الألحان المحرمة في الأسلوب الموسيقي للتلاوة

الملخص

لقد أصبحت مشروعية استخدام الفنون الموسيقية في الأنغام الدينية أحد التحديات التي يواجهها المجتمع الديني المعاصر، بحيث باتت الدراسة الفقهية والتطبيقية في هذا المجال ضرورة لا مفر منها. تسعى هذه المقالة، من خلال دراسة شاملة وواسعة للصوت، إلى تعريف الصوت المطرب عرفًا كموضوع لحرمة الغناء. بالإضافة إلى ذلك، فإن دعوى انصراف مفهوم الغناء إلى الغناء اللهوي والشبهات المثارة حول موضوع الغناء، سواء كانت مفهومية أم مصداقية، لا يمكنها تقييد إطلاق حرمة الغناء. يعتقد الكاتب، بتطبيق نتائج البحث على أسلوب التلاوة الاحترافية، أن أسبابًا مثل القيود التجويدية والحساسيات الشرعية المتشددة في الجانب الموسيقي للتلاوة قد أدت إلى أن يكون الضرر الذي يلحق بالتلاوة الاحترافية في مجال دخول الأصوات المحرمة أقل مقارنة بالأنغام الدينية الأخرى. وفي هذا السياق، تم بيان أن الصوت اللهوي ليس محرمًا بشكل مطلق، ولكن استعماله في تلاوة القرآن حرام. كما أن الروايات المشتملة على استحباب التغني والترجيع في التلاوة لا يمكن أن تكون مخصِّصة لحكم حرمة الغناء المطلق. كذلك، لا يوجد في الفقه الشيعي مانع من استعمال ألحان الموسيقى العربية في التلاوة، شريطة ألا تكون هذه الألحان غنائية ولهوية، وألا تؤدي إلى الخفة ووهن كلام الله. أما أهل السنة فلا يوقفون مناط الصحة أو عدم الصحة الشرعية لاستعمال الألحان على الحكم الشرعي للغناء. تقدم هذه المقالة قراءة جديدة واستنباطات حديثة لمدلولات بعض الروايات المشهورة المرتبطة بمجال تزيين تلاوة القرآن الكريم.

المقدمة

إن التأكيدات الكثيرة في المعارف الدينية على جمال التلاوة والإبداع الفني في تلاوة القرآن الكريم، قد جعلت هذا الفن الرفيع محط اهتمام خاص من قبل عموم المسلمين منذ صدر الإسلام. من ناحية أخرى، أدت التطورات الواسعة في مجال الموسيقى العربية إلى ظهور أسلوب خاص في التلاوة الاحترافية اليوم، مما أبرز موضوعات فقهية جديدة في الجانب الموسيقي للتلاوة. ولكن الموضوع الهام في تحليل الحجية الشرعية للتلاوة المعاصرة، والذي يأتي في المرتبة الأولى وقبل تحليل الموضوعات الفقهية المترتبة على الأسلوب الحديث للتلاوة، هو تقديم تبيين مستدل لجوانب موضوع الغناء المختلفة. لهذا السبب، يختص القسم الأكبر من هذه المقالة بتبيين دقيق لمفهوم الغناء، بناءً على تحليل دقيق لآراء المفكرين والفقهاء المتقدمين والمتأخرين من الشيعة. في هذا القسم، تم السعي من خلال استقصاء النظريات المختلفة في موضوع الغناء، وضمن تحدي بعض الآراء والنظريات المشهورة – التي قُدمت في جوانب مختلفة من هذا الموضوع – إلى تبيين حدود وثغور الغناء، خاصة في ناحية موضوعه الفقهي. في الخطوة الثانية، سنقوم بتطبيق نتائج هذا البحث على الأسلوب الخاص للتلاوة المعاصرة، ليتضح أي حكم يصدره الشرع المقدس بخصوص الألحان الناشئة عن فن القراء المهرة المعاصرين. إن تبعية التلاوة الاحترافية المعاصرة لمجتمع القراء الذين نشأوا في مجتمع سني المذهب في مصر – حيث كانت الميول الصوفية منتشرة بشكل كبير – تزيد من ضرورة هذا البحث. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاختلافات الواسعة في كيفية قراءة القرآن الكريم مقارنة بالمحتويات الدينية وغير الدينية الأخرى، تتطلب دراسة وتطبيقًا خاصًا للغناء في فن التلاوة. إن الحكم الشرعي لاستعمال ألحان الموسيقى العربية في التلاوة هو من الموضوعات الفرعية لهذا البحث، والتي سيشار إليها.

1. دراسة مفهوم الغناء وتحديد موضوعه

من أسباب إجمال مفهوم الغناء، كثرة التعاريف التي ذكرها اللغويون والفقهاء، والتي تصل بحسب اعتقاد البعض (التويسركاني، رسالة في الغناء، 1376: 2/ 965) إلى ستة عشر تعريفًا. بعض هذه التعاريف هي مجرد شرح للاسم وتحديد المراد العرفي لمفهوم الغناء – مثل تعريف الكلمة بالغناء (نفسه)؛ وبعضها تعاريف تفسير باللازم لمفهوم الغناء – مثل تعريف الغناء بمفاهيم مثل مد الصوت (الفراهيدي، العين، 1409: 4/ 450)؛ ترجيع الصوت (الفيومي، المصباح المنير، 1414: 2/ 455)؛ مطلق الصوت (شريف الكاشاني، ذريعة الاستغناء، 1376: 2/ 1225)؛ رفع الصوت وتكراره (ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، 1367: 3/ 391)، بمعنى أن كل غناء هو من جنس الصوت ويشتمل على الترجيع والمد والرفع وتوالي الأصوات. بعض معاني الغناء تُفسر بالمصاديق، مثل تعريف الغناء بالنشيد والرباعيات (التويسركاني، نفسه، 2/ 965) أو السماع (الجوهري، صحاح اللغة، 1407: 2449). من الواضح أن هذه المعاني العرفية والكلية في تعريف الغناء ليست هي المراد المقصود، ويبدو أنها ذُكرت لتقريب الذهن وتبادر صورة كلية عن هذا المفهوم. وهذا الأمر نفسه أدى إلى بقاء حقيقة الغناء، كمعرّف للذات والماهية، بعيدة عن نظر بعض أصحاب الرأي. وفي هذا السياق، فإن التعريف المشهور والمقبول للغناء بين معظم أصحاب النظر، من الفقهاء وأهل اللغة (الطهراني، رسالة في الغناء، 1376: 2/ 1074؛ الشهيد الثاني، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، 1414: 3/ 126؛ الحلي، إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، 1402: 2/ 156) هو: الصوت المشتمل على ترجيع مطرب. ويرى الكاتب أن هذا التعريف نفسه، مع قليل من الجرح والتعديل، هو الحقيقة اللغوية لمفهوم الغناء، وما يُطرح كدليل على عدم الاتفاق على هذا التعريف بين أصحاب علم اللغة، لا يقوم على أساس متين. المحقق السبزواري (السبزواري، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 1/ 46) أيضًا، بعد اختياره لهذا التعريف كتعريف مشهور عند الأصحاب، يعتبر مراجعة أرباب الصناعات وأهل الفن في كل عصر وزمان أمرًا متفقًا عليه عند العقلاء. وبتصريحه، فإن الظن الغالب لمعرفة الألفاظ الشرعية في هذا الزمان الذي انقطع فيه طريق العلم بالأحكام عنا – باستثناء بعض الحالات النادرة – كافٍ، وعدم الالتزام به يُعد عدولاً عن الحق وخروجًا عن طريق الفقاهة. النجفي الأصفهاني (النجفي، الروضة الغناء، 1376: 2/ 1512) أيضًا في تأييد هذا الأمر يكتب: نادرًا ما يوجد موضوع من موضوعات الفقه يتفق عليه اللغويون بهذا الشكل، إلا أن الفقهاء خلطوا بين المعاني اللغوية والاصطلاحية حتى أصبح هذا المفهوم الواضح من أصعب الموضوعات المستنبطة. وقد اعتبر المظفر (المظفر، أصول الفقه، 1410: 2/ 126) رجوع العالم إلى الجاهل حكمًا عقليًا صريحًا لا بد أن يقرّه الشارع، وحجية قول اللغوي من هذا الباب. ويكتب محمد رسول الكاشاني: المختار عند جمهور اللغويين والفقهاء في مفهوم الغناء هو الصوت المشتمل على ترجيع مطرب، الذي ذكروه تصريحًا أو تلويحًا (الكاشاني، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 1/ 729). برأي الكاشاني، الاختلاف في هذا الأمر شاذ ونادر جدًا والاعتماد على هذا التعريف هو سبيل الرشاد. المقدس الأردبيلي والشيخ الحر العاملي، وهما من أعاظم فقهاء الشيعة، يعدان حرمة الصوت المشتمل على ترجيع مطرب مجمعًا عليه (الهمداني، رسالة في الغناء، 1376: 1/ 684). في رأينا، ما دفع البعض، خاصة المتأخرين من فقهاء الشيعة، إلى التخلي عن هذا التعريف أو تقييده، هو اعتمادهم على المفاهيم العرفية للغناء والمصاديق الموجودة في المجتمع، بحيث أوصلهم ذلك إلى شك في كيفية أن يكون الصوت المشتمل على ترجيع مطرب هو الموضوع الحقيقي لحرمة الغناء. ولكن يجب القول أولاً، إن تدخل الفقيه في تحديد حدود وثغور الموضوعات، حيث يكون الملاك هو المفهوم الحقيقي للموضوع الشرعي، غير جائز. ثانيًا، بعض الفقهاء (الكاشاني، نفسه؛ الخوانساري، رسالة في الغناء، 1376: 2/ 824) اعتبروا المفهوم اللغوي متحدًا مع المفهوم العرفي. وثالثًا، لا سبيل للعرف في هذا المقام الذي يُستفاد فيه المعنى اللغوي والموضوع الشرعي من كلمات جمهور أصحاب النظر. يشير الشريف الكاشاني إلى تعريف الغناء بالغناء العرفي من قبل بعض المحققين، ويعتقد أنهم بإحالتهم مفهوم الغناء إلى تشخيص العرف، كانوا ينظرون إلى حكم الغناء لا إلى تعيين موضوعه؛ لأن تشخيص العرف لموضوع الغناء لا يصح إلا بضميمة أصالة عدم النقل (شريف الكاشاني، ذريعة الاستغناء، 1376: 2/ 1229). لذلك نعتقد أنه في الموضع الذي بُيّن فيه المفهوم اللغوي للغناء إلى حد كبير في كلام أهل اللغة، فإن اللجوء إلى العرف في تحديد مفهومه غير صحيح. كما أن ترك إطلاق هذا المفهوم اللغوي بحجة بعد حرمة مثل هذا المفهوم بالاعتماد على الظن العرفي غير جائز. بعبارة أخرى، هذا الظن بأن كيف يمكن أن يكون صوت ذو خاصية الترجيع والتطريب حرامًا دون قيود مثل إثارة الشهوات أو الملازمة لأمور لهوية، هو المنشأ الأصلي لصرف نظر بعض الفقهاء المتأخرين عن التعريف المشهور والمقبول للغناء. في هذا المجال، نكتفي بالإشارة إلى أن حرمة الغناء بمفهومه اللغوي، تشبه حرمة الخمر، فكلاهما يؤدي إلى تخدير العقل وإنقاص قوته، ولا ملازمة له بالشهوانية أو الملازمة للمعاصي واللهويات. لذلك، فإن أدلة القائلين بعدم إطلاق المفهوم اللغوي للغناء وتضييق موضوع الحرمة، وهو الصوت المرجع المطرب، غير صحيحة. إذن، الصوت المشتمل على ترجيع مطرب، كمفهوم حقيقي ومستعمل للغناء، هو موضوع الحكم الشرعي بشكل مطلق.

الإشكالات والنقود الواردة على التعريف المختار

تجدر الإشارة إلى أن البعض (الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 1415: 374؛ شريف الكاشاني، ذريعة الاستغناء، 1376: 2/ 1236) لم يذكروا قيد الترجيع في التعريف، وعرّفوا الغناء بأنه الصوت المطرب، ويبدو أن هذا الرأي ملحق بالرأي السابق وأصح منه. ينشأ هذا الاختلاف في التعريفين المذكورين من أن القائلين بالتعريف الأول -الصوت المشتمل على ترجيع مطرب- يبدو أنهم لا يرون الصوت ذا الرنين والحسن الذاتي والفاقد للترجيع مهيئًا لإيجاد الطرب، ويعتقدون أنه من المستبعد جدًا أن يكون لصوت، بمجرد حسنه الذاتي، قابلية لإيجاد الطرب، وإلا لكان الكلام اليومي لمثل هذا الشخص مثيرًا للطرب أيضًا، بينما لم يُذكر حتى الآن أي مصداق لمثل هذا الصوت. في الرد نقول: الظاهر أن المراد بالترجيع في رأي القائلين بالقول الأول هو رفع وخفض طبقات الصوت بفواصل كبيرة نسبيًا، ولكن يجب القول إنه في علم الموسيقى، تُحدث أنصاف الأرباع وأرباعها – التي لا يدركها جميع الأسماع – أصواتًا مطربة وعذبة، والترجيع بالمفهوم الذي يقصده هذا الفريق لا وجود له فيها. ثانيًا، حتى لو قبلنا أن القائلين بالرأي الأول يفهمون الترجيع بمفهومه الموسيقي، يجب القول إن الطرب يستلزم ترجيع الصوت (وليس العكس) – كما أشار شريف الكاشاني (شريف الكاشاني، ذريعة الاستغناء، 1376: 2/ 1236) – وفي هذه الحالة، يكون ذكر قيد الترجيع لغوًا. بناءً على ذلك، فإن التعريف الأخير (الصوت المطرب) هو أصح التعاريف المذكورة المتعلقة بالغناء. ولكن في نظرنا، تعريف الغناء بالصوت الذي يكون مطربًا عرفًا، هو تعريف جامع للأفراد ومانع للأغيار. ورغم أن هذا التعريف لم يطرحه أحد من قبل (وهذا القول سيتضح في السطور القادمة)، يمكن أن يكون تعريفًا جديدًا ومعرّفًا لمفهوم وموضوع الغناء الشرعي. لذلك، سنبين الإشكالات التي وردت في كلام الفقهاء والمحققين والتي تتعلق بهذا التعريف، حتى يتم تنقيح وتصحيح التعريف المختار.

1-1. قيد التناسب في تعريف الغناء

أضاف النجفي الأصفهاني (النجفي، الروضة الغناء، 1376: 2/ 1508) قيد التناسب في التعريف المختار، معتقدًا أنه حتى الصوت الخشن والقبيح، بواسطة التناسب، يقتضي إيجاد الطرب. في الرد على هذه الدعوى قيل (موسوي الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 304 و 305): أولاً، الصوت الخشن ليس من شأنه إيجاد الطرب، وثانيًا، إذا حدث فرح أو ضحك للمستمع نتيجة التناسب، فإنه يختلف عن حالة وخفة النفس الحاصلة من الغناء، وثالثًا، هذه الحالة التي يستمتع فيها المستمع، لكونه من أهل الفن، بفن التناسب، لا تسمى طربًا. ولكن مع اعتقادنا بأن كل هذه الإجابات نابعة من دقة نظر الناقد، يجب أن نقول إن ملاك إيجاد الطرب هو أن يظهر للمستمع من الصوت وعوارضه من نفس جنسه، لا أن يكون ناتجًا عن محتويات كلامية أو أشعار مفرحة أو شهوانية أو حزينة، مصاحبة للغناء، أو عارضًا على المستمع من جو المجلس الغنائي. ورغم أن هذه الأمور لها دخل إلى حد ما في إثارة الطرب، إلا أن قيد الصوت الموجود في التعريف يمنح الأصالة لكيفية الصوت، بغض النظر عن المحتوى وجو الأداء. في هذه الحالة، أولاً، التناسب هو من عوارض الصوت ولا يُعد من جنس الكلام أو العوارض البيئية. ثانيًا، المراد بالتناسب ليس شيئًا يدركه أهل الفن فقط، بل يلحظ القيد العرفي، أي عرف المجتمع العام، كما في جمال لوحة فنية، حيث يرى عرف المجتمع نوعًا خاصًا من التناسب موجبًا للحسن والجمال، وأهل الفن أيضًا يأخذون بنظر الاعتبار نوعًا خاصًا من التناسب في جمالياتها. بناءً على ذلك، فإن التناسب العرفي ورقة الصوت وجماله، كلاهما من العناصر الأساسية لإيجاد الطرب في الصوت، وفي نفس الوقت يمكن أن يكون لهما دور كبير أو قليل في إيجاده. وفيما يتعلق بالعوارض المحتوائية والبيئية للصوت، فإن العرف هو الذي يشخص ما إذا كان يمكن نسبة الطرب، في الجملة، إلى الصوت وعوارضه أم لا. إذا كان جواب العرف إيجابيًا، يتصف هذا الصوت بكونه غناءً. في النهاية، نعتقد أنه بسبب كون التناسب من عوارض الصوت، فلا حاجة لتقييده في التعريف. كما أن لحاظ رقة الصوت الذاتية في بعض التعاريف (موسوي الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 305) لن يكون صحيحًا لنفس السبب.

1-2. قيد الطرب في أفراد المجتمع المتعارف

أضاف البعض (النجفي، الروضة الغناء، 1376: 2/ 1508) قيد الطرب في الأفراد المتعارفين (وليس غير العاديين من حيث التأثر بالموسيقى) إلى تعريف الغناء. ولكن يجب القول إن قيد العرفية يغنينا عن ذكر هذه العبارة؛ لأن العرف يأخذ بعين الاعتبار حال الناس المتعارفين، لا الأفراد سريعي الانفعال أو بطيئيه، في اتصاف صوت ما بالطرب.

1-3. قيد شأنية إيجاد الطرب

ذُكر قيد شأنية إيجاد الطرب في بعض التعاريف (الأنصاري، المكاسب، 1392: 2/ 208؛ النجفي، نفسه؛ الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 305). ولكن يجب القول إن قيد العرفية يغنينا عن إضافة هذه الكلمة إلى التعريف. وفي المقدمة نذكر أن الفقهاء باتفاق شبه كلي يعتقدون أنه ليس من الضروري أن يكون الطرب حاصلًا من الغناء بالفعل، بل يكفي أن تكون له شأنية إيجاد الطرب (يوسفي مقدم، تأملي في موضوع شناسي غناء، 1389: 63). لكن الإشكال يكمن في معنى الشأنية؛ لأن البعض يرى أن الصوت القبيح مانع من تحقق الطرب بالفعل (الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 306). بينما من الواضح أنه إذا كان الصوت قبيحًا بسبب عدم حسنه الذاتي وتناسبه العرضي، فلن يتصور وجود طرب في الخارج، وبالتالي لن ينشأ غناء أصلاً، وهذا يعني أن أي فرد من أفراد المجتمع لن يطرب من هذا الصوت. أو أن البعض مثل الإمام الخميني (الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة، نفسه) قد فسروا الشأنية بأن الطرب ينشأ تدريجيًا لا دفعة واحدة. في الرد نقول: ما لم يصل الصوت عرفًا إلى حد إيجاد الخفة والطيش العقلي، فلا دليل لدينا على كونه غناءً وحرامًا. فالترجيعات في تلاوة القرآن التي لا تصل إلى حد الغناء، هي مستحبة بناءً على الروايات، لا أن نقول إن هذا الترجيع مقدمة للدخول التدريجي في الغناء. في الواقع، إن طربية الصوت هي التي تسبب الحرمة، لا أنه إذا قسمنا صوتًا مطربًا إلى أجزاء، والتي بطبيعة الحال لن تكون مطربة، يكون سماع كل جزء منها حرامًا لكونه جزءًا من صوت مطرب. بعبارة أخرى، الحرمة تتعلق بالطربية، لا بالصوت بما هو صوت. ولكن إذا كان المقصود بالشأنية أن العرف يشخص صوتًا قابلاً للاتصاف بكونه مطربًا بأنه غناء، فإن قيد الشأنية سيكون مقبولاً. ولهذا السبب، نعتبر قيد العرفية كافيًا لتعريفنا المختار ولا حاجة لإضافة قيد الشأنية.

1-4. قيد الفعلية في إيجاد الطرب

يبدو أن الامتناع عن إدخال الطرب بالفعل (بدلاً من الطرب العرفي) في إيجاد الغناء من قبل بعض الفقهاء (الأنصاري، المكاسب، 1392: 2/ 248) ناتج عن تخريج للمناط وقياس. فالفقهاء يرون أن شرب المسكرات حرام على شخص معين، حتى لو لم يكن مسكرًا له، ومع ذلك فهو حرام عليه. ولكن يجب القول إنه ربما في حرمة شرب المسكر على من لا يسكر منه، تدخل قيود أخرى مثل نجاسته (التي يلازمها الحرمة عند الكثيرين)، أو كونه رجسًا بنص القرآن الكريم. ولكن الظاهر أن مناط حرمة الغناء الوحيد هو إيجاد حالة الخفة والطيش العقلي. فإذا كان شخص مريضًا وقوته السامعة لا تقتضي إدراك الفرح أو الحزن المطرب من الصوت، فلماذا يكون هذا الصوت حرامًا عليه؟ بالطبع، يجب أن نقول هنا إن إحدى علل حرمة الخمر أو الغناء بمعناهما العرفي قد تكون عدم الاقتراب منهما أو حتى الالتزام بقانون كلي على سبيل التعبد. لذا، بما أن تخريج المناط الحقيقي لكثير من الأحكام وإزالة العلل غير الحقيقية عن المناط الأصلي للحكم، كما في الموضوعين الأخيرين، أمر صعب للغاية، فنحن مضطرون لتقديم الطرب العرفي على الطرب الفعلي. تجدر الإشارة إلى أن قيام الغناء على الطرب العرفي لا يعني أننا نكل تشخيص الغناء إلى العرف؛ لأننا في السطور السابقة عرّفنا موضوع الغناء بأنه الصوت المطرب – ولم نكل موضوع الغناء إلى العرف ليقال إن الغناء أمر عرفي – ولكن لأننا لم نجعل الطرب الفعلي هو الملاك، فقد أصبح العرف هو ملاك إيجاد أو عدم إيجاد الطرب. المحققون الذين يجعلون ملاك تشخيص موضوع الغناء هو العرف، يدخلون بعض الأصوات غير المطربة (التي ليست مطربة لا شأنًا ولا فعلاً) في الغناء أيضًا. بعبارة أخرى، موضوع الطرب، وبالتالي الغناء، واضح تمامًا وليس عرفيًا، والبحث يدور في تطبيق هذا المفهوم المحدد على المصاديق، وهو ما يوكل إلى العرف بطبيعة الحال.

1-5. انحصار الصوت المطرب في صوت الإنسان

ذكر كثير من المحققين في تعريف الغناء صوت الإنسان بدلًا من مطلق الصوت (النجفي، الروضة الغناء، 1376: 2/ 1508؛ الإمام الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 305؛ يوسفي مقدم، تأملي في موضوع شناسي غنا، 1389، العدد 64، 59). من الواضح أنه بحصر الغناء في الأصوات الصادرة من حنجرة الإنسان، يخرج الصوت المطرب الصادر من الآلات الموسيقية من التعريف؛ بينما نعلم أن كثيرًا من الأصوات المطربة ناتجة عن الآلات الموسيقية أو على الأقل بمصاحبتها لصوت الإنسان. ورغم أن البعض لا يعتبر الصوت الصادر من آلات اللهو غناءً، إلا أنه لا دليل لدينا على ذلك. بالإضافة إلى ذلك، إيجاد حالة الطرب من مطلق صوت الإنسان أمر صعب للغاية، وفي هذه الحالة يجب أن نخرج القسم الأكبر من الأصوات المطربة من عنوان الغناء. النقطة الأخرى هي أنه إذا لم ندرج الأصوات المطربة من الآلات الموسيقية تحت عنوان الغناء، فبأي عنوان يمكن أن تكون هذه الأصوات محرمة؟ ربما يكون منشأ تخصيص الغناء بصوت الإنسان هو عدم وضوح حكم أصوات الطيور. في الرد نقول: أولاً، لم يُسمع أن أحدًا وصل إلى حالة الطرب (بمعنى الخفة والطيش العقلي) بسماع أصوات الطيور والحيوانات. ثانيًا، بناءً على رأي الشيخ هادي الطهراني (الطهراني، رسالة في الغناء، 1376: 2/ 1076)، الملاك هنا هو قول أهل اللغة، الذين يظهر من كلماتهم أن الغناء مطلق وغير مختص بصوت الإنسان.

1-6. عدم اعتبار الحزن في مفهوم الطرب

سعى بعض المحققين، غالبًا بافتراض مسبق أن الحزن الناتج عن المراثي وتلاوة القرآن لا يمكن أن يكون مذمومًا، أو أن الغناء مختص بالأصوات الراقصة والشهوانية، إلى حصر مفهوم الطرب في حالة الفرح (الكشميري، رسالة في الغناء، 1376: 898). على سبيل المثال، لا يعتبر الفيض الكاشاني والمحقق السبزواري، من هذا المنطلق الفكري، الغناء ذا حرمة ذاتية، أو يستثني المقدس الأردبيلي، بدليل عدم وجود طرب الفرح في المراثي، الغناء في المراثي من حكم الحرمة المطلقة (الأنصاري، المرتضى، المكاسب، 1392: 2/ 248). أقوى جواب على البيان المذكور هو المفهوم اللغوي لكلمة “طرب”. يُطلق الطرب على حالة الخفة العقلية والوجدانية التي تنشأ من شدة الفرح أو الحزن. في الواقع، ما يوجب تحقق الغناء هو حالة الخفة والطيش العقلي، سواء كانت هذه الحالة معلولة لشدة فرح أغنية أو شدة حزنها. ورغم أن معظم الأغاني الغنائية التي يهتم بها الفساق وأهل العبث هي نفسها التي تشتمل على طرب الفرح؛ لأنها أكثر انسجامًا مع مجالسهم ومحافلهم. بعبارة أخرى، الغناء في بعض الحالات، بخلاف التلذذ الحاصل من الخفة العقلية والخروج المؤقت من مصائب ومشاكل الدنيا، الذي يتأتى من طرب الفرح وطرب الحزن معًا، يأخذ طابعًا شهوانيًا، وهو ما يحدث غالبًا مع الغناء المطرب الناتج عن شدة الفرح. لذا، فإن الغناء قد حُرّم بسبب إيجاده حالة الطرب، وبهذا الاعتبار، لا ملازمة له بكون الأغنية شهوانية أو مصاحبة لآلات اللهو أو المعاصي. ما ورد من تقارير عن محافل عياشي حكومة العباسيين يظهر أيضًا أنهم كانوا يستفيدون من كلا نوعي الطرب، الفرح والحزن، للتلذذ واللهو (إيراني، مفاهيم فقهي غناء، مجلة أدبستان فرهنگ و هنر، 1371: 36/ 53). على سبيل المثال، يعتبر خردادبه (إيراني، نفسه، 55) من كبار الموسيقيين في البلاط العباسي، الغناء ذا نوعين من الطرب، الحزني والفرحي. وهذا الأمر يظهر أن آراء أهل اللغة في معنى الطرب تتوافق مع مفهومه في علم الموسيقى، ووقائع مجالس اللهو تؤيد أيضًا عدم انحصار الطرب في نوع الفرح. صاحب الجواهر (النجفي، الروضة الغناء، 1376: 22/ 47) يعتبر أيضًا الطرب المنبعث من الحزن معتبرًا في تحقق الغناء. كما يؤكد السنقري الحائري (السنقري الحائري، الموسيقيات و نقدها، 1376: 2/ 1565) على تمييز الغناء الناتج عن الطرب الحزني عن أصل التحزين في تلاوة القرآن، ويصف فلسفة حرمة الغناء الحزين بأن هدف قراءة الكتب السماوية بحزن هو توجيه القلوب نحو الله وآياته، لا أن يبكي الإنسان من شدة الترجيع والطرب وذوق الشهوة، حزن وبكاء خارج عن اختياره لا يدري لماذا يبكي. الدارابي (الدارابي، مقامات السالكين، 1376: 1/ 319) أيضًا في رسالة مقامات السالكين، يصف الطرب بأنه لذة ممزوجة بألم، ويعتبر الطرب الحزني معتبرًا أيضًا في تحقق الغناء. الطرب، بأي صورة تحقق، يتبعه تخدير جسدي وروحي للمستمع، ويبعده عن واقعيات الأمور الجارية والأساسية في الحياة الدنيا، ولا يكون له حاصل سوى ضعف الإرادة والاستسلام للهو والعبث. بالطبع، يبدو أن هذا الموضوع هو مجرد إحدى فلسفات تحريم الموسيقى المطربة (وليس بالضرورة الشهوانية)، وإلا فإن العلم الحديث قد كشف عن كثير من الأضرار الجسدية والروحية للموسيقى المطربة. في النهاية، يجب القول إن إطلاق مفهوم الغناء والطرب يمنع إمكانية حصره في طرب الفرح، كما صرح بذلك كثير من الفقهاء (راجع: الأنصاري، المكاسب، 1392: 2/ 219؛ الكاشاني، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 1/ 779؛ البهبهاني، رسالة في الغناء، 1376: 2/ 828). أهمية هذا المطلب تكمن في أن بعض المحققين أرادوا، بدليل عدم وجود طرب في تلاوة ومراثي أهل البيت (ع)، فصل هاتين المقولتين عن مقولة الغناء (الكشميري، رسالة في الغناء، 1376: 898). بينما التلاوة والمراثي أيضًا، في حال إيجاد خفة وطيش عقلي ناتج عن طرب حزني، ستشملهما حرمة الغناء. حتى الآن، أجبنا على النقود الداخلية لمفهوم الغناء وبينا المفهوم الدقيق والموضوع الشرعي للغناء. في ما يلي، سنشرح بعض العوارض والعوامل الخارجية المؤثرة في تغيير أو تضييق موضوع أو حكم الغناء الشرعي ونجيب عليها.

2. الشبهات الواردة حول تغيير أو تضييق حرمة الغناء المطلقة

2-1. دعوى انصراف مفهوم الغناء

طرح الفيض الكاشاني (الفيض الكاشاني، مفاتيح الشرائع، 1401: 2/ 21) لأول مرة انصراف مفهوم الغناء إلى النوع المعهود منه في عصر الأمويين والعباسيين. قبل أن ننتقد أصل دعواه، يجب أن نقول إن الدراسات تظهر أن كلامه فُهم بطرق مختلفة. يعتقد معظم المحققين أن الفيض الكاشاني يحرم الغناء الملازم للمعاصي، وفي نفس الوقت لا يرى حرمة ذاتية لهذا الصوت (الشعراني، غناء و موسيقي از نگاه علامه شعراني، 1371: 95؛ همايي، گفتاري از جلال الدين همايي در مبحث غناء، 1387: 3/ 1895)، بل يرى أن حرمته عرضية وبسبب ملازمته للمعصية. وفهم البعض (الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 323) من كلامه أن الغناء يكون حرامًا عندما يكون ملازمًا للوازم مثل الرقص وشرب الخمر ودخول الرجال على مجالس النساء، لا مجرد مصاحبته لعنوان كلي للمعصية. الشهيد مصطفى الخميني (الخميني، مستند تحرير الوسيلة، 1376: 1/ 388) أيضًا يرى أن حرمة الغناء منصرفة فقط إلى بيت الغناء، وهو ما يتأثر غالبًا بهذا الفهم الخاص لكلام المحدث الكاشاني. وبعض المحققين (البحراني، إيقاظ النائمين و إيعاظ الجاهلين، 1376: 1/ 516؛ قاضي زاده، غنا از ديدگاه اسلام، 354) أيضًا، بتفسيرهم لكلام المحدث، يرون أن الغناء الشهواني فقط هو المقصود في روايات الحرمة – وهو بيان بعيد عن الصواب كما أشرنا. أما القول بالانصراف، مع أنه لم يذكره أي من فقهاء الشيعة المتقدمين، وقد رده كثير من فقهاء عصره ومن بعده، فهو باطل لأدلة كثيرة، وفي هذه المقالة سعينا إلى استقصاء أدلته المقبولة والمحققين في هذا الباب. أولاً: الروايات التي تحرم الغناء غير الملازم للمعاصي، مثل الرواية المذكورة في وسائل الشيعة (الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، 1409: 12/ 228)، حيث يتحدث شخص في محضر الإمام الصادق (ع) عن رخصة رسول الله (ص) في إنشاد الشعر بصورة غنائية للترحيب، فينكر الإمام جواز هذا الأمر بشدة، مع أنه لم يكن ملازمًا لأي أمر حرام. وقد ذكر الإمام الخميني هذه الرواية في رد القول بالانصراف (الإمام الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 323). ثانيًا: يعتقد الملا إسماعيل الخواجويي (الخواجويي، رسالة في الغناء، 1376: 1/ 581) أن الغناء في كلام أهل اللغة فُسّر بمفاهيم مثل الترجيع والتطريب وأمثالها، ولا يوجد أي أثر لاقتصار الغناء على النوع اللهوي الشائع في زمن الأمويين والعباسيين في أقوال أهل اللغة. لذلك، لا يقبل المعنى اللغوي للغناء حمل لفظ الغناء المحلي بالألف واللام على الأفراد الشائعين في ذلك العصر بأي وجه، ومثل هذا الحمل غير جائز، فضلًا عن أن نقول إنه بعيد. ويكتب محمد رسول الكاشاني (الكاشاني، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 1/ 729) في بيان مشابه: دأب مؤلفي كتب اللغة هو ذكر معاني الألفاظ، سواء كانت حقيقية، لغوية، عرفية أو مجازية، ولكن لم يذكر هذا المعنى الخاص للغناء في أي مكان. وليس صحيحًا أيضًا القول بأن هذا المفهوم الخاص للغناء ظهر بعد تأليف كتب اللغة المرجعية؛ لأن المستفاد من كلام المدعين هو أن هذا النوع من الغناء كان موجودًا في زمن الجاهلية أيضًا. ثالثًا: يعتبر محمد رسول الكاشاني (نفسه، 748) حقيقة الغناء هي الصوت المرجع المطرب، ولا يثبت شيوع الغناء المقرون بالمعاصي في زمن الأئمة (ع) بحيث ينصرف مفهوم الغناء إلى هذا النوع فقط. ويعتقد (نفسه، 749) أن شيوع الغناء المقترن بالمعاصي يؤدي إلى انصراف مطلق الغناء إلى هذا النوع الخاص عندما لا تكون الأنواع الأخرى من الغناء شائعة في زمانهم، بينما التغني الخالي من المعاصي إن لم يكن أكثر من النوع اللهوي منه، فليس أقل. ويؤيد الكاشاني (نفسه، 754) هذا الأمر في موضع آخر من رسالته، ويعتقد أن الأخبار تشير إلى شيوع التغني في الأعراس دون ملازمة للأمور الشائعة في بيت الغناء. ويذكر (نفسه، 729) هذه النقطة أيضًا: لقد درسنا موارد استعمال الغناء في العرف، ولكن لم نجد استعمال الغناء بهذا المعنى الخاص بجميع قيوده، فضلًا عن أن يكون هذا المعنى قد تحول إلى حقيقة عرفية. رابعًا: في نظر الكاتب، لو فرضنا قبول دعوى انصراف مفهوم الغناء إلى الغناء الشائع في زمن الأئمة (ع)، يجب أن نقول إن هذا النوع من الانصراف ليس انصرافًا ظهوريًا يؤدي إلى عدم إطلاق اللفظ، بل هو من نوع الانصراف البدوي الذي له جذر ليس في اللفظ نفسه بل في منشأ خارجي – وهو شيوع هذا النوع من الغناء في بيئة حياة الأئمة (ع) – وهذا النوع من الانصراف لا يمنع من التمسك بإطلاق لفظ الغناء. خامسًا: كما قلنا، لم يُقدم تفسير واحد لدعوى الفيض الكاشاني، وهذا الأمر نفسه يواجه القول بالانصراف بالتشكيك. سادسًا: الروايات النبوية المتعددة حول حرمة الغناء المطلق دليل قوي جدًا على رد القول بالانصراف (راجع: الطبرسي، مجمع البيان، 1395: 8/ 314؛ الشعيري، جامع الأخبار، بدون تاريخ: 433؛ الكليني، أصول الكافي، 1369: 2/ 614). لأنه ثبت أن النوع الخاص من الغناء الشائع في زمن الأئمة (ع) لم يكن موجودًا في زمن النبي (ص) أو على الأقل لم يكن شائعًا (قاضي زاده، غناء از ديدگاه اسلام، مجلة فقه، 1374: 334). ومن ناحية أخرى، فإن تقديم المعنى اللغوي على العرف المستحدث والمتأخر عن زمن صدور الحكم، أمر مسلم به.

2-2. الشبهات الموضوعية

اتضح من المطالب السابقة أن للغناء حقيقة لغوية، وهذا الأمر يحصر موضوع حرمة الغناء في حدود حقيقته اللغوية المسلمة (التي هي معرف ذاته وماهيته). وفي هذا السياق، توجد بعض الشبهات حول تقييد إطلاق الغناء اللغوي بالصوت اللهوي، والتي سنجيب عليها في السطور التالية.

أ) الشبهة في أصل موضوع الغناء

يذكر التويسركاني (التويسركاني، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 2/ 969) كأحد القائلين بالنظرية المذكورة: إذا تعلقت الحرمة بموضوع، وكان هناك شك في فردية فرد من ذلك الموضوع، فبلا شك وشبهة وباتفاق الأصوليين يجري عليه حكم البراءة، ومسلم أن الحكم يتعلق بموضوع الغناء الذي هو أمر عرفي، وبناءً عليه، فإن الشك من نوع الموضوعية المصداقية سيجري في الأصوات المشكوكة أصالة الإباحة. الرد: موضوع الغناء الشرعي هو حقيقته اللغوية التي كانت مستعملة زمن صدور حكم الشارع، وتحولها إلى حقيقة عرفية، سواء في زمن النبي (ص) أو في زمن الأئمة (ع)، لم يثبت. بناءً عليه، موضوع الحرمة ليس عرفيًا حتى يكون الشك من نوع الموضوعية المصداقية.

ب) الشبهة في مفهوم موضوع الغناء

الكلام المذكور يعني أن الشبهة في مسألة الغناء موضوعية مفهومية، والإجمال يتعلق بمفهوم موضوع الغناء؛ من ناحية، يوجد قدر متيقن من الموضوع المحرم للغناء بين أفراد الشبهة، وهو الغناء من النوع اللهوي، وبالتالي يجري البراءة على سائر أفراد الشبهة، بمعنى أن الغناء بمفهوم الصوت المطرب غير اللهوي لن يكون جزءًا من موضوع الحرمة. وقد طرح هذا الدليل التويسركاني (التويسركاني، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 2، ص 969) وحبيب الله الكاشاني (شريف الكاشاني، ذريعة الاستغناء، 1376: 2/ 1197). الرد: يجب أن نقول إنه عندما لا يكون موضوع الغناء عرفيًا، بل من قبيل الحقيقة اللغوية، كما أن الشبهة الموضوعية المصداقية غير قابلة للطرح، فإن دعوى الإجمال باطلة أيضًا؛ لأن صوت المطرب له مفهوم واضح، وإن كان قد ينشأ شك في فرد من الأفراد الخارجيين هل هو صوت مطرب أم لا، وهذا لا يثير شكًا في إباحته. ثانيًا، لو قبلنا أن الشبهة المفهومية والإجمال في موضوع الغناء قابلان للطرح، فإننا لا نقبل بكون القدر المتيقن هو حرمة الغناء اللهوي، رغم أن البعض يعتبره مسلمًا (التويسركاني، رسالة في تحريم الغناء، 1376: 2/ 970)؛ لأن حرمة الصوت اللهوي غير ثابتة، وبالتالي، طبقًا للقاعدة الأصولية، حيث لا يوجد قدر متيقن من الغناء المحرم، ولا بد من تعلق الحكم بأحد الأفراد المشكوكين، يصبح اجتناب جميع الأفراد لازمًا. قد يثار سؤال بأن اجتناب جميع الأفراد المشكوكين في موضوع الحرمة هو تكليف بما لا يطاق. يعتقد المحقق السبزواري في الرد على هذه الشبهة أن هذا الإشكال يرد عندما تكون الشبهة المفهومية غير محصورة، بينما نحن نعلم مثلاً أن الشك بين الصوت المطرب والصوت المطرب اللهوي، ومطلق الصوت أو مطلق الأصوات الممدودة والعالية لا تدخل في أفراد الشبهة، والشبهة من قبيل المفهومية المحصورة، واجتناب جميع أفرادها لن يكون تكليفًا بما لا يطاق. نقطة أخرى هي أن إلحاق الشبهة الموضوعية المفهومية بالشبهة الحكمية وجريان البراءة بواسطة تحويل الشبهة الموضوعية إلى حكمية مردود أيضًا؛ لأن الرأي المشهور (الحيدري، أصول الاستنباط، 1412: 252) يخصص الشبهة الحكمية بموارد مثل إجمال النص، عدم وجود نص، أو تعارض أدلة الحكم، وإجمال الموضوع لا يلحق بالشبهة الحكمية ليجري فيه أصالة الإباحة.

3. تحليل الأسلوب الموسيقي للتلاوة الاحترافية من منظور الحكم الشرعي للغناء والصوت اللهوي

في السطور السابقة، سعينا إلى بيان حكم وموضوع الغناء والصوت اللهوي الشرعيين بجميع فروعهما، وكذلك موقفنا المحدد في هذا الشأن بشكل مستدل وموثق. في هذا القسم، نريد أن نطبق النتائج المترتبة على الأبحاث السابقة، كنموذج، على أصول الموسيقى في التلاوة الاحترافية المعاصرة، ونقيّم الحجية الشرعية لهذا النوع من التلاوة من منظور فقهي.

3-1. الغناء المحرم والأسلوب الموسيقي للتلاوة الاحترافية

بداية، من المناسب أن نشير إلى بعض الأصول الموسيقية للتلاوة بالطريقة المعاصرة واختلافها عن فنون الغناء الدينية وغير الدينية الأخرى. أحد المعايير الأساسية والمهمة في التلاوة المعاصرة هو ضرورة الالتزام الدقيق لقراء القرآن بالأصول والقواعد التجويدية الدقيقة. بعبارة أخرى، يصبح معيار وقيمة التلاوة محط اهتمام مجتمع القراء وتتاح له فرصة للظهور والبروز عندما يتمتع بهذه الخاصية بشكل مقبول. الجزء الأهم من قواعد التجويد الذي يشكل عائقًا كبيرًا في مسار التلاوة نحو الأسلوب المطرب هو التشدد الكبير في عدم مد الحركات القصيرة والممدودة أكثر من اللازم. للتوضيح، ما يساعد على الطرب في المحتويات الدينية وغير الدينية الأخرى هو عدم التقيد بشرط مقدار المدود والتساهل في كيفية أداء الحروف. بعبارة أخرى، الأصول التجويدية، وخصوصًا لزوم مراعاة مقدار المدود، تحد من نطاق صلاحيات قارئ القرآن في أداء الانحناءات والتحريرات التي هي من العوامل المهمة لإيجاد الطرب، بينما هذا التشدد والقيود الكثيرة لا توجد في فنون الغناء الأخرى، سواء كانت دينية أم غير دينية. لذلك، من المستبعد جدًا أن يتمكن قارئ القرآن من إيصال ترجيعات تلاوته إلى حد الطرب من هذا الفضاء المحدود. النقطة المهمة جدًا – والتي نؤكد عليها مجددًا – هي أن المراد بالطرب حالة تنتاب القارئ أو المستمع من شدة الحزن أو الفرح، وتظهر أحيانًا على شكل حركات غير عادية، كالتصفيق والصراخ، وبشكل عام أفعال لا تتناسب مع شأنه. لذلك، وقوع هذا الأمر في تلاوة القرآن، المحصورة بشدة في قيود قواعد التجويد، سيكون أصعب مقارنة بالمحتويات الكلامية الأخرى، وإن لم يكن أمرًا مستحيلاً. كما يمكننا أن نشير إلى نماذج محدودة من تحقق الطرب بهذا المعنى في أجزاء من تلاوات الأساتذة المصريين الكبار، مثلاً في بعض تلاوات الأستاذ محمد أحمد عمران ومحمد عبد العزيز حصان – اللذين هما حقًا فريدان في فن التنغيم والتلحين – يلاحظ خروج بعض المستمعين عن حالتهم العادية بناءً على شدة طربية ذلك الجزء من التلاوة، والذي يكون أحيانًا مصحوبًا بالصياح والتصفيق. من ناحية أخرى، كثير من التلاوات المرتلة والمجلسية من قراء مصريين وسعوديين مشهورين آخرين تُبث دائمًا عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ولكن لا تحدث مثل هذه الحالة للمستمعين عامة وخاصة، ولا ينشأ سوى لذة سمعية للمستمعين. بناءً على ذلك، القيود التجويدية وعدم وجود إمكانيات صوتية وطنين وتلحين استثنائية لدى معظم القراء لا يسمح بإيجاد طرب يؤدي إلى الغناء. بعبارة أخرى، قلة من القراء المشهورين فقط، وفي أجزاء من تلاواتهم، وبواسطة جمال صوتي فريد والاستفادة من قوة التنغيم والتلحين الموسيقي، تمكنوا من تحقيق الغناء بمفهومه اللغوي.

أ) دعوى استثناء الغناء في التلاوة بناءً على رواية التغني بالقرآن

يعتقد البعض، بناءً على الرواية النبوية المشهورة “من لم يتغن بالقرآن فليس منا” التي وردت في بعض كتب الشيعة (راجع: النوري، مستدرك الوسائل، 1408: 4/ 273؛ الشعيري، جامع الأخبار، بدون تاريخ: 279)، أن الغناء في تلاوة القرآن مستثنى من حكم الحرمة المطلقة للغناء، ورغم أن جميع فقهاء الشيعة تقريبًا أفتوا باستثناء الغناء في الأعراس، إلا أننا رأينا ضرورة دراسة هذه الدعوى بإيجاز. هذه الدعوى باطلة لأسباب متعددة: 1. هذه الرواية وردت بشكل مستفيض في المصادر الروائية لأهل السنة، وكذلك في بعض المصادر الشيعية مثل معاني الأخبار (الشعيري، جامع الأخبار، بدون تاريخ: 279) ومستدرك الوسائل (النوري، مستدرك الوسائل، 1408: 4/ 273). بالطبع، الروايات المشابهة والمؤيدة للرواية المذكورة توجد فقط في المصادر الروائية لأهل السنة. 2. هذه الرواية تتعارض مع إجماع الشيعة على حرمة الغناء. 3. من أهم الأدلة التي يمكن ذكرها لرد هذه الرواية هو تعارضها مع رواية في كتاب وسائل الشيعة (الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة، 1409: 15/ 349) التي تنهى بشدة عن التغني بالقرآن. بالإضافة إلى ذلك، الرواية المشهورة في الكافي (الكليني، أصول الكافي، 1369: 2/ 614) التي تنهى عن الترجيع الغنائي للقرآن، تتعارض أيضًا مع رواية التغني بالقرآن. بعبارة أخرى، منطوق الروايتين المعارضتين للتغني بالقرآن يباين الرواية الوحيدة الموافقة للتغني. ولكن الأسانيد الأقوى للروايتين المعارضتين مقارنة بالرواية الموافقة، وكذلك الأدلة القطعية على حرمة الغناء، لا تترك مجالاً لقبول الرواية الموافقة للتغني بالقرآن. 4. في الروايات النبوية المذكورة في المصادر الروائية للفريقين (الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة، 1409: 17/ 310)، نهى النبي الأكرم (ص) عن قراءة القرآن بمزامير القراء. من الواضح أنه حتى اليوم لم تكن قراءة القرآن مصحوبة بالآلات الموسيقية من قبل القراء أمرًا معهودًا، وبالتالي، المقصود هو ترديد الصوت في الحلق بطريقة مطربة، وهو ما ينافي جواز التلاوة الغنائية للقرآن الكريم. 5. على فرض قبول سند رواية التغني بالقرآن، فإن وجهها الدلالي قابل للتوجيه أيضًا، كما تحدث السيد المرتضى في الأمالي بالتفصيل عنه، ولكن في رأينا، لا حاجة كبيرة لتوجيه مفهومي لهذه الرواية. في نظر الكاتب، كما أن تفسير التغني في التلاوة بالغناء غير صحيح، فإن تفسيره بـ “الاستغناء” – الذي ذكره الكثيرون – غير صحيح أيضًا؛ لأنه يتعارض صراحة مع المفهوم اللغوي للتغني، بالإضافة إلى أن مؤيدات أخرى تظهر أن المراد بالتغني هو كيفية صوتية. في رأينا، رأي ابن الأنباري (علم الهدى، أمالي المرتضى، 1998: 1/ 32) في هذا الباب، مع قليل من التنقيح، هو رأي وسطي في هذا الشأن. يعتقد أن من لا يتلذذ بالقرآن ولا يطلب حلاوته ولا يستسيغ تلاوته، كما يفعل أهل الغناء من طرب وتلذذ، فليس منا. لذلك، ورد في الرواية التغني. من حيث إن تلاوة القرآن تفعل بتاليه ما يفعله الغناء بأصحابه، فهي تشبهه. في رأينا، هذا التفسير للتغني هو رأي وسطي يمكن أن يكون مقبولاً لدى الفريقين مع قليل من التهذيب. للتوضيح، “التغني بالقرآن” مصطلح خاص لتلاوة القرآن، سُمي بهذا الاسم لوجه الشبه الذي يجمعه مع الغناء العرفي في ترجيع الصوت وإيجاد لذة سمعية لدى التالي. أي، في التغني يوجد ترجيع للصوت وتلذذ بالصوت، ولكن قداسة كلام الله تخصص عنوان الطرب واللذة الحرام من معناه.

ب) دعوى تخصيص الغناء في التلاوة بناءً على روايات مؤكدة للترجيع وتزيين التلاوة

اعتبر بعض المحققين الروايات التي تحث على الترجيع والتزيين في التلاوة مشعرة بتخصيص الغناء في التلاوة من حكم الحرمة المطلقة للغناء. على سبيل المثال، يعتقد ماجد البحراني (البحراني، إيقاظ النائمين ويعاظ الجاهلين، 1376: 1/ 518) أن الصوت المرجع مطرب قطعًا، بينما نحن مأمورون بقراءة القرآن بصوت مرجع، فإذا كان الغناء بمفهوم الترجيع المطرب حرامًا، فإن قراءة القرآن بالطريقة التي أكد عليها المعصومون (ع) حرام؟ ويحلل ماجد البحراني (نفسه، 526) بهذا الاستدلال الغناء بمفهومه اللغوي ويحرم الغناء بمفهومه العرفي. في الرد يجب القول، كلام ماجد بأن كل صوت مرجع مطرب، ليس صحيحًا؛ لأن الطرب في نظره هو اللذة الحاصلة من استماع الأصوات، سواء كانت تلاوة قرآن أو غيرها، بينما لا يمكن لأحد عقلاً وشرعًا أن ينكر هذه اللذة السمعية التي يقرها الشارع المقدس. كما قلنا، في تعاريف اللغويين أشير إلى شدة الفرح والحزن، لا إلى القليل منهما. بعبارة أخرى، يحدث الطرب عندما يصاب الشخص بحالة من الفرح أو الحزن الشديد؛ وبناءً على هذا المعنى، في رواية عن الإمام الباقر (ع) (الكليني، أصول الكافي، 1364: 4/ 422)، فُسرت تلاوة القرآن بتحزين، بمعنى التأثر والبكاء والحزن غير المصطنع، وسُميت حالة الغشية والصيحة التي تعتري البعض عند استماع التلاوة شيطانية، ومن غير المستبعد أن تكون إشارة إلى حالة الطرب الحاصلة من شدة الحزن. بناءً على ذلك، كلمات أهل اللغة والعقل والعرف والشرع تؤيد أن اللذة السمعية من تلاوة مشتملة على حزن عادي وغير مصطنع ليست ملازمة لكون ذلك الصوت مطربًا. بالإضافة إلى ذلك، في بعض تعاريف أهل اللغة (الفيروزآبادي، القاموس المحيط، 1237؛ مجموعة من المؤلفين، المنجد، بدون تاريخ: 426؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/ 557)، فُسرت كلمة “طرب” بحالة الاهتزاز والاضطراب والحركة الناتجة عن الحزن والفرح، ومن الواضح أن الحزن والفرح القليلين لا يحدثان هذه الحالة؛ وبالتالي، المراد بالطرب هو حالة الخفة والطيش العقلي الناتجة عن شدة الحزن والفرح، والتي يمكن أن تؤدي إلى حركات غير متعارفة وغير متناسبة مع شأن الفرد – مثل الرقص والتصفيق وضرب الأيدي – أو كما يعتقد البعض (النجفي، الروضة الغناء، 1376: 2/ 1511) تزيل عقل الفرد كالخمر. البهبهاني (البهبهاني، رسالة في الغناء، 1376: 2/ 828) أيضًا في رسالته يعتبر شدة السرور والحزن ملاكًا للطرب، لا مطلقهما. ويذكر الشيخ الأنصاري (الأنصاري، المكاسب، 1392: 2/ 233) أيضًا الترجيع الغنائي وغير الغنائي، والذي يمكن أن يتضمن هذا المعنى. ورغم أنه لم يشر صراحة إلى أن كل صوت جميل يحتوي على ترجيع، إلا أن ما يوصله إلى حد الغناء هو شدة الحزن والفرح وخروج الفرد عن الاعتدال، لا مجرد اللذة السمعية الحلالة من تلاوة متعارفة. بناءً على ذلك، لا يلازم الترجيع الطرب ليقال إن الأمر بالترجيع في التلاوة مساوٍ للأمر بالغناء فيها. إذن، نفس الخلاف الذي أصاب الفقهاء بسبب عدم الانتباه إلى المعنى الدقيق الذي أشار إليه أهل اللغة في مفهوم الغناء، حدث أيضًا في مفهوم الطرب، بحيث نعتقد أن الخطأ الرئيسي للسيد ماجد البحراني هو عدم تنقيح مفهوم الطرب. وفي حكمة تحريم الطرب، يجب أن نقول إن شدة الحزن والفرح لدى الإنسان أحيانًا تنبع من بعض الأمور الجارية في الحياة الدنيا أو الآخرة، أو من قراءة وسماع قصص حزينة أو مفرحة، وهي في حد ذاتها ليست حرامًا، بل أحيانًا مستحبة، حتى لو كانت مصحوبة بشدة معينة، مثل استحباب التفجع والبكاء على مصائب سيد الشهداء (ع). بالطبع، نُهي عن أمور مثل الجزع عند المصيبة أو السكر عند الفرح، ولكن هذه الأمور ليست حرامًا شرعًا. ولكن كما مر، الغناء هو كيفية ناتجة عن الصوت وعوارضه، واختلافه عن الأمور السابقة هو أن الحزن والفرح الناتجين في هذا الأمر، على عكس الحالات السابقة (مثل شدة الحزن الناتجة عن سماع مصائب أهل البيت (ع))، ليس لهما محتوى أو ظروف بيئية وزمانية خاصة. بناءً على ذلك، شدة الحزن أو الفرح، أو حتى زوال عقل الإنسان من استماع صوت (وليس محتوى، سواء كان كلاميًا أو ظروفًا زمانية وبيئية)، يفتقر إلى أي غرض عقلاني، ويكون سببه الوحيد هو حجب النفس والخروج عن العقلانية للتفكير في أمور الحياة الجارية. ويعتقد الشيخ الأنصاري (الأنصاري، المكاسب، 1392: 2/ 204) أن هذا الطرب هو الذي يدخل الصوت في اللهو الحرام ويخلق الغناء، وهو من هذا المنطلق يشبه تمامًا فلسفة تحريم المسكرات. بينما اعتقد بعض المتأخرين خطأً أن الشهوانية هي علة تحريم الغناء، مما يدل على أنهم، بالإضافة إلى عدم العناية بالمفهوم اللغوي الدقيق للغناء، لم يرجعوا حتى إلى العرف ليدركوا الآثار الكارثية للغناء على القوة العاقلة للإنسان؛ لأن الغناء، حتى لو وصل إلى حد زوال العقل، لا يلازمه الشهوانية. وهناك رواية عن النبي الأكرم (ص) تؤيد هذه النقطة، حيث يقول: “من تغنى بغناء حرام يبعث فيه على المعاصي فقد تعلق بغصن منه”؛ أي من يغني بغناء حرام يدفعه إلى المعاصي، فقد تعلق بغصن من شجرة الزقوم.

3-2. الأصوات اللهوية والجانب الموسيقي للتلاوة الاحترافية

المقصود بالصوت اللهوي هو الغناء المتناسب مع مجالس العيش والطرب وألحان أهل الفسق والمعاصي. في رأي الكاتب، الأصوات اللهوية ليست محرمة بشكل مطلق، إلا إذا وصلت إلى حد الطرب. في رأينا، الشيخ الأنصاري الذي اشتهر بأنه رائد إثبات حرمة الصوت اللهوي، لم يقدم أي دليل على حرمة الصوت اللهوي بمفهوم الغناء المتناسب مع مجالس اللهو واللعب. الروايات التي استدل بها تتعلق بحرمة اللهو، لا الصوت اللهوي بالمفهوم المذكور. بل بالتدقيق في عبارات المكاسب، يثبت أن مقصوده بالصوت اللهوي هو نفس الصوت المطرب، بحيث يعتبر الطرب الموجود في الغناء عاملاً لهويته (الأنصاري، المكاسب، 1392: 2/ 204). الإمام الخميني أيضًا يرفض حرمة الصوت اللهوي المطلقة (الموسوي الخميني، المكاسب المحرمة، 1381: 1/ 369). وهو يتفق مع الشيخ الأنصاري في موضوع حرمة الغناء؛ أي أنه يحرم الصوت المطرب فقط، لا الصوت المطرب اللهوي. وكما هو الحال في المكاسب المحرمة، يصرح بهذا المطلب، وفي جميع استفتاءاته أيضًا، الصوت المطرب حرام وليس الصوت اللهوي. في اعتقادنا، الشيء الوحيد الذي تسبب في هذا الفهم التاريخي الخاطئ لكلام الإمام هو المسألة الثالثة عشرة من كتاب تحرير الوسيلة (الموسوي الخميني، تحرير الوسيلة، 1381: 1/ 497)، حيث فُهم قيد التناسب مع مجالس اللهو واللعب خطأً على أنه قيد إضافي، وليس قيدًا توضيحيًا. في الواقع، هو أيضًا مثل الشيخ الأنصاري يعتبر الطرب عاملاً لهوية الصوت. بناءً على ذلك، نعتقد أن القائلين بحرمة الصوت اللهوي لم يتمكنوا بأي حال من تنقيح موضوع وحكم الصوت اللهوي الشرعي، واعتبروا حرمة الصوت اللهوي مسلمة بمجرد النظر إلى كلام الشيخ الأنصاري. ومع ذلك، يجب القول إن استعمال الصوت اللهوي بمفهوم ألحان أهل الفسوق واللهو واللعب، يقتصر تحريمه على التلاوة لسببين؛ الأول هو أنه بناءً على الرواية النبوية (الكليني، أصول الكافي، 1369: 2/ 614) نُهي عن استعمال ألحان أهل الفسق في التلاوة، والسبب الثاني أن هذه الأصوات توجب وهنًا وخفة للقرآن الكريم واستهزاء بكلام الوحي. وقد حرم الفقهاء الاستعانة بالآلات الموسيقية في التلاوة بشكل مطلق، بينما لم توجد هذه الحساسية في المحتويات الدينية الأخرى. لذلك، من هذا المنطلق، ينتفي تحقق الغناء المطرب أو الأصوات اللهوية (بمفهوم الصوت المتناسب مع مجالس اللهو واللعب) في التلاوة. نتيجة لذلك، فإن خطر استخدام الأصوات المحرمة في التلاوة من ناحية استخدام الأغاني اللهوية سيظل قائمًا. قد يقال: هل يمكن أداء لحن يعتبر عرفًا مناسبًا لمجالس الرقص والغناء في تلاوة القرآن؟ الجواب هو أن هذا الأمر ممكن، ولكن إمكانيته تشبه إمكانية استعمال الآلات الموسيقية مع التلاوة؛ أي أنه بسبب جانبه اللهوي والاستهزائي سيكون حرامًا قطعًا وموضع إنكار وإعراض من المجتمع الديني. النقطة هنا هي أننا نرى بعض الأنغام الدينية والشرعية تُؤدى بنسخ بعض الأغاني اللهوية المحرمة، وفي الواقع تم استبدال المحتوى الباطل بمحتوى حق، ولكن هذه الأنغام نفسها لقيت استقبالًا حتى من المجتمع المتدين، وفي الواقع نحن نواجه نوعًا من الاستحالة المعنوية العرفية. لكن العرف الذي يجيز الأصوات اللهوية بسبب توفيرها لموجبات الحزن والفرح المتناسبة مع المناسبات الدينية، لن يُعتد به. استحالة الأصوات اللهوية العرفية تجعل معيار العرف في تشخيص الصوت اللهوي متزعزعًا وغير قابل للاستناد إليه. خطر دخول الأنغام اللهوية في التلاوة – ولو لم تكن مطربة – أقل مقارنة بالمحتويات الدينية الأخرى؛ وهذا الأمر له أسباب مختلفة. أولاً: الحساسية في مجال القرآن الكريم وحفظ شأنه وحرمته أكبر بكثير، ومثال على ذلك حرمة مصاحبة التلاوة بالآلات الموسيقية. ثانيًا: بناءً على الروايات، فإن الأجواء السائدة في تلاوة القرآن هي أجواء التحزين، على عكس الأنغام الدينية الأخرى التي تشمل أنغامًا مفرحة وحزينة، لذلك فإن قارئ القرآن، حتى عندما يؤدي مقامات مثل النهاوند – وهو مقام مفرح في الموسيقى العربية – ملزم بأن يتلوه في أجواء تحزين ومتناسبة مع شؤون القرآن الكريم. من هنا، فإن الأنغام الراقصة في التلاوة ستكون محكومة بالرفض من قبل المستمع الخاص والعام للتلاوة. ولكن النقطة التي نشير إليها استطرادًا هي أن إيجاد أصوات مطربة مفرحة، بخلاف اتصاف التلاوة بالغناء الحرام (بواسطة الطرب)، يوجب وهنًا واستهزاء بكلام الوحي وحرمة مضاعفة؛ لأنه يؤدي إلى جعل روايات قراءة القرآن بحزن، ذريعة لإيجاد طرب حزني، بينما لم يوصَ أبدًا بتلاوة القرآن بفرح وسرور، وهذه الحالة يمكن مقارنتها بحرمة استخدام آلات اللهو مع التلاوة، لأنها بالإضافة إلى عنوان الطرب، تسبب وهنًا وخفة للكلام الإلهي. العلامة الشعراني – وهو من موافقي التغني في التلاوة – يؤيد هذا المطلب ويعتقد أن: استخدام ألحان راقصة في العبادات حرام؛ لأنه يوجب وهنًا وخفة للتلاوة والمواعظ والفضائل (الشعراني، غناء و موسيقي از ديدگاه علامه شعراني، 1371: 97). ثالثًا: النشر والانتشار الفائق للأنغام الدينية الأخرى، مقارنة بالتلاوة، وظهور وبروز المنشدين الدينيين بشكل أوسع مقارنة بالقراء، هيأ أرضية للاستحالة العرفية لاستخدام الأغاني اللهوية في هذه الأنغام الدينية، بينما الأمر ليس كذلك في التلاوة، وأصالة الموسيقى الخاصة بالتلاوة وتناسبها مع شأن القرآن، غالبًا ما تراعى. رابعًا: كما أن القيود المحتوائية للقرآن الكريم من حيث أداء الحروف، لا تسمح بتحقق الغناء بمفهومه اللغوي، فهي تمنع إلى حد كبير دخول الأصوات اللهوية في التلاوة، ولكن هذه القيود لا توجد في المحتويات الدينية الأخرى. ومن هنا يتضح سبب تأكيد الروايات الشديد على مراعاة دقة أداء الحروف في التلاوة. وكما سنرى، فإن المقصود بالصوت واللحن العربي الذي فسره البعض بالتلاوة الغنائية، هو نفس مراعاة القواعد التجويدية. إمكانية استخدام الأصوات والأغاني اللهوية المحرمة في تلاوة القرآن يمكن أن تكون أوسع من الغناء المطرب؛ لأننا قلنا إن أداء الغناء المطرب في التلاوة صعب جدًا بسبب القيود الكلامية (وإن لم يكن مستحيلاً)، ولكننا قلنا إن بعض أنواع الأصوات اللهوية المحرمة قد لا تكون مطربة وحرمتها موكولة إلى العرف. بناءً على ذلك، بما أنها ليست مطربة وتشخيصها موكول إلى العرف، فإن إمكانية استخدامها في التلاوة ستكون أكبر.

3-3. استعمال ألحان العرب في التلاوة الاحترافية وحكمها الشرعي

أ) رؤية جديدة في فهم رواية قراءة القرآن بألحان وأصوات العرب

في الرواية النبوية، أوصي بتلاوة القرآن بألحان وأصوات العرب. في كتاب الكافي الشريف (الكليني، أصول الكافي، 1369: 614) نُقلت هذه الرواية: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَ أَصْوَاتِهَا وَ إِيَّاكُمْ وَ لُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يُرَجِّعُونَ الْقُرْآنَ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَ النَّوْحِ وَ الرَّهْبَانِيَّةِ لَا يَجُوزُ تَرَاقِيَهُمْ قُلُوبُهُمْ مَقْلُوبَةٌ وَ قُلُوبُ مَنْ يُعْجِبُهُ شَأْنُهُمْ. الترجمة: اقرأوا القرآن بألحان العرب وأصواتها، واجتنبوا ألحان أهل الفسق وأهل الكبائر، فإنه سيأتي بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يتجاوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب من يعجبه شأنهم. السؤال هو: ما معنى ألحان العرب في هذه الرواية الشريفة، وما علاقتها بألحان الموسيقى العربية؟ والسؤال الآخر: ما هو الحكم الشرعي لاستخدام ألحان الموسيقى العربية التي هي اليوم أحد الأصول الأساسية للتلاوة الاحترافية، وما هي النسبة بين هذا الحكم الشرعي وحكم الغناء والصوت اللهوي؟ في هذا القسم، نعتزم الإجابة على هذه الأسئلة. يكتب الزبيدي (الحسيني الزبيدي، تاج العروس، 1414: 18/ 504) في معنى لحن قريش: ورد في الرواية أن القرآن نزل بلحن قريش، واللحن هنا بمعنى اللغة. وينسب الزمخشري (الزمخشري، الفائق في غريب الحديث، 1417: 3/ 196) قولين لعمر بن الخطاب، ورد فيهما اللحن بمعنى اللغة: 1) تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تعلمون القرآن. يكتب الزمخشري: أبو زيد والأصمعي يريان أن اللحن هنا بمعنى اللغة. 2) أبي أقرؤنا؛ وإنا لنرغب عن كثير من لحنه؛ أي أبي بن كعب هو أقرؤنا، ونحن نرغب كثيرًا في لحنه. أهل اللغة (ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، 1367: 4/ 242؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 13/ 382) أيضًا فسروا اللحن في الكلام الأخير باللغة. من ناحية أخرى، ربما يمكن القول إن تعريف أبي بن كعب في هذا البيان بأنه أقرأ القراء، إلى جانب كلمة لحن، يمكن أن يظهر أن معيار القراءة الأحسن في صدر الإسلام كان حسن الأداء وصحته، لا قوة التلحين وجمال الصوت. من بين أهل اللغة، يكتب الفيومي (الفيومي، المصباح المنير، 1414: 2/ 551) أيضًا: (لَحَنْتُ) (بِلَحْنِ) فُلَانٍ (لَحْنًا) أَيْضًا تَكَلَّمْتُ بِلُغَتِهِ. نعتقد أن روايات وتقارير صدر الإسلام يمكن أن تكون أبلغ في بيان معنى اللحن في تلاوة القرآن من آراء أهل اللغة؛ لأن معنى اللحن في عرف أهل الفن وعرف عصر النبي (ص) كان مختلفًا، وترجمة اللحن بالمعنى العرفي لأهل الغناء شاعت لاحقًا. ومع ذلك، نرى أن آراء اللغويين – التي ذكرت أعلاه – تقبل تفسير اللحن باللغة. الأقوال المنسوبة إلى عمر بن الخطاب تبين تمامًا أن اللحن في القراءة؛ في صدر الإسلام، كان بمعنى اللغة والأداء الصحيح، واللحن بمعنى الأنغام الناتجة عن فن التلحين شاع في العصر الأموي وخاصة العباسي. أهل اللغة أيضًا، بناءً على دأبهم، ذكروا هذا المعنى العرفي؛ أي الأنغام، بالإضافة إلى المفهوم الأصلي لكلمة لحن في عصر النبي (ص). ومن المثير للاهتمام أن الطريحي في مجمع البحرين (الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 1/ 307) والملا صالح المازندراني (المازندراني، شرح الكافي، 1382: 11/ 39) في شرح الكافي قد أوردا اللغات في ترجمة الألحان. يكتب الملا صالح (المازندراني، شرح الكافي، 1382: 11/ 40) في تعريف ألحان العرب: أي اقرأوا القرآن بأداء صحيح للحروف وإظهارها وحفظ الوقوف ومراعاة الحركات والسكون. في رواية نبوية، ورد اللحن بمعنى الأفصح والأبين (ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 1402: 13/ 172)، وهو ما يؤيد هذا الفهم للرواية. نتيجة لذلك، يمكن القول إن مجموع المطالب المذكورة يشير إلى أن ترجمة كلمة لحن باللغة، التي طرحها بعض اللغويين (ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، 1367: 4/ 242؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 13/ 382؛ الطريحي، مجمع البحرين، 1375: 1/ 307)، تتوافق أكثر مع التقارير التاريخية والمعنى العرفي لكلمة لحن في صدر الإسلام وبعض الروايات وأقوال العلماء، بينما لا نرى هذا التناسب في ترجمة كلمة لحن إلى الأنغام والنغمات، بمعنى أنه في التقارير التاريخية التي وصلتنا، فإن قراءة القرآن باللحن، وردت فقط بمفهوم التلاوة بلغة العرب، ولم يوجد مفهوم الصوت الحسن في هذه الكلمة. بناءً عليه، ربما يمكن القول إن الألحان في هذه الرواية تعني حسن الأداء وصحة القراءة، وليس المعنى العرفي لأهل الغناء مطروحًا فيها. كلمة “أصوات” المذكورة في الرواية تؤكد هذا القول أيضًا؛ لأن القراءة بأصوات العرب هي نفس طريقة أداء الأعراب. كما أن علم الأصوات اليوم يهتم بتجويد القرآن. وقد فسر الملا صالح المازندراني (المازندراني، شرح الكافي، 1382: 11/ 39) أيضًا الأصوات بـ “صوت متناسب مع أصوات الأعراب”، وهو ما يؤيد هذا الفهم. بناءً عليه، يمكن القول إن القراءة بألحان وأصوات العرب، تعني صحة القراءة وأداء الحروف في التلاوة، وهو ما يضمن بنفسه حفظ كلام الله ويمنع تشابه تلاوة القرآن بكلام أهل المعصية – الذي يشتمل على تضييع حق الحروف وتقطيع ومدود غير مبررة (التمطيط) وصرف الهمة نحو الغناء اللهوي، وذُكر في الرواية المذكورة بلحون أهل الفسق – واستخدام صيغة الجمع لكلمة لحن بصيغتين (ألحان) و (لحون) يمكن أن يؤيد أيضًا الطبيعة المتميزة للقراءة الفصيحة (في تلاوة القرآن) والقراءة التمطيطية (في الغناء).

ب) الحكم الشرعي لتلاوة القرآن بألحان الموسيقى الفارسية

قد يطرح هذا السؤال: بناءً على هذه الرواية، ما هو الحكم الذي يمكن أن يكون لاستخدام ألحان الموسيقى الفارسية في التلاوة؟ في الجواب يجب القول: بما أنه في رأي الكاتب، تفسير الألحان والأصوات العربية باللهجة واللغة العربية هو الأصح والأقوى، فلا يمكن للرواية أن تجيب على السؤال المذكور؛ لأنه يمكن قراءة القرآن بلحن فارسي، وفي نفس الوقت، أداء اللهجة العربية في التلاوة على أكمل وجه. ولكن إذا اعتمدنا القول الثاني؛ أي تفسير ألحان العرب بالترنيمات المعتادة وغير الغنائية للأعراب، فإن تلاوة القرآن بألحان غير عربية لا تُنفى؛ لأن الرواية في صدد بيان أن تلاوة القرآن يجب ألا تتجاوز الأصوات المألوفة والمعتادة بينكم (غير المتكلفة، المحزنة، غير الغنائية وغير اللهوية)، وألا تتجه نحو ألحان أهل الفسق التي تشمل الألحان المصنوعة والغنائية. اليوم، في مجتمعنا الإسلامي، قد يقدم العوام أحيانًا في أجواء أصواتهم الفارسية والمحلية الأصيلة تلاوات غير متكلفة، عذبة ومحزنة. بالإضافة إلى ذلك، فإن القراءة بألحان مألوفة لدى الناطقين بالعربية (وليس الألحان الموضوعة والمصنوعة لأهل الفن) تتطلب البحث عن الأنغام والترنيمات العربية لاستخدامها في التلاوة، وهو أمر غير معقول ومطلوب. إذن، في كلتا الحالتين، الرواية ليست في مقام بيان رجحان التلاوة بألحان الأعراب، ورغم أن الروايات أكدت على التلاوة باللهجة العربية، إلا أن الأرجحية الشرعية للألحان العربية على الألحان والأنغام غير العربية لا يمكن استنباطها من الرواية المذكورة. لكن إذا ثبت أن القراءة في أجواء الموسيقى العربية لها تأثير مباشر في تحسين اللهجة العربية – وهو ما أكدته الرواية – فإن استعمالها يمكن أن يكون مطلوبًا من هذا المنطلق، وإلا فإن القراءة في أجواء الأنغام العربية، في حد ذاتها، لم تؤكدها الروايات. استخدام عبارة “ألحان العرب” كتركيب إضافي، بدلاً من تركيب وصفي “ألحان عربية”، يقوي بشدة احتمال أن المقصود هو رجحان أو عدم رجحان التلاوة بألحان عربية أو عجمية، بل تأكيد الرواية على مراعاة لهجات العرب، أو باحتمال أضعف، ترنيمات الأعراب المعتادة. بناءً على المطالب المذكورة، لا يمكن إدانة السعي الكبير لبعض القراء الإيرانيين في أداء المقامات الموسيقية الفارسية في التلاوة، بالاستدلال على لزوم قراءة القرآن بألحان عربية. من مجموع المطالب السابقة، يمكننا أن نقول إن أسلوب التلاوة الموسيقية الاحترافية لا يمكن الدفاع عنه إلا بروايات تحسين وتزيين الصوت، بمعنى أن الروايات لم تأمر بالقراءة بألحان الموسيقى العربية الموضوعة (مثل النهاوند، الصبا،…)، ولم تنف استعمال الألحان الموضوعة العربية أو غير العربية (بالطبع، أكدت على تلاوة القرآن بأصوات مألوفة، محزنة، غير غنائية وغير لهوية). بناءً عليه، فإن الدليل الوحيد لتبرير استعمال الألحان الموضوعة العربية وغير العربية في التلاوة، هو لزوم بذل قصارى الجهد في تحسين وتزيين التلاوة. بالطبع، لا يخفى أن مطلوبية بذل الجهد والإمكانيات في هذا المجال هي أيضًا محل شك من منظور شرعي؛ لأن أقصى ما يمكن استخلاصه من الروايات هو التلاوة بأصوات غير متكلفة ومألوفة، وظاهر الأمر يبدو أن استعمال الألحان الموسيقية يتجاوز هذا الحد ولا ينسجم مع الغاية التي يقصدها الشارع في أمر التلاوة. في النهاية، يبدو أن سعي قارئ القرآن لاستخدام أفضل وأكثر للألحان الموضوعة الموسيقية العربية والعجمية في سبيل تحسين وتزيين التلاوة، ليس مما أكده الشارع المقدس. وعلى فرض قبول جواز استعمال الألحان الموضوعة الموسيقية العربية وغير العربية في التلاوة، يجب الانتباه إلى عدم كون هذه الألحان غنائية ولهوية.

ج) حكم استعمال الألحان في التلاوة على أساس فقه الشيعة

بناءً على التحليل المقدم، لا علاقة للألحان المشار إليها في الرواية النبوية بألحان الموسيقى العربية. ولكن يجب القول إن كل صوت حسن في تلاوة القرآن – حتى لو لم يكن القارئ نفسه على دراية بعلم الموسيقى – لا بد أن ينطبق على أحد مقامات الموسيقى العربية. بعبارة أخرى، عندما نؤمر بترجيع وتحسين التلاوة، فإن الصوت الحسن للتلاوة، بشكل لا إرادي وبناءً على قواعد علم الموسيقى، سيتجلى في قالب أحد الألحان العربية. نتيجة لذلك، فإن التفسير الذي قدمناه للرواية المذكورة لا يتنافى مع استخدام الألحان العربية في تلاوة القرآن. من هنا، النقطة الوحيدة هي أن القارئ في استخدامه للألحان يجب ألا يقع في وادي الغناء، أو استعمال ألحان أهل الفسوق أو الأصوات اللهوية. الشيعة، بسبب عدم ابتلاء مجتمعهم في هذا المجال، لم يفتِ علماؤهم حول هذا الموضوع، باستثناء العلامة الغروي (الفاضل الغروي، رسالة في باب الغناء والموسيقى، 1371: 44/ 83) الذي هو من أشد المدافعين عن التغني بالقرآن، فإنه لا يمنع الألحان ما لم تصل إلى التصانيف والأصوات الغنائية المحرمة، ورغم أنه يشير إلى أنه من الأفضل عدم تجاوز بعض المقامات في التلاوة. بالطبع، في النهاية، بعد كل هذا الاستدلال في الدفاع عن التغني بالقرآن، يلجأ إلى الاحتياط ويقول: من الأفضل عدم الغناء في القرآن والمراثي، من باب الاحتياط وقول أكثر العلماء في النهي عنه. ونُقل كلام مجمل آخر عن الملا صالح المازندراني (المازندراني، شرح الكافي، 1382: 11/ 40) حيث يكتب: إذا كان القارئ من أهل الفن وقادرًا على تمييز الغناء عن غيره، فلا إشكال في قراءة القرآن بالألحان، وإلا فالأولى تركها. على أي حال، يمكننا القول: بناءً على فقه الشيعة، فإن نطاق استخدام ألحان الموسيقى العربية في التلاوة يقتصر فقط على عدم استخدام الألحان المطربة، والأصوات اللهوية (بمفهوم ألحان أهل الفسق والمتناسبة مع مجالس اللهو واللعب)، والألحان المنافية لشأن ومرتبة كلام الله، ولا يوجد قيد آخر.

د) حكم استعمال الألحان في التلاوة على أساس فقه أهل السنة

لأهل السنة ثلاث وجهات نظر مشهورة حول استخدام الألحان في التلاوة. ممثل المجموعة الأولى هو ابن القيم (ابن القيم، زاد المعاد في هدي خير العباد، 1998: 464) الذي يشترط لاستخدام الألحان في التلاوة أن تكون طبيعية وغير متكلفة. أما ابن حجر (ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، 1402: 9/ 89) كممثل لوجهة النظر الثانية، فقد اشترط عدم التأثير السلبي لاستخدام الألحان على حسن أداء الحروف، ورغم أن وجهة النظر الأولى لها أنصار أكثر. والمجموعة الثالثة مثل محمد أبو زهرة (أبو زهرة، التغني بالقرآن الكريم، كنوز العرفان، بدون تاريخ: 18)، العالم السني المعاصر، يدافع بشدة عن ترجمة الألحان باللغات ويعتقد أن التغني المستحسن في بيان النبي (ص) هو ما يكون على أساس ألحان العرب، وألحان العرب هي إخراج الحروف من مخارجها، والمد في موضعه وأمثال ذلك مما ورد في علم التجويد. بالطبع، هو لتفنيد التلاوة الحديثة للقراء المصريين، يتجاوز ذلك ويفسر مفاهيم مثل الترجيع والترنم والتحبير – التي وردت كثيرًا في روايات أهل السنة – بترجيع وتكرار المعاني والتلذذ بها. وكما هو واضح في الآراء الأخيرة، فبناءً على أن أكثر أهل السنة لا يحرمون الغناء نفسًا، فإن محور استدلالهم في حكم استعمال الألحان يختلف عن فقه الشيعة ولا يتوقف على الحكم الشرعي للغناء.

4. إمكانية تحقق الغناء المحرم والصوت اللهوي في أسلوب المديح الحديث

المطالب المذكورة في مبحث إمكانية وقوع الغناء في التلاوة الاحترافية تصدق إلى حد كبير على المديح بالأسلوب الحديث. ولكن القيود الكلامية والحساسيات المضاعفة لتلاوة القرآن (بخلاف المديح)، وكذلك الإقبال الأقل من جمهور مجتمعنا على الأنغام العربية للتلاوة مقارنة بالأنغام المفهومة والمحبوبة للمديح، يخلق تمييزًا واضحًا. بالإضافة إلى ذلك، فيما يتعلق بالمديح، نواجه إمكانية الاستحالة العرفية لمفهوم الصوت اللهوي بشكل أكبر؛ لأن الاستخدام الواسع للأنغام الموسيقية للمطربين اللهويين في بعض أنواع المديح، جعل تدريجيًا معرفة الأصوات المتناسبة مع مجالس اللهو أمرًا صعبًا، وساعد على اشتباه أداء هذه الأنغام في قوالب ومحتويات دينية. هذه النقطة لا يمكن إنكارها، وهي أن استعمال واقتباس بعض أنواع الأصوات اللهوية (بمفهوم الأغاني المناسبة لمجالس اللهو) أصبح للأسف أمرًا شائعًا في طيف من المدائح، وفيما بعد سنقول إن هذا الأمر (أي استعمال واستماع الأصوات اللهوية بالمفهوم المذكور) حرام في فتاوى مجموعة كبيرة من الفقهاء. ورغم أن الفقهاء الذين لا يحرمون هذا النوع من الأصوات، يشيرون غالبًا إلى وهن واستهزاء بحرمة أهل البيت (ع) نتيجة استخدام هذه الأنغام، وهو ما سيحمل في بعض نماذجه عنوانًا حرامًا. بناءً عليه، خطر الأصوات اللهوية للمديح أكبر بكثير من الأصوات الغنائية؛ لأن الأصوات اللهوية لها نطاق أوسع من الأصوات الغنائية (الأصوات المطربة)، وذلك لأن كثيرًا من الأصوات الخاصة بمجالس اللهو وأهل الفسوق والكبائر لا تتمتع بخاصية الطرب، ولكنها حرام في نظر بعض الفقهاء. بناءً عليه، يجب على مداحي أهل البيت (ع) أن يحذروا بشدة من استخدام هذا النوع من الأصوات في أدائهم، ويجب على المستمعين المخلصين والكثر لمدائح ومراثي آل الرسالة أن يكونوا حذرين جدًا في هذا الشأن. فيما يتعلق بتشخيص الغناء المحرم في المدائح، المهمة أسهل مقارنة بالأصوات اللهوية؛ لأن نطاق الأصوات اللهوية أوسع، وإمكانية الاستحالة العرفية في الأصوات اللهوية موجودة. على أي حال، كل صوت، سواء كان مديحًا أو غيره، يسبب في العرف وغالبية أفراد المجتمع حالة من الخفة والطيش ناتجة عن طرب حزني أو فرحي، فهو حرام. ولكن للأسف، هذه الحالة الطربية تلاحظ في بعض أنواع المدائح المعاصرة. بالطبع، في الفصل الأول، قلنا بالتفصيل إنه يجب أن تنشأ هذه الحالة من الصوت وعوارضه عرفًا، لا من محتوى الكلام، ورغم أن محتوى الكلام، الذي هو هنا مصائب أو مدائح أهل البيت (ع)، له دور إلى حد ما في إيجاد الحزن والفرح. هذه الحالة الطربية، خاصة في المدائح التي تؤدى بشكل جماعي وبمصاحبة صوت خفي، وغالبًا ما تكون مصحوبة بالهتاف والهرولة، تلاحظ كثيرًا، وغالبًا ما لا يلتفت المستمعون في مثل هذه الحالات كثيرًا إلى محتوى الكلام، ويتأثرون بشكل ملحوظ بكيفية الصوت الحزين أو المفرح للمادح. غالبية مراجع التقليد المعاصرين يحرمون الغناء بهذا المفهوم، أي الصوت المطرب (بدون قيد اللهوي)، وهنا يدق ناقوس الخطر لبعض المدائح الحالية، التي إما أن تكون مطربة أو هي نفسها الأصوات اللهوية بالمفهوم المشهور أو مزيجًا منهما. كلامنا في هذه السطور موجه بشكل أكبر إلى قلة من المداحين الكرام لأهل البيت (ع) الذين لا يأبون، دون الانتباه إلى هذه المسلمات والمحرمات الشرعية، من استعمال الأصوات اللهوية أو المطربة في أنغامهم، وكثيرًا ما نسمع هذا التبرير: لجذب عامة المجتمع وخاصة الشباب، يجب الاستفادة من فن الصوت الحسن. نحن نتفق تمامًا مع هؤلاء الأعزاء في هذا القول، ولكن كما أشرنا مرارًا في هذه المقالة، مقولة الأصوات الجميلة والعذبة، وحتى المشتملة على ترجيعات وتحريرات غير غنائية، منفصلة عن الأصوات المطربة أو اللهوية، ويجب على المبلغين الدينيين وعموم المداحين ومخاطبي الأنغام الدينية في هذا الشأن أن يوضحوا أكثر من ذي قبل، وأن يظهروا أصل إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – وهو أهم هدف لثورة سيد الشهداء – في إزالة هذه الآفة من أمر المديح المقدس.

الخاتمة

1) الصوت الذي يكون مطربًا عرفًا، هو المعنى الحقيقي للفظ الغناء، وهذا المفهوم هو موضوع الحكم الشرعي بشكل مطلق.

2) الغناء، حتى لو وصل إلى حد زوال العقل، لا يلازمه الشهوانية؛ بعبارة أخرى، علة حرمة الغناء هي دفع النفس نحو الشهوات، لا وقوع النفس في المعصية؛ لأن استماع الغناء، مثل شرب المسكرات أو القمار، لم يُحرّم بسبب الشهوانية، وتجرؤ مستمع الغناء، شارب الخمر، أو المقامر على ارتكاب المعاصي، بسبب نوع من الغفلة الخاصة المترتبة على هذه الأمور، هو علة تشريع حرمتها.

3) دعوى انصراف مفهوم الغناء إلى النوع الشائع في عصر الأئمة (ع) الذي كان يلازم عزف آلات اللهو، دخول الرجال في مجالس النساء، ومعاصي أخرى، باطلة لأدلة متعددة.

4) شبهات مخالفي حرمة الغناء النفسي بمعنى الصوت المطرب، سواء كانت دعوى الانصراف أو الشبهات الموضوعية المصداقية والموضوعية المفهومية، غير مقبولة لأسباب متعددة.

5) إمكانية وقوع الغناء والأصوات اللهوية في تلاوة القرآن الكريم أقل بكثير مقارنة بالأنغام الدينية وغير الدينية، ويمكن الإشارة إلى بعض الأسباب: أ) قيود القارئ المحترف في لزوم مراعاة دقة القواعد التجويدية وحسن أداء الحروف، والتي لا توجد في الأنغام الدينية وغير الدينية الأخرى؛ ب) عدم وجود إمكانيات صوتية استثنائية لدى الغالبية العظمى من القراء من حيث الطنين والتلحين لإثارة الطرب المؤدي إلى الغناء بسبب القيود المذكورة؛ ج) الحساسيات الأكبر تجاه دخول الأصوات اللهوية والغنائية في تلاوة القرآن مقارنة بالمحتويات الدينية الأخرى؛ د) الإقبال الأوسع للمجتمع على قراءة واستماع المحتويات الدينية الأخرى مقارنة بتلاوة القرآن وظهور وبروز أكبر لمنشدي الأنغام الدينية؛ هـ) استخدام الآلات الموسيقية في بعض الأنغام الدينية واستخدام الأصوات الخفية المؤدية إلى الطرب في بعض المدائح؛ و) الاستحالة العرفية في تشخيص الأنغام اللهوية والغنائية في الأنغام الدينية، حيث تكون إمكانية وقوع هذه الظاهرة في تلاوة القرآن أقل.

6) الشيخ الأنصاري الذي اشتهر بأنه رائد إثبات حرمة الصوت اللهوي، لم يقدم أي دليل على حرمة الصوت اللهوي بمفهوم الغناء المتناسب مع مجالس اللهو واللعب، بل بالتدقيق في عبارات المكاسب، يثبت أن مقصوده بالصوت اللهوي هو نفس الصوت المطرب، بحيث يعتبر الطرب الموجود في الغناء عاملاً لهويته.

7) الإمام الخميني يحرم الصوت المطرب بدون أي قيد، وقيد التناسب مع مجالس اللهو واللعب، ورد فقط في كتاب تحرير الوسيلة كقيد توضيحي للصوت المطرب ومعناه العرفي.

8) ورغم أن الأصوات اللهوية ليست محرمة بشكل مطلق، إلا أن استخدامها في التلاوة حرام بسبب النهي الشديد من النبي الأكرم (ص) حول استعمال ألحان أهل الفسوق في تلاوة القرآن.

9) القراءة بألحان وأصوات العرب التي أوصي بها في الرواية النبوية، تعني صحة القراءة وأداء الحروف في التلاوة، ولا يمكن استنباط استحباب قراءة القرآن بألحان الموسيقى العربية منها.

10) بناءً على فقه الشيعة، فإن نطاق استخدام ألحان الموسيقى العربية في التلاوة يقتصر فقط على عدم استخدام الألحان المطربة، والأصوات اللهوية بمفهوم ألحان أهل الفسق والمتناسبة مع مجالس اللهو واللعب، والألحان المنافية لشأن ومرتبة كلام الله، ولا يوجد قيد آخر.

11) بما أن أكثر أهل السنة لا يحرمون الغناء نفسًا أو يعتقدون بحلية الغناء في التلاوة، فإن محور استدلالهم في حكم استعمال الألحان يختلف عن فقه الشيعة ولا يتوقف على الحكم الشرعي للغناء.

12) التبرير الوحيد لاستعمال الألحان الموضوعة العربية وغير العربية في التلاوة، هو لزوم بذل قصارى الجهد في تحسين وتزيين التلاوة. بالطبع، مطلوبية بذل الجهد والإمكانيات في هذا المجال هي أيضًا محل شك من منظور شرعي؛ لأن أقصى ما يمكن استخلاصه من الروايات هو التلاوة بأصوات غير متكلفة ومألوفة، وظاهر الأمر يبدو أن استعمال الألحان الموسيقية يتجاوز هذا الحد ولا ينسجم مع الغاية التي يقصدها الشارع في أمر التلاوة.

13) كل صوت، سواء كان مديحًا أو غيره، يسبب في العرف وغالبية أفراد المجتمع حالة من الخفة والطيش ناتجة عن طرب حزني أو فرحي، فهو حرام، وهذه الحالة الطربية تلاحظ في بعض أنواع المدائح المعاصرة.

الهوامش

1. خريج دكتوراه في علوم القرآن والحديث من جامعة فردوسي في مشهد. hamidimandar@yahoo.com

المصادر والمراجع

1. القرآن الكريم.

2. ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، قم: مؤسسة إسماعيليان للطباعة، 1367 هـ. ش.

3. ابن حجر العسقلاني، أحمد، فتح الباري، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1402 هـ.

4. ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدي خير العباد، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1998 م.

5. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1414 هـ.

6. أبو زهرة، محمد، التغني بالقرآن الكريم كنوز العرفان، بي جا: بي تا، 1368 هـ.

7. الأنصاري، مرتضى، المكاسب، ترجمة محيي الدين فاضل هرندي، قم: بوستان كتاب، 1392 هـ. ش.

8. إيراني، أكبر، تحليل مفاهيم فقهى غناء، مجلة أدبستان فرهنگ و هنر، العدد 36، 1371.

9. البحراني، سيد ماجد، إيقاظ النائمين وإيعاظ الجاهلين، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

10. البهبهاني، محمود بن محمد علي، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

11. الطهراني، الشيخ هادي، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

12. التويسركاني، ميرزا عبد الغفار، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

13. الجوهري، إسماعيل بن حماد، صحاح اللغة، بيروت: دار العلم للملايين، 1407 هـ.

14. الحر العاملي، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1409 هـ.

15. الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت: دار الفكر، 1414 هـ.

16. الحلي، حسن بن يوسف، إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان، قم: النشر الإسلامي، 1402 هـ.

17. الحيدري، سيد علي نقي، أصول الاستنباط، قم: شورى مديريت حوزه علميه قم، 1412 هـ.

18. الخواجويي، ملا إسماعيل، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

19. الخوانساري، سيد محمود بن عبد العظيم، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

20. الدارابي، محمد بن محمد، مقامات السالكين، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

21. الزمخشري، محمود بن عمر، الفائق في غريب الحديث، بيروت: دار الكتب العلمية، 1417 هـ.

22. السنقري الحائري، محمد علي، الموسيقيات و نقدها، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

23. الشريف الكاشاني، مولى حبيب الله، ذريعة الاستغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

24. الشعراني، أبو الحسن، غناء و موسيقي از نگاه علامه شعراني (ره)، بكوشش أكبر إيراني قمي، كيهان انديشه، العدد 45، 1371 هـ. ش.

25. الشعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار، نجف: مطبعة حيدرية، بي تا.

26. الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، بي جا: مؤسسة المعارف الإسلامية، ص 1414 هـ.

27. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، طهران: المكتبة الإسلامية، الطبعة الخامسة، 1395 هـ.

28. الطريحي، فخر الدين بن محمد، مجمع البحرين، طهران: نشر مرتضوي، 1375 هـ. ش.

29. علم الهدى، علي بن حسين، أمالي المرتضى؛ غرر الفوائد و درر القلائد، القاهرة: دار الفكر العربي، 1998 م.

30. الفاضل الغروسي، عبد الحسين، رسالة في باب الغناء والموسيقى، كيهان انديشه، العدد 44، 1371 هـ. ش.

31. الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم: نشر هجرت، 1409 هـ.

32. الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، بيروت: دار الكتب العلمية، 1415 هـ.

33. الفيض الكاشاني، مولى محسن، مفاتيح الشرائع، قم: مجمع الذخائر الإسلامية، 1401 هـ.

34. الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم: مؤسسة دار الهجرة، 1414 هـ.

35. قاضي زاده، كاظم، غناء از ديدگاه اسلام، مجلة فقه، العدد 4 و 5، 1374 هـ. ش.

36. الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، ترجمة مصطفوي، طهران: كتاب فروشي علمية إسلامية، 1369 هـ. ش.

37. الكاشاني، محمد رسول، رسالة في تحريم الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

38. الكشميري، محمد مهدي، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

39. مجموعة من المحققين، المنجد، بيروت: دار المشرق، الطبعة العشرون، بي تا.

40. المازندراني، محمد صالح، شرح الكافي، طهران: المكتبة الإسلامية، 1382 هـ.

41. المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ.

42. المحقق السبزواري، رسالة في تحريم الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

43. المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1410 هـ.

44. الموسوي الخميني، روح الله، المكاسب المحرمة، قم: دفتر نشر آثار إمام خميني، 1381 هـ. ش.

45. الموسوي الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني، 1379 هـ. ش.

46. الموسوي الخميني، مصطفى، مستند تحرير الوسيلة، طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني، 1376 هـ. ش.

47. النجفي الأصفهاني، محمد رضا، الروضة الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

48. النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1408 هـ.

49. همايي، جلال الدين، گفتاري از جلال الدين همايي در مبحث غناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء موسيقى، رضا مختاري، قم: انتشارات بوستان كتاب، 1387 هـ. ش.

50. الهمداني، مولى عبد الصمد، رسالة في الغناء، بناءً على نسخة مطبوعة في كتاب غناء، موسيقى (مجلدين)، رضا مختاري، محسن صادقي، مركز تحقيق مدرسة ولي عصر (عج)، قم: نشر مرصاد، 1376 هـ. ش.

51. يوسفي مقدم، محمد صادق، تأملي در موضوع شناسي غناء، مجلة فقه، العدد 64، 1389 هـ. ش.

Scroll to Top