ملخص
وردت مشتقات كلمة «الإثخان» في القرآن الكريم مرتين فقط، وذلك في سياق الحديث عن حكم الأسر كأحد أحكام وتقنيات الحرب. إن الاختلاف الظاهري في الحكم بين الآيتين: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (الأنفال: 67) و «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» (محمد: 4)، وظهور العتاب في السياق، بالإضافة إلى الفهم المتباين لمفهوم «الإثخان» كمًا وكيفًا، كل ذلك كان سببًا في تقديم مفسري القرآن استنتاجات متنوعة وأحيانًا متناقضة حول هاتين الآيتين؛ وإن كان نطاق تضارب الآراء التفسيرية في الآية 67 من سورة الأنفال أوسع. يسعى هذا البحث إلى تقديم تفسير منسجم لهاتين الآيتين من خلال تحليل ونقد آراء المفسرين في هذا الموضوع، مع الأخذ بعين الاعتبار مفهوم «الإثخان» أي القتل والتقتيل الشديد أو إلحاق الهزيمة بالعدو، وزمان نزول هاتين الآيتين، وكذلك تحليل قرائن لهجة الآيات. وفي الختام، يعتقد البحث أن الآيتين اللتين تحتويان على «الإثخان» تدلان على مضمون مشترك، وأن مفهوم «الإثخان» هو الهيمنة القوية والانتصار في ساحة المعركة، والذي يجوز بعده أخذ الأسرى. كما أنه لا توجد في هاتين الآيتين قرينة لحمل السياق على العتاب والتوبيخ، ولهجة كلتا الآيتين تحمل طابع التحذير.
المقدمة
إن مضمون سورة الأنفال يحكي قصة غزوة بدر والأحداث التي تلتها؛ وهي غزوة وقعت في السابع عشر من رمضان في السنة الثانية للهجرة، وشكلت ظروفاً حرجة وخاصة للمسلمين. في هذه السورة، يوجه الله تعالى نصائح للمسلمين ويحذرهم من احتمال الهزيمة في المعركة المقبلة وضياع العزة التي تحققت من المعركة السابقة، ويذكرهم بأن هذه الظروف الخاصة وضعف المسلمين في بدر هي التي هيأت الأسباب لنصرة الله لهم، ولكنهم لن يواجهوا بالضرورة مثل هذا الأمر في مناسبات أخرى. في هذه السورة، نشهد تقارير عن لطف الله ورحمته ومدده للمؤمنين في غزوة بدر. وفي هذا السياق، تقع الآيات من 67 إلى 70 ضمن سياق الآيات المتعلقة بهذه المعركة، ولكنها بلهجة مختلفة، تبين حكماً من أحكام وتقنيات الحرب. يعتقد معظم مفسري القرآن، من خلال فهمهم للهجة العتاب في هذه الآيات، أنه إثر خطأ ارتكبه المسلمون، سواء بأخذ الأسرى أو أخذ الفدية أو عدم التوقيت المناسب في جمع الفدية والغنائم، فإن هذه الآيات قد وبخت المسلمين، واعتبرتهم مستحقين للعذاب بسبب هذا الفعل، لولا «كتاب سابق» من الله: «لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (الأنفال: 68)، قد رفع عنهم. وبما أن نزول هذه الآيات قد أثار كراهية المسلمين من إنفاق الفدية والغنائم، فقد تم بيان موضوع إحلال الغنائم ومغفرتهم. ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام هي استخدام كلمة «الإثخان» في هذه الآيات، والتي لم تستخدم في القرآن إلا مرتين. الأولى في الآية 67 من سورة الأنفال: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ»، والأخرى في الآية 4 من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَარَهَا…»، حيث قيدت كلتا الجملتين، بسبب بنيتهما الشرطية أو الغائية، جواز أخذ الأسرى في الحرب بشرط وتحقيق مفهوم معين. لقد أدت القراءات المتباينة لمفسري القرآن لكلمة «الإثخان» في الآية 67 من سورة الأنفال إلى تقديم استنتاجات متنوعة فيما يتعلق بحكم الآية وتحليل الآيات التي تلتها؛ لدرجة أنه أثيرت شبهات مثل سعي المسلمين وراء الربح من خلال أسر العدو، أو القتل الجماعي للأعداء على أيدي المسلمين. من هنا، فإن الوعي بكم وكيف حكم ما أشير إليه في هذه الآيات، يستلزم فهم ماهية «الإثخان» والعلاقة بين الآيتين المتضمنتين لهذا الحكم في القرآن. إن البحث الحالي، بالنظر إلى نسيج وسياق آيات غزوة بدر في نظرة القرآن الكلية واستراتيجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الظروف السائدة في عصر النزول، يهدف إلى تنقيح وتحليل آراء المفسرين حول ماهية «الإثخان» ولهجة الآيات، وتوضيح العلاقة بين الآيتين وعلاقتها بحكم الأسر. يبدو أنه خلافاً لتصور العديد من المفسرين، فإن الحكم الوارد في الآيتين المتضمنتين لـ«الإثخان» متوافق ومنسجم، وجواز أسر العدو في الحرب مشروط بتحققه. كذلك، بسبب وحدة سياق الآيتين حول الحرب وفنونها، يمكن تحديد المقصود بـ«الإثخان» في ساحة المعركة. وضمن ذلك، وخلافاً لاعتقاد بعض الباحثين في القرآن، لا توجد قرينة على العتاب في هذه الآيات، وفي النهاية يمكن حملها على التحذير.
بيان المسألة
الآية 67 من سورة الأنفال، بلهجة تدعو إلى التأمل، تنفي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حق أخذ الأسرى في ساحة المعركة، وتقيد أسر الأعداء في ميدان القتال بتحقق «الإثخان» باستخدام تعبير «حتى». يعتقد معظم مفسري القرآن، بناءً على أن هذه الكلمة تدل على القتل الجماعي للأعداء والمعارضين، أن تعبير «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» في تتمة الآية يشير إلى فعل المسلمين الدنيوي في أسر الأعداء، وحملوا مضمون الآية على التوبيخ. هذا في حين أن فهم القتل الجماعي للأعداء والمعارضين لا ينسجم فقط مع المفهوم اللغوي لـ«الإثخان»، بل يتعارض أيضًا مع أسلوب الكلام وسياق الآية واستخدام نفس الكلمة في الآية 4 من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. توضيح ذلك أنه في الآيات السابقة من نفس السورة، يشجع الله تعالى النبي على السلام والمصالحة؛ «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (الأنفال: 61)، وبتصديق من القرآن، كان هو أيضًا يسعى جاهدًا في سبيل إيمان عموم مخاطبيه، بدافع من شفقته عليهم؛ «لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ» (التوبة: 128). من ناحية أخرى، تعتبر سمة العصمة لدى النبي قرينة مناسبة على عدم تأثر الدوافع المادية في قراراته، وبالتالي لا يمكن القول بأن النبي قد أقدم على أسر المعارضين بهدف الحصول على الفدية. بالإضافة إلى ذلك، فإن بنية «ما كان لـ…» في آيات القرآن تدل على نفي الشأنية، وحملها على العتاب يفتقر إلى الدليل. السؤال الآن هو، لأي سبب حمل مفسرو القرآن الآية على الأمر بقتل المعارضين والكفار؟ وهل يمكن، بحمل الآية على التوبيخ، التوفيق بين مضمونها والأمر بالصلح في الآيات السابقة، وكذلك الآية الرابعة من سورة محمد؟
خلفية البحث
يرتبط موضوع هذا البحث بفئتين من الدراسات. الأولى هي الدراسات المتعلقة بموضوع «الإثخان» في القرآن الكريم، والثانية هي الدراسات المتعلقة بالأسر في الإسلام. أما فيما يتعلق بـ«الإثخان»، فلم يتم العثور على عمل مستقل، على الرغم من وجود مناقشات متفرقة في المصادر التفسيرية وفي بعض المقالات مثل «بررسی همآوائی شبهات دائرة المعارف قرآن لایدن وتفاسیر اهل سنت» (دراسة التوافق الصوتي لشبهات دائرة المعارف القرآنية في ليدن وتفاسير أهل السنة) لـ رستمي (مجلة دراسات القرآن الاستشراقية نصف السنوية، 2019، العدد 27). وفيما يتعلق بموضوع الأسر بشكل عام، تم العثور على ثلاث مقالات، وهي: «جهاد و اسارت از دیدگاه قرآن و اهل بیت علیهم السلام، انگیزهها و اهداف» (الجهاد والأسر من منظور القرآن وأهل البيت عليهم السلام، الدوافع والأهداف)، بقلم شاهرودي وزملاؤه (دراسات القرآن والحديث، 2017، العدد 2)، والتي تتناول فلسفة الجهاد والأسر ودوافعه غير المادية. الثانية، «درنگی در حق استئسار در فقه اسلامی» (تأمل في حق الاستئسار في الفقه الإسلامي)، بقلم غوث وزملاؤه (مجلة الفقه والأصول، 2019، العدد 118)، والتي تثبت حق الأسر لكل من الأسير والآسر. الثالثة، مقالة «واکاوی حکم استرقاق اسیر جنگ بر اساس آیات و احادیث» (تحليل حكم استرقاق أسير الحرب بناءً على الآيات والأحاديث)، بقلم فرحمند وزملاؤه (مجلة سفينة، 2021، العدد 70). على الرغم من أن هذه الأعمال تشير عابرة إلى موضوع هذا البحث في بعض جوانبه، إلا أنها تختلف عن الدراسات السابقة من حيث أن هذا البحث يركز على تحليل آراء المفسرين والباحثين القرآنيين في دراسة مفهوم «الإثخان» وعلاقته بالأسر.
1. دراسة العناصر المؤثرة في الفهم التفسيري
بالتأمل في أقوال المفسرين في القرآن الكريم تحت الآيات محل البحث، يجب القول إن اختلاف المفسرين في ثلاثة أقسام أدى إلى تحليلهم المتباين لهذه الآيات. هذه الأقسام الثلاثة هي: «مفهوم الإثخان»، و«نسبة الآيتين المشتملتين على الإثخان»، و«لهجة الآيات». لذلك، في هذا البحث، سيتم السعي لدراسة آراء المفسرين من خلال تحليل هذه الأقسام الثلاثة.
2. دراسة مفهوم «الإثخان»
نظراً لوجود تحليلات مختلفة في مفهوم كلمة «الإثخان» في المصادر اللغوية والتفسيرية، سيتم في ما يلي تناول مفهوم هذه الكلمة في قسمين: المصادر اللغوية، والمصادر التفسيرية.
1-2. دراسة مفردة «الإثخان» في المصادر اللغوية
استخدم اللغويون تعابير متنوعة في معنى جذر «ثخن». بعضهم اعتبره «الوقار والثقل الموجود في الشيء» (ابن فارس، 1404: 372/1؛ الأزهري، 1421: 144/7)، وآخرون أشاروا إلى «ثقل الشيء وصلابته» (الزمخشري، 1979: 70؛ الزبيدي، 1414: 93/18). وقد أضاف ابن منظور، مع قبوله لرأي الزمخشري، معنى «الزيادة والاشتداد» (ابن منظور، 1414: 77/13). أما الراغب الأصفهاني فقد اعتبره «غلظة وصلابة تمنع الشيء من الحركة والجريان» (الراغب، 1412: 172). وقد قامت مجموعة من اللغويين بتوضيح معناه بالنظر إلى الموصوف بهذه المادة في الكلام. على سبيل المثال، فسر الفراهيدي هذه الكلمة بـ «الرجل الصبور الوقور»، «الرجل الحليم»، و«الثوب المفيد ذو القيمة» (الفراهيدي، 1409: 248/4؛ الفيروزآبادي، 1415: 191/4؛ الصاحب، 1414: 324/4). وفسرها آخرون بأنها «الثوب الذي نسجه جيد» (ابن منظور، 1414: 77/13). أما المصطفوي، فقد اعتبر أصل معناها «الثقل في الحركة والنشاط والضعف في إظهار القوة»، ويعتقد أنه بما أن الحلم والوقار يسببان السكون أمام إظهار قوة الآخرين وحركتهم، يقال للشخص الحليم «ثخين»، كما يستخدم هذا الوصف للثوب الثمين ويدل على توقف المعاملة بسبب قيمته العالية (المصطفوي، 1368: 13/2). بالنظر إلى الآراء المذكورة، يمكن القول إن الأصل المعنوي لهذه المادة هو «الغلظة والثقل»، الذي يستخدم أحيانًا استعارة للحلم والوقار والجمال والفائدة، وأحيانًا بالنظر إلى لوازم معناه، يستخدم في مفهوم الزيادة، ومنع الحركة، وكذلك الضعف. لقد استخدم هذا الجذر مرتين وفي الصيغة الفعلية للثلاثي المزيد (باب إفعال) في القرآن. بالنظر إلى هذه البنية، اعتبر البعض «الإثخان» مبالغة واشتدادًا، ويعتقدون أن عبارة «أثخنه المرض» تدل على اشتداد المرض (ابن الأثير، 1367: 208/1)، وعبارة «أثخن في العدو» تدل على المبالغة في قتل الأعداء والتشديد عليهم (الزمخشري، 1979: 70؛ الفيروزآبادي، 1415: 191/4)، وعبارة «أثخن في الأرض» تدل على «زيادة القتل والتقتيل» (الزمخشري، 1979: 70؛ ابن منظور، 1414: 77/13). كما فسر الفيومي «أثخن في الأرض» بأنه التحرك نحو العدو والتوسع في قتلهم، وفسر «أثخنته» بأنه إدخال الجراح وإضعاف الآخر (الفيومي، 1414: 80/2؛ الأزهري، 1421: 144/7؛ الزبيدي، 1414: 93/18). وبعبارة أخرى، فإن الضعف والوهن والسكون سيكون نتيجة الإثخان. وفي هذا السياق، نقل ابن منظور عن ابن الأعرابي أن فعل «أثخن» يستخدم في زمن الغلبة والسيطرة (ابن منظور، 1414: 77/13). بالطبع، لا يقتصر مفهوم الغلبة على الغلبة في الحرب، وله استخدامات أخرى. على سبيل المثال، «استثخن مني النوم» يعني غلبة النوم (الصاحب، 1414: 324/4). وتوجد أمثلة على هذا المعنى في الشعر العربي أيضًا (العجاج، 1971: 81/2). بناءً على ما قيل، يمكن اعتبار معنيي «الغلبة» و«الضعف والسكون» لازمين وملزومين؛ لأن لازم غلبة فريق في الحرب هو هزيمة الفريق الآخر وتقييده. لذلك، أشار كل من اللغويين، من زاوية نظر مختلفة، إلى أحد هذين المعنيين. ومع ذلك، بما أن المكونات المعنوية لهذين التصورين ليست متطابقة تمامًا، فإن قبول أي منهما يؤدي إلى تغييرات جوهرية في حكم الأسر وكمه وكيفه؛ على الرغم من أنه بالنظر إلى الاستخدامات القرآنية لكلمة «إثخان»، فإن المعنى الثاني يتناسب أكثر مع هذه الكلمة؛ أولاً لأن «الإثخان» في استخدامه القرآني فعل متعدٍ ويقبل مفعولاً به، بينما قبول معنى «الغلبة» يستلزم كونه لازماً. وثانياً، بالنظر إلى استخدامي كلمة «إثخان»، أي «حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» (محمد: 4) و «حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ» (الأنفال: 67)، يجب القول إن المقصود بـ«الإثخان في الأرض» هو نفسه إثخان العدو من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو ما يتناسب مع «إلحاق الهزيمة». هذا المعنى من الناحية العقلية مقبول ومرغوب فيه؛ لأن الحرب مع عدو لم تبق له قدرة قتالية لا ضرورة لها.
2-2. دراسة مفهوم «الإثخان» عند مفسري القرآن
لقد تحدث المفسرون بأقوال مختلفة فيما يتعلق بمفهوم «الإثخان». ومن جملتها:
1-2-2. غلبة الدين بالشدة والغلظة والقتل الكثير
اعتبر الطبرسي، بالإشارة إلى قول أبي مسلم، «الإثخان» بأنه السيطرة على المدن وإذلال أهلها، بحيث يكون هلاك الأعداء سببًا في عبرة وخوف الآخرين واقتدار الدين. (الطبرسي، 1372: 858/4) ويُرى هذا الفهم في تفاسير أخرى أيضًا. (الثعلبي، 1422: 372/4؛ الواحدي، 1415: 448/1؛ البغوي، 1420: 310/2؛ البيضاوي، 1418: 67/3) على هذا الأساس، لم تكن سيرة الأنبياء السابقين أسر الأعداء، بل كانوا يسعون إلى ترسيخ الدين بقتل الأسرى والمعارضين. هذا التحليل ينسجم مع الاحتمالات الأدبية المختلفة في معنى «حتى»، أي كونه للتعليل، أو بمعنى «إلا» الاستثنائية، أو مرادفًا لـ«إلى» ودلالته على نهاية الغاية؛ لأنه في كل الأحوال، لا يجوز أخذ الأسرى من قبل الأنبياء إلا بعد القتل والتقتيل الكثير واستقرار وشدة دين النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن كان جائزًا. (الجصاص، 1405: 258/4؛ الطبري الكياهراسي، 1405: 163/3؛ الزمخشري، 1979: 235/2) بالطبع، يكتب الطباطبائي، بشرطية أسر الأعداء باستقرار الدين: «بعد انتهاء الحرب، كان بإمكان الأنبياء إطلاق سراح الأسرى مقابل فدية أو بدونها.» (الطباطبائي، 1417: 134/9). ولكن البعض جعل إطلاق سراح الأسرى مشروطًا بعدم وجود ضرر، ويعتقدون أن منشأ جرأة كفار قريش وإشعالهم حرب أحد كان إطلاق سراح أسرى بدر، ولو قُتل أسرى بدر، لما عاد الكفار لمهاجمة المدينة. لذلك، بعد أن قوي الدين ولم يعد إطلاق سراح الأسرى يشكل خطرًا، لم يعد قتلهم مناسبًا. (القرشي، 1371: 304/1؛ الخوانساري، 1377: 75). وتجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل غير مقبول لأسباب مختلفة؛ فبالإضافة إلى أن القتل الواسع والعام للمعارضين لا ينسجم مع المبادئ الإنسانية، فلا يوجد أي نص تاريخي أو آية قرآنية تدل على كثرة القتل واللاإنسانية من قبل الأنبياء، بل كان معارضو الأنبياء يسعون باستمرار إلى إراقة الدماء والقتل؛ «وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ» (آل عمران: 112). كما أن هذا السلوك لا يؤدي فقط إلى غلبة الدين، بل يخلق صورة عنيفة ومنفرة للدين، ويوفر أسباب فشله. وضمن ذلك، بقبول هذا المعنى، ستصبح الآية الرابعة من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وارتباط جملها مبهمًا. من منظور آخر، يمكن القول إنه بهذا التحليل، تم تجاهل ارتباط «الإثخان» بظروف الحرب، وبدلاً من ذلك، وُضع قيد «الدين» المستمد من آيات مثل «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ» (البقرة: 192). لذلك، أشار بعض الباحثين القرآنيين، بالاعتماد على عدم تحديد مدى هذه السيطرة على الأعداء، إلى أنه إذا كان المقصود هو أعلى درجات السيطرة والحكم، أي الحكم العالمي، فإن مثل هذا الحكم لم يتحقق في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبالتالي يجب القول إن إطلاق سراح الأسرى في بدر وبني المصطلق وهوازن كان مخالفًا لرضا الله، بينما هذه النتيجة غير مقبولة. وإذا كان المقصود هو أدنى درجات السيطرة والحكم، بما أن هذا القدر من السيطرة تحقق بعد غزوة بدر، فإن إطلاق سراح أسرى بدر لا يخالف رضا الله، ولا وجه لنزول آية عتاب في هذا الشأن. وإذا كان المقصود إحدى درجات الحكم المتوسطة، فلم تتم الإشارة إليها في هذا الرأي، ولا يوجد دليل عليها. (صالحي، 1390: 170) إذا كان المقصود هو القتل بهدف غلبة الدين واستقراره، فإن هذا الهدف يتحقق بقبول الناس، والقتل وإراقة الدماء لن يؤديا أبدًا إلى مثل هذه النتيجة (عابديني، 1397: 407)، والله تعالى بصفته خالق وهادي البشر، لا يسعى إلى قتل وفتك عباده إلا في الحالات التي لا أمل في إصلاحها. (نفس المصدر، 404). بالإضافة إلى النقاط المذكورة، فإن أبو مسلم هو أول من قدم هذه النظرية التفسيرية، حيث حمل عبارة «حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» على اقتدار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحكمه؛ وهو رأي يتوافق مع مكانته الاجتماعية؛ لأن أبا مسلم كان من حكام الدولة العباسية، وبطبيعة الحال كان يفكر في السلطة والاقتدار الحكومي. (صالحي، 1390: 162) لذلك، يمكن ملاحظة بعض الدوافع الشخصية والتفسير بالرأي في هذا التفسير.
2-2-2. القتل الكثير وإشاعة الرعب الشديد في ساحة المعركة
فسر البعض عبارة «حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ» بالقتل والجرح الكثير في العدو. (الطريحي، 1375: 222/6؛ ونفس المضمون في: ابن فارس، 1404: 372/1؛ الطوسي، بلا تا: 156/5؛ ابن أبي حاتم، 1419: 1732/5؛ القرطبي، 1364: 48/8؛ فخر الرازي، 1420: 509/15؛ ابن الأثير، 1367: 208/1؛ الطيب، 1378: 157/6؛ الإبياري، 1405: 227/3). النقطة الجديرة بالتأمل هي أنه، حسب رأي بعض المفسرين، فإن الإفراط في قتل وجرح الأعداء يرتبط بظروف الحرب ويتم لثلاثة أهداف: إبادة المشركين، وتوفير العبرة للآخرين، وتحقيق الاقتدار. يكتب فخر الرازي مشيراً إلى هذا المطلب: «في غزوة بدر، قُتل في البداية عدد كبير من الأعداء ثم أُسر بعض الأفراد. لذلك، كان أخذ الأسرى جائزاً بناءً على حكم الآية ودلالتها الظاهرية.» (الطبراني، 2008: 275/3؛ فخر الرازي، 1420: 509/15). بالنظر إلى أن الآية 70 من سورة الأنفال وبعض الروايات تشير إلى أسر الأعداء في غزوة بدر، فإن العتاب الموجود في هذا السياق لا يتعلق بأخذ الأسرى. في هذا التحليل، يعتبر كل من «الإثخان» و«انتهاء الحرب» مرحلة خاصة من الحرب، بحيث يكون أخذ الأسرى جائزًا في الفترة الزمنية بينهما. بعبارة أخرى، «حتى» في عبارة «حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» (محمد: 4) هي نهاية الغاية لـ«فَشُدُّوا الْوَثَاقَ» (محمد: 4)؛ أي أسروا الأعداء إلى أن يضع المحاربون أسلحتهم على الأرض وتنتهي الحرب. على الرغم من أن هذا الرأي يبدو أكثر قبولاً من الرأي السابق، إلا أنه لا يزال قابلاً للنقد؛ أولاً، لأنه وفقًا لتقارير المصادر التاريخية والتفسيرية، قُتل في غزوة بدر سبعون شخصًا فقط من المشركين (الحميري، 1383: 525/2-531؛ فضل الله، 1419: 421/10)، وهذا العدد من القتلى ليس كبيرًا مقارنة بالعدد الإجمالي لجيش الكفار الذي قُدّر بألف رجل. إذن، في الواقع، لم يحدث قتل جماعي في غزوة بدر. ثانيًا، إن قيدي «حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» و«حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ» متزامنان، وفي هذا الوقت نفسه، يجوز أخذ الأسرى من العدو. إذن، هذا التفسير لا يمكن أن يقدم تفسيرًا دقيقًا لـ«الإثخان». يشير رشيد رضا بعد الإشارة إلى الآراء المقدمة في تفسير الآية: «على الرغم من أن إحدى طرق الغلبة على العدو هي قتلهم وجرحهم، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن إخضاع الأعداء والغلبة عليهم لا يقتصر على القتل الجماعي، بل إن توفير وسائل مواجهتهم وامتلاك القوة العسكرية هو أيضًا من طرق مواجهة الأعداء، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في الآيات السابقة؛ «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ» (الأنفال: 60).» (رشيد رضا، 1414: 83/10)
3-2-2. النصر والغلبة المقتدرة في الحرب
نُقل عن أبي العباس أنه فسر الآية بالغلبة على العدو وإيقاع جراحات بالغة بهم. (ابن منظور، 1414: 77/13). ويعتبره المصطفوي السيطرة على المعارضين، بحيث لا يستطيعون استخدام قوتهم ضده (المصطفوي، 1368: 13/2). قبل الإثخان، لا يجوز أخذ الأسرى، لأنه يقلل من الاهتمام بالعدو (صادقي، 1365: 292/12)، أو يكون معاملة بالمثل مع الكفار. (الطيب، 1378: 158/6). البعض، بتعميم مضمون الآية، يدرج التمكن والغلبة على جزء واسع من الأرض وقتل الأعداء ضمن حكم الآية. (الفراء، 1980: 270/1؛ الطبري، 1412: 30/10؛ الطريحي، 1375: 222/6؛ ابن منظور، 1414: 77/13؛ المراغي، بلا تا: 35/10؛ صادقي، 1365: 292/12؛ مكارم، 1374: 243/7؛ قرائتي، 1383: 355/3). هذا التوسع صحيح من الناحية الأدبية، ولكن بناءً على ما قيل، فإن المعنى الأصلي هو الغلبة في ساحة المعركة، وبعدها يبدأ أخذ الأسرى حتى لا يبقى فرد من المشركين. بالنظر إلى أن هذا الرأي ينسجم مع التفاسير السابقة وهو خالٍ من الإشكالات الموجودة في آراء أخرى، يمكن اعتماده كرأي مختار؛ فضلاً عن أنه يقدم تفسيرًا أوضح وأكثر تناسبًا بسبب توافقه مع مفهوم «الإثخان» كنقطة انطلاق للأسر.
3. دراسة نسبة الآيتين المشتملتين على حكم «الإثخان»
من خلال دراسة المصادر التفسيرية، يمكن القول بوجود ثلاثة آراء مختلفة حول موقع الآيتين، والتي يؤدي قبول أي منها إلى تفسير مختلف لـ«الإثخان».
1-3. انطباق حكم الآيتين
اعتبر بعض المفسرين مضمون الآيتين منسجماً ومنطبقاً. (فخر الرازي، 1420: 511/15؛ صادقي، 1365: 292/12). بالطبع، من مقارنة ظاهر الآيتين يمكن استنتاج أنه في الآية 67 من سورة الأنفال، تم بيان حكم ما قبل «الإثخان» فقط، ولكن الآية الرابعة من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم تشير إلى الظروف قبل وبعد «الإثخان». في هذا التحليل، «حتى» في عبارة «حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ» (الأنفال: 67)، مرادفة لـ«إلى» أو «إلا» الاستثنائية، وفي عبارة «حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ» (محمد: 4)، هي نهاية الغاية لـ«ضَرْبَ الرِّقَابِ»؛ وبالطبع، تدل كلتا الآيتين على عدم جواز أخذ الأسرى قبل «الإثخان». ومن الجدير بالذكر أنه في سورة الأنفال، قُيّد «الإثخان» بـ«فِي الْأَرْضِ»، أما في سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد تحدث عن إثخان أهل الحرب، وهو ما يؤيد تحقق «الإثخان» في ساحة المعركة، وتؤيده عبارة «حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» أيضًا.
2-3. الرخصة بعد الحرمة
مجموعة من المفسرين، استنادًا إلى ترتيب نزول السورتين [4]، يعتقدون أن حكم حرمة أخذ الأسرى في سورة الأنفال قد رُفع وأُبيح بالآية الرابعة من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن مفهوم هذه الآية يدل على الرخصة بعد الحرمة. (الطبرسي، 1372: 147/9). هذا الرأي يؤيده رواية قتادة وابن عباس. وقد نقل الطبري عنهما أن الآية 67 من سورة الأنفال تتعلق بغزوة بدر والوقت الذي كان فيه المسلمون في قلة. ولكن بعد ازدياد عدد المسلمين وقوتهم، فُوّض أمر الأسرى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن شاء قتلهم، أو استرقهم، أو أطلق سراحهم مقابل فدية. (الطبري، 1412: 10/30). بناءً على ذلك، سيكون تحليل مضمون الآيتين وجهين لحكم واحد؛ بحيث أنه في زمن شوكة المشركين وقوتهم، أُمر بالقتل ومُنع من أخذ الأسرى والفداء، وفي زمن ما بعد الإثخان وغلبة المؤمنين، خُيّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أخذ الفدية أو المن على الأسرى. في هذه الحالة، يكون «الإثخان» حقيقة زمنية تتجاوز ساحة المعركة، ويشير تعبير «الأرض» إلى سيطرة حكم الإسلام والمسلمين.
3-3. استمرارية حكم سورة الأنفال إلى عصر الظهور
في بعض الروايات، اعتبرت عبارة «حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا» (محمد: 4) كناية عن أمر لا يتحقق حتى زمن ظهور المنجي، وبالتالي، تدل الآية على استمرارية الحرب والجهاد بين الحق والباطل. على سبيل المثال، في رواية نقلها الكليني، ورد: «… وَلَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ». (الكليني، 1407: 10/5). لذلك، حتى زمن الظهور حيث لم ينتشر الإسلام ويعتنقه جميع الناس، يبقى حكم آية سورة الأنفال ساريًا. يمكن الاستفادة من هذا المطلب أيضًا من تحليل بعض المفسرين في تبيين معنى «لقيتم». يكتب فخر الرازي: ««اللقاء» ليس بالضرورة يعني اللقاء في ساحة المعركة، بل يمكن اعتباره تفريعًا على الجملة السابقة، وفي هذه الحالة يكون معنى الجملة: «عندما رأيتم إضلال أعمال الكفار وعلمتم أن اعتبار الإنسان بعمله، وعندما رأيتم التباين والبعد بين الفريقين وعلمتم أن أحدهما حق والآخر باطل، فلا حرمة لهم بعد ذلك».» (فخر الرازي، 1420: 37/28)
4-3. تقييم آراء المفسرين في نسبة الآيتين
بالنظر إلى أن كلتا الآيتين تتضمنان مفهوم «الإثخان» في سياق آيات تتعلق بالحرب وترتبط بحكم الأسر، فإن الحرب والإثخان مرتبطان ببعضهما البعض، وتوسيع نطاقه ليشمل أي نوع من اللقاء بين المسلمين والكفار، أو اعتباره دائمًا حتى زمن سيادة الإسلام الشاملة لا وجه له. كذلك، بالنظر إلى أن سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم نزلت بعد غزوة بدر وقبل سورة الأحزاب، فإذا كان الإثخان يشير إلى ظروف المسلمين وناسخًا لحكم قتل الأسرى، لكان يجب أن يُنفذ حكم القتل في حق الأسرى في المعارك التي تلت ذلك. في حين أنه في غزوة بني قريظة التي وقعت بعد غزوة الأحزاب، قُتل بعض يهود بني قريظة الذين أسرهم المسلمون؛ «فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا» (الأحزاب: 26). نقطة أخرى هي أنه فيما يتعلق بأسرى بدر، صدر في النهاية الإذن بتلقي الفدية وإطلاق سراحهم. لذلك، نُفذ كلا الحكمين في حقهم؛ حيث قُتل اثنان من كبارهم وهما «النضر بن الحارث» و«عقبة بن أبي معيط»، وتم تلقي الفدية عن باقي الأسرى. (الحميري، 1383: 525-531). بهذا التحليل، يكون الرأي الأول مقبولاً وحكم الآيتين متوافقاً.
4. دراسة لهجة وسياق الآية 67 من سورة الأنفال
تناول معظم المفسرين تبيين موضوع العتاب ومتعلقه ومخاطبه، من خلال افتراض مسبق بأن لهجة هذه الآيات تظهر العتاب. وقد اعتبروا فهم العتاب من مفهوم الآية أمرًا مسلمًا به لدرجة أنهم، بالإشارة إلى عدم توافق «العتاب» مع النبي و«عصمته»، دافعوا عن عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومع ذلك، شكك بعض مفسري الصدر الأول في دلالة الآية على العتاب بناءً على قرائن نصية. (علم الهدى، بلا تا: 112؛ الطبري، 1412: 30/10-34). وقد قُبلت هذه القرائن لدى مفسرين آخرين. هذا في حين أن الاستنتاج الكلي لمفاد آيات القرآن منوط بفهم واستيعاب قرائن مختلفة مثل اللهجة، والسياق، والمفهوم المستمد من الكلمات المجاورة، وكذلك معرفة المعنى الدقيق اللغوي والاستخدام القرآني للكلمات. لذلك، سيتم في ما يلي دراسة وتقييم آراء المفسرين في تبيين هذه القرائن.
1-4. أسلوب «ما كان لـ… أن»
تبدأ الآية 67 من سورة الأنفال بأسلوب «ما كان لـ… أن». وهو تركيب ورد تسع عشرة مرة في القرآن. بدراسة حالات استخدام هذا الأسلوب في القرآن، يمكن استنتاج أنه على الرغم من استخدام هذا الأسلوب في سياق التشريع وبيان استبعاد وعدم لياقة ارتكاب فعل معين من قبل مجرور حرف الجر، فإن دلالته على معنى العتاب ليست ثابتة (على سبيل المثال، انظر: آل عمران: 145، مريم: 35، غافر: 78، الشورى: 51 و…).
2-4. الكتاب السابق
القرينة الثانية هي تعبير «كتاب سابق» في الآية 68 من سورة الأنفال: «لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ». في هذه الآية، حتمية العذاب مرهونة بعدم وجود «الكتاب». السؤال الآن هو، ما هو هذا الكتاب؟ وما هو العذاب الناتج عنه؟ وبأي فعل استحق المسلمون مثل هذا العذاب؟ قدم المفسرون آراء في الإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة. فيما يتعلق بمفهوم ومصداق (الكتاب)، قُدمت هذه الآراء: 1- سبقت رحمة الله وسنته. (السيوطي، 1404: 204/3؛ فخر الرازي، 1420: 512/15). 2- قاعدة قبح العقاب بلا بيان. (الطبري، 1412: 33/10؛ الطبرسي، 1372: 858/4؛ فخر الرازي، 1420: 512/15؛ مكارم، 1374: 246/7؛ قرائتي، 1383: 357/3). 3- مغفرة ذنوب أهل بدر المتقدمة والمتأخرة. (الطبري، 1412: 33/10؛ الطوسي، بلا تا: 157/5؛ البيضاوي، 1418: 67/3). 4- إباحة الغنيمة والفدية للمسلمين في اللوح المحفوظ. (الطبري، 1412: 32/10؛ الطبرسي، 1372: 858/4؛ البيضاوي، 1418: 67/3). 5- القرآن المنزل الذي استحق المسلمون بسببه المغفرة بالإيمان به. (الطوسي، بلا تا: 157/5). 6- عدم عذاب أمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب وجوده واستغفارهم (الأنفال: 33)، وهذا الأمر مبهم ومخفي؛ لأن سياق العتاب يتناسب أكثر مع الإبهام. (الطبرسي، 1372: 858/4؛ الطباطبائي، 1417: 137/9). 7- إرادة الله في قهر الكفار وفتح ونصر المؤمنين. (الطيب، 1378: 159/6). بالطبع، اعتبر بعض الباحثين القرآنيين جزءًا من الآراء المذكورة أعلاه قابلاً للجمع، ولخصوها في عناوين أقل. (عابديني، 1390: 410). والبعض الآخر، بتعميم تعبير «الكتاب»، يعتبر تخصيصه بمصداق أو عدة مصاديق خاصة بلا دليل (الطبري، 1412: 34/10). وتجدر الإشارة إلى أن بعض الآراء المقدمة غير مقبولة. على سبيل المثال، نتيجة الرأي الأول هي غفران الكبائر، ويعتقد أصحاب هذا الرأي أنه بسبب ابتعاد أهل بدر عن الكبائر وطاعاتهم، مثل قبول الإسلام والتسليم أمام النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحرب مع الكفار بدون سلاح وغيره، ولكون ذلك أعظم من هذا العقاب، فإنهم يستحقون المغفرة. (فخر الرازي، 1420: 512/15). في حين أن هذا المطلب غير مقبول في عقيدة العدلية. فضلاً عن أن هذا المصداق موجود دائمًا وفي كل مكان، ولا يختص ببدر. ولكن ظاهر الآية يدل على وجود مقتضٍ للعذاب، ولكن «الكتاب السابق» حال دونه. بناءً على الرأي الثاني، في حالة عدم إعلان قانون جديد بشكل نقلي، أو عدم كونه قبيحًا عقليًا، لا يوجد مقتضٍ للعذاب. (صالحي، 1390: 178). إن قبول القول الثالث يعني من جهة رفع التكليف عن أهل بدر، وهو أمر غير ممكن (فخر الرازي، 1420: 512/15)، ومن جهة أخرى يؤدي إلى تناقض واضح مع صفات الله ويظهر تعاملاً متعددًا من الله مع الخلق. وعدم صحة القول الرابع واضح أيضًا؛ لأن تحليل الحرام الفعلي الذي سيصبح حلالاً في المستقبل بناءً على اللوح المحفوظ، هو باطل ومستحق للعذاب قطعًا. (صالحي، 1390: 177). الرأي الخامس وحمل «الكتاب» على القرآن غير صحيح أيضًا؛ أولاً لأن الإيمان بالقرآن في هذا التفسير هو المانع من العذاب لا الكتاب نفسه، وثانيًا لأن وصف «سابق» لـ«الكتاب» لا يدل على معنى خاص. (نفس المصدر، 179). وأخيرًا، بالنظر إلى أن الآية تظهر في بيان موضوع وحكم خاص بغزوة بدر، فإن تعميم مفادها – كما ورد في الرأي السادس – غير مبرر. وفيما يتعلق بإرادة الله في قهر ونصر المؤمنين على الكفار، يجب القول إن غلبة ونصر المؤمنين لم تحدث بشكل شامل وفي جميع حروب المسلمين، ولكن فيما يتعلق بغزوة بدر، كانت إرادة الله أن ينتصر دين الإسلام بمدد إلهي على جيش الكفر، وأن تكون إحدى الطائفتين (الأنفال: 7) من نصيب المسلمين. لذلك، بخروج الطائفة التجارية من متناول المسلمين، غلبوا على الجيش العسكري للكفار. بناءً على ما سبق، يجب القول إن المراد بـ«الكتاب السابق» هو انتصار المسلمين في غزوة بدر تبعًا لإرادة الله ووعده. بالطبع، قد يقال إن تعبير «الكتاب» للإشارة إلى إرادة الله ووعده ليس شائعًا، ولكن يمكن القول إنه بالنظر إلى أن النصر على إحدى الطائفتين في بداية سورة الأنفال هو وعد حتمي وقطعي، فقد عُبر عنه بـ«الكتاب» (نفس المصدر، 184)، كما أن جذر «كتب» في مواضع مختلفة يدل على قطعية الأمور.
3-4. معنى «العذاب»
القاسم المشترك في رأي المفسرين حول «الكتاب السابق» هو أن معظمهم حمل هذه العبارة على العتاب بسبب عدم تحقق نتيجة «الكتاب السابق»، أي نزول العذاب، وسعوا إلى تبريره. يبدو أن فهم هؤلاء الأعلام لـ«العذاب» هو فقط عذاب الاستئصال أو عذاب خاص يكون رد فعل للذنوب والسيئات ويقع في هذه الدنيا، ولهذا السبب، في تبيين تناسب نزول العذاب مع خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، سعوا إلى تبريره. هذا في حين أن المعنى اللغوي لكلمة «العذاب» لا يدل على شكل خاص من العقوبة. توضيح ذلك أن ابن منظور اعتبر استخدام كلمة «العذاب» في القرآن بمعنى «التعذيب والعقوبة» (ابن منظور، 1414: 585/1)، ولكن يعتقد البعض أن كلمة «عذاب» في كلام العرب تعني «الضرب» ثم استخدمت بمعنى «كل عقوبة مؤلمة»، وبشكل استعاري، استخدمت للأمور الصعبة أيضًا (ابن فارس، 1404: 260/4)؛ كما يقول العرب: «السفر قطعة من العذاب». (الطريحي، 1375: 117/2). وعبر عنه الراغب أيضًا بـ«الإيجاع الشديد؛ الألم والوجع الشديد» (الراغب، 1412: 554). نتيجة لذلك، يمكن القول إن المعنى الأصلي لـ«العذاب» هو الأمر المكروه، والمعاني الأخرى من مصاديقه، لذلك لا ضرورة لحمل كلمة «العذاب» في هذه الآية على المؤاخذة الإلهية وعذاب الاستئصال. كما أن بعض الباحثين القرآنيين، استنادًا إلى شواهد من آيات القرآن، يعتبرون استخدام هذه الكلمة للهزيمة في الحرب شائعًا. على سبيل المثال، في آية «قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ» (التوبة: 14)، استخدمت هذه الكلمة في سياق الحرب مع المشركين ناقضي العهد، وفي آية «وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا» (التوبة: 26)، تشير إلى هزيمة الكفار في غزوة حنين. (صالحي، 1390: 190). وضمن ذلك، في الآية 68 من سورة الأنفال، جاءت كلمة «العذاب» مع فعل «مس»، مما يدل على تماس أمر غير سار بأبدانهم. لذلك، فإن المراد بهذا «العذاب» ليس أمرًا روحيًا كالاكتئاب وما شابه، بل يمكن أن يكون الهزيمة في الحرب. (عابديني، 1397: 411). هذا الفهم يتناسب أيضًا مع المعنى المذكور سابقًا عن «الكتاب السابق»، ولا يتعارض مع عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما يحتاج إلى تبرير ورفع التعارض.
4-4. متعلَّق الأخذ
يعتبر معظم أهل السنة أن متعلق النهي هو أخذ «الفدية» (الطبري، 1412: 33/10؛ الطوسي، بلا تا: 157/5؛ فخر الرازي، 1420: 509/15؛ البيضاوي، 1418: 67/3)، ولكن بالنظر إلى جواز أخذ الفدية وإنفاقها في غزوة بدر، اعتبر البعض أن زمان تلقي الفدية (= قبل إباحتها من الله أو في خضم المعركة) هو سبب العتاب. (الطوسي، بلا تا: 157/5؛ عابديني، 1397: 413). في هذه الحالة، يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا معاتبًا مع المسلمين. عبارة «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا» في الآية 67 من سورة الأنفال تؤيد هذا الفهم. وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان المقصود بـ«الكتاب السابق» هو «إحلال الغنائم»، فإن الأخذ يجب أن يعود إلى نفس الغنائم التي تكون الفدية من مصاديقها. ولكن مثل هذا التفسير لا ينسجم مع سياق الآية؛ لأن الآية محل البحث تتحدث عن أخذ الأسرى ولا علاقة لها بالفدية؛ «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى» (الأنفال: 67). كما أن هذا الفهم يؤدي إلى خدش عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما أوجد مجالاً للنقاش المطول والتبريرات الكثيرة من قبل المفسرين. (الطوسي، بلا تا: 157/5؛ فخر الرازي، 1420: 509/15؛ الرازي، 1408: 151/9؛ الزمخشري، 1407: 237/2؛ البيضاوي، 1418: 67/3؛ الإبياري، 1405: 570/9؛ صالحي، 1390: 146؛ صادقي، 1365: 293/12؛ الطباطبائي، 1417: 135/9؛ مكارم، 1374: 247/7). في النهاية، إذا كان «الإثخان» مرتبطًا بالغلبة في ساحة المعركة، فإن فعل المسلمين سيكون مطابقًا ومنسجمًا تمامًا مع الآية، ولن يكون هناك عتاب موجه إليهم. الحالة الوحيدة التي تستدعي التحذير والتوبيخ هي أخذ الأسرى في وقت غير مناسب وفي خضم المعركة، مما يهدر جزءًا من القوات، وبنفس النسبة، تزداد احتمالية الهزيمة. (صالحي، 1390: 186). بالطبع، في غزوة بدر بسبب وعد الله بنصر المسلمين، لم تحدث هذه النتيجة، ولكن النتيجة الطبيعية لهذا التوقيت الخاطئ كانت الوقوع في أمر غير مرغوب فيه. بالنظر إلى مجمل ما سبق، يمكن القول باختصار: «الكتاب السابق» هو نفس إرادة الله ووعده القاطع بنصر المسلمين في غزوة بدر، مما حال دون مس العذاب. هذا العذاب ليس بالضرورة يعني المؤاخذة الإلهية، بل إن العرب في استخدامهم لهذه اللفظة يقصدون أي أمر مكروه، والذي في هذه الآية، بقرينة مجاورته لـ«مس»، يُقصد به الأمور الجسدية غير السارة ويشمل الهزيمة في الحرب. هذا العذاب هو النتيجة الطبيعية لأخذ الأسرى في خضم المعركة وفي توقيت خاطئ من قبل المسلمين. هذا المعنى، بالإضافة إلى عدم عمومية العتاب في أسلوب «ما كان لـ… أن»، يزيل الخدش عن عصمة النبي، ويثبت كونها تحذيرية للحالات المماثلة.
الخاتمة
بني هذا البحث على أساس السياق المتصل والمنفصل لآيات غزوة بدر واستراتيجية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك الظروف السائدة في عصر النزول، لدراسة المكونات المعنوية المؤثرة في ماهية «الإثخان» والمباحث المتعلقة به، وعلى هذا الأساس، تم نقد الآراء التفسيرية لمفسري القرآن في تبيين الآية 67 من سورة الأنفال. بناءً على ذلك، يجب القول إن التأمل في استخدام كلمة «الإثخان» وسياق الآيات، يرشدنا إلى أن «الإثخان في الأرض» هو نفسه «إثخان العدو» من قبل المسلمين، ويدل على «إيجاد الضعف والوهن في القدرة القتالية للعدو»، وهذا هو الوقت الذي يمكن فيه الإقدام على أخذ الأسرى. لذلك، يمكن القول: 1- خلافًا لتصور العديد من المفسرين، فإن الحكم الموجود في الآيتين المتضمنتين لـ«الإثخان»، منسجم ومنطبق، وحكم الأسر مشروط بتحققه. 2- في الآيات من 67 إلى 70 من سورة الأنفال، لا توجد قرينة على كون مضمون الآيات عتابيًا، وفي النهاية يمكن حملها على التحذير. لذلك، فإنها خالية من تهمة عدم التوافق مع عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك عدم الانسجام مع سياق الصلح والصداقة في هذه السورة. نتيجة لذلك، يجب القول إنه من ناحية، فإن الانتباه إلى مجموع القرائن الداخلية للنص يدل على أن هذه الآيات لم تأمر بقتل المعارضين والكفار فحسب، بل كما يتضح من آيات أخرى من القرآن، فإن مثل هذا التوجه في الثقافة القرآنية يعتبر توجهًا جاهليًا. ومن ناحية أخرى، فإن مثل هذا الحكم مقبول عقليًا، والمسلمون مكلفون بعد هدوء الأوضاع نسبيًا في ساحة المعركة والسيطرة على الظروف، بأسر الأعداء، والامتناع عن قتلهم وتقتيلهم؛ على الرغم من أنه في الوقت المناسب يمكنهم إطلاق سراح الأسرى بالمن عليهم أو بأخذ الفدية.
الهوامش
[1] أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة أصفهان (الكاتب المسؤول).
[2] طالبة ماجستير في علوم القرآن والحديث بجامعة أصفهان.
[3] بناءً على رواية ابن عباس وجابر بن يزيد، فإن الآية 67 من سورة الأنفال متقدمة في ترتيب النزول على الآية 4 من سورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (معرفت، 1384: 57).
[4] سورة الأنفال هي السورة الثامنة والثمانون النازلة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسورة محمد صلى الله عليه وآله وسلم هي السورة الخامسة والتسعون. (معرفت، 1384: 58).
[5] البقرة: 114؛ آل عمران: 79، 145 و 161؛ النساء: 92؛ الأنفال: 67؛ التوبة: 17، 113 و 120؛ يونس: 100؛ يوسف: 38؛ الرعد: 38؛ إبراهيم: 11؛ مريم: 35؛ النمل: 60؛ الأحزاب: 36 و 53؛ غافر: 78؛ الشورى: 51. هذا التركيب هو حاصل الجمع بين (ما) النافية والفعل الماضي (كان)، مع جار ومجرور يتعلق به حرف الجر، ويكون ضميراً أو اسماً. بعد الجار والمجرور، يأتي الحرف المصدري (أن) الذي يدخل على فعل ويؤوله إلى مصدر. هذا القانون العام في معظم الحالات يكون مقيداً ومشروطاً بشروط خاصة، سواء بأدوات التحديد وبيان الغاية (مثل الأنفال: 67، التوبة: 113)، أو الحال (مثل آل عمران: 79، التوبة: 17 و 120، الأحزاب: 36)، أو أدوات الاستثناء (مثل البقرة: 114، آل عمران: 145، النساء: 92، يونس: 100، الرعد: 38، إبراهيم: 11، غافر: 78، الشورى: 51)، والآيات محل البحث من جملة ذلك.