الملخص
حظيت دلالة معرفة النفس على معرفة الله والصلة بينهما باهتمام بالغ في الثقافة الإسلامية ومختلف التيارات الفكرية، وقُدمت تحليلات متنوعة حولها. وفي هذا السياق، يمكن أن تحتل تفاسير القرآن، التي تشمل حيزاً واسعاً من التراث الفكري الإسلامي، مكانة خاصة. يتناول هذا البحث مسألة مكانة معرفة النفس في التفسير عند المفسرين المتقدمين، والعلاقة القائمة بين معرفة النفس ومعرفة الله في ضوء نقلهم لحديث معرفة النفس. يعالج هذا البحث هذه المسألة باستخدام المنهج الدلالي والمنطقي. يشير التحليل الدلالي إلى أن معرفة النفس في هذه التفاسير قد تشكلت ضمن الحقل الدلالي لـ«النفس» و«العلم» أو «المعرفة»، مما دفع المفسرين عند تفسير الآيات المتضمنة لهذه المفردات والمعاني إلى نقل حديث معرفة النفس وتبيينه. تظهر النتائج أنه في رؤية المفسرين المتقدمين، مع افتراض إمكانية حصول معرفة النفس ودون تعليقها على المحال، يمكن استنباط ثلاثة أنواع من الدلالات: الدلالة التمثيلية، والدلالة البرهانية في الآيات الأنفسية، والدلالة التقابلية في معرفة صفات الله. النوع الأول من الدلالة ذو قيمة إقناعية ويفتقر إلى القيمة البرهانية، والنوع الثاني يندرج في سياق برهان النظم، أما النوع الثالث فيتم تبيينه بالانتقال من النقص إلى الكمال في مجال الصفات.
1. طرح المسألة
تُعدّ معرفة الله من أهم المسائل الفكرية الدينية التي تم تناولها بأشكال مختلفة، وبُيّنت طرق متعددة لتحصيلها. ومن بين هذه الطرق، يحتل طريق معرفة النفس مكانة خاصة، وقد عالجت التيارات الفكرية الإسلامية المختلفة، سواء التفسيرية، أو الحديثية، أو الكلامية، أو الفلسفية، أو الأخلاقية، أو العرفانية، هذه المباحث. وتناول العديد من العلماء من مختلف المدارس الفكرية معرفة النفس من هذه الزاوية، وكتبوا شروحًا وتفاسير للأحاديث التي تتناول معرفة النفس ومعرفة الرب، وأبرزها حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه»، حتى إن بعضها جاء في صورة رسائل وكتب مستقلة (على سبيل المثال: السيوطي، 1421هـ؛ ابن عربي، 2004م؛ البلياني، دون تاريخ؛ التنكابني، 1377هـ.ش؛ العلوي العاملي، 1383هـ.ش). وقد نُقل الحديث الأبرز في هذه المباحث، وهو «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه»، في كتب الروايات لدى الفريقين (على سبيل المثال: الآمدي، 1361هـ.ش، 232؛ ابن أبي الحديد، 1387هـ.ق، 20: 292؛ ابن أبي جمهور الأحسائي، 1405هـ.ق، 4: 102؛ المجلسي، 1403هـ.ق، 2: 32؛ 57: 324؛ 91:58 و 99؛ 66: 293؛ الإسفراييني، 1983م، 1: 262؛ ابن حجر، دون تاريخ، 1: 677؛ السيوطي، 1421هـ.ق، 2: 226-229). وفي هذا المجال، يمكن الالتفات إلى رواية وسند هذه الروايات، ولكن دلالة هذا الحديث كانت محط اهتمام أكبر. وهذا البحث يراعي هذا الجانب أيضًا، ويدرس دلالته في تفاسير القرآن.
النقطة المهمة في خلفية هذا البحث هي أنه على الرغم من وجود دراسات في مجال دلالة معرفة النفس على معرفة الرب، إلا أنها تركزت بشكل أساسي في المجالات الكلامية والفلسفية والعرفانية، وفي العصور المتأخرة، ولم تتناول تحليلها في تفاسير القرآن في الفترة المتقدمة. لذا، يتميز هذا البحث عن الدراسات الأخرى في جانبين ويحمل طابعًا ابتكاريًا: 1- يتناول الفترات المتقدمة؛ 2- يتناول آراء المفسرين. وتكمن ضرورة البحث في هذا المجال في أن الأحاديث تُعرف بأنها تالية للقرآن، وأهم دور لعبته في الثقافة الإسلامية كان في تفسير آيات القرآن. يمكن للدراسة الحالية، من خلال هذا التحليل التناصي، أن تسلط ضوءًا ساطعًا على تبيين دلالة حديث معرفة النفس من جهة، وتفسير الآيات المرتبطة به من جهة أخرى. لا يشمل نطاق هذا البحث جميع تفاسير القرآن؛ لأنها تتميز بوفرة كبيرة ولا يمكن تناولها جميعًا في بحث واحد. بالإضافة إلى ذلك، فإنها لا تمتلك خصائص متماثلة وتشمل تصنيفات مختلفة. تُعد الفترات الأولى لتدوين التفسير مهمة في الدراسة التاريخية لتبيين دلالة هذه الأحاديث، ويمكنها أن توضح تاريخ هذه التبيينات وتكشف عن تطوراتها اللاحقة في هذا المجال. وفي التصنيفات المختلفة التي قُدمت للتفسير، تم تحديد فترتين قبل فترة النضج التفسيري، وهما فترة النشأة وفترة التفسير الكلاسيكي. يمكن اعتبار القرن السادس نهاية الفترات المتقدمة وبداية فترة جديدة، حيث برز علم التفسير كعلم مستقل وشهد توسعًا وتفصيلاً أكبر، ودُونت تفاسير اجتهادية وجامعة في قوالب أكثر شرحًا وتنظيمًا (ريبين، 1382هـ.ش، 211-213؛ باكتجي، 1387هـ.ش، 689؛ قارن: عقيقي بخشايشي، 1383هـ.ش، 25؛ الذهبي، 2000م، 1: 9). لذا، يقتصر نطاق هذا البحث على القرون الأولى حتى القرن السادس ولا يتجاوزه، وسبب اختيار هذه الفترة هو دراسة الأصول التاريخية لشرح هذا الحديث في آثار المتقدمين من المفسرين. وقد تم فحص التفاسير المدونة والموجودة حتى هذه الفترة، واستُخرجت أي نتائج تتعلق بتبيين هذه الأحاديث، سواء في التفاسير الشيعية أو السنية، وخضعت للدراسة.
السؤال الرئيسي لهذا البحث هو: ما هي مكانة معرفة النفس في التفاسير المتقدمة، وكيف تُقام العلاقة بين معرفة النفس ومعرفة الرب في ضوء نقل حديث معرفة النفس؟ الهدف من طرح هذا السؤال هو فهم علاقة آيات القرآن بحديث معرفة النفس وبيان نوع العلاقة التي أقامها المفسرون بين معرفة النفس ومعرفة الله. إن خلفية طرح هذا السؤال هي نقل حديث معرفة النفس في كتب التفسير. لذا، فإن السؤال التمهيدي هو: في أي تفاسير وفي أي مواضع نُقل هذا الحديث؟ بناءً على ذلك، يتم أولاً استخراج مواضع نقل الحديث في آيات القرآن، ثم دراسة العلاقة التناصية بينهما. وفي هذه المرحلة، يُطرح سؤال: ما هي العلاقة الموجودة بين هذه المواضع وحديث معرفة النفس التي دفعت المفسرين إلى نقله؟ للإجابة على هذا السؤال، تم استخدام منهج التحليل الدلالي لتحديد الحقل الدلالي الموجود وتعيين المفاهيم الأساسية فيه. ويتعلق السؤال النهائي بنوع العلاقة الدلالية بين معرفة النفس ومعرفة الله؛ أي ما هو نوع الدلالة التي تحملها معرفة النفس على معرفة الله؟ وللإجابة على هذا السؤال، يتم اللجوء إلى التحليل المنطقي. في هذا التحليل، تُدرس العلاقة الدلالية بين معرفة النفس ومعرفة الله لتحديد نوع الدلالة المقصودة.
2. مواضع نقل الحديث في التفاسير المتقدمة
نُقلت معرفة النفس ودلالتها على معرفة الله في هذه التفاسير بأشكال متعددة، محورها مضمون حديث معرفة النفس. وأكثر النقولات تتعلق بالحديث المشهور «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه». وقد ورد هذا الحديث لأول مرة في مصدر اشتهر بترجمة تفسير الطبري. يُعد تفسير «جامع البيان في تفسير القرآن» أو تفسير الطبري، الذي ألفه محمد بن جرير الطبري (224 – 310 هـ)، من أوائل التفاسير، حيث يُقال إن بداية الفترة الأولى للتفسير قد انطلقت بكتابة هذا التفسير (ريبين، 1382هـ.ش، 212؛ الذهبي، 2000م، 147؛ خرمشاهي، 1377هـ.ش، 1: 690). هذا الأثر ليس ترجمة دقيقة للتفسير، بل هو ترجمة وتفسير للقرآن كُتب في عهد حكومة منصور بن نوح أو منصور الأول الساماني (350-365هـ / 961-976م) على يد مجموعة من علماء ما وراء النهر، ولم يُكتب إلا بالاعتماد على تفسير الطبري (خرمشاهي، 1377هـ.ش، 1: 539؛ آل داود، 1387هـ.ش، 70-71). بالطبع، هذا لا يقلل من قيمة الأثر، فهو كترجمة وتفسير فارسي قديم له مكانة ومنزلة خاصة، ومن الناحية التاريخية، يُعد بالنسبة لهذا البحث أول أثر يذكر حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه…».
ذُكر حديث معرفة النفس بصيغة «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه» منقولاً عن النبي الأكرم (ص) في هذه الترجمة، ولكنه لم يُذكر في أصل تفسير الطبري (المترجمون، 1356هـ.ش، 1: 13؛ قارن: الطبري، 1412هـ.ق، 1: 46). وقد ورد هذا النقل في تفسير سورة فاتحة الكتاب عند تفسير «الحمدلله» ومع الإشارة إلى الآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، حيث يدعو الله الإنسان إلى النظر في نفسه لينال معرفته.
التفسير التالي الذي نقل الرواية في هذا المجال هو تفسير السلمي أو «حقائق التفسير». أبو عبد الرحمن السلمي (ت 412 هـ) في تفسيره تناول التفسير الإشاري للآيات وجمع آراء الصوفية، ويمكن اعتباره معجمًا لمباحث التصوف (خرمشاهي، 1377هـ.ش، 1: 698). وفي هذا السياق، تناول آراء أبي العباس أحمد الأدمي المعروف بابن عطاء (ت 309 هـ / 922 م)، الذي كان من مشايخ المتصوفة. وبناءً على نقل السلمي، فإن ابن عطاء في تفسير الآية الشريفة «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا» (النمل: 15) قد تناول تبيين حقيقة العلم المذكورة في هذه الآية. يرى ابن عطاء أن الله قد أعطى داود وسليمان علمًا له متعلقان: أحدهما العلم بالرب، والآخر العلم بالنفس، حيث كان علمهما بنفسيهما طريقًا لعلمهما بربهما؛ لأن علمهما بالنفس قد تحقق كحقيقة العلم بالله. وفي هذا المقام، يذكر ابن عطاء حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه» المنقول عن حضرة علي (ع) ويستشهد به تأييدًا لكلامه:
قال ابنُ عَطاء: عِلماً بِرَبِّهِمَا و عِلماً بنَفْسِهِمَا، فَأثْبَتَ لَهُمَا عَلَمُهُمَا بِرَبِّهما علماً بأنفُسِهِمَا و أثبَتَ لَهُمَا عِلْمُهُمَا بأنفُسِهِما حقيقةَ العِلم بِالله لذلكَ قَالَ على بن أبى طالِب رَضِيَ اللهُ عَنْه: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه فَقَد عَرَفَ رَبَّه»؛ يوضح ابن عطاء أن المقصود بالعلم في هذه الآية هو العلم بربهما والعلم بأنفسهما، وقد اعتبر علمهما بربهما متحققًا بعلمهما بأنفسهما، واعتبر علمهما بأنفسهما حقيقة العلم بالله؛ ولهذا السبب قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (السلمي، 1369هـ.ش، 150).
في هذا المسار التاريخي، يمكن ذكر تفسير «الكشف والبيان» أو تفسير الثعلبي، لأبي إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي (ت 427هـ/ 1035م). هذا التفسير الذي يُعد تفسيرًا روائيًا، هو من تفاسير القرن الخامس لأهل السنة. يذكر الثعلبي في تفسير الآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ…» (البقرة: 130) حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ…» (الثعلبي، 1422هـ.ق، 1: 279).
في القرن نفسه، يأتي تفسير الراغب، صاحب «المفردات في غريب القرآن»، أبو القاسم الحسين بن محمد (ت 425هـ؟). يتناول الراغب الأصفهاني في تفسير سورة الفاتحة، تحت عنوان «رب العالمين»، تبيين معنى «العالمين». وبالنظر إلى التناظر بين العالم الداخلي والخارجي ودلالتهما على صانعهما، يذكر آيات وأحاديث موضوعها التدبر والتفكر في النفس. يستشهد أولاً بالآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، ثم يشير إلى حديثين: «أَعْلَمُكُم بِنَفْسِهِ أَعْلَمُكُم بِرَبِّه» و «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»، وفي النهاية يذكر الآية الشريفة «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (الحشر: 19)، وفي تبيين دلالة معرفة النفس على معرفة الرب يقول إنه لو تفكر الناس في أنفسهم لما خفيت عليهم معرفة ربهم (الراغب الأصفهاني، 1420هـ.ق، 54-55، 59).
في النصف الثاني من القرن الخامس وأوائل القرن السادس، تناول تفسيران آخران رواية معرفة النفس، وطريقة النقل فيهما متشابهة: أحدهما «تفسير القرآن» للسمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني (426 – 489 هـ)، والآخر «تفسير معالم التنزيل» للبغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (436-510 أو 516 هـ).
لم يذكر السمعاني حديث معرفة النفس ومعرفة الرب في صيغه الشائعة، أي «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» و «أعْرَفُكُم (أعْلَمُكُم) بِنَفْسِهِ أعْرَفُكُم (أَعْلَمُكُم) بِرَبِّه»، ولكنه في ذيل الآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» (البقرة: 130) فسّر، كالثعلبي، «سفه نفسه» بمعنى «جهل نفسه»، وأورد عبارة على هذا النحو: «مَن جَهَلَ نَفْسَهُ لَمْ يَعْرِف الله» (السمعاني، 1418هـ.ق، 1: 141)، ثم يواصل بذكر رواية أوحى الله فيها إلى داود (ع):
اعرِفْ نَفْسَكَ واعْرِفْنى، فَقالَ يَا رَبِّ كَيفَ أعْرِفُ نَفْسي وَكَيْفَ أَعْرَفُكَ؟ فأوحى الله إليه: إعْرِفْ نَفْسَكَ بالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ والفَنَاء و اعْرِفْنِي بِالقُوةِ والقُدْرَةِ و البقاء (نفس المصدر، 141-142).
ورد نقل هذه الرواية بنفس الصيغة في «معالم التنزيل» أيضًا، مع الأخذ في الاعتبار التقارب الزمني بين مؤلفي هذين التفسيرين، يتم تناول دراستهما في قسم واحد. البغوي، الذي يُعد تفسيره خلاصة لتفسير الثعلبي (الذهبي، 2000م، 1: 169)، يطرح، كالثعلبي، مبحث معرفة النفس ودلالتها على معرفة الرب في ذيل الآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» (البقرة: 130). وهو أيضًا في تحليله لمعنى «سفه نفسه» يذكر أقوالاً تفسره بـ«جهل نفسه»، وبالنظر إلى الجزء الأول من الآية، يوضح أنه لا أحد يعرض عن دين الله إلا من لم يعرف نفسه (البغوي، 1420هـ.ق، 1: 169).
رشيد الدين الميبدي (حيٌّ في 520 هـ) في تفسيره العرفاني «كشف الأسرار وعدة الأبرار» تناول في موضعين أحاديث معرفة النفس ومعرفة الرب. الموضع الأول في تفسير «عالمين» وهو شبيه جدًا بما ذكره الراغب الأصفهاني في تفسيره (الميبدي، 1371هـ.ش، 2: 90؛ قارن: الراغب الأصفهاني، 1420هـ.ق، 1: 54-55)، مع فارق أن الراغب الأصفهاني ذكر هذه المطالب في تفسير «عالمين» في الآية الشريفة «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» (فاتحة الكتاب: 2)، بينما الميبدي يذكر هذا التحليل عند الآية الشريفة «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ» (آل عمران: 33). يستشهد الميبدي، نظرًا لارتباط العالم الصغير بالكبير، بالآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، وبجانبها يشير إلى الآية «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» (فصلت: 53)، ويذكر هذا الحديث عن رسول الله (ص): «أَعْلَمُكُم بِنَفْسِه أَعْلَمُكُم بِرَبِّه» (الميبدي، 1371هـ.ش، 2: 89-90). ويستند الميبدي، بناءً على كلام الراغب الأصفهاني ومثله، في النهاية إلى الآية الشريفة «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (الحشر: 19) ويعتبرها تنبيهًا على أنه لو نظر الإنسان إلى نفسه وتفكر لما خفيت عليه معرفة ربه (الميبدي، 1371هـ.ش، 90). وهذه العبارات هي نفسها عبارات الراغب الأصفهاني (الراغب الأصفهاني، 1420هـ.ق، 1: 55) ويمكن ملاحظة الاقتباس الواضح من تفسير الراغب.
الموضع الآخر الذي يتطرق فيه الميبدي لحديث آخر من أحاديث معرفة النفس ومعرفة الرب هو الآيات 60 إلى 82 من سورة الكهف. يذكر الميبدي، بعد ذكر حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه»، أن المعرفة التي نالها الأنبياء كانت معرفة النفس، والتي لها علاقة ضرورية بمعرفة الرب (نفس المصدر، 728-729). بيان الميبدي في هذا الموضع الثاني شبيه بما ذكره السلمي في تفسير الآية «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا» (النمل: 15) وذكر حديث معرفة النفس (السلمي، 1369هـ.ش، 150).
«المحرر الوجيز» تفسير من القرن السادس كتبه ابن عطية الأندلسي (481-541 هـ). يشير ابن عطية في هذا التفسير إلى حديثين من أحاديث معرفة النفس ومعرفة الرب المنقولة عن الإمام علي (ع): 1) «إعْرِفْ نَفْسَكَ تَعْرِف ربک»؛ و 2) «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ لَمْ يَعْرِف رَبَّه». على الرغم من عدم ذكر حديث «من عرف نفسه» في هذا التفسير، إلا أن هذين الحديثين يحملان نفس المضمون، أي دلالة معرفة النفس على معرفة الرب. موضع ذكر هذين الحديثين هو الآية الشريفة «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (الحشر: 19)، حيث يوضح ابن عطية في ذيلها وتفسيرها أن معنى الآية هو: «من عَرَفَ نَفْسَه وَلَم يَنسها، عَرَفَ رَبَّهُ تَعالی؛ فمن عرف نفسه ولم ينسها، عرف ربه تعالى» (ابن عطية، 1422هـ.ق، 5: 291).
التفسير الآخر الذي نُقل فيه حديث معرفة النفس هو «روض الجنان وروح الجنان» لأبي الفتوح جمال الدين حسين بن علي الرازي (480 – 552 هـ)، والذي ليس فقط أقدم وأشمل تفسير شيعي باللغة الفارسية، بل هو من أفضل وأنفع تفاسير العالم الإسلامي (خرمشاهي، 1377هـ.ش، 1: 661). وقد اتجه هذا التفسير في سياق بيان وتبيين حديث معرفة النفس نحو تفصيل وشرح أكبر. ذُكر في هذا التفسير في موضعين أحاديث معرفة النفس ومعرفة الرب. الموضع الأول في تفسير الآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ…» (البقرة، 130) وفي معنى «مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ». يذكر أبو الفتوح الرازي، كالبغوي، نفس ما ذكره الثعلبي في هذا الصدد. في هذه العبارات، فُسّرت «مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ» بمعنى «مَن جهل نفسه»، وأشير إلى حديثين في هذا السياق، وهما: 1) «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»؛ و 2) «أعْرَفُكُم بِنَفْسِه أعرَفُكُم بِرَبِّه» (أبو الفتوح الرازي، 1408هـ.ق، 2: 174). الموضع الثاني الذي يذكر فيه أبو الفتوح الرازي حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ» وحديث «أعرَفُكُم بِنَفْسِه…» هو الآية الشريفة «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» (فصلت، 53) (أبو الفتوح الرازي، 1408هـ.ق، 17: 92).
3. التحليل الدلالي
تتمحور الدراسة الدلالية لمواضع نقل الحديث في التفاسير المتقدمة حول مفردة «النفس». في الواقع، ما دفع المفسرين إلى نقل حديث معرفة النفس في تفسير الآيات المذكورة هو وجود مفردة «النفس» في هذه الآيات الشريفة. استُخدمت مفردة «النفس» وجمعها «الأنفس» في القرآن بمعانٍ عدة، والمقصود هنا هو معنى الذات والنفس. يتجاور هذا المعنى مع معنى آخر ليشكل الحقل الدلالي لحديث معرفة النفس، وهو مفهوم «العلم» أو «المعرفة». ونظرًا لأن أكثر التكرارات تتعلق بالآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ…» (البقرة: 130)، يمكن تتبع هذا التحليل الدلالي في هذه الآية. يذكر الثعلبي في معنى «سفه نفسه» أنه بناءً على الأقوال، فإن «السفه» هنا بمعنى «الجهل»، لأن السفاهة تعني غياب الحلم، وفي الأصل اللغوي تعني الخفة والطيش والجهل (الزبيدي، 1414هـ.ق، 19: 44). في هذه الحالة، يكون المراد بـ«مَن سَفِهَ نَفْسَه»، «مَن جَهِلَ نَفسَه»، وبما أن مقابل «الجهل» هو «المعرفة» و«العلم»، يمكن تفسير هذه العبارة بـ«مَن لَم يَعرِف نَفْسَه» (الثعلبي، 1422هـ.ق، 1: 279). بهذا التحليل، تكتسب معرفة النفس موضوعية. ونظرًا لأن الجزء الأول من الآية المذكورة، أي: «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ»، يُفسر بترك الدين والشريعة، فقد اعتُبر في تفسير هذه الآية، المرتبط بحديث «من عرف نفسه…» (الثعلبي، 1422هـ.ق، 278)، أنه يجب أن تكون هناك علاقة لزومية بين «ترك الدين» و«الجهل بالنفس»، والتي يمكن صياغتها على شكل قضية كالتالي: «لا يعرض أحد عن الدين والله إلا إذا كان جاهلاً بنفسه». هذه القضية تحتوي على أدوات شرطية، وفي تحويلها إلى صيغ وقوالب القضية الشرطية المتعارف عليها، تُكتب هكذا: «إذا كان شخص جاهلاً بنفسه، فإنه لا يعرف الدين والله ويعرض عنهما». والمفهوم المخالف الذي يُستنبط من هذه القضية هو أنه إذا لم يكن شخص جاهلاً بنفسه، أي أنه يعرف نفسه ولديه معرفة بها، فإنه يعرف الدين والله ويقبل عليهما. وبهذا التحليل، تُقام علاقة بين معرفة النفس ومعرفة الله.
بناءً على ذلك، يفسر البغوي هذه الآية بأن من يعبد غير الله، هو في الواقع جاهل بنفسه لأنه لا يعلم أن الله هو خالقه. وعقب هذا التحليل، يذكر البغوي حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»، ثم يتطرق إلى وجوه دلالة معرفة النفس على معرفة الرب. ما يميز هذا التحليل عن تحليل الثعلبي هو ذكر وجوه هذه الدلالة، التي وردت أيضًا في تفسير السمعاني، وإلا فلا يوجد فرق في أصل بيان الدلالة وموضعها عن تفسير الثعلبي. ولبيان هذه الوجوه، يستشهد مرة أخرى برواية ذكرها السمعاني أيضًا؛ يقول الله لداود (ع): «اعرف نفسك واعرفني»؛ فقال داود: «كيف أعرف نفسي وكيف أعرفك؟» فأوحى الله إليه: «اعْرِفْ نَفْسَكَ بِالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ والفَناء وإعْرِفْنى بالقوة و القُدْرَةِ و البقاء» (البغوي، 1420هـ.ق، 1: 169؛ قارن: السمعاني، 1418هـ.ق، 1: 141-142). وقد تكررت هذه العبارات في تبيين حديث «من عرف نفسه…»، وهي تمثل شرحًا وتبيينًا مشهورًا لحديث معرفة النفس ومعرفة الرب (انظر: السلمي، عز الدين بن عبد السلام، 1317هـ.ق، 39؛ الخازن البغدادي، 1415هـ.ق، 1: 83؛ الكاشفي، الملا حسين واعظ، 1362هـ.ش، 173؛ السيوطي، 1421هـ.ق، 2: 228؛ الفخر الرازي، 1420هـ.ق، 1: 91؛ 9: 460؛ عبد الوهاب، 1349هـ.ش، 9).
هذا التفسير هو تفسير دلالي يتمحور حول معرفة النفس في هذه الآية، وبالإضافة إلى الثعلبي والبغوي، قام الشيخ الطوسي (385-460 هـ) في «التبيان» والشيخ الطبرسي (468-548 هـ) في «مجمع البيان» بتقديم نفس التفسير لـ«من سفه نفسه» (الشيخ الطوسي، دون تاريخ، 1: 469-470؛ الشيخ الطبرسي، 1372هـ.ش، 1: 397). بالطبع، لم يذكر الشيخ الطوسي والطبرسي هذا النوع من الأحاديث في تفسيريهما، ولكنهما أوضحا أن الجهل بالنفس هنا هو جهل بالآيات الدالة على الصانع أي الله، وفي عبارات الشيخ الطوسي، ورد أيضًا أنه من خلال هذا الطريق يُعرف التوحيد وصفات الله (الشيخ الطوسي، دون تاريخ، 1: 470؛ قارن: الشيخ الطبرسي، 1372هـ.ش، 1: 397). ولدى الشيخ الطبرسي أيضًا عبارة تذكر مضمون الأحاديث المذكورة: «مَنْ جَهَلَ خالِقَهُ فَهو جاهِلٌ بِنَفْسِه» (الشيخ الطبرسي، 1372هـ.ش، 1: 397). وقد ورد هذا التحليل في تفسير أبي الفتوح الرازي، وكما قيل، انتهى بذكر حديثين من أحاديث معرفة النفس.
يكشف تحليل الموضع الآخر لنقل هذا الحديث، أي الآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، عن علاقة دلالية مذكورة. في هذه الآية أيضًا، ورد مفهوم الذات ومفهوم التفكر، اللذان يشكلان نفس الحقل الدلالي المذكور سابقًا، حيث يُقصد بمفهوم «العلم»، و«التأمل»، و«المعرفة» معنى «البصر» (الجوهري، 1990م، 2: 591)، و«تبصرون» تُفسر بالنظر في النفس. وبهذا، تدعو هذه الآية، ببيانها الاستفهامي التقريري، إلى التفكر في النفس، وهذه الدعوة إلى التفكر والنظر في النفس كانت من أهم أسباب الرجوع إلى هذا الحديث، وقد ذُكرت في آثار ترجمة تفسير الطبري، وتفسير الراغب، وتفسير الميبدي.
في تفسير الراغب، يتحول مفهوم العلم إلى محور دلالي، وبتحليل دلالة «العالمين» يعود إلى المعنى الأصلي لـ«العالَم». يرى الراغب الأصفهاني أن «العالَم» اسم لـ«الفلك» وما يحتويه من جواهر وأعراض؛ وفي الأصل، هذا الاسم هو لما يُحصل به العلم، وبناءً على ذلك، فإن «العالَم» هو اسم آلة من «العلم»، وهو واسطة للدلالة على صانعه، وبعبارة أخرى، هو طريق يُحصل به العلم بالصانع. وبناءً على هذا المعنى الأصلي للعالَم، يوضح أن كل إنسان هو عالَم، يمكن من خلاله معرفة الصانع ووحدانيته، تمامًا مثل العالم الكبير، الكون، الذي يمكن أن يكون واسطة للعلم بالله (الراغب، 1420هـ.ق، 1: 54). وبهذا التحليل، يقيم الراغب علاقة دلالية بين معرفة الذات ومعرفة الله، ويعتبر نفسه علامة ودليلاً على ربه. في هذا التحليل، تقود معرفة العالم الداخلي، مثل معرفة العالم الخارجي، إلى معرفة الله. وعلى الرغم من أن معنى العلم والمعرفة هو المقصود فقط في هذه الآية، إلا أنه إلى جانبها وردت آية أخرى تحتوي على مفردة «أنفس»، وهي جمع «نفس»، وتدخل في الحقل الدلالي المذكور: «وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (الحشر: 19). لم يكن لذكر هذه الآية الشريفة سابقة قبل الراغب، وقد طرحها لأول مرة، ثم شوهدت بعده في التفاسير المتقدمة (ابن عطية، 1422هـ.ق، 5: 291؛ الميبدي، 1371هـ.ش، 90). تُعتبر هذه الآية الشريفة نقيض حديث معرفة النفس، وقد حظيت باهتمام شراح الحديث في العصور المتأخرة.
العلاقة المذكورة بين هذه الآية الشريفة والحديث المذكور أصبحت فيما بعد محط اهتمام كبير من قبل شراح هذا الحديث، ومن هذا المنطلق، يكتسب ذكرها في هذا التفسير والتفاسير المتقدمة أهمية تاريخية. في الواقع، في العصور المتأخرة، حيث انتشر شرح هذا الحديث بشكل أكبر، استند معظم شراحه في صحة دلالته إلى هذه الآية، وبما أنهم اعتبروا هذه الآية نقيضًا للحديث، فقد عدّوها تأكيدًا له ولدلالته (على سبيل المثال: الملا صدرا، 1389هـ.ش، 275؛ السبزواري، 1369-79هـ.ش، 5: 297؛ الطباطبائي، 1417هـ.ق، 6: 170).
في هذه الآية الشريفة أيضًا، المحورية هي لمفهوم الذات، وتلعب مفردة «النفس» دورًا رئيسيًا. معنى النسيان في هذه الآية هو المفهوم المخالف للعلم والمعرفة، ومن خلال هذا المفهوم المخالف وعلاقة النقيض المذكورة في الآية، تُفهم معرفة النفس ودلالتها على معرفة الرب. وقد شوهدت هذه العلاقة في الآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ…» (البقرة: 130)، ومن هذا المنطلق، تشكل نفس الحقل الدلالي المقصود، وتصبح محط اهتمام المفسرين ليتمكنوا في تفسيرها من التطرق إلى الدلالة بين معرفة الذات ومعرفة الرب.
يمكن ملاحظة محورية مفردة «النفس» في موضع آخر لنقل هذا الحديث: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» (فصلت، 53). المعنى المستفاد من هذه الآية هو وجود آيات أنفسية وآيات آفاقية؛ مفهوم الآيات، بمعناها الذي يدل على العلامة، شوهد في تحليل الراغب لـ«العالَم»، ويُتتبع أيضًا في تفسير أبي الفتوح الرازي. كونها آية وعلامة، يُستخدم في معنى الإخبار والمعرفة، وهنا أيضًا يُستند إلى هذه العلاقة، وبناءً على ذلك، فإن الآيات التي هي علامات الله تكتسب حيثية معرفية وتكمل الحقل الدلالي لمعرفة النفس. هذا الحقل، الذي يُرى في جميع المواضع التناصية للآيات وأحاديث معرفة النفس، يوضح سبب تردد ذهن المفسر بين هذه الآيات وهذه الأحاديث.
4. إمكانية حصول معرفة النفس وضرورتها لمعرفة الله
لقد تم تحليل وتبيين هذا النوع من الأحاديث بالنظر إلى الارتباط بين معرفة النفس ومعرفة الله. وقد حظي هذا الارتباط بعنوان «دلالة معرفة النفس على معرفة الله» بالاهتمام. معظم الآثار المستقلة التي ذُكرت في المقدمة في مجال حديث معرفة النفس كانت تهدف إلى تبيين وشرح هذه العلاقة، وبهذا الهدف تم تحليل وتبيين الحديث. يقوم أصل هذا التحليل على وجود علاقة بين معرفة النفس ومعرفة الرب، وبالإضافة إلى إقرارهم بدلالة معرفية بينهما، فقد اعتبروا فرضية مسلمة أنه يمكن الإشارة إليها بـ«إمكانية حصول معرفة النفس». هذا الأصل المعرفي والوجودي كان مقبولاً من الجميع في البداية، وبداهته كانت محط اهتمام، ولكن في التحليلات اللاحقة، ظهرت تحليلات ذات طابع باطني وعرفاني أكثر، وظهر شق آخر باسم «مسألة التعليق بالمحال». وفي هذا التحليل، يُقال إن المراد من الارتباط بين معرفة النفس ومعرفة الرب هو بيان ارتباطهما في استحالة مثل هذه المعارف.
ولكن بغض النظر عن إمكانية معرفة النفس وكونها طريقًا لمعرفة الله، فإن ما يلفت الانتباه في هذه التفاسير هو ضرورة كون معرفة النفس طريقًا لمعرفة الله. وقد بُيّنت هذه الضرورة من خلال بيان حقيقة العلم. في تفسير السلمي، بُيّنت حقيقة العلم في سياق كلام ابن عطاء بمنحى صوفي وعرفاني. وبناءً على هذا التفسير، فإن العلم الذي منحه الله لاثنين من أنبيائه، داود وسليمان، هو علمان: علم بالرب، وعلم بالنفس؛ والعلم بالنفس له جانب طريقي، وهو سبيل للعلم الأول (السلمي، 1369هـ.ش، 150).
إن الصلة بين معرفة النفس ومعرفة الرب، بالنظر إلى الخلفيات العرفانية لبحث المعرفة الحقيقية وأصالة معرفة النفس في السلوك إلى الله، تقتضي أن يلتفت السالك، لطي هذا المسير، إلى نفسه ومعرفتها، ومن خلالها، وهي معرفة حقيقية، يفتح طريقًا لمعرفة الحق والوصول إليه في نهاية المطاف.
وكما ذُكر، وردت نفس هذه المطالب في تفسير الميبدي، وهو يرى أن معرفة الأنبياء من هذا النوع. فبرأي الميبدي، المعرفة التي ينالها الأنبياء هي معرفة النفس التي تكتسب ضرورة لمعرفة الله (الميبدي، 1371هـ.ش، 5: 728-729).
بناءً على ذلك، فإن معرفة النفس ليست فقط لتهذيبها، بل لمعرفة الحق والوصول إلى المعرفة الحقة الإلهية، وهي ضرورية.
5. كيفية دلالة معرفة النفس على معرفة الله
1-5. الدلالة التمثيلية
لتبيين دلالة معرفة النفس على معرفة الله، يمكن أولاً طرح الدلالة التمثيلية. هذه الدلالة التمثيلية في تقريرها بين وجه ملكية الله لملك الوجود وملكية النفس لملك الإنسان قد بُيّنت بشكل جيد. وقد وردت هذه الدلالة في ترجمة تفسير الطبري. وفقًا لهذه الترجمة، تكمن العلاقة بين النفس والله في الشكر. الأولوية في شكر الإنسان لله هي الشكر على خلقه الذي هو من البشر وليس من الشياطين والبهائم والوحوش. في الواقع، هذا النوع من الخلق، لأنه طريق لمعرفة الله، يستحق الشكر. وبناءً على ذلك، يُذكر أنه في الآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، حث الله الإنسان على النظر في نفسه لينال معرفته. وفي تفصيل هذا الطريق من معرفة الله، ذُكر أن مملكة وجود الإنسان هي بأمر ملك القلب، الذي هو بمثابة حكم الله على مملكة الكون (المترجمون، 1356هـ.ش، 1: 13-14).
في التحليل الوارد في ترجمة تفسير الطبري، اعتُبرت النفس وعالم وجود الإنسان مثالاً لله وعالم الوجود الكبير، ومن ثم فإن معرفتها تقودنا إلى معرفة الله. بالطبع، الهدف الرئيسي من هذه العبارات ليس تبيين معرفة الرب، بل بيان شكر الله كشكر للمنعم، ولكن بما أن مقدمة هذا الشكر هي معرفة الله، فقد رُبط هذان المبحثان ببعضهما. وقد صُرح بهذا الارتباط في العبارة المذكورة في الكتاب: «انظروا إلى أبدانكم لتعلموا وتشكروا» (نفس المصدر، 15).
في هذه الدلالة، لا تقتصر معرفة الله على إدراك وجوده، بل تشمل توحيده أيضًا. في عبارات أخرى من هذا الأثر، وبمناسبة بحث خلق الإنسان، اعتُبر «قلب» الإنسان وتفرده طريقًا لمعرفة الله ووحدانيته (نفس المصدر، 2: 320). وبنفس الطريقة، ذُكر في موضع آخر: «قال: «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ»؛ قال انظروا في أبدانكم وفي خلقكم لتعلموا أني واحد…» (نفس المصدر، 4: 971). تفرّد «القلب» في هذه العبارات هو محور البحث، وتقابله مع ازدواجية باقي جوارح الإنسان وجوانحه يُعتبر منطلقًا لهذا التبيين. في الواقع، في هذه العبارات، وبمناسبة الإشارة إلى «زوجية» الإنسان، تُطرح مسألة «الزوجية» وتُربط ببيان مستقى من الروايات المتعلقة بقصة خلق الإنسان وأعضائه، بـ«ازدواجية» هذه الأعضاء. وفي هذا السياق، تصبح مقولة «القلب» مقولة أخرى تميزه عن باقي الأعضاء، وهي تفرده. وبناءً على ذلك، نصل من خلال معرفة النفس وتفرّد «القلب» إلى معرفة الله وتفرده.
في هذا الأثر، في المواضع التي أُشير فيها إلى الصلة بين معرفة النفس ومعرفة الرب، كانت هذه الصلة مصحوبة بذكر الآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، وهي آية، بسبب اشتمالها على مفهوم «النفس» والدعوة إلى التفكر فيها، كانت من أهم أسباب الرجوع إلى حديث معرفة النفس. بالطبع، تفسير هذه الآية الشريفة في هذا الأثر يقتصر على الترجمة، ولم يُذكر فيه الحديث، ولكن في أصل تفسير الطبري، ودون ذكر الحديث، صُرح بمعرفة الله عن طريق معرفة النفس. يقول الطبري إن في الإنسان آيات تدل على وحدانية الصانع، والتفكر في هذه الآيات يسبب العلم بوحدانية الله (الطبري، 1412هـ.ق، 26: 126)، وبهذا التبيين تقترب الدلالة من الدلالة البرهانية عبر الآيات والعلامات الأنفسية.
بهذه الطريقة، يمكن القول إنه بنقل حديث «مَنْ عَرَفَ نَفْسَه…» ومقترنًا بالآية الشريفة «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ» (الذاريات: 21)، تُعتبر معرفة النفس مقدمة ضرورية لمعرفة الرب، وهي مقدمة لازمة لشكر الله. في هذا التفسير، وبمناسبة مبحث «الشكر» و«الخلق» و«الزوجية»، ذُكرت دلالة معرفة النفس على معرفة الرب، واعتُبرت معرفة النفس طريقًا لمعرفة الرب وصفاته تعالى، ومنها وحدانيته. بالطبع، هذه الدلالة التمثيلية تشبه طريق التماثل الذي يأخذ طابع التقارير العرفانية حول كيفية ارتباط معرفة النفس بمعرفة الرب.
2-5. الدلالة البرهانية والآيات الأنفسية
كما قيل، يتناول الراغب الأصفهاني في تفسير سورة الفاتحة، تحت عنوان «رب العالمين»، تبيين معنى «العالمين». يرى أن وجه جمع «العالَم» في هذه الآية الشريفة هو وجود عوالم مختلفة، والتي بُيّنت بأقوال مختلفة في التفاسير. أحد الأقوال التي يذكرها في تبيين هذه العوالم هو قول يعتبر فيه كل إنسان عالمًا. بناءً على هذا القول، فإن كل إنسان، لاشتماله على جواهر العالم الكبير، هو نفسه عالم؛ بمعنى أنه كهيكل عضوي متكامل، يمكن من خلال التعرف على مكوناته الوصول إلى إدراك تناظره مع مكونات العالم الكبير (الوجود).
هذا التناظر عادة ما يُذكر في تفسير الآية الشريفة «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ» (فصلت، 53)، وهي أحد مواضع بيان حديث «من عرف نفسه…» (أبو الفتوح الرازي، 1408هـ.ق، 17: 92)، وقد بينه العديد من المفسرين (الطبري، 1412هـ.ق، 25: 4؛ الثعلبي، 1422هـ.ق، 8: 300؛ الفخر الرازي، 1420هـ.ق، 27: 573-574؛ الطبرسي، 1372هـ.ش، 9: 29-30). وهنا، يتناوله الراغب الأصفهاني من زاوية أخرى. في هذا التحليل، يُقال إن لحم الإنسان كالأرض، وعظامه كالجبال، ودمه الجاري في عروقه كالماء الجاري في الأنهار، ونفسه كالريح، وشعره كالنباتات. كما يمكن اعتبار الإنسان من حيث امتلاكه للعقل والشهوة والنمو والتغذية كالعالم الذي يضم الملائكة والبهائم والنباتات (الراغب الأصفهاني، 1420هـ.ق، 1: 54-55).
يعود الراغب الأصفهاني بعد هذا البيان إلى المعنى الأصلي للعالَم الذي تحدث عنه في البداية، ويذكر نقطة ترتبط بحديث معرفة النفس وقد مر بيانها. يصرح الراغب الأصفهاني بوضوح في هذه العبارات بأصل وجود دلالة معرفة النفس على معرفة الرب، ويستفيد من معظم الآيات والأحاديث المرتبطة بمعرفة النفس في هذا المجال، ويتحدث عن إمكانية حصول معرفة النفس والوصول من خلالها إلى معرفة الرب. وبما أنه يعتبر دلالتها كدلالة العالم الكبير على صانعه، يمكن تبيين كيفية هذه الدلالة بالنظر إلى الآيات الآفاقية والأنفسية.
هذا النوع من التبيين يمكن أن يكون مفيدًا في إقامة برهان النظم وإتقان الصنع. في هذا البرهان، يحظى الصنع الإلهي بالاهتمام، ويُثبت الله كمنظم ومدبر للكون. ولإقامة مثل هذا البرهان، يلعب تقديم صورة منظمة للكون دورًا رئيسيًا. يلجأ أبو الفتوح الرازي أيضًا لتقديم مثل هذه الصورة المنظمة إلى الآيات الآفاقية والأنفسية، وبإحصائها ودلالتها على وجود الخالق والصانع، يسعى لتقديم دليل في هذا المجال. وأحد أهم المجالات التي سُعي فيها لدراسة هذه الصورة ودُعي للتفكر في الآيات الإلهية فيها هو نظام حياة الإنسان (الديلمي، 1376هـ.ش، 175، 181-193). بالنظر إلى هذه الضرورة لمعرفة النفس ومعرفة الآيات الإلهية في هذا المجال، أي المجال الأنفسي، مثل الآيات الإلهية في العالم الكبير، أي الآيات الآفاقية، تم التأكيد على ذلك؛ ليكون هذا التأمل طريقًا لمعرفة الله. وفي هذا السياق، يقوم أبو الفتوح الرازي بتحليل ومقارنة الدلالة الناشئة عن نوعي الآيات الآفاقية والأنفسية. يرى أن المعرفة الحاصلة من التأمل والتفكر في الآيات الأنفسية لها الأولوية على المعرفة الحاصلة من الآيات الآفاقية (أبو الفتوح الرازي، 1408هـ.ق، 17: 92). هذا الترجيح يمكن أن يكون في سياق نفس التأكيد الذي بُيّن في تفسير السلمي والميبدي، ويحكي عن استمرارية أهمية معرفة النفس في هذه التفاسير.
3-5. الدلالة التقابلية في معرفة صفات الذات لمعرفة صفات الله
يقدم أبو الفتوح الرازي، كالبغوي، تبيين حديث معرفة النفس ضمن الآية الشريفة «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ…» (البقرة: 130) ببيان تقابلي. تفسير «من سفه نفسه» بـ«من جهل نفسه»، بتاريخه المذكور، استمر بواسطة الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير «مفاتيح الغيب» وعلاء الدين البغدادي المعروف بالخازن (ت 741 هـ) في «لباب التأويل» المعروف بتفسير الخازن (الفخر الرازي، 1420هـ.ق، 4: 62؛ الخازن البغدادي، 1415هـ.ق، 1: 83). ولكن ما يلفت الانتباه في هذا التفسير هو نوع التبيين الذي يقدمه أبو الفتوح الرازي، حيث يتناول بالتفصيل تبيين نوع دلالة هذا الحديث. بناءً على ذلك، ستكون دلالة معرفة النفس على معرفة الرب دلالة تختلف عن الدلالة التمثيلية والدلالة عن طريق التماثل والتشابه، وهي الدلالة التقابلية. في هذه الدلالة، حظي التقابل بين الرب والعبد، والخالق والمخلوق، والصانع والمصنوع، والعلة والمعلول، بالاهتمام. بالطبع، يمكن من هذا التقابل، وبناءً على فهم أعمق، الإشارة إلى العلاقة بين الكمال والنقص؛ والتي مع اشتمالها على التقابل المذكور، تقيم بينهما علاقة طولية ووجودية. فالله يمتلك أتم مراتب الوجود، وفي الصفات أيضًا يمتلك أكملها، لذا فإن أي صفة يشم منها رائحة النقص تُنفى عن الله، والله منزه عنها. وبهذا، يكون هذا البيان موجهًا فقط لمعرفة الصفات، وعن طريق معرفة هذه الصفات في الإنسان ونفيها عنه، يساعد على إدراك صفات الله. خصوصًا أن إدراك صفات النقص في النفس هو إدراك مباشر، والإنسان يدرك هذا النقص في نفسه دون وسيط، لذا يمكنه الوصول إلى إدراك أفضل لصفات كمال الله.
هذا التبيين قائم على معرفة صفات الله، وتم تبيينه في مجال معرفة الله. ولكن في هذا التبيين، يمكن أخذ الإذعان بنقص النفس وحاجتها في الاعتبار، وباستخدام هذه المقدمة، يمكن إثبات وجود الخالق. وبهذه الطريقة، يفتح الإنسان، بإذعانه بحاجته، طريقًا ويحصل على مقدمة لبرهان تكون كبراه ضرورة وجود خالق لرفع هذه الحاجة الوجودية. يمكن صياغة هذا البرهان على شكل استدلال كالتالي: البشر محتاجون في وجودهم، وكل محتاج ينتهي إلى خالق غير محتاج، لذا فإن الإنسان محتاج إلى خالق غير محتاج، وهو الله. هذه الدلالة التقابلية تُبرر بمحورية التقابل بين الخالق والمخلوق والصانع والمصنوع، ويمكن أن تكون إحدى الدلالات البرهانية في هذا الحديث.
6. الخاتمة
1. تناول هذا البحث السؤال التالي: في التفاسير المتقدمة، وفي ضوء حديث معرفة النفس، ما نوع العلاقة الموجودة بين معرفة النفس ومعرفة الله؟ لقد تناول المفسرون المتقدمون في مواضع مختلفة من تفاسيرهم حديث معرفة النفس. تم فحص السؤال المطروح حول العلاقة بين هذه المواضع وحديث معرفة النفس باستخدام منهج الارتباط الدلالي، وكانت النتيجة أن مفردة «النفس» كانت محور الحقل الدلالي لدى مفسري هذه الفترة، وأن اقتران مفهوم «العلم» أو «المعرفة» أو ما شابه ذلك بـ«النفس» قد حدد مواضع نقل هذا الحديث. وبهذه الطريقة، كانت معرفة النفس هي المفهوم المحوري، وهذا المفهوم هو الذي دفع المفسرين إلى ذكر هذا الحديث في ذيل الآيات المشار إليها.
2. كان أحد الأسئلة المطروحة في مجال إمكانية حصول معرفة النفس؛ وقد بُيّن رأي المفسرين المتقدمين في هذا المجال من خلال اعتبارهم هذه الإمكانية أمرًا مسلمًا به. هذه الرؤية تقابل رؤية التعليق بالمحال التي تؤكد على عدم إمكانية حصول مثل هذه المعرفة. في هذه الفترة، لم يكن مثل هذا التبيين موجودًا، وجميع التحليلات تحكي عن إمكانية حصول معرفة النفس؛ وليس فقط أن هذه الإمكانية اعتُبرت مسلمة، بل تم التأكيد أيضًا على ضرورة كون معرفة النفس طريقًا لمعرفة الله. هذه الضرورة، بالإشارة إلى طريقية معرفة النفس في السلوك العرفاني، تأخذ طابعًا ولونًا عرفانيًا، وفي بعض الحالات، يكتسب التأكيد على الآيات الأنفسية وترجيحها على الآيات الآفاقية عمقًا أكبر.
3. السؤال النهائي المتعلق بنوع دلالة معرفة النفس على معرفة الله يواجه إجابة تفصيلية. في الإجابة على هذا السؤال، تُذكر ثلاثة أنواع من الدلالات: الدلالة التمثيلية، والدلالة البرهانية، والدلالة التقابلية. النوعان الأولان من الدلالة لا يتمتعان بنفس القيمة. الدلالة التمثيلية هي نوع من الدلالة الذوقية التي تقوم على تشبيه ملك الجسد بملك العالم؛ ففي ملك الجسد، يحكم القلب، وبنفس الطريقة، في ملك العالم، يوجد إله يحكم الوجود بأسره. وتُرى صورة أخرى من هذا النوع من الدلالة في آثار أخرى، خاصة الآثار العرفانية، حيث يُعتبر الإنسان نفسه، بناءً على حديث خلق الإنسان على صورة الله، طرفًا للتماثل. الدلالة الثانية قائمة على برهان النظم، وهو من البراهين المعروفة لإثبات وجود الله. في هذه الدلالة، يتم تناول إحدى مقدمات برهان النظم فقط، وهي إثبات النظام الموجود في الوجود، والمقدمة الأخرى، وهي حاجة الظاهرة المنظمة إلى منظم ذي شعور، تُعتبر قاعدة عقلية. إثبات النظام في هذه الدلالة البرهانية يتم عن طريق النظر في النفس وإدراك عجائبها، ونظرًا للأهمية التي تُعطى لمعرفة النفس، فإن إثبات النظام عن طريق الآيات الآفاقية يكتسب أولوية. في تقييم هذين النوعين من الدلالة، يمكن القول إن الدلالة الأولى لها قيمة إقناعية وليس برهانية؛ بينما الدلالة الثانية لها قيمة برهانية وقابلة للاستناد في الأدلة العقلية. الدلالة التقابلية، بنوعيها الآخرين، لها هذا الفارق، وهو أن هذه الدلالة قد بُيّنت في مجال معرفة الصفات. هذه الدلالة تحكي عن أنه أولاً، يمكن معرفة الصفات، وثانيًا، يمكن معرفة صفات الله بصفات النفس؛ معرفة الكمال بالنقص. الإذعان بنقص النفس هو معرفة بلا واسطة ولا تحتاج إلى دليل، وبالانتقال من النقص إلى الكمال، يمكن أن تكون مقدمة مناسبة. ربما يمكن إدخال هذه الدلالة في مجال إثبات وجود الله أيضًا، ومن الإذعان بالنقص والحاجة، يمكن إقامة دليل على الله. وجود هذه الأدلة في مجال معرفة النفس يفتح الطريق لمعرفة الله؛ وهي معرفة تم التأكيد عليها أيضًا.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
آل داود، علي، “ترجمة تفسير الطبري”، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج 15، بإشراف: كاظم موسوي بجنوردي، طهران: مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، 1387 هـ. ش.
الآمدي، عبد الواحد، غرر الحكم ودرر الكلم، قم: انتشارات تبليغات إسلامي، 1361 هـ. ش.
أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي، روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، تحقيق: محمد جعفر ياحقي، محمد مهدي ناصح، مشهد: مؤسسة البحوث في آستان قدس رضوي، 1408 هـ. ق.
ابن أبي الحديد، فخر الدين أبو حامد، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار إحياء الكتب العربية، قم: مكتبة آية الله المرعشي، 1387 هـ. ق.
ابن أبي جمهور الأحسائي، محمد بن زين الدين، عوالي اللآلئ، تحقيق: مجتبى عراقي، قم: سيد الشهداء، 1405 هـ. ق.
ابن حجر الهيتمي، أحمد بن محمد، الفتاوى الحديثية، بيجا: مصطفى الحلبي، أوفست بواسطة بيروت: دار المعرفة، دون تاريخ.
ابن عربي، محيي الدين، الرسالة الوجودية في معنى قوله صلى الله عليه وسلم “من عرف نفسه فقد عرف ربه”، ترجمة وتحقيق: عاصم الكيالي، بيروت: دار الكتب العلمية، 2004 م.
ابن عطية الأندلسي، عبد الحق بن غالب، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422 هـ. ق.
الإسفراييني، طاهر بن محمد، التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، تحقيق: كمال يوسف الحوت، بيروت: عالم الكتب، 1983 م.
البغوي، حسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1420 هـ. ق.
البلياني، عبد الله بن مسعود، في بيان معنى قول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، مكتبة المصطفى الإلكترونية www.al-mostafa.com.
باكتجي، أحمد، “تفسير”، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج 15، بإشراف: كاظم موسوي بجنوردي، طهران: مركز دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، 1387 هـ. ش.
التنكابني، سيد محمد مهدي، شرح حديث: «من عرف نفسه فقد عرف ربه»، تصحيح: مهدي مهريزي، مجلة ميراث حديث الشيعة، العدد 1، 1377 هـ. ش، صص 141-172.
الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم، الكشف والبيان عن تفسير القرآن الكريم، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1422 هـ. ق.
الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، 1990 م.
الخازن، علاء الدين علي بن محمد، لباب التأويل في معاني التنزيل، 4 مجلدات، تصحيح: محمد علي شاهين، بيروت: دار الكتب العلمية، 1415 هـ. ق.
خرمشاهي، بهاء الدين، دانشنامه قرآن وقرآن پژوهي، طهران: دوستان [و] ناهيد، 1377 هـ. ش.
الديلمي، أحمد، بحث في الطبيعة والحكمة في برهان النظم، قم: معاونية شؤون الأساتذة والدروس المعرفية، 1376 هـ. ش.
الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، 3 مجلدات، القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة السابعة، 2000 م.
الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد، تفسير الراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد عبد العزيز بسيوني، المملكة العربية السعودية: كلية الآداب – جامعة طنطا، 1420 هـ. ق.
ريبين، أندرو، “استعراض لتاريخ التفسير وكتابته”، ترجمة: مهرداد عباسي، بحوث قرآنية، العدد 35-36، خريف وشتاء 1382 هـ. ش، 200-225.
الزبيدي، محمد بن محمد، تاج العروس من جواهر القاموس، برنامج التفاسير الشامل، مركز الأبحاث الحاسوبية للعلوم الإسلامية، 1414 هـ. ق.
السبزواري، الحاج الملا هادي، شرح المنظومة، تصحيح وتعليق: حسن حسن زاده آملي، طهران: نشر ناب، 1369-1379 هـ. ش.
السلمي، عز الدين بن عبد السلام، حل الرموز ومفاتيح الكنوز، مصر: أحمد علي الشاذلي، حسين فهمي، مطبعة جريدة الإسلام، 1317 هـ. ق.
السلمي، محمد بن حسين، حقائق التفسير، تحقيق: نصر الله بورجوادي، طهران: مركز النشر الجامعي، 1369 هـ. ش.
السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد، تفسير القرآن، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الرياض: دار الوطن، 1418 هـ. ق.
السيوطي، جلال الدين، الحاوي للفتاوى في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون، تحقيق: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، بيروت: دار الكتب العلمية، 1421 هـ. ق.
القول الأشبه في حديث من عرف نفسه فقد عرف ربه، الحاوي للفتاوى في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإعراب وسائر الفنون، تحقيق: عبد اللطيف حسن عبد الرحمن، بيروت: دار الكتب العلمية، 1421 هـ. ق.
الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين، الطبعة الخامسة، 1417 هـ. ق.
الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، بمقدمة: محمد جواد بلاغي، طهران: انتشارات ناصر خسرو، الطبعة الثالثة، 1372 هـ. ش.
الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1412 هـ. ق.
الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بمقدمة الشيخ آغا بزرك الطهراني وتحقيق أحمد قصير العاملي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، دون تاريخ.
عبد الوهاب، ابن ميثم، شرح كلمات أمير المؤمنين، تصحيح وتعليق: مير جلال الدين حسيني أرموي محدث، قم: جامعة المدرسين بالحوزة العلمية، 1349 هـ. ش.
عقيقي بخشايشي، عبد الرحيم، “أدوار كتابة التفسير عند الشيعة، دراسة التحولات التاريخية والرؤى التفسيرية للشيعة في لقاء مع الأستاذ عقيقي بخشايشي”، گلستان قرآن، العدد 178، النصف الثاني من يوليو 1383 هـ. ش، 24-26.
علوي عاملي، سيد أحمد، المعارف الإلهية (شرح حديث من عرف نفسه)، مصحح: مهدي مهريزي، مجلة ميراث حديث الشيعة، العدد 12، 1383 هـ. ش، صص 11-30.
الفخر الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1420 هـ. ق.
الكاشفي، حسين واعظ، الرسالة العلية، طهران: مركز النشر العلمي والثقافي، الطبعة الثانية، 173، 1362 هـ. ش.
المترجمون، ترجمة تفسير الطبري، طهران: انتشارات توس، الطبعة الثانية، 1356 هـ. ش.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، دار إحياء التراث العربي، 1403 هـ. ق.
الملا صدرا، صدر الدين محمد بن إبراهيم، أسرار الآيات وأنوار البينات، رسالة متشابهات القرآن، بمقدمة وإشراف: سيد محمد خامنئي، تصحيح وتحقيق: مجموعة المصححين، طهران: مؤسسة الحكمة الإسلامية صدرا، 1389 هـ. ش.
الميبدي، رشيد الدين أحمد بن أبي سعد، كشف الأسرار وعدة الأبرار، تحقيق: علي أصغر حكمت، طهران: أمير كبير، الطبعة الخامسة، 1371 هـ. ش.