجلوس بين الأذان والإقامة يكون في جميع الصلوات، إذا لم يكن هناك صلاة قبلها (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 306).

يروي الصدوق في الفقيه مضمراً عن الإمام أنه قال: في صلاة الفريضة، قل الأذان والإقامة، وافصل بينهما بجلوس أو بكلام أو بتسبيح، وأقل فاصل هو أن تقول الحمد لله (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 285).

ويروي الطوسي أيضاً في التهذيب عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله (ع) أنه يفصل بين الأذان والإقامة بجلوس أو بكلام أو بتسبيح (1407هـ.ق، 2: 49). وفي رواية عن الحسن بن شهاب عن أبي عبد الله (ع) يقول إنه يجب حتماً الجلوس بين الأذان والإقامة (المصدر نفسه، 64)، وفي رواية أخرى عن سليمان بن جعفر الجعفري، مضمراً عن الإمام، ينقل أنه يفصل بين الأذان والإقامة بجلوس أو بركعتي صلاة (المصدر نفسه).

في رواية أخرى عن أحمد بن محمد، ينقل أن الجلوس بين الأذان والإقامة يكون في جميع الصلوات، إذا لم يكن هناك صلاة قبلها ليصليها (المصدر نفسه). ثم يروي رواية عن بعض أصحاب أبي عبد الله (ع) يقول فيها إن بين جميع الأذان والإقامات جلسة واحدة، إلا أذان وإقامة صلاة المغرب، حيث يفصل بينهما بمقدار نفس واحد (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 309). وأورد رواية أخرى يقول فيها إن الإمام صلى صلاته دون أن يفصل بين الأذان والإقامة بجلوس (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 285). ثم ينقل الطوسي في أبواب الزيادات عن عمار الساباطي أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن الأذان والإقامة، وفي ضمنها يسأل: إذا نسي المصلي أن يفصل بين الأذان والإقامة وبدأ الصلاة، فما وظيفته؟ قال الإمام: لا شيء عليه، ولا ينبغي أن يترك هذا الفعل عمداً، وأقل حد للفاصل هو أن يقول الحمد لله (المصدر نفسه، 280).

يروي الطوسي في الاستبصار أيضاً عن بعض أصحاب أبي عبد الله (ع) أن بين جميع الأذان والإقامات جلسة واحدة، إلا المغرب، حيث يفصل بين أذانها وإقامتها بنفس واحد (الطوسي، 1390هـ.ق، 1: 309)، وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) يروي أنه قال: من جلس بين الأذان والإقامة؛ فهو كمن يتشحط في دمه في سبيل الله (المصدر نفسه، 310). يقول الطوسي بعد بيان هذه الرواية إن الجمع بين الأخبار حول الفصل بين الأذان والإقامة بمقدار جلسة ونفس، هو أنه إذا كان في أول الوقت، جاز أن يفصل بمقدار جلسة، وإذا ضاق الوقت، كفى الفصل بنفس واحد (المصدر نفسه).

تاريخ مفهوم الأذان والإقامة في عنصر الفصل بين الأذان والإقامة، كالحالات السابقة، قد تطور في اتجاه التوسع. بمعنى أن الكليني أورد رواية قصيرة يقول فيها: في جميع الصلوات، اجلس بين الأذان والإقامة إذا لم يكن هناك صلاة يجب أن تصليها. ولكن بفارق 52 عاماً عنه، يطرح الصدوق هذا الجلوس بعنوان فاصل، ويقول: افصل بين الأذان والإقامة بجلوس أو بكلام أو بتسبيح، وأقل حد لذلك هو قول الحمد لله. أما الطوسي، فبفارق 79 عاماً بعد الصدوق، أولاً، يورد روايات أكثر في هذا الشأن، ثانياً، بالإضافة إلى الحالات المذكورة، يذكر في رواية أن هذا الفاصل هو ركعتا صلاة. حتى أنه يعتبر للجلوس بين الأذان والإقامة ثواب شهيد يتشحط في دمه في سبيل الله، في حين أن الكليني والصدوق لم يوردا هذا المطلب في الكافي والفقيه. وفي جمعه للروايات التي ذكرت أن الفاصل بين أذان وإقامة المغرب هو نفس واحد وجلسة واحدة، يقول إن هذا يعتمد على سعة أو ضيق الوقت. وهذا المورد أيضاً لم يُرَ في كتب الكليني والصدوق؛ لذلك، فإن تاريخ مفهوم الأذان والإقامة في عنصر الفصل بين الأذان والإقامة، مثل كثير من الموارد الأخرى المتعلقة بالأذان والإقامة، قد شهد تطورات من نوع التوسع.

3-9. الأذان والدعاء

في الإسلام، اقتُرحت أزمنة وأمكنة للدعاء، وأحياناً تم التأكيد على بعضها. من ذلك ما ورد في الرواية أن اغتنموا الدعاء في أربعة أوقات: عند قراءة القرآن، وعند الأذان، وعند نزول المطر، وعند التقاء جيشين من المؤمنين والكفار للحرب (الحر العاملي، 1409هـ.ق، 7: 64). في الكتب الأربعة، عُرف أحد أوقات الدعاء بأنه بين الأذان والإقامة في حالة الجلوس، وآخر عند سماع أذان الصبح والمغرب.

ذكر الكليني في هذا الشأن دعاءً مرفوعاً عن الإمام (ع) (الكليني، 1407هـ.ق، 3: 308). وأورد الطوسي هذه الرواية مع اختلاف طفيف في التهذيب، بينما سنده يختلف عن سند الكليني (الطوسي، 1407هـ.ق، 2: 64)، ولكن في الاستبصار في أبواب الأذان والإقامة لم يورد رواية في هذا الشأن.

وأورد الصدوق أيضاً في الفقيه رواية عن الدعاء عند سماع أذان الصبح والمغرب (الصدوق، 1413هـ.ق، 1: 287). هذا الدعاء لم يُرَ في أبواب الأذان والإقامة في كتابي الكافي والتهذيب.

الدعاء الذي أورده الكليني والطوسي بعد الأذان، مع اختلاف طفيف، يُقرأ في حالة الجلوس، والدعاء الذي ذكره الصدوق عند سماع أذان الصبح والمغرب يختلف عن الدعاء الذي أورده الكليني والطوسي. بالنظر إلى المطالب المذكورة، فإن تاريخ مفهوم الأذان والإقامة فيما يتعلق بالدعاء في حالة الجلوس بعد الأذان، كان له في البداية مسار نزولي؛ لأن الكليني أورد رواية واحدة في هذا الشأن؛ ولكن الصدوق لم يذكر شيئاً في هذا المطلب، ثم من زمن الصدوق إلى زمن الطوسي، كان له مسار صعودي، حيث طُرح نفس الدعاء مرة أخرى في زمن الكليني وفي حالة الجلوس.

4. الاستنتاج

أدت دراسات الروايات المتعلقة بالأذان والإقامة من منظور تاريخ المفهوم، في كتاب الصلاة في الكتب الأربعة الحديثية لمتقدمي الإمامية، إلى النتائج التالية:

  1. الروايات المتعلقة بمفهوم الأذان والإقامة حول بداية تعليم الأذان والإقامة للنبي، تأتي على صورتين. بعضها يرجعها إلى زمن معراج النبي وفي البيت المعمور، وبعضها ينسبها إلى هبوط جبريل على الأرض. في روايات كتاب الصلاة في الكتب الأربعة، لم يُعثر على شيء حول زمان ومكان تعليم الأذان والإقامة على الأرض بشكل مطلق؛ ولكن في مصادر أخرى، ذُكر أن زمان بداية تشريع الأذان كان في السنة الأولى للهجرة وفي المدينة.
  2. عدد فصول الأذان في الكتب الأربعة 18 فصلاً، والإقامة 17 فصلاً.
  3. لم يورد مؤلفو الكتب الأربعة عبارة «أَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً وَلِيُّ اللهِ» في أبواب الأذان والإقامة. وهم يرون أن الاعتقاد بولاية علي (ع) هو من عقائد الشيعة؛ ولكن هذه الشهادة لم تُشرع في الأذان والإقامة.
  4. عبارة «حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ» في أبواب الأذان والإقامة في كتب الشيعة الأربعة، ذُكرت كجزء من الأذان والإقامة.
  5. عبارة «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ» التي تسمى في الاصطلاح «تثويباً»، لم تُقبل في روايات الكافي والفقيه؛ ولكن الطوسي أجاز قول هذه العبارة في حال الضرورة والتقية.
  6. موضوع بعض الروايات حول مفهوم الأذان والإقامة هو: بداية ومكان تعليم الأذان والإقامة وكون تشريعه وحيانياً، القصر، القراءة الصحيحة، الوضوء، عدم قول «الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ»، الفصل بين الأذان والإقامة، الدعاء عند سماع وقراءة الأذان والإقامة.
  7. في الأذان والإقامة، مثل الصلاة، يُقصر. القصر في الأذان والإقامة يكون إما بقول عباراتهما واحدة واحدة، أو بالاكتفاء بالإقامة، أو بطرق مختلفة بحيث لا يُقرأ أي من الأذان والإقامة كاملاً، وتقرأ فقط العبارات الأخيرة من الإقامة. القصر في الأذان والإقامة يعتمد على ظروف المصلي، وإن كان الأفضل ألا يُقصر فيهما.
  8. في الغالبية العظمى من الحالات المذكورة في كتب الإمامية الأربعة، في المسار الزمني من الكليني إلى الطوسي، مع زيادة عناوين الأبواب، وعدد الروايات ومتونها، نواجه، بعبارة أخرى، توسعاً في مفهوم الأذان والإقامة.

الهوامش

  1. عن أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ (ص) فَبَلَغَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذَّنَ جَبْرَئِيلُ (ع) وَأَقَامَ فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَصَفَّ الْمَلَائِكَةُ وَالنَّبِيُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (ص) قَالَ فَقُلْنَا لَهُ كَيْفَ أَذَّنَ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالْإِقَامَةُ مِثْلُهَا إِلَّا أَنَّ فِيهَا قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ بَيْنَ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ وَبَيْنَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) بِلَالًا فَلَمْ يَزَلْ يُؤَذِّنُ بِهَا حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ (ص).
  2. في الرواية ورد لفظ «رَدَّدتَ» الذي يعني التكرار مع الإكراه، وإن كان يأتي أيضًا بمعنى مطلق الرجوع (راجع: العسكري، 1400ق، 107).
Scroll to Top