الملخص: يُعدّ ابن قتيبة الدينوري من أبرز علماء اللغة والمحدّثين عند أهل السنّة، وله مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم الدينية. وفي هذا السياق، يحتل كتابه “تأويل مختلف الحديث” مكانة محورية وأساسية في حلّ تعارض الأخبار؛ إذ تصدّى ابن قتيبة لتأويل الأحاديث وجمعها وحلّ تعارضها في ظل الظروف السائدة في عصره وتنامي النزاعات الكلامية بين المعتزلة وأهل التجسيم. يسعى هذا البحث إلى التعريف بالعلوم التي استعان بها ابن قتيبة في حلّ تعارض الأخبار، مع التعريف بمنهجه في هذا الكتاب ودراسته. وتُظهر نتائج البحث أن المؤلف قد جمع الأحاديث المتعارضة في هذا الكتاب وبيّن سبل الجمع بينها، وسعى إلى الجمع بين الروايات على نحو يتجنب به ردّ الأحاديث المتعارضة. إن معرفة ابن قتيبة بالعلوم والقواعد الأدبية، والعلوم العقلية، وأصول الفقه، والتعاليم القرآنية، وفقه الحديث، قد مكّنته من تقديم صورة أوضح وفهم أصح للروايات. يعرض ابن قتيبة في “تأويل مختلف الحديث” التعارضات في ثلاثة أشكال: التأويلات غير الصحيحة، والجمع وحل التعارض غير المستقر، والتعارض المستقر. ومع ذلك، فإن دقته في تجنب طرح الروايات ملحوظة في جميع الحالات تقريبًا، ولذلك يسعى قدر الإمكان إلى إيجاد سبيل للجمع بين الروايات؛ كما أنه في حالات نادرة، عند مواجهة التعارضات المستقرة بين الروايات، رجّح بعضها على بعض أو قبل بنسخ إحداها.
طرح المسألة
يُعدّ تمييز الأحاديث المتعارضة واستعادتها وحلّ الاختلاف بين الروايات من الفروع المهمة في علم فقه الحديث؛ لا سيما إذا كان هذا التعارض والاختلاف لا يمكن حلّه بسهولة. التعارض في الاصطلاح هو “التنافي والتناقض بين مدلول دليلين”. ومما لا شك فيه أن بحث الأحاديث المتعارضة وحلّ الاختلاف بينها يكتسب أهميته من منطلق أنه لا يمكن نسبة الأفكار والأقوال المتعارضة والأحكام المتناقضة إلى كلام النبي والمعصومين (عليهم السلام). وانطلاقًا من هذه النقطة، يمكن إدراك ضرورة دراسة المحدّثين للأحاديث المتعارضة. وقد صنّف أهل السنّة كتبًا متعددة في هذا المجال. وأول مؤلَّف طُرح فيه بحث تعارض الأخبار بشكل مستقل هو “اختلاف الحديث” لمحمد بن إدريس الشافعي. وبعده، ألّف ابن قتيبة كتاب “تأويل مختلف الحديث” بشكل مستقل في هذا المجال، ومن بين علماء الشيعة، دوّن الشيخ الطوسي كتاب “الاستبصار فيما اختلف من الأخبار” في هذا الباب. في هذا البحث، وبهدف تحديد بعض أسباب الاختلاف بين الروايات ومعرفة أساليب التوفيق بين مفاهيم الروايات وغيرها من الروايات والأدلة، سنقوم بعد عرض مفهوم التعارض ونظرة عامة على كتاب “تأويل مختلف الحديث”، بدراسة الأساليب التي استعان بها ابن قتيبة في حلّ تعارض الأخبار. وتشير النتائج التي تم التوصل إليها في هذا البحث إلى أن التعريف بهذه الحلول، بالإضافة إلى معرفة الأحاديث، يؤثر أيضًا في فهم المقصد الأصلي للروايات.
تكمن أهمية وقيمة “تأويل مختلف الحديث” في أن الظروف في زمن ابن قتيبة كانت مهيأة لفرض الآراء والأفكار على الروايات والآيات، وكان تحريك الأفكار والآراء قد تشكّل بين الفرق المختلفة؛ خاصة المعتزلة الذين أولوا اهتمامًا خاصًا بالروايات الكلامية وفقًا لمسلكهم الاعتزالي وبما يتناسب مع المباحث. في هذا الوضع، تصدّى ابن قتيبة لهذه التيارات وقام بحل تعارض الروايات. هذا البحث، باعتماده كتاب “تأويل مختلف الحديث” كأساس، بوصفه أحد الكتب المتقدمة في حل تعارض الأخبار، يسعى للإجابة عن السؤالين التاليين:أ) ما هي الأساليب التي اعتمدها ابن قتيبة في حل تعارض الأحاديث؟ ب) ما هي العلوم التي استعان بها في حل تعارض الأخبار؟ ١. سابقة البحث
باستثناء بحث “دراسة مقارنة لأساليب الجمع بين الأحاديث المتعارضة عند الشيخ الطوسي في الاستبصار وابن قتيبة الدينوري في تأويل مختلف الحديث” الذي أعدّته فاطمة آبباريكي ومهرزاد صفر زاده عام ١٣٨٧ هـ.ش. في جامعة الرازي بكرمانشاه في إطار رسالة ماجستير، لم يُنجز في هذا المجال بحث مستقل يتناول بعض حلول ابن قتيبة في حل تعارض الروايات. وبالطبع، يُلاحظ في هذا العمل عدم التغطية الشاملة لمبحث حل تعارض الأخبار من وجهة نظر ابن قتيبة. بالإضافة إلى ذلك، تم شرح التعارضات المتعلقة بابن قتيبة دون تصنيف، ولم يتم استكشاف نوع المرتكزات والعلوم التي استعان بها. على أي حال، لم يُعثر على أثر كُتب بشكل مستقل يركز على حلول ابن قتيبة في حل تعارض الأخبار، أو تناول نوع العلوم التي استعان بها في حل تعارض الأخبار. من هنا، فإن البحث الحاضر، نظرًا للضرورة المذكورة، يتناول تبيين أساليب ابن قتيبة والعلوم التي اختارها في هذا العمل.
٢. ابن قتيبة و”تأويل مختلف الحديث”
أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، المشهور بابن قتيبة الدينوري، من كبار علماء الأدب والتاريخ والعلوم الدينية في القرن الثالث الهجري. ومع أنه يُعدّ من الشخصيات البارزة في حياته الثقافية والعلمية، لا تتوفر معلومات كثيرة عن حياته، ومجموع ما ذكره أصحاب التراجم في سيرته لا يتجاوز بضعة أسطر، وفي معظم هذه الكتابات يوجد اختلاف في وجهات النظر. ومع ذلك، يتفق أصحاب التراجم على أن ابن قتيبة وُلد في أوائل رجب سنة ٢١٣ هـ في الكوفة أو بغداد. كان أبوه مسلم بن قتيبة بن مسلم، ولأن أباه كان من أهل مرو، نُسب إليه “المروزي”. ومن جهة أخرى، كان جدّه أحد أمراء الدولة الأموية في خراسان، وتولى حكم مرو لفترة، ولهذا السبب دُعي أيضًا بـ “الإيراني”.
دخل ابن قتيبة ميدان التعليم وطلب العلم في أواخر خلافة المأمون العباسي، في فترة النمو والازدهار العلمي في بغداد والعالم الإسلامي. في بغداد، تلقى العلم على يد أساتذة وعلماء مثل إسحاق بن راهويه (ت ٢٦٠ ق)، وأبي الخطاب زياد بن يحيى الحساني (ت ٢٥٤ ق)، ودعبل بن علي الخزاعي (ت ٢٤٦ ق)، وغيرهم. إن المناخ العلمي في بغداد جعل ابن قتيبة ذا رأي في علوم شتى كالقرآن والحديث والفقه والتاريخ واللغة والأدب العربي؛ حتى وُصف بـ “دائرة المعارف”. وقد دفعت شخصية ابن قتيبة العلمية الموسوعية إلى تأليف كتب مختلفة ومتعددة في موضوعات متنوعة كالأدب والفقه والحديث وغيرها، ومنها: أدب الكاتب، تفسير غريب القرآن، الشعر والشعراء، عيون الأخبار، غريب الحديث، المعارف، المسائل والأجوبة في الحديث واللغة، مشكل الحديث، معاني الشعر، المسائل والجوابات، والفرس. قضى ابن قتيبة فترة نموه ونضجه في بغداد التي كانت آنذاك محلاً لتضارب الآراء والمناظرات العلمية والكلامية. في تلك الفترة، كان المأمون يدعم المعتزلة رسميًا، واستمر هذا الدعم في عهد المعتصم والواثق. لكن هذا الوضع لم يدم، فقد غيّر المتوكل العباسي وجهته واتخذ موقفًا معاديًا للمعتزلة، وفي المقابل، دعم أهل الحديث، مما أدى إلى أفول نجم المعتزلة ووصول أهل الحديث إلى أوج قوتهم. في تلك الحقبة، أدت سيطرة الأتراك على جهاز الخلافة والموقف المعادي للعنصر الإيراني إلى تشكيل حركة تُعرف بـ “الشعوبية”، كانت في الغالب من قبل الإيرانيين. كان ابن قتيبة متوافقًا مع جهاز الخلافة في مواجهة ومحاربة المعتزلة والشعوبية. وقد اعتبر اختلافهم في الروايات والآيات من أسباب طعن النحل والفرق المذهبية، وخاصة المتكلمين، بعضهم على بعض، وشرع في تأليف كتاب “تأويل مختلف الحديث” لحل الروايات المتعارضة. وفي هذا الأثر، سعى إلى ردّ آراء المعتزلة العقلانيين وأهل التجسيم. وصل إلينا هذا الكتاب عن طريق رواية تلميذه أحمد بن مروان الدينوري المالكي (ت ٣٣٣ ق). ألّف ابن قتيبة كتاب “تأويل مختلف الحديث” بهدف الدفاع عن السنة والعقائد الإسلامية ومحاربة المنحرفين والمتكلمين الذين يثبتون عقائدهم عن طريق التفاسير الظنية لآيات القرآن والأحاديث النبوية. ومما لا شك فيه أن جهده كان منصبًا على حل تعارض الأخبار والآيات التي تبدو متعارضة في النظرة الأولى. يصور ابن قتيبة قبل ذكر الأحاديث في مقدمة الكتاب عقائد ونزاعات المتكلمين في عصره، ثم يشرع في ذكر الأحاديث وحل تعارضها. لم يولِ في نقل الروايات اهتمامًا كبيرًا بالبحث السندي وسلسلة الرواة، بل كان الأصل والمبنى لديه هو متن الروايات. يورد الأحاديث من البداية إلى النهاية دون نظام محدد، ويذكر الاختلاف والتعارض بعناوين مثل “قالوا: حديثان متناقضان”، “قالوا: حديث يدفعه النظر وحجة العقل”، “قالوا: حديث يكذبه العيان”، “قالوا: حديث يكذبه النظر والخبر”، و “قالوا: حديث يكذبه القرآن من جهتين”، ثم يورد أدلته في رد تعارض الأحاديث بعبارة “قال أبو محمد”. تبيين المفردات الرئيسة
في سياق تبيين أساليب تعامل ابن قتيبة مع الأخبار المتعارضة، تُعدّ مباحث مثل مفهوم مختلف الحديث، ومفهوم التعارض وأنواعه، من المفردات الرئيسة في هذا البحث.
١.٣. مفهوم مختلف الحديث
مختلف الحديث علم يبحث في التنافي والتناقض بين حديثين أو أكثر، وكذلك في كيفية رفع هذا التنافي والتعارض. يذعن صبحي الصالح في تعريف مختلف الحديث قائلًا: “مختلف الحديث علم يبحث في الأحاديث التي ظاهرها التناقض من حيث إمكان الجمع بينها، ويسمى أحيانًا علم تلفيق الحديث”. وهناك تعريف آخر لمختلف الحديث أوسع نطاقًا من التعريف السابق، وهو: علم يبحث في الأحاديث المتعارضة؛ أي أنه يبحث في التنافي والتناقض الذي وقع بين مدلول الأحاديث، وكذلك في كيفية علاج هذا التعارض ورفعه. التعريف الأخير أكمل وأنسب، وسندرس في هذه المقالة اختلاف الروايات وتعارضها من وجهة نظر ابن قتيبة بناءً عليه.
٢.٣. مفهوم التعارض وأنواعه
التعارض من جذر “عرض”، وهو مصدر على وزن “تفاعل”، ويعني في اللغة الإظهار والإبراز. وقد ورد في معنى التعارض الاصطلاحي عند أهل السنّة ما يلي: “التعارض هو أن يتعارض حديثان في المعنى ظاهرًا، ولكن يوجد بينهما ترجيح وتفضيل بحيث يتغلب أحدهما على الآخر”. أحيانًا يكون التعارض بين روايتين ظنيتين ظاهريًا وابتدائيًا، ويزول هذا التعارض بالتأمل في مفاد الروايتين؛ بمعنى أنه يمكن حمل كل من الروايتين على معنى لا يتنافى مع الأخرى. ويُسمى هذا النوع من التعارض “التعارض البدوي” أو “التعارض غير المستقر”. ولكن عندما يكون التضاد والتعارض بين روايتين ظنيتين بحيث لا يمكن رفعه بتطبيق قواعد الجمع الدلالي، فإن هذا النوع من التعارض يُسمى “التعارض غير الظاهري” أو “التعارض المستقر”.
٤. منهج ابن قتيبة في التعامل مع التأويلات غير الصحيحة
ابن قتيبة، بالإضافة إلى حل تعارض الروايات، تتبّع أيضًا التأويلات غير الصحيحة للمتكلمين وأهل التجسيم، وتصدّى لها مستعينًا بالعلوم التي كان متبحرًا فيها. وفيما يلي، ندرس أنواع ذلك في “تأويل مختلف الحديث”.
١.٤. العلوم والقواعد الأدبية
يتطلب الفهم الصحيح لمتن الحديث إحاطة عالية نسبيًا بعلوم الأدب العربي، والتي بدونها قد تحدث استنباطات غير صحيحة وناقصة من المتن. وبسبب الفكر الأدبي الخاص الذي نعرفه عن ابن قتيبة في مؤلفاته، فقد نظر إلى كثير من الروايات التي تبدو متعارضة بعين أدبية، وقاس كل ما وجده بحاجة إلى بحث لغوي بالعلوم والقواعد الأدبية. ومن هنا، اعتبر ابن قتيبة بعض المعاني والتأويلات غير الصحيحة ناتجة عن عدم مراعاة قواعد الأدب العربي، وفي هذا القسم، ندرس نماذج منها قدر الإمكان.
١.١.٤. التنافي مع القواعد العربية
استطاع ابن قتيبة، بناءً على معرفته بالقواعد الأدبية التي تُعدّ من الافتراضات الأولية في الفهم الصحيح للحديث، أن يتخذ موقفًا في بعض الحالات ضد التأويلات والاستنباطات الخاطئة، وأن يبيّن المعنى الصحيح للآيات والأحاديث. على سبيل المثال، أحد تفاسير المعتزلة لآية ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ (البقرة: ٢٥٥) هو أنهم اعتبروا “الكرسي” بمعنى “العلم”، مستندين إلى بيت شعر مجهول: “ولا يُكرسِئُ علمُ اللهِ مخلوقٌ؛ أي لا يحيط بعلم الله المخلوقات”. ويرى ابن قتيبة أن مثل هذا الرأي يشبه القول بأن الله عند المخلوقات. وقد ردّ هذا التأويل الذي لا يستند إلى قواعد عربية، وقال: “إن كلمة ‘كرسي’ في الآية الكريمة بدون همزة، بينما استنادهم إلى الشعر بكلمة ‘يُكرسِئُ’ مهموزة. كما أن عرش الله في عرف اللغة العربية يُعرف بكلمة ‘سرير’ بمعنى السرير؛ كما يقول تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ (يوسف: ١٠٠)، ففي هذه الآية أيضًا العرش بمعنى السرير”.
كذلك، يرد ابن قتيبة فهم أولئك الذين يقولون في آية ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ (يوسف: ٢٤) أن زليخا قصدت ارتكاب الفاحشة، ويوسف (عليه السلام) قصد الفرار والإعراض عنها، ويقول: “لا يُستعمل في اللغة العربية جملة ‘هممتُ بفلان وهمّ بي’ لقصدين مختلفين، إلا إذا كان المتكلم يقصد الإهانة والطرف الآخر نيته الإكرام والاحترام، فاستعمال هذه الجملة لا يجوز إلا إذا كان معنى الهمّين واحدًا”. ويؤيد صاحب تفسير “التحرير والتنوير” كلام ابن قتيبة فيكتب: “عبارة ‘وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ’ جملة ابتدائية واستئنافية، وليس المقصود من مراودة زليخا ليوسف اختبار يوسف (عليه السلام)، بل الهدف هو تهيئة ذهن المخاطب لنفي قصد يوسف تجاه زليخا، لإظهار حالة وشخصية كليهما؛ لأن المعصوم منزه حتى عن قصد ودافع ارتكاب الفاحشة. والدليل على هذا القول هو الآية نفسها؛ لأن جملة ‘هَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ’ معطوفة على جملة ‘وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ’، وليست معطوفة فقط على كلمة ‘همّت’؛ لأن جملة ‘وهمّ بها’ تتبعها جملة الشرط ‘لولا’ وهي جملة كاملة لإظهار أحوال ونفسية يوسف (عليه السلام)، لا لبيان أحوال زوجة عزيز مصر. لذا لا يمكن أن تكون هناك علاقة بين هاتين الجملتين. من جهة أخرى، قُدّم جواب الشرط في هذه الآية على الشرط نفسه بهدف التأكيد وتوجيه انتباه المخاطبين إلى حالة يوسف (عليه السلام). لذلك، كان مقصود الآية أنه لو لم يرَ يوسف دلائل وآيات الله، لربما كان هو أيضًا قد همّ بارتكاب الفاحشة”.
٢.١.٤. التصحيف والخطأ
يمهّد ابن قتيبة، من خلال تحديد التصحيف والخطأ في الروايات ومعاني الآيات، الطريق للتعرف على التأويلات الخاطئة والفهم الصحيح لمعاني الكلمات؛ بحيث لم يغفل عن أصغر احتمال لوجود تصحيف. على سبيل المثال، اعتبر المعتزلة معنى آية ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (الأعراف: ١٧٩) “ألقيناهم في جهنم”، واستندوا إلى عبارة “ذرته الريح”. ويرد ابن قتيبة استنادهم ويقول: “لا يجوز أن نقول إن ‘ذرأنا’ مشتقة من ‘ذرته’؛ لأن ‘ذرأنا’ مهموزة، بينما العبارة المستند إليها غير مهموزة. ومن ثم، فهما ليستا مشتقتين من جذر واحد. كما أنه لا يجوز في اللغة العربية أن يُقال: ‘أذرته الدابة عن ظهرها’؛ أي ألقته الدابة عن ظهرها؛ لأن فعل الجملة من ‘أذريت’ الذي لا يوجد في تقديره همزة، بل هو من باب ‘أفعل'”. كما يستند المعتزلة إلى بيت شعر لـ “المثقب العبدي”: تَقُولُ إِذَا ذَرَأْتُ لَهَا وِضِينِي / أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي؟ عندما بسطتُ لها حزام الرحل، قالت: أهذا شأنه وشأني أبدًا؟ يرد ابن قتيبة هذا الاستدلال أيضًا ويعتقد أن في هذه العبارة تصحيفًا وخطأ؛ لأن الأصل اللغوي لهذه الكلمة هو من “ذرء” بمعنى الظهور والإظهار؛ مثل “ذرأ الله الخلق”؛ أي أظهر الله المخلوقات. وهذا يعني أن الهمزة في النسخ وُضعت في غير موضعها خطأً في آخر الكلمة، مما أدى إلى هذا التغيير في المعنى.
٣.١.٤. مخالفة سياق الكلام
السياق هو إيقاع الكلام وفضاؤه والقرائن الداخلية فيه التي تهيئ لظهور الكلام في معنى خاص ومقصد للمتكلم، وهو في الحقيقة أسلوب الكلام أو صدره وذيله. يلعب السياق دورًا مهمًا في تفسير آيات القرآن، ولكن في الأحاديث يجب التفصيل فيه. في الأحاديث التي تتناول موضوعًا واحدًا، لا شك أن صدر الكلام وذيله يتدخلان في فهم المعنى ويجب الانتباه إلى سياق الكلام. أما في روايات الفروع التي تعبر كل جملة فيها عن حكم خاص، فلا يعتبر الفقهاء السياق حجة، ويعتقدون أنه يجب تفسير كل جملة بشكل مستقل.
يرد ابن قتيبة التأويلات التي تتعارض مع سياق الكلام. على سبيل المثال، نقل المعتزلة رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لعنة الله على السارق الذي يسرق بيضة أو حبلًا وتقطع يده. بينما في رواية أخرى، يكون قطع اليد للسرقة في حال سرق الشخص ربع دينار أو أكثر. وقد فسّر بعض فقهاء المعتزلة بمنهجهم العقلي، البيضة في هذا الحديث النبوي بالخوذة التي تُلبس في الحرب على الرأس، والحبل بحبل السفينة، وقيمتهما مرتفعة. يرد ابن قتيبة هذا القول ويعتقد أن هذا المعنى غير جائز في سياق كلام العرب؛ “لأن هذا الحديث لا يدل على سياق الشيء الكبير، بل على سياق الشيء الصغير، كما أن الذهن لا ينصرف إلى الخوذة أو حبل السفينة؛ لأن السارق غير قادر على حملهما”. ويرد ابن قتيبة أيضًا سياق الكلام الذي يخالف بدايته؛ لأن بعض الجمل في بداية الكلام تشهد على نهايته؛ مثل سورة المجادلة التي تبدأ بموضوع “العلم” وتنتهي بنفس الموضوع. على سبيل المثال، يقول ابن قتيبة: “إن مقصود الله من آية ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (فاطر: ٢٢) هم الجهلاء الذين يمكن أن يكونوا من الأموات. ويعلل هذا الفهم بصدر الآية الذي يشير إلى نفس المفهوم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾ (فاطر: ١٩). وفي هذه الآية أيضًا، المقصود بالأعمى الكافر، وبالبصير المؤمن”. ٢.٤. العلوم العقلية والواقع الخارجي
يُعدّ “العقل” في تقييم معظم الروايات في مجال العقائد والأخلاق معيارًا لتمييز الصحيح من السقيم من الحديث، ولكنه لا مدخل له في عموم الأحكام التي هي من التعبديات، ولا يمكن استخدام معيار العقل في تمييز الروايات الفقهية الصحيحة من غير الصحيحة. يرد ابن قتيبة طائفة من الروايات التي طرحها أهل التجسيم والزنادقة لفرض آرائهم، بالاستناد إلى المسلّمات العقلية والواقع الخارجي. على سبيل المثال، ورد في رواية أن الشمس والقمر يحترقان في نار جهنم يوم القيامة. يرى ابن قتيبة أن هذه الرواية غير مقبولة عقليًا؛ “لأن الشمس والقمر لا ذنب لهما ولا يلحقهما عذاب أو ثواب؛ لأنهما مسخّران ومذلّلان لأداء ما حدده الله لهما؛ مثل حطب جهنم الذي هو من الحجارة: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (البقرة: ٢٤)”. وصف بعض الزنادقة آدم (عليه السلام) بأن رأسه كان يصل إلى السحاب والسماء، وعندما هبط إلى الأرض بكى حتى جرت من دموعه بحار وسارت فيها السفن، وقالوا عن داود (عليه السلام) إنه سجد لله أربعين ليلة وبكى حتى نبت من دموعه عشب ونبات. يعتقد ابن قتيبة أن مثل هذه الأقوال ليست فقط متعارضة عقليًا، بل هي مخالفة للثقافة السامية للقرآن الكريم أيضًا، ويبدو من المستبعد أن يكون النبي وأصحابه قد تفوهوا بمثل هذه الأقوال. من ناحية أخرى، لا يذكر الزنادقة أي طريق لهذه الأقوال، ورواتها غير معروفين. كما أن هذه الروايات من النوع الذي يمكن اعتباره ضمن واردات الأفكار غير الإسلامية (الإسرائيليات).
الأحاديث التي أصبحت ذريعة للظاهرية هي من هذا القبيل. ففي مثل هذه الروايات، يُشبَّه الله بالمخلوقات وتُنسب صفات الجسم إلى الذات الإلهية المقدسة. على سبيل المثال، عندما أراد الله أن يخلق نفسه، خلق فرسًا وأجراه حتى عرق، ثم خلق نفسه من عرق ذلك الفرس! كيف يمكن قبول مثل هذا القول الذي يصور الله كأنه جسم؟ ينفي القرآن أن تكون ذات الله متجزئة وأن ينفصل جزء من جنسه عنه. في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “الرؤيا إذا لم تُعبّر، طارت كأنها طائر فلا تقع؛ ولكن إذا عُبّرت وقعت”. كيف يمكن أن تطير الرؤيا كالطائر، وإذا عُبّرت وقعت؟ من هنا، لا يوجد دليل عقلي على هذا التشبيه. من ناحية أخرى، فإن معظم رؤى الإنسان ناتجة عن نفس طبيعة الإنسان أو من جهة الشيطان. ٥. حلول ابن قتيبة في رفع التعارض غير المستقر للروايات
استخدم ابن قتيبة في مواجهة التعارض غير المستقر للروايات، بالاستناد إلى علوم الأدب وأصول الفقه والتعاليم القرآنية وعلم فقه الحديث، أساليب تمكن من خلالها من الجمع والتوفيق بين الروايات ذات التعارض البدوي، وأزال توهم الاختلاف والتعارض بينها. وفي هذا البحث، نستكشف هذه الأساليب.
١.٥. العلوم الأدبية
أدى توجه ابن قتيبة الأدبي إلى أن يعالج تعارض الأخبار البدوي في ضوء علوم الأدب؛ بحيث يبدو أن هذه المسألة هي السمة المميزة والبارزة له في حل هذا النوع من التعارضات. والحلول التالية تظهر جهوده في هذا المجال.
١.١.٥. الحمل على المشترك اللفظي
بعض الألفاظ تحمل معاني مختلفة، ويتحدد معناها بحسب السياق وبنية الكلام. وقد أدت دقة ابن قتيبة في هذه المسألة إلى معرفة المعنى الأصلي للكلمات، وبالتالي زال التعارض الظاهري. على سبيل المثال، كتب ابن قتيبة عن حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “لأقضين بينكما بكتاب الله”: “إن المقصود بـ ‘الكتاب’ في هذه الرواية ليس القرآن، بل للكتاب وجوه مختلفة، ومن معانيه العمل الواجب؛ مثل ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: ٢٤)، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَىٰ﴾ (البقرة: ١٧٨)، و﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ (النساء: ٧٧)، ففي جميع هذه الآيات يدل الكتاب على الأمر المقرر والواجب”. ثم يستشهد بشعر للنابغة الجعدي: ومال الولاء بالبلاء فملتم / وما ذاك قال الله إذ هو يكتب أي أن الولاء قرب إلينا بالنسب فملتم، ولكن الله لم يوجب هذا الحكم.
يرى بعض الظاهرية أن طلب إبراهيم (عليه السلام) من الله أن يريه كيف يحيي الموتى مبني على الطعن والشك في مسألة المعاد، ويستدلون بحديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “أنا أحق بالشك من إبراهيم”. لرفع هذا التعارض، يرى ابن قتيبة أن حديث النبي يتعلق بزمن نزول آية ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: ٢٦٠). وفي هذه الآية، يحمل يقين إبراهيم (عليه السلام) وطمأنينته على اليقين بالرؤية، ويعتقد أن اليقين نوعان: يقين عن طريق السماع، ويقين عن طريق الرؤية، وهو أفضل أنواع اليقين. ولهذا، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يذكر قصة قوم موسى (عليه السلام) وإلقاء الألواح على رؤوسهم يقول: “ليس الخبر كالمعاينة”. وفي هذا الصدد، يكتب الآلوسي: “للإيمان درجات، وأعلاها درجة اليقين والاطمئنان التي تزيل الشك تمامًا من نفس الإنسان، ولا يعود الشخص يشك بأي حال من الأحوال. ويُعرّف هذا النوع من الإيمان بـ ‘عين اليقين'”. ورد في رواية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بإمامة الرجل الصالح والمستحق في الصلاة على الأمة، ولكن في رواية أخرى أمر بالصلاة خلف كل إمام، برًا كان أو فاجرًا. وبالنظر إلى أن كلمة “إمام” مشتركة في هاتين الروايتين، حل ابن قتيبة هذا التعارض البدوي بين مدلولي الروايتين بقاعدة الاشتراك اللفظي. ويكتب: “المقصود بالرواية الثانية هو الملك والحاكم الذي يجمع الناس ويؤمهم في الأعياد والمجالس المختلفة ليتحد الناس مع بعضهم البعض. فكان قصد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حفظ وحدة الأمة عندما قال ذلك. والمقصود بالرواية الأولى أئمة المساجد في القبائل والأمم الذين يُختارون من بين الصالحين”. ٢.١.٥. الحمل على المجاز
ينقسم اللفظ باعتبار الاستعمال إلى حقيقة ومجاز. الحقيقة هي اللفظ المستعمل في معناه الوضعي، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير معناه الوضعي مع وجود علاقة مع المعنى الحقيقي. وأحيانًا يؤدي استعمال المجاز في بعض الروايات إلى تعارض بدوي بينها. وقد اهتم ابن قتيبة في ضوء علمه الأدبي بهذه المسألة في مواضع متعددة. على سبيل المثال، ورد في الروايات أن عرش الله اهتز لموت سعد بن معاذ. وفي رواية أخرى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد بن معاذ؛ فقد عادت أضلاعه من شدة ضغطة القبر”. لرفع هذا التعارض، اعتبر ابن قتيبة معنى اهتزاز عرش الله (الاهتزاز) بالاستناد إلى قرينة حالية، بمعنى الفرح والسرور، واعتبر هذا المعنى شائعًا في ثقافة اللغة العربية؛ كما يُقال: “فلانًا ليهتز”؛ أي فلان فرح. فالمقصود من اهتزاز عرش الله لموت سعد بن معاذ هو فرح الملائكة بروحه العالية التي تطوف حول عرش الله؛ لأن عرش الله هو مكان الذين تطوف الملائكة حولهم؛ كما يقول تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ (الزمر: ٧٥).
ورد في رواية أن الله ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل ويقول: هل من داعٍ ومستغفر فأجيبه وأغفر له؟ بينما تتعارض هذه الرواية مع نص القرآن الكريم. حمل ابن قتيبة في هذا الحديث نزول الله على المعنى المجازي لرفع التعارض من خلال إيجاد توافق وتناغم بين الأصول والضوابط الكلامية المطروحة حول الذات الإلهية المقدسة. ويقول عن كيفية نزول الله إلى السماء الدنيا: “للنزول معنيان: أ) الانتقال من مكان إلى آخر، مثل انتقال شيء من جبل إلى مكان منخفض؛ ب) الإقبال على شيء بقصد وإرادة، وهذا المعنى أكثر انسجامًا مع معنى الرواية”. وقد اعتبر ابن قتيبة المعنى الثاني صحيحًا وجائزًا. في كلام للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نُقل عنه: “ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة”؛ بينما يتنافى هذا الحديث مع مضمون آيات آل عمران والنجم. حمل ابن قتيبة هذا التنافي الظاهري على المجاز، مستندًا إلى رواية أخرى، وكتب: “المقصود بالروضة في هذه الرواية هو الصلاة؛ لأن الصلاة وذكر الله يهيئان للإنسان أسباب دخول الجنة؛ كما يُقال: ‘الجنة تحت ظلال السيوف’؛ لأن الجهاد في سبيل الله يؤدي إلى نيل الإنسان للجنة”.
٣.١.٥. الحمل على الكناية
الكناية هي لفظ يُستعمل في غير معناه الموضوع له، مع جواز إرادة المعنى الحقيقي. وقد حمل ابن قتيبة في حل التعارض البدوي للروايات في بعض الحالات على الكناية. على سبيل المثال، نُقل في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه إذا سافر شخص وحده، صاحبه شيطان واحد، وإذا كانا مسافرين، صاحبهما شيطانان؛ بينما في رواية أخرى، فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خلاف ذلك. يحمل ابن قتيبة الرواية الأولى على الكناية ويكتب: “المقصود من الرواية الأولى كناية عن الوحشة والوحدة التي يطمع فيها الشيطان في الفرد؛ كما يطمع اللص والسبع في المسافر”. كما اعتبر آية ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (المائدة: ٧٥) كناية عن قضاء الحاجة؛ لأن أكل الطعام يستلزم الحدث وقضاء الحاجة.
٤.١.٥. الحمل على التشبيه
أحيانًا يكون التعارض الظاهري بين الأخبار بسبب تشبيه شيء بشيء آخر، دون وجود تعارض حقيقي بينهما. ومن دقة ابن قتيبة في الروايات اهتمامه بهذه المسألة. على سبيل المثال، لدى المعتزلة رواية مفادها أن كلتا يدي الفرد يمين. هذه الرواية تبدو مستحيلة ظاهريًا، لكن ابن قتيبة حملها على التشبيه، بحيث يكون المقصود بها الكمال، والعرب تسمي الشيء الكامل “يمين” والناقص “يسار”. أو فيما يتعلق بمسح الحجر الأسود، نُقل عن ابن عباس: “الحجر الأسود يمين الله في الأرض”. يعتقد ابن قتيبة في هذه الرواية بالحمل على التشبيه؛ وكأن الحجر الأسود لله بمنزلة اليد اليمنى، وعندما يُلمس، فإنه يدل على الإيمان بالله والوفاء بعهده.
٥.١.٥. الحمل على النقل بالمعنى
يُعدّ تصرّف الرواة في ألفاظ الحديث ونقل الرواية بالمعنى من عوامل نشوء التعارض، ويقابله النقل بالألفاظ. في النقل بالألفاظ، يكون الراوي ملزمًا بحفظ عبارات وألفاظ الحديث بدقة؛ أما في النقل بالمعنى، فلا يكون الراوي ملزمًا بذلك، بل ينقل معاني ومفاهيم الروايات بعباراته الخاصة إلى الآخرين. بعبارة أخرى، النقل بالمعنى هو نقل محتوى خبر دون الجمود على الألفاظ؛ وإن كانت ظاهرة النقل بالمعنى تُدخل نقصًا على الرواة، ولتمييزها نحتاج إلى ذكر جميع الروايات المشابهة حتى يتأكد لنا وجود النقل بالمعنى. وقد اهتم ابن قتيبة بهذه المسألة في حالات نادرة جدًا في حل تعارض الروايات. ويبدو أنه يعتبر ظاهرة النقل بالمعنى من عيوب الرواية؛ إلا مع وجود احتمال مصحوب بقرائن. على سبيل المثال، في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة”. وفي حل تعارض هذه الرواية مع آيات القرآن، بالإضافة إلى المجاز، يذكر ابن قتيبة ما يلي: “حملت جماعة هذه الرواية على النقل بالمعنى، وقالوا: المقصود من قبر النبي ومنبره أنهما مقابل روضة من رياض الجنة؛ بحيث تكون هذه الروضة في الأرض مقابل روضة في الجنة في السماء؛ ولكن الوجه الأول عندي أفضل”.
٢.٥. أصول الفقه
أصول الفقه هو “العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو التي يقع في طريقها”. ومن بين الروايات التي تتضمن حكمًا شرعيًا، قد يتعارض بعضها مع حكم آخر؛ بينما في ضوء أصول الفقه وضوابطه، يزول إبهام الروايات. وقد تصرّف ابن قتيبة، مستندًا إلى علم الأصول، في مدلول أحد طرفي التعارض، وجمع بين الروايات، والحلول التالية تبيّن جهوده في هذا المجال.
١.٢.٥. الحمل على الاستحباب
أحيانًا يكون التعبير المستخدم في الرواية بحيث يدل ظاهريًا على الإلزام والوجوب، ولكن بالنظر إلى الروايات المتعارضة يمكن فهم أن مقصود المعصوم (عليه السلام) لم يكن الإلزام والتكليف الوجوبي، ويجب حمله على الاستحباب. بشكل عام، يدل فعل الأمر على الوجوب، وإذا كان يُقصد منه معنى آخر، فإنه يحتاج إلى قرينة. فبوجود القرينة، يمكن الانصراف من هذا المدلول الحقيقي إلى مدلول آخر، ومن دلالاته الظاهرية يمكن اعتبار الاستحباب. عبّر ابن قتيبة عن الاستحباب بـ “وجوب الفضيلة لا الفرض”؛ بمعنى أن فعله فضيلة وليس واجبًا. على سبيل المثال، ورد في رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم؛ بينما في رواية أخرى اعتبر أداء غسل يوم الجمعة فضيلة. يعلّق ابن قتيبة على هذه الروايات قائلًا: “في الرواية الأولى لم يرد وجوب غسل الجمعة، بل كان عملًا له فضيلة للمسلمين، ويُستحب للفرد أن يحضر الاجتماع بجسد طاهر ورائحة طيبة وملابس نظيفة، لا بملابس العمل، وكل هذا في اختيار الفرد، إما أن يفعله أو لا يفعله، وليس عليه شيء واجب”. في روايات متعددة عن عائشة، ورد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يتوضأ وهو جنب ثم ينام أو يغسل يديه؛ ولكن في رواية أخرى، ورد أنه كان ينام وهو جنب دون أن يتوضأ. في حل تعارض هذه الروايات، يكتب ابن قتيبة: “كل هذه الحالات جائزة وصحيحة؛ بحيث من شاء توضأ بعد الجماع ثم نام، ومن شاء غسل يديه وذكر الله ثم نام، ومن شاء نام دون أن يمس الماء. ولكن الوضوء في هذه الحالات أفضل؛ لأن هذا العمل كان في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يدل على فضيلة العمل واستحبابه”.
٢.٢.٥. الحمل على الكثرة
بيّنت طائفة من الروايات أداء الأعمال بطرق مختلفة، بحيث تبدو متعارضة ظاهريًا؛ ولكن في الواقع لا يوجد خلاف بين الروايات، والمكلف مخيّر في أن يعمل وفقًا للكثرة والقلة؛ بمعنى أن يأخذ في الاعتبار ظروفه في مقام العمل. على سبيل المثال، ينقل أبو هريرة عن كيفية المشي لمسافة طويلة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “إذا مشيتم مسافة بعيدة بنعل واحدة، فلا تمشوا بنعل واحدة”؛ بينما تنقل عائشة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا طال سفره مشى في النعل الأخرى حتى تُصلح الأخرى”. يحمل ابن قتيبة مفاد الرواية الأولى على الكثرة، ويكتب تحتها: “ما ورد عن كيفية مشي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمسافة طويلة بنعل واحدة، المقصود به المشي بقدر خطوة أو خطوتين أو ثلاث خطوات حتى تُصلح النعل الأخرى، وهذا العمل ليس قبيحًا. من هنا، فإن الرواية الثانية تتعلق بالمشي لمسافة قصيرة، ورواية أبي هريرة تعود إلى المسافة الطويلة”.
مثال آخر، يجمع ابن قتيبة بين دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي (عليه السلام) بهداية قلبه وثبات لسانه في القضاء والحكم، وبين ما خالف هذا الدعاء من الإمام علي، أي حالات من حكمه وقضائه التي خالف فيها بعض القضاة والفقهاء والأمراء رأيه، على النحو التالي: “دعاء النبي لا يعني أنه لم يقع منه سهو ونسيان قط، وأنه لا يخطئ في أي حال من الأحوال؛ لأن هذه صفات الله. فكيف يدعو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للإمام علي هكذا؛ بينما وقع منه هو نفسه سهو وخطأ؟ في الجواب، يجب القول إن دعاء النبي يعني أن الصواب والصحة في وجود الإمام علي (عليه السلام) غالب، والقضاء بالحق فيه أكثر”. دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لابن عباس أن يعلمه الله تأويل الآيات ويفقهه في الدين؛ بينما كان ابن عباس مع هذا الدعاء يقول: “لا أعلم معنى ‘حنانًا’، ‘الأواه’، ‘غسلين’، و ‘رقيم'”. يحمل ابن قتيبة في هاتين الحالتين أيضًا علم الإمام علي في القضاء وفهم ابن عباس من تأويل القرآن على الكثرة، وبهذا يحل التعارض في مدلول الرواية. ٣.٢.٥. الحمل على مقتضيات الزمان والمكان
في حالات نادرة، قدم ابن قتيبة، من خلال إدراكه لمقتضيات الزمان والمكان، صورة أوضح وفهمًا أصح لمتن الروايات؛ مع توضيح أنه بتغير الزمان والظروف يزول الاختلاف والتعارض، ولن يكون هناك تعارض. من هنا، قد يكون حكم حديث ما قابلًا للحمل على مصداق أو مصاديق خاصة فقط، والانتباه إلى ذلك يمكن أن يؤدي إلى رفع التعارض البدوي بين مدلول الروايات. على سبيل المثال، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الذهاب إلى الحرب: “من قُتل في سبيل الله من غير ماله وماله فهو شهيد”؛ لكن في رواية أخرى، أمر الناس بالاعتزال والانعزال في زمن الحرب والفتنة. في الجمع بين هاتين الروايتين، كتب ابن قتيبة: “لكل حديث مقام يختلف عن مقام الحديث الآخر، وعندما تزول مقتضياته الزمانية والمكانية، يزول الاختلاف. في هذا الحديث، أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالابتعاد عن الناس يختص بزمن الفتنة. فعندما تُرفع حالة الفتنة من المجتمع، يُرفع حكم الرواية القاضي بالانعزال والاعتزال عن الناس”.
٤.٢.٥. الحمل على الضرورة
وضع الشارع المقدس أحكامًا خاصة لحال الاضطرار، وقد سمى الفقهاء هذه الأحكام “الأحكام الثانوية”، ومع زوال الاضطرار يجب الرجوع إلى الحكم الأولي بلا شك. ويبدو من خلال تتبع كتاب ابن قتيبة أنه استخدم هذا المنهج في حالة واحدة فقط. ورد في رواية عن عائشة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يبول قائمًا، وفي رواية معارضة في هذا الشأن نُقل أن النبي لم يبل قائمًا قط. حمل ابن قتيبة الرواية الأولى على الضرورة، وكتب: “كان البول قائمًا في المزبلة، وهو مكان لا يمكن الجلوس فيه قطعًا، وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار”.
٥.٢.٥. الحمل على الرخصة
ورد أداء بعض التكاليف في بعض الروايات بطرق مختلفة، مما يخير المكلف في العمل وفقًا لإحداها. وقد حدث هذا الأمر بشكل أقل في مختلف الحديث. صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أوامر متعددة حول الصلاة في شدة الحر. يرفع ابن قتيبة التعارض الظاهري الموجود بحمل هذه الروايات على الرخصة، ويكتب: “الصلاة في أول الوقت رضوان الله، وفي آخر الوقت عفو الله، ومن هنا فإن أول الوقت آكد وآخر الوقت رخصة”.
٦.٢.٥. حمل العام على الخاص
العام هو لفظ يشمل في مفهومه جميع الأفراد والمصاديق القابلة للانطباق عليه، والخاص هو لفظ يشمل بعض الأفراد والمصاديق القابلة للانطباق عليه. وأحيانًا يرد حديث بصيغة عامة، وفي حديث آخر في نفس الموضوع يرد بصيغة خاصة. وتبدو هاتان الروايتان متعارضتين ظاهريًا، ولكن بحمل الحديث العام على الخاص يزول التعارض البدوي. ويبدو أن ابن قتيبة اختار هذا المنهج في حالات نادرة جدًا. ورد في رواية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: “لا ينجس الماء شيء”، ولكن في رواية أخرى قال: “إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث”. وبهذا تكون هذه الرواية دليلًا على أن الماء الذي لم يبلغ قلتين ينجس، وهذا يتعارض مع الرواية الأولى. لرفع هذا التعارض، يرى ابن قتيبة أن الحديث الثاني خاص، والمقصود به هو كمية الماء التي تنجسها النجاسة، لا ماء الأنهار الذي لا ينجسه شيء.
٣.٥. تعاليم القرآن
القرآن الكريم قطعي الصدور، والرواية ظنية الصدور، وبالتالي فإن كل رواية يخالف مدلولها القرآن تسقط عن درجة الاعتبار. والأمثلة التالية تظهر اهتمام ابن قتيبة بالتعاليم القرآنية. في رواية قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه”. وقد شكك ابن قتيبة في هذا الحديث واعتبره مخالفًا لموازين القسط والعدل الإلهي؛ لأنه يخالف النص الصريح للقرآن الذي يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (فاطر: ١٨).
بعد ذكر رواية الرجل الذي قال لابنه: “إذا مت فأحرقوني ثم أذروني في البحر فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين”، ففعل ابنه ذلك، فغفر الله له؛ بينما كان هذا الشخص كافرًا والله لا يغفر للكافرين، يكتب ابن قتيبة: “هذه الرواية تخالف مضمون آية ﴿فِي كِتَابٍ ۖ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (طه: ٥٢)؛ لأنه بناءً على الآية لا يُنسى عند الله شيء”. ٤.٥. فقه الحديث
فقه الحديث هو العلم الذي يتولى شرح الأحاديث وبيان مفهومها الدقيق. وقد استعان ابن قتيبة في بعض الحالات بهذا العلم لرفع تعارض الروايات، والأمثلة التالية تظهر جهوده في هذا المجال.
١.٤.٥. بيان معنى الخبر
أحد عوامل التعارض غير المستقر بين الروايات هو وجود إبهام في الرواية؛ لأن بعض الروايات الواردة تشتمل على كلمات مبهمة وغريبة، وبدون فهم معناها لا يمكن إدراك الرواية بشكل صحيح. وقد أولى ابن قتيبة اهتمامًا خاصًا بهذه المسألة، وأزال مثل هذه الإبهامات من خلال شرح الروايات التي تبدو متعارضة. في رواية، نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن قتل أطفال المشركين الصغار، ولكن عندما أخبره شخص عن قتل أطفال المشركين الصغار في ليلة ظلماء أثناء هجوم ليلي تحت أقدام الخيل، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “هم من آبائهم”. في الجمع بين هذين الخبرين، يكتب ابن قتيبة: “مقصود النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديث الثاني هو أن حكم أطفال المشركين الصغار في الدنيا كحكم آبائهم، وعند الهجوم الليلي وحين تتاح فرصة للهجوم على المشركين، لا تمتنعوا عن قتل المشركين بسبب الأطفال. أما مقصود الحديث الأول فهو أنه قد يكون بين نساء المشركين وأطفالهم أفراد يسلمون بعد سن البلوغ”.
روى قتادة عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهانا عن أن يشرب الرجل قائمًا أو يأكل؛ بينما في رواية أخرى نُقل أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يشرب قائمًا. في رفع التعارض الظاهري بين هاتين الروايتين، قال ابن قتيبة: “هاتان الروايتان ليستا متعارضتين؛ لأن في الرواية الأولى نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الناس عن الشرب والأكل أثناء المشي، لكي يشرب الفرد الماء ويأكل الطعام في حالة هدوء وطمأنينة، حتى لا يحتبس الماء في صدره. أما في الحديث الثاني الذي شرب فيه النبي قائمًا، فهذا لا يعني أنه فعل ذلك أثناء المشي وبسرعة، بل في حالة وقوف مع هدوء ودون عجلة، وهذا النوع من الشرب قائمًا لا إشكال فيه؛ وكأن الفرد شرب الماء جالسًا”. ٢.٤.٥. الحمل على سهو الراوي
أحد موانع الفهم الصحيح للحديث والتعارض بين الروايات هو سهو الراوي أو الكاتب، مما يؤدي إلى عدم تسجيل الحديث وضبطه كما صدر. وقد اهتم ابن قتيبة في حالات نادرة جدًا بسهو الراوي في حل تعارض الأخبار. وبعد ذكر ثلاث روايات متعارضة حول الصلاة، يكتب في حل تعارضها: “لو وضعت ‘تلك المكتوبة’ مكان ‘هذه مكتوبة’، فلن يكون هناك فرق بين الحديث الأول والحديث الثاني، و ‘تلك المكتوبة’ في الحديث الثاني تغيرت إلى ‘هذه المكتوبة’. فبعض الرواة من باب الإهمال أو النسيان أوردوا ‘هذه’ في الحديث الأول، ولكن في الحديث الثاني استخدموا ‘هذه’ مكان ‘تلك'”. كذلك، بعد ذكر رواية أخرى حول تحريم أكل الذباب، يقول: “في هذا الحديث وقع سهو من بعض الرواة، وأظن أن الشكل الصحيح كان ‘لا آكله ولا أنهى عنه'”.
تعامل ابن قتيبة في حل التعارض المستقر للروايات
سعى ابن قتيبة في معظم الحالات، بالتمسك بالجمع الدلالي، إلى حل التعارض والاختلاف بين الروايات قدر الإمكان وتجنب طرح الروايات؛ لأن هدفه الرئيس في “تأويل مختلف الحديث” كان حل الروايات المتعارضة والمختلفة. ومن هنا، لم يطرح رواية بسهولة، وبذل اهتمامًا خاصًا في توجيه وحل الروايات المتعارضة. لكنه في مواجهة التعارضات المستقرة، في حالات نادرة جدًا، رجّح أحد طرفي التعارض على الآخر أو حمله على النسخ.
١.٦. الحمل على النسخ
النسخ في اللغة يعني الرفع والإزالة والإبطال. وفي الاصطلاح، هو رفع حكم متقدم عُمل به مدة، وحل محله حكم آخر بعد انقضاء مدته المعينة. وبذلك، يكون الحديث الناسخ هو الحديث الذي يدل على انتهاء مدة الحكم الشرعي السابق ويتضمن حكمًا جديدًا، والمنسوخ هو الحديث الذي رُفع حكمه الشرعي بالحديث الناسخ. وقد استعان ابن قتيبة بهذا المنهج في حالات نادرة جدًا؛ لأنه يرى أن الحمل على النسخ يُطرح بعد التأكد من عدم إمكان الجمع الدلالي بين الروايات المتعارضة، وهو ليس حلًا عرفيًا عامًا وابتدائيًا مثل حلول التعارض البدوي. على سبيل المثال، ذكر القرآن الكريم في تحريم الزواج بالمحارم فقط حرمة نكاح الأم والأخت من الرضاعة، ويقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ…﴾ (النساء: ٢٣)؛ ولكن في رواية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، توسعت دائرة القرابة الرضاعية لتشمل العم والعمة والخال والخالة والأجداد والأحفاد أيضًا. قال (صلى الله عليه وآله وسلم): “يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب”. في الجمع بين هذا التعارض، يكتب ابن قتيبة: “الآية المذكورة نُسخت بالحديث المذكور؛ لأنه كما يجوز نسخ القرآن بالقرآن، يجوز نسخ القرآن بالسنة. فغير القرآن، لا ينسخه إلا السنة، ولا يوجد ناسخ آخر للقرآن”. ويستند إلى حديث للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيه: “أوتيت القرآن ومثله معه”، وإلى آية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧).
حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “لا وصية لوارث” يتعارض مع نص القرآن ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١٨٠). ومفاد هذه الآية يدل على أن الوالدين يرثان دائمًا من الأبناء ولا يمنعهما أحد. يرى ابن قتيبة أن هذه الآية منسوخة، ويعتقد أن هذا الحديث نُسخ بآية المواريث؛ بينما هذا القول غير مقبول؛ لأن إجماع المحدثين والفقهاء الشيعة على أن القرآن لا يُنسخ بخبر الآحاد. من ناحية أخرى، قد يكون المقصود من نفي الوصية في الحديث ما زاد على الثلث؛ وفي هذه الحالة، يكون تخصيص السنة بالكتاب أفضل من نسخ الكتاب بالسنة؛ وإن كان وقوعه جائزًا. ٢.٦. الحمل على النسخ إلى جانب وجوه أخرى
قلنا إن ابن قتيبة تجنب طرح الروايات، وكان كل جهده منصبًا على حل تعارض الأخبار. من هنا، في حالات نادرة جدًا، اعتبر وجهًا آخر إلى جانب الحمل على النسخ. في رواية، ينقل أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: “لا تكتبوا عني شيئًا إلا القرآن”؛ بينما تتعارض هذه الرواية مع روايات إذن كتابة الحديث. مثل رواية ابن عمرو الذي سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كيفية تقييد العلم، فأمره بالكتابة. يذكر ابن قتيبة في رفع تعارض هذه الطائفة من الروايات وجهين: أ) هذه الروايات من موارد نسخ السنة بالسنة؛ وكأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى في بداية الأمر عن كتابة كلامه، ولكن عندما زادت الأحاديث وخشي أن تضيع بتركها للحفظ، توصل إلى أنه يجب كتابتها. ب) الحديث الثاني يختص بعبد الله بن عمرو – راوي الحديث -؛ لأنه كان قارئًا لكتب الأولين، وكان على دراية باللغتين العربية والسريانية؛ بينما كان سائر الصحابة في زمانه أميين، ولم يكن يعرف القراءة والكتابة منهم إلا واحد أو اثنان، وحتى عندما كانوا يكتبون الأحاديث لم يكونوا يدققون في عملهم. وعندما علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بخطأ الصحابة وعدم دقتهم فيما يكتبون، خاف ونهاهم عن الكتابة، ولما اطمأن من عبد الله بن عمرو، أذن له بكتابة الحديث.
٣.٦. الترجيح
الترجيح مصدر على وزن “تفعيل”، ويعني في اللغة تفضيل شيء على شيء آخر، وتقوية شيء، وغلبة شيء على آخر. وفي الاصطلاح، هو بيان رجحان وإحدى الروايتين المتعارضتين وتقويتها بوجه من الوجوه، مما يجعلها مقدمة على الأخرى. وجوه الترجيح في الروايات كثيرة جدًا. بشكل عام، المرجحات إما داخلية أو خارجية، والداخلية إما تتعلق بالمتن أو بالسند. فالترجيح تارة يكون باعتبار السند، وتارة باعتبار المتن، وتارة باعتبار أمر خارجي. من وجهة نظر ابن قتيبة، ليس الترجيح منهجًا أفضل من النسخ؛ إذ يمكن من خلال تتبع كتابه أن ندرك أنه استخدم هذا المنهج في حل تعارض الروايات في حالتين على الأكثر. في الحالة الأولى، كان مرجحه يتعلق بسند الرواية ويعود إلى الراوي، وفي الحالة الثانية، كان مرجحه خارجيًا واستند إلى القرآن والسنة.
حول كيفية تطهير بول أعرابي بال في المسجد، رُوي عن أبي هريرة وعبد الله بن معقل بن مقرن بشكل مختلف. في مقام الحكم والتقييم، اعتبر ابن قتيبة حديث أبي هريرة صحيحًا؛ لأنه كان شاهدًا وحاضرًا ورأى ذلك من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). أما عبد الله بن معقل بن مقرن، فليس صحابيًا، ولا يمكن أن يكون قد سمع قولًا أو رأى فعلًا من النبي، بل روى أبوه معقل بن مقرن عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو نفسه لم ينقل عنه. ويبدو أنه اعتبر حديث أبي هريرة حديثًا موقوفًا، ورجحه على حديث عبد الله بن معقل بن مقرن الذي هو حديث مقطوع. نُقل عن عائشة حديث أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أجاز المباشرة مع المرأة الحائض وهي لابسة (سروال)، وأمرنا بذلك؛ بينما في حديث آخر عنها، نُقل أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن يقربنا في الحيض حتى نطهر. يرى ابن قتيبة أن الحديث الأول صحيح، ويكتب: “مباشرة المرأة الحائض من فوق الثياب لا إثم فيها، ولا تخالف السنة والقرآن. من ناحية أخرى، آية ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (البقرة: ٢٢٢) تبيّن المباشرة والاقتراب المباشر من النساء بعد الطهارة والنقاء، ولا تنهى عن الاقتراب من فوق الثياب؛ لذا فإن مثل هذه المباشرة التي وردت في السنة جائزة”. خاتمة
١. ألّف ابن قتيبة كتاب “تأويل مختلف الحديث” بسبب انتشار النزاعات الكلامية بين المعتزلة وأهل التجسيم حول كثير من الروايات النبوية التي برزت في ذلك الزمان، بهدف تأويل الأحاديث وجمعها وحل تعارضها بشكل صحيح. ٢. تصدّى ابن قتيبة لحل تعارض الأخبار مستندًا إلى علوم وقواعد الأدب، والعلوم العقلية، وأصول الفقه، وتعاليم القرآن، وفقه الحديث. ٣. عرض ابن قتيبة تعارض الروايات في ثلاثة أشكال: التأويلات غير الصحيحة، والتعارضات البدوية، والتعارضات المستقرة. ٤. نظرًا لسعة معلومات ابن قتيبة الأدبية، كان توجهه في التعامل مع الأخبار المتعارضة، وبما يتناسب مع الروايات في عملية الجمع بين الأخبار، ذا طابع أدبي غالبًا تجاه التعارض الظاهري. ٥. تصدّى ابن قتيبة للتأويلات غير الصحيحة التي قدمها المعتزلة وأهل التجسيم، وقدم شكلها الصحيح. ومن أساليبه في هذا المجال: التنافي مع القواعد العربية، والتصحيف والخطأ، ومخالفة سياق الكلام، والتنافي مع المسلمات العقلية. ٦. سعى ابن قتيبة في مواجهة الأخبار المتعارضة إلى حلها قدر الإمكان، ولم يتسرع في رد الأخبار. ومن هنا، في مواجهة التعارض البدوي للأخبار، قام بالتصرف في مدلول أحد طرفي التعارض مستخدمًا حلولًا مثل الحمل على المشترك اللفظي، والحمل على المجاز، والحمل على الكناية، والحمل على التشبيه، والحمل على النقل بالمعنى، والحمل على الاستحباب، والحمل على الكثرة، والحمل على المقتضيات الزمانية والمكانية، والحمل على الضرورة، والحمل على الرخصة، وحمل العام على الخاص، والحمل على تعاليم القرآن، وبيان معنى الخبر، والحمل على سهو الراوي، للجمع بين الروايات. ٧. في حالات نادرة جدًا، عندما لم يتمكن من الجمع بين المدلولات الدلالية، اختار ابن قتيبة طريق النسخ أو رجّح أحد طرفي التعارض.
المصادر
- القرآن الكريم.
- الآلوسي، محمود (١٤١٥ق)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، تحقيق علي عبد الباري عطية، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن الأثير الجزري، عز الدين (١٤٠٩ق / ١٩٩٢م)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت: دار الفكر.
- ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن (١٤١٢ق)، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق محمد عبد القادر عطاء ومصطفى عبد القادر عطاء، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن الصلاح، عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (١٤٢١ق)، علوم الحديث لابن الصلاح، تحقيق نور الدين عتر، بيروت: دار الفكر المعاصر.
- ابن عاشور، محمد بن طاهر (بلا تا)، التحرير والتنوير، بلا مك: بلا نا.
- ابن عبد البر، أبو عمر يوسف بن عبد الله (١٤١٢ق / ١٩٩٢م)، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق علي محمد البجاوي، الطبعة الأولى، بيروت: دار الجيل.
- ابن عبد الشكور، عادل (١٤٢٥ق)، قواعد العلل وقرائن الترجيح، الطبعة الأولى، الرياض: دار المحدث للنشر والتوزيع.
- ابن عماد الحنبلي، أبو الفلاح (١٤٠٦ق)، شذرات الذهب في أخبار من ذهب، تحقيق الأرناؤوط، الطبعة الأولى، بيروت: دار ابن كثير.
- ابن فارس، أحمد (١٤٠٤ق)، معجم مقاييس اللغة، قم: مكتب الأعلام الإسلامي.
- ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم (بلا تا)، تأويل مختلف الحديث، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمرو (١٤١٩ق)، تفسير القرآن العظيم (ابن كثير)، تحقيق محمد حسين شمس الدين، الطبعة الأولى، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١٤٠٧ق)، البداية والنهاية، بيروت: دار الفكر.
- ابن منظور، محمد بن مكرم (بلا تا)، لسان العرب، الطبعة الثالثة، بيروت: دار صادر.
- ابن خلكان، أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن أبي بكر (١٣٦٤)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، قم: منشورات شريف رضي.
- إحساني فر لنكرودي، محمد (١٤٢٧ق)، أسباب اختلاف الحديث، قم: دار الحديث.
- الإدلبي، صلاح الدين (١٤٠٣ق)، منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي، بلا مك: بلا نا.
- بروكلمان، كارل (١٤٢٦ق)، تاريخ الأدب العربي، بلا مك: دار الكتاب الإسلامي.
- البقاعي، علي نايف (١٤٠٣ق)، المنهج الحديث في تسهيل الحديث، الطبعة الأولى، بيروت: شركة دار البشائر الإسلامية.
- الجارم، علي (١٣٨٠)، البلاغة الواضحة، الطبعة الرابعة، قم: انتشارات سيد الشهداء.
- جوابي، محمد طاهر (بلا تا)، جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف، بلا مك: نشر وتوزيع ع. الكريم بن عبد الله.
- الحموي، ياقوت بن عبد الله (١٩٩٥م)، معجم البلدان، الطبعة الثانية، بيروت: دار صادر.
- الخراساني، محمد كاظم (١٤٢٤ق)، كفاية الأصول، الطبعة الثامنة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (١٤٢٢ق)، تاريخ بغداد، تحقيق بشار عواد معروف، الطبعة الأولى، بيروت: دار الغرب الإسلامي.
- الدلبري، علي (١٣٨٦)، مباني رفع التعارض من ديدگاه شيخ طوسي در استبصار، مشهد: انتشارات علوم إسلامي رضوي.
- الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢ق)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق صفوان عدنان داودي، الطبعة الأولى، بيروت: دار العلم والدار الشامية.
- الراوندي، قطب الدين سعيد بن هبة الله (١٤٠٥ق)، فقه القرآن في شرح آيات الأحكام، الطبعة الثانية، قم: مكتبة آية الله المرعشي النجفي.
- الزركشي، محمد بن بهادر (بلا تا)، البحر المحيط في أصول الفقه، تحقيق عشقر عمر سليمان، غردقة: دار الصفوة.
- السخاوي، محمد بن عبد الرحمن (١٤١٥ق)، فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، تحقيق علي حسين علي، القاهرة: مكتبة السنة.
- سعيدي روشن، محمد باقر (١٣٨٨)، آشنايي با علوم قرآن، الطبعة الأولى، قم: انتشارات جامعة المصطفى العالمية.
- السيوطي، جلال الدين (١٣٨٩)، الإتقان في علوم القرآن، ترجمة محمود طيب حسيني (دشتي)، قم: أصول الدين.
- الشافعي، محمد بن بهادر بن عبد الله (بلا تا)، البحر المحيط في أصول الفقه، تصحيح عمر سليمان، غردقة: دار السنة.
- شاكر، أحمد محمد (١٤٠٨ق)، الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، بيروت: مؤسسة الكتب الثقافية.
- الشهيد الثاني، زين الدين علي بن أحمد (١٤١٣ق)، الرعاية في علم الدراية، تحقيق عبد الحسين محمد علي البقال، الطبعة الثانية، قم: منشورات مكتبة آية الله المرعشي.
- صالح، صبحي (١٤٢٨ق)، علوم الحديث ومصطلحه، الطبعة الأولى، قم: ذوي القربى.
- الصدر، حسن (بلا تا)، نهاية الدراية، تحقيق: ماجد الغرباوي، قم: نشر المشعر.
- الصدر، السيد محمد باقر (١٤١٨ق)، دروس في علم الأصول، الطبعة الخامسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- فتاحي زاده، فتحية (١٣٨٩)، مباني وروشهاي نقد حديث در كتب اربعه، الطبعة الثانية، قم: انتشارات دانشگاه قم.
- فهيمي تبار، حميدرضا (١٣٨٩)، كاوشي در روايت تأبير النخل، فصلية حديث پژوهي، السنة الثانية، العدد الرابع.
- عتر، نور الدين (١٤١٢ق)، منهج النقد في علوم الحديث، الطبعة الثانية، بيروت: دار الفكر.
- العكش، عمر مسلم (١٤٢٦ق)، ابن قتيبة وجهوده اللغوية، الإمارات العربية المتحدة: المجمع الثقافي.
- عنيف، عبد الرحمن (١٤١٧ق)، معجم الشعراء، الطبعة الأولى، بيروت: دار المناهل.
- مسجدي، حيدر (١٤٣٢ق)، التصحيف في متن الحديث، الطبعة الأولى، قم: دار الحديث.
- مسعودي، عبد الهادي (١٣٨٦)، روش فهم حديث، الطبعة الثالثة، طهران: سازمان مطالعه وتدوين كتب علوم إنساني دانشگاهها (سمت).
- المسعودي، علي بن الحسين (١٤٠٩ق)، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: أسعد داغر، الطبعة الثانية، قم: دار الهجرة.
- المظفر، محمد رضا (١٣٨٤)، أصول الفقه، ترجمة محسن غرويان وعلي شيرواني، الطبعة الثالثة، قم: انتشارات دار الفكر.
- المقدسي، أبو عبد الله محمد بن أحمد (١٤٠٤ق)، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، بيروت: دار الكتب العلمية.
- مهدوي راد، محمد ومحسن رفعت (١٣٩٠)، بررسي روشهاي ابن ابي الحديد در فهم متن نهج البلاغه، فصلية حديث پژوهي، السنة الثالثة، العدد السادس.
- النراقي، أحمد بن محمد مهدي (١٤١٥ق)، مستند الشيعة في أحكام الشريعة، الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.
- الهاشمي، أحمد (١٤٢٠ق)، جواهر البلاغة، تصحيح محمد جليل صدقي، قم: ذوي القربى.